مختصر المزني - ت الداغستاني (المزني) القسم: الفقه الشافعي الكتاب: المختصر من علم الشافعي ومن معنى قوله المؤلف: أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني (ت ٢٦٤ هـ)تصحيح وتعليق: أبي عامر عبد الله شرف الدين الداغستانيومعه: مقدمات منهجية بين يدي المختصر للإمام المزنيوملحق: كتاب الأمر والنهي على معنى الشافعي رحمه الله من مسائل المزني رضي الله عنه، برواية أبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق عنه الناشر: دار مدارج للنشر - الرياض الطبعة: الأولى، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ معدد الأجزاء: ٢ (بالإضافة لجزء المقدمة)قدمه للشاملة: الناشر «دار مدارج»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
المختصر«مِنْ عِلْمِ الشّافعِيّ ومِن مَعْنى قَولِه»لأبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني (ت ٢٦٤ هـ)تَصْحيحُ وتَعْلِيقُأبي عامر عبد الله شَرَف الدّين الدّاغِسْتانيّالمجلد الأول
بسم الله الرحمن الرحيم[وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيبالحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلمحدثنا أبو إبراهيمَ، إسماعيلُ بنُ يحيى المزني قال(١):(١) اختصرتُ هذا من عِلْم الشافعي ومن معنى قولِه، لأقَرِّبَه على مَنْ أراده، مع إعلامِيهِ نَهْيَه عن تقليدِه وتقليدِ غيرِه، ليَنظُرَ فيه لدِينِه، ويحتاطَ لنَفْسِه، وبالله التوفيق.(١) ما بين المعقوفتين سياق جمعته من النسخ حسب استحساني، وهو خارج كلام المزني، وإنما زاده تلاميذُه أو نساخُ كتابه.
[١] باب الطهارة (١)(١) كذا في ظ ز ب، وكذلك هو في أصل س ثم حُول إلى «كتاب الطهارة».
(٢٠٠٥) فمن ذلك: أنّ كُلَّ مَنْ مَلَكَ زوجةً فليس عليه أن يُخَيِّرَها، وأمَرَ اللهُ جل ثناؤه رسولَه صلى الله عليه وسلم أن يُخَيِّرَ نِساءَه فاخْتَرْنَه.(٢٠٠٦) وقال: {لا يحل لك النساء من بعد} [الأحزاب: ٥٢]، قالت عائشة: «ما مات رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتّى أحِلَّ له النساءُ»، قال: كأنّها تَعْنِي اللاتي حُظِرْنَ عليه(١).(٢٠٠٧) وقال(٢): {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: ٥٠]، وقال الله عز وجل: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن} [الأحزاب: ٣٢]، فأبانَهُنّ به صلى الله عليه وسلم مِنْ نساءِ العالمين.(٢٠٠٨) وخَصَّه بأن جَعَلَه أوْلى بالمؤمنين مِنْ أنْفُسِهم، وأزْواجَه أمّهاتِهم، قال: أمّهاتُهم(٣) في مَعْنًى دون معنًى، وذلك لا يَحِلُّ نِكاحُهُنّ بحالٍ(٤)، ولم تَحْرُم بناتٌ لو كُنّ لهُنَّ(٥)؛ لأنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد زَوَّجَ بَناتِه وهُنّ أخَواتُ المؤمنين(٦).(١) كذا في ظ ز س، وفي ب: «حظرهن عليه».(٢) كذا في ظ، ويحتمل «قال الله» و «قال الشافعي»، وفي ز: «وقال تبارك تعالى»، ونحوه في ب س.(٣) كذا في ظ ب، وفي س: «قال: وأمهاتهم»، وفي ز: «وقال في أمهاتهم».(٤) كذا في ظ، وفي ب س: «وذلك أنه لا يحل … »، وفي ز: «وذلك لأنه لا يحل».(٥) كذا في ظ ز ب، وفي س: «ولا تحرم بناتهن على المؤمنين؛ لأنه … ».(٦) أراد الشافعي: أنهن وإن كن كالأمهات في تحريمهن فلسن كالأمهات في جميع أحكامهن؛ إذ لو كن كذلك لما زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدًا من بناته منهن؛ لأنهن أخوات المؤمنين، وقد زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعًا من بناته، قال الماوردي في «الحاوي» (٩/ ٢١): «إلا أن المزني نقل عن الشافعي ما زوج بناته وهن أخوات المؤمنين، فذهب أكثر أصحابنا إلى أنه غلطٌ منه في النقل، وأن الشافعي قال في (أحكام القرآن) من (الأم): (قد زوج بناته وهن غير أخوات المؤمنين)، فغلط في النقل، وذهب بعض أصحابنا إلى صحة نقل المزني، وأنه على معنى النفي والتقرير، ويكون تقديره: قد زوج بناته، أو يزوجهن وهن أخوات المؤمنين؟».
(٢) قال الشافعي: قال الله تبارك وتعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان: ٤٨](١)، ورُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر: «هو الطهورُ ماؤه، الحِلُّ مَيْتَتُه(٢)».(٣) قال الشافعي: فكلُّ ماءٍ، من بَحْرٍ، عَذْبٍ أو مالِحٍ(٣)، أو بِئرٍ، أو سَماءٍ، أو بَرَدٍ، أو ثَلْجٍ، مسخَّنٍ أو غيرِ مسخَّنٍ .. فسواءٌ، والتطهيرُ به جائزٌ.(٤) ولا أكره الماءَ المشَمَّسَ إلا من جهة الطب؛ لكراهيةِ عُمَرَ ذلك وقولِه: «إنّه يورث البَرَصَ».(٥) وما عدا ذلك(٤)، مِنْ ماءِ وَرْدٍ، أو شَجَرٍ، أو عَرَقٍ(٥)، أو ماءِ(١) «الطَّهُورُ»: جاء على مثال (فَعُول)، و (فَعُول) في كلام العرب ربَّما كان اسمًا؛ كقَوْلِنا: «سَحُور»، وربما كان نعتًا، فإذا كان كذلك كان على ضَرْبَيْن: نَعْتٌ لا يَتَعَدَّى مِنْ المَنْعوتِ إلى غيره، كقولنا: «نَؤوم»، ونَعْتٌ يتعدَّى، كقولِنا: «قَؤول»، وكذلك «الطَّهُور» من المياه: ما يتطهر به أو يطهر به ثوب وغيره، ومن هنا علم أنه طاهر في ذاته مطهِّر لغيره، والطاهر: الذي طهر بنفسه وإن لم يطهِّر غيرَه. «الزاهر» (ص: ٩٦) و «الحلية» (ص: ٣٣).(٢) «المَيْتَة» بفتح الميم: ما مات، وأما «المِيتَةُ» بكسر الميم فهو المَوْتُ نفسُه، والحديثُ بفتح الميم لا غيرُ، لأنه يريد الذي يموت في البحر مما عَيْشُه فيه. «الحلية» (ص: ٣٤).(٣) قال ابن فارس في «الحلية» (ص: ٣٤): «ليست «المالحُ» لَفْظَةَ الشافِعِيِّ، وإنما ذكَرَ الشافِعِيُّ «الْأُجاجَ»، و «المالحُ» في صِفَةِ الماءِ لفظةٌ ليست بالجَيِّدَةِ، إنما يُقال: (ماءٌ مِلْحٌ)»، ونقل البيهقي في «رسالته إلى أبي محمد الجويني» (ص: ٧٢) عن كتاب «المحيط» له أن أكثر أصحاب الشافعي يغلِّطون المزنيَّ في نقله هذه اللفظةَ عن الشافعي، ثم تعقبه البيهقي وأثبته عن الشافعي في كتابيه «أمالي الحج» و «المناسك الكبير»، قال ابن فارس: «على أن من أهلِ العلم مَنْ قد أجاز ذلك، احْتَجَّ بِقَوْلِ القائل وهو شعر قديم:ولو تفَلَتْ في البحرِ والبحرُ مالِحٌ .... لَأَصْبَحَ ماءُ البحرِ من ريقِها عَذْبَا».وانظر كتاب «الرد على الانتقاد على الشافعي في اللغة» للبيهقي (ص: ٣١).(٤) «ما عدا ذلك»: ما جاوز ذلك، والعرب تستثنى بـ «ما عدا» و «ما خلا» فتنصب بهما، فإذا حذفوا منهما «ما» خفضوا وفتحوا؛ كقولهم: (جاءني القوم عدا زيدٍ) و (عدا زيدًا)، و (خلا زيدٍ) و (خلا زيدًا). «الزاهر» (ص: ٩٨).(٥) «العَرَق»: قال النووي في «المجموع» (١/ ١٤٥): «اختلف أصحابنا في ضبط قوله: (عرق)، فقيل: هو بفتح العين والراء، وهو عرق الحيوان، وقيل: بفتح العين وإسكان الراء، وهو المعتصر من كَرِش البعير، وقد نص على هذا في «الأم»، وقيل: بكسر العين وإسكان الراء، وهو عرق الشجر، أي: المعتصر منه»، قال: «والأول: أصح، والثالث: ضعيف؛ لأنه عطفه على الشجر، والثاني: فيه بعد؛ لأنه نجس، لا يخفى امتناع الطهارة به، فلا يحتاج إلى بيان».
زعفرانٍ، أو عُصْفُرٍ، أو نبيذٍ، أو ماءٍ بُلَّ فيه خبزٌ، أو غير ذلك، مما لا يقع عليه اسمُ ماءٍ مطلقٍ حتى يضافَ إلى ما خالطه أو خَرَج منه .. فلا يجوز التطهير به.
(١) باب الآنية من الجلود والذهب والفضة (١)(٦) قال الشافعي: ويتوضَّأ في جُلودِ الميتَةِ إذا دُبِغَتْ، واحْتَجَّ بقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «أيُّما إهابٍ دُبِغَ فَقَد طَهُرَ»(٢)، قال: وكذلك جلود ما لا يُؤكَلُ لحْمُه مِنْ السباعِ إذا دُبِغَت، إلا جلدَ كلبٍ أو خنزيرٍ؛ لأنهما نَجِسَانِ وهما حَيّانِ.(٧) قال: ولا يَطْهُر بالدباغ إلا الإهابُ وَحْدَه، ولو كان الصوف والشعر والريش لا يموتُ بموتِ ذواتِ الروحِ، أو كان يَطهُر بالدباغ .. كان ذلك في قرن الميتة وسِنِّها، وجاز في عَظْمِها(٣)؛ لأنه قبل الدِّباغِ وبَعْدَه سواءٌ(٤).(١) قوله: «من الجلود والذهب والفضة» من ز س.(٢) «الإهابُ»: كلّ جِلْدٍ، كان لحمُه ممَّا يُؤْكَلُ أو لا يُؤكلُ، ورُوِيَ عن ناسٍ أنَّ الإهابَ لا يكونُ إلاَّ قبلَ أن يُدْبَغَ. «الزاهر» (ص: ٩٩) و «الحلية» (ص: ٣٦).(٣) كذا في ظ ب، وفي ز س: «وجاز ذلك في عظمها».(٤) مقتضى هذا النص عن الشافعي نجاسة ما عدا الإهاب من شعر الميتة ووبرها وصوفها، ثم عدم طهارتها بالدباغ، وهو نقل الربيع عن الشافعي، وقد خولف في المسألتين.أما الأولى .. فروى إبراهيم بن محمد البَلَدِيّ عن المزني عن الشافعى أنه رجع عن تنجيس شعر بني آدم، هكذا حكاه عنه الماوردي في «الحاوي» (١/ ٦٦) والقاضي الحسين في «التعليقة» (١/ ٢١٨)، وحكاه عنه إمام الحرمين في «النهاية» (١/ ٣٠) عامًّا في الشعور كلها.ويؤيد هذه الروايةَ أن محمد بن عبدالله بن أبي جعفر قال: سمعت ابن أبي هريرة يقول: سمعت ابن سريج يقول: سمعت أبا القاسم الأنماطي يقول: إن أبا إبراهيم المزني قال: سمعت الشافعي يقول قبل وفاته بشهر: إن الشعر لا يموت بموت ذات الروح»، قال التاج السبكي في «الطبقات» (٢/ ٢٥٥): «فقد تابع الأنماطيُّ البلديَّ»، قال: «وهذه متابعة جيدة، لم أجد فى الباب مثلها».وأما الثانية .. فذكر الماوردي عن الربيع بن سليمان الجيزي عن الشافعي: «إن الشعر تابع للجلد، ينجس بنجاسته، ويطهر بطهارته».وبناءً على هذه الروايات قطع إمام الحرمين بجعل المسألتين على قولين، وبه اتبع الرافعي والنووي، وقالوا بأن الأظهر القول بنجاسته أصلا وتبعا، وقال الماوردي: «اختلف أصحابنا في هذه الحكايات الثلاث التي شذت عن الجمهور وخالفت المسطور، فكان بعضهم يجعلها قولا ثانيا للشافعي في الشعر أنه طاهر لا ينجس بالموت ولا يحله روح، وامتنع جمهورهم من تخريجها قولا للشافعي؛ لمخالفتها نصوص كتبه، وما تواتر به النقل الصحيح عن أصحابه».قلت: ذكر القاضي الحسين في «التعليقة» عن البيهقي أن الشافعي قال في «الجامع» و «كتاب الديات»: «إن الشعر لا روح فيه»، ومقتضاه طهارته على موافقة الروايات السابقة، والله أعلم. وانظر «العزيز» (١/ ٣٥٧) و «الروضة» (١/ ٤٣).
(٨) قال: ولا يَدَّهِنُ في عَظْمِ فِيلٍ، واحْتَجَّ بكراهية ابن عمرَ لذلك(١).(٩) قال الشافعي: فأما جِلْدُ كُلِّ ذَكِيٍّ يُؤكَلُ لحمُه .. فلا بأس بالوضوء فيه وإن لم يُدبَغ.(١٠) قال: ولا أكْرَهُ مِنْ الآنِيَةِ إلا الذَّهبَ والفضَّةَ؛ لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «الذِي يَشْرَبُ في آنية الفِضَّةِ إنما يُجَرْجِر في جَوْفِه(٢) نارُ جهنَّم»(٣).(١١) قال: [وأكره المضبَّب(٤) بالفضة؛ لئلا يكون شاربا على فضة.(١) وإنما خص الشافعي عظم الفيل بالذكر وإن كان داخلا في عموم ما بيَّنَه من عظم ما لا يؤكل لحمه؛ للخلاف فيه، وكثرة الاستعمال له. انظر «الحاوي» للماوردي (١/ ٧٥).(٢) «الجَرْجَرَةُ»: حكاية صوت تجرع الماء في الحلق. «الزاهر» (ص: ١٠٠) و «الحلية» (ص: ٣٧).(٣) قال إمام الحرمين في «النهاية» (١/ ٣٨): «قد ذكر الشافعي الكراهيةَ، وأراد به التحريمَ، وهو يعتاد ذلك كثيرًا، والدليل على التحريم: الوعيد المنقول عن النبي عليه السلام، وحكى العراقيون قولًا للشافعي في أن استعمالَها مكروه غيرُ محرم، ولم يعرِف المراوزة ذلك»، لكن الرافعي والنووي مشيا على إثبات هذا القول، وجعلاه من القديم، قال الرافعي: «لأن جهة المنع ما فيه من السرف والخيلاء وانكسار قلوب المساكين، ومثل هذا لا يقتضي التحريم»، والجديد التحريم لما رتب عليه من الوعيد، قال النووي: «وهو المشهور، وقطع به جماعة». وانظر «العزيز» (١/ ٣٦١) و «الروضة» (١/ ٤٤).(٤) ما بين المعقوفتين من ز س، وفي ب: «وأكره ما ضبب»، وفي ظ: «ولا أكره ما ضبب»، و «المضبب» بالفضه من الأقداح: الذي أصابه صدع - أي: شق - فسويت له كتيفة عريضة من الفضه فأحكم الصدع بها، والكتيفه يقال لها: الضبة. «الزاهر» (ص: ١٠١).
(١٢) قال: ولا بأس بالوضوء من ماء مُشرِكٍ، وبفَضْلِ وَضوئِه، ما لم تُعلَم نجاسةٌ؛ توضَّأ عمرُ من ماءٍ في جَرِّ نصرانيةٍ(١).(١) «الجَرُّ»: سُلاخَةُ عُرْقوبِ البعيرِ، يُجْعَلُ ذلك وعاءً، فرُبَّما عُلِّقَ على الجمل. «الحلية» (ص: ٣٨).
(٢) باب السواك(١٣) قال الشافعي: وأحِبُّ السواكَ للصلواتِ عند كلِّ حالٍ تَغَيَّرُ فيه الفمُ، الاستيقاظِ من النوم، والأَزْمِ(١)، وكلِّ ما يُغَيِّرُ الفمَ(٢)؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»(٣)، قال الشافعي: ولو كان واجبًا .. لأمرهم به، شقَّ أو لم يَشُقَّ.(١) «الأزم»: مخفوض بالعطف على الاستيقاظ، لأنه بدل من قوله: «كل حال»، ثم قال: «الاستيقاظ»؛ أي: عند الاستيقاظ من النوم، «والأزم»: وهو الإمساك عن الطعام والشراب. «الزاهر» (ص: ١٠٢).(٢) كذا في النسخ، وأشار الرُّوياني في «البحر» (١/ ٦٩) إلى نسخة أخرى فيها: «وأكل ما يغير الفم»، قال: «ولفظ الشافعي: (وأكل ما يغير الفم)، فصحف الأكل بالكل، وهذا يوهم أنه إذا تغير فمه عند الصوم بالخلوف يستاك، وهذا ليس بمذهب، وفيما قاله الشافعي احتراز عن هذا».(٣) زاد في ز: «قال المزني: قال الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم … بذلك».وجاء في هامش س: «قال الإمام الشافعي رضوان الله عليه في «الأم» (١/ ٢٠): «أنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لولا أن أشق على أمتي .. لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء، وبتأخير العشاء»، قال شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني: وقع في النسخة الجاولية هكذا: «عند كل وضوء»، وليس هذا في رواية سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، فقد رواه مسلم (٢٥٢) عن قتيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب، وأبو داود (٤٦) عن قتيبة، والنسائي (٧ و ٥٣٤) عن قتيبة ومحمد بن منصور، وابن ماجه (٦٩٠) عن هشام بن عمار، فلم يذكر أحد منهم: «عند كل وضوء»، وإنما رواه الجميع: «عند كل صلاة»، إلا ما كان من هشام بن عمار، فإنه لم يرو إلا قصة تأخير العشاء، وإنما رواية: «عند كل وضوء» في رواية حرملة، عن الشافعي، عن مالك، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، والظاهر أن الواقع في هذه النسخة سهو».قلت: انظر حديث حرملة عند البيهقي في «بيان خطأ من أخطأ على الشافعي» (ص: ١٠٧).
(٣) باب نية الوضوء (١)(١٤) قال الشافعي: ولا تُجزئ طهارةٌ مِنْ غُسلٍ، ولا وضوءٍ، ولا تيممٍ، إلا بنيةٍ، واحتَجَّ على مَنْ أجاز الوضوءَ بغيْرِ نِيَّةٍ بقولِه: لا يجوز التيمم بغير نية، وهما طهارتان، فكيف يفترقان؟!(١٥) قال: وإذا توضأ لنافلةٍ، أو لقراءة مصحفٍ، أو لجنازةٍ، أو لسجود قرآنٍ .. أجزأه أن يُصَلِّي(٢) به فريضةً.(١٦) قال: وإن نوى فتوضأ، ثم عزَبَت نيتُه(٣) .. أجزأته نية واحدة، ما لم يُحدِثْ نيةَ أن يَتَبرَّدَ أو يتنظفَ بالماء، فيعيدُ ما كان غَسَلَه لتبردٍ أو لتنَظُّفٍ.(١) أصل «النية» مأخوذ من قولك: (نويت بلد كذا)؛ أي: عزمت بقلبي قصده، ويقال للموضع الذي يقصده: «نية» بتشديد الياء وبتخفيفها، (وانتويت موضع كذا)؛ أي: قصدته للنجعه، فالنية: عزم القلب على عمل من الاعمال فرض أو غيره، وأصل الوُضوء مِنْ النَّظافة، والوَضاءةُ: الحُسْنُ والنَّظافة، والوَضوء بفتح الواو: الماءُ، وبضم الواو: فِعْلُ المُتَوَضِّاءِ. «الزاهر» (ص: ١٠٣) و «الحلية» (ص: ٤٠).(٢) في ب: «وإن صلى».(٣) «العزوب»: الغيبة. «الحلية» (ص: ٤١).
(٤) باب سنة الوضوء (١)(١٧) قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا استَيْقَظ أحدُكم مِنْ نَوْمِه .. فلا يَغْمِسْ يدَه في الإناءِ حتى يَغْسِلَها ثلاثًا؛ فإنّه لا يَدْرِي أين باتَتْ يدُه منه».قال المزني: أشكُّ في «ثلاث»(٢).(١٨) قال الشافعي: فإذا قام الرجل إلى الصلاة من نومٍ، أو كان غيرَ متوضِّئٍ .. فأحِبُّ أن يُسَمِّيَ الله، ثم يُفْرِغُ من إنائه على يديه ويغسلهما ثلاثا، ثم يُدخِلُ يدَه اليمنى في الإناء، فيَغْرِفُ غُرْفَةً لفِيهِ وأنفِه(٣)،(١) زاد في س مصححًا: «وما جاء فيه».(٢) قول المزني من ب، وهو في س عقب قوله: «حتى يغسلها ثلاثًا» في الحديث.(٣) «الغَرْفة» بفتح الغين: أن يغرف الماء بكفه مجموعة الأصابع مرة واحدة، وبالضم: الماء المحمول بالكف. «الزاهر» (١٠٤).ثم إن المزني ذكر أنه يقتصر على غَرْفةٍ واحدة للمضمضة والاستنشاق، ومثله عن الربيع، ونقل البويطي عن الشافعي أنه يغرف غَرْفةً لفيه وغَرْفةً لأنفه. قال إمام الحرمين في «النهاية» (١/ ٦٦): «فاختلف أئمتنا، فقال بعضهم: في المسألة قولان:أحدهما: الأوْلى الاقتصارُ على غُرْفةٍ واحدة، توقِّيًا من السَّرَف في استعمال الماء؛ إذ هما كشيء واحد.والثاني: أنه يأخذ غُرفتين؛ فإن المضمضة والاستنشاق سنتان مُتعلقتان بعضوين.وقال بعض الأئمة: ما نقله المُزني محمولٌ على الأقل، وما نقله البويطي محمول على الأكمل».وقال النووي في زيادات «الروضة» (١/ ٥٩): «المذهب: أن الجمع بثلاث غرفات أفضل، كذا قاله جماعة من المحققين، والأحاديث الصحيحة مصرِّحة به».
ويَتَمَضْمَضُ ويَسْتَنْشِق ثلاثا، ويَبْلُغُ خَياشِيمَه الماءَ(١)، إلا أن يكون صائمًا فيَرْفُقُ، ثم يَغْرِفُ الماءَ بيَدَيْه، فيَغْسِلُ وجْهَه ثلاثًا، من مَنابِتِ شَعْرِ رأسِه إلى أصولِ أذُنَيْه، ومنتهى اللِّحْيَة إلى ما أقْبَلَ مِنْ وَجْهِه وذَقَنِه(٢)، فإن كان أمرَدَ .. غَسَلَ بَشَرَةَ وَجْهِه كلَّها، وإن نَبَتَتْ لحيتُه وعارِضاهُ .. أفاضَ الماءَ على لحيتِه وعارِضَيْه(٣)، وإن لم يصل الماء إلى بشرة وجهه التي تحت الشعر .. أجزأه إذا كان شَعْرُه كثيرًا(٤)، ثم يغسل ذراعه اليمنى إلى المِرْفَق(٥)، ثم اليسرى مثل ذلك، ويُدخِل المرفقين في الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، وإن كان أقْطَعَ اليدَيْنِ .. غَسَلَ ما بقِيَ منهما إلى المرفقين، فإن كان أقْطَعَهُما مِنْ المرفقين .. فلا فَرْضَ عليه فيهما، وأحِبُّ أن لو أمَسَّ مَوْضِعَهما الماءَ(٦)،(١) «المَضْمَضَةُ»: مِنْ قَوْلِكَ: (مَضَّنِي الْأَمْرُ ومَضْمَضَني): إذا أَضْغَطَكَ واشْتَدَّ عليك، فكذلك الأخْذُ للماءِ في فَمِهِ يُضْغِطُه، و «الاسْتِنْشاق»: مِنْ (نَشَقْتُ الرائحةَ): إذا أَدْخَلْتَها في أَنْفِك، وقد يُدْعى الاستنشاقُ استنثارًا؛ لأنه مِنْ إدْخالِ الماءِ في النَّثْرَةِ، والنَّثْرَةُ: هي الأنْفُ، و «الخَياشيمُ»: جمع خَيْشوم، وهي أَعالِي الْأَنْفِ، وقد يُسَمَّى الْأَنْفُ كلّه خَيْشومًا، والذي أرادَه الشافِعيُّ الأوَّلُ. «الحلية» (٤٣).(٢) هذا مأخوذٌ على المزني؛ فإنه تعرّض لحد وجوه الملتحين، والغرض: حدُّ الوجوه كلها، والشافعي قال في رواية الربيع: «حد الوجه من منابت شعر الرأس إلى أصول الأذنين، ومنتهى اللَّحْيَيْنِ». انظر: «الحاوي» للماوردي (١/ ١٠٧)، و «النهاية» لإمام الحرمين (١/ ٦٨).(٣) «الإفاضة» في اصطلاح الأئمة المتقدمين إذا استُعمل في الشَّعر: إمرار الماء على الظاهر، وإذا أرادوا إمراره على الظاهر مع الإدخال في الباطن استعملوا لفظ «الغَسْل». انظر: «العزيز» للرافعي (١/ ٤٠٢).(٤) في ظ: «كثيفًا»، والمثبت من سائر النسخ.(٥) «المِرْفَق»: ما جاوز إبرة الذراع التي من عندها يُذرَع الذراع، وفيه لغتان: كسر الميم مع فتح الفاء، وفتح الميم مع كسر الفاء. «الزاهر» (ص: ١٠٤).(٦) ظاهر ما نقله المزني: أنه لا يجب غسل ذلك، وروى الربيع عن الشافعي أنه قال: «فإن كان أَقْطَعَهما فوق المرفقين .. فلا فرض عليه فيهما»، ونقل أنه يجب غسل ما بقي من المرفق إذا قطع منه، ومن هنا ظهر للأصحاب طريقان: =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .فمن أصحابنا من قطع بالوجوب، ثم اختلفوا:فكان أبو إسحاق المروزي يقول: هذا غلط من المزني، أو سهو في النقل؛ لأنه إذا كان أقطع الذراعين من المرفقين لزمه غسل المرفقين، ولم يسقط عنه الفرض فيهما.وقال أبو علي بن أبي هريرة: جواب المزني صواب، ونَقلُه صحيح، وإنما غُلِط عليه في التأويل، ومراده بقوله: «من المرفقين»؛ أي: من فوق المرفقين، فحذف ذلك اختصارًا، واكتفى بفهم السامع.ومن أصحابنا من جعل المسألة على قولين:أحدهما - وهو القديم ومنقول المزني -: أنه لا يجب غَسْل الباقي؛ لأن الغرض بغَسل المرفق ما فيه من عظم الساعد، وهو المقصود بالغَسل، ولكن لا يتأتى غسلُ ما يحاذيه من البَشرة إلا بغسل جميع المرفق، فإذا سقط عَظمُ الساعد، فقد سقَط المقصود، فسقط التابع.والثاني - الجديد ومنقول الربيع -: أنه يجب.قال إمام الحرمين: «والوجه: القطع بإيجاب غسل ما بقي». وقال النووي بأنه المذهب.انظر: «الحاوي» للماوردي (١/ ١١٣)، و «النهاية» لإمام الحرمين (١/ ٧٦)، و «العزيز» للرافعي (١/ ٤٠٥)، و «الروضة» (١/ ٥٢)، و «المجموع» (١/ ٤٢٧).فائدة: ورد في هامش س ما نصه: «قال شيخ الإسلام سراج الدين في «ترتيب الأم»: نقل جمع من الأصحاب عن نص «الأم»: أنه إذا نبتت يد زائدة من العضد أو الكتف، وحاذى منها شيء محل الفرض .. أن المحاذِيَ وحده يجب غسله، دون ما فوقه.قال: وهذا الذي نقلوه عن نص «الأم» لم أقف عليه، ونقله آخرون عن النص من غير نسبة إلى «الأم»، واعتمد عليه جمع كثير من الأصحاب، وفي المسألة وجه آخر: أنه لا يجب غسل شيء من هذه اليد النابتة في غير محل الفرض، وصار إلى اختياره جماعة، والمعتمد في المذهب الأول.وعندي وجه آخر، وهو أنه يجب غسل هذه اليد مع مرفقيها وإن لم يحاذ شيء منها الأصلية؛ لدخوله في قول الله تعالى: (وأيديكم إلى المرافق)، والنادر يدخل في هذا الخطاب، وقد جزموا فيمن خُلق له وجهان بأنه يجب غسلهما، فكذلك صاحب اليدين، وإن تميزت الزائدة من الأصلية، فنبتت الزائدة في غير محل الفرض، ونصوص الشافعي في «الأم» وغيرها في إيجاب غسل اليدين قد تشهد (لقدم) إيجاب غسل اليد الزائدة النابتة في غير محل الفرض، وقد يقال: إنما ذكر ذلك على الغالب، فإذا جاء النادر غُسل كالغالب، فيستشهد به لما قلنا.وأما إذا لم تتميز الزائدة من الأصلية .. فإنه يجب غسلهما للاحتياط، فليس إحداهما أولى من الأخرى.وأما اليد النابتة في محل الفرض، فاتفقوا على إيجاب غسلها كلها، سواء جاوزت الأصلية أم لم تجاوز، وقضية هذا: أن يغسلها بعضدها لو كان فيها مرفق وعضد، وعندي: إذا كان لها مرفق وعضد لا يجب غسل ما فوق المرفق، فإن قيل: هي نابتة في محل الفرض فيغسل كلها .. قلنا: إنما أمر الله تعالى بغسل اليد مع المرفق، وما فوق ذلك لا يجب غسله في الأصل، فكيف يجب في الزائدة؟! قال: ولم أرَ من تعرض لذلك».انتهى كلام البلقيني، والكلمة بين القوسين هكذا قرأتها: (لقدم).