التدريب في الفقه الشافعي (سراج الدين البلقيني) القسم: الفقه الشافعي الكتاب: التدريب في الفقه الشافعي المسمى بـ «تدريب المبتدي وتهذيب المنتهي»ومعه «تتمة التدريب» لعلم الدين صالح ابن الشيخ سراج الدين البلقيني - رحمه الله -[وتبدأ التتمة من كتاب النفقات إلى آخر الكتاب]المؤلف: سراج الدين أبي حفص عمر بن رسلان البلقيني الشافعيحققه وعلق عليه: أبو يعقوب نشأت بن كمال المصري الناشر: دار القبلتين، الرياض - المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ معدد الأجزاء: ٤أعده للشاملة: فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
التدريب في الفقه الشافعي - جـ ١التدريب في الفقه الشافعيالمسمى بـ «تدريب المبتدي وتهذيب المنتهي» تصنيفالإمام الفقيه الكبير سراج الدين أبي حفص عمر بن رسلان البلقيني الشافعي - رحمه الله تعالى - ومعه«تتمة التدريب»لعلم الدين صالح ابن الشيخ سراج الدين البلقيني رحمه الله حققه وعلق عليهأبو يعقوب نشأت بن كمال المصري [الجزء الأول]
جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَةالطبعة الأولى١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م دَار الْقبْلَتَيْنِالمملكة الْعَرَبيَّة السعودية - الرياضجوال: ٠٥٠٦٦٣٩٣٨٠ - تليفاكس: ٠١٤٤٩٧٢١٦
بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة التحقيقإن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخاتم رسله وخليله.{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: ١٠٢].{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: ١].{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [الأحزاب: ٧٠].
أما بعد:فإن أصدق الحديث كلام اللَّه، وخير الهدي هدي محمَّد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.وبعد:فهذا كتاب "تدريب المبتدي وتهذيب المنتهي" في الفقه الشافعي، أتشرف بتقديمه اليوم إلى طلاب العلم عمومًا والمهتمين بالفقه الشافعي خصوصًا.وتأتي أهمية هذا الكتاب من كونه قد عرض الفقه الشافعي على طريقة مبتكرة جديدة لم يسبق إليها البلقيني إلا ما كان من المحاملي في كتابه "اللباب" ولكن كتاب المحاملي مختصر جدًّا، مما أدى إلى تركه لكثير من المسائل والفروع التي نبَّه عليها البلقينيُّ رحمه الله.وكذلك تأتي أهمية هذا الكتاب من كون مؤلفه هو الإِمام سراج الدين البلقينيُّ، وهو علمٌ من أعلامِ الفقه الشافعي، فقد رحل إليه طلَّاب العلم من أقطار مصر المختلفة، وكان أحفظ الناس لمذهب الشافعي، واشتهر بذلك مع وجود مشايخه، وقد اعترفوا بفضله، وتصدَّى للإفتاء والتدريس والتعليم، حتى صارَ معول الناس عليه، وكان صحيح الحفظ قليل النسيان، صاحب اختيارات في المذهب.والجدير بالذكر أنَّه كان كثير التصنيف؛ مما أدَّى إلى أنه لم يكمل بعض كتبه ككتابه "التدريب" ومع هذا صنَّف له مختصرًا وهو "التأديب في مختصر التدريب"، وقد أكمل أحد أبنائه كتاب أبيه التدريب، وهو علم الدين صالح البلقيني، وسماه "تتمة التدريب" ولم أر هذه التتمة إلَّا في النسخة الأزهرية فقط، وتبدأ هذه التتمة من كتاب النفقات إلى آخر الكتاب.فالحمد للَّه على توفيقه وعونه، وأسأله تعالى القبول في الدنيا والآخرة.وقد قدمت لهذا الكتاب بمقدمةٍ تشتملُ على عناصر، وهي كما يلي:١ - أهمية الفقه الإِسلامي.
٢ - نشأة المذهب الشافعي وتطوره وأبرز علمائه.٣ - دراسة كتاب التدريب، وتشتمل على:أ - ترجمة المصنف.ب - اسم الكتاب وأصله.جـ - صحة نسبة الكتاب لمصنفه.د - قيمة الكتاب العلمية.هـ - منهج تحقيق الكتاب.و- وصف النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق وصورها.* * *
(١) مقدمة عن علم الفقه وأهميته ما هو الفقه؟أولًا الفقه في اللغة: الفهم. قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: ٤٤]. وقال تعالى: {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: ٧٨]. وقال ابن القيم الفقه: فهم المعنى المراد. قال تعالى: {قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} [هود: ٩١]. وقيل الفقه: الفهم الدقيق. قال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "اللهم فقهه في الدين" متفق عليه. فلا تقول فقهت أن الاثنين أكثر من الواحد.ثانيًا الفقه في الاصطلاح: معرفة الأحكام الشرعية العملية بأدلتها التفصيلية.كيف نشأ الفقه؟نشأ الفقه من نزول الشرع على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وتعليمه للصحابة، وحث المستمعين على التبليغ فرُبَّ مبلغ أوعى من سامع ورُب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثم كان الصحابة يأتون فيسألون النبي صلى الله عليه وسلم فيجبهم، وكذا كان الصحابة والتابعون يسألون العلماء فيجيبونهم، وقد برز من الصحابة زيد بن ثابت وابن عباس وابن مسعود وعائشة وغيرهم.ثم برزت ظاهرة في عصر التابعين، وهي ظهور فقهاء في مدينة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وعددهم سبعة، وهم: عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد بن أبي بكر وسعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة وسليمان بن يسار وخارجة بن زيد.ثم برز الأئمة الأربعة: أبو حنيفة النعمان، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل الشيباني.وقد نشأت مدرستان في الفقه، وهما مدرسة الحجاز أهل الحديث، ومدرسة
الكوفة أهل الرأي.أما مدرسة الحجاز فقد أخذت عن زيد بن ثابت وعبد اللَّه بن عمر ثم سعيد بن المسيب وسالم بن عبد اللَّه بن عمر والقاسم بن محمد، ومن أئمتها الإِمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد.أما مدرسة الكوفة فقد أخذت عن عمر بن الخطاب وعبد اللَّه بن مسعود ثم إبراهيم النخعي، ومن أئمتها الإِمام أبو حنيفة. أهمية علم الفقه:إن معرفة الفقه الإِسلامي وأدلة الأحكام، ومعرفة فقهاء الإِسلام الذين يرجع إليهم في هذا الباب -من الأمور المهمة التي ينبغي لأهل العلم العناية بها، وإيضاحها للناس؛ لأن اللَّه سبحانه خلق الثقلين لعبادته، ولا يمكن أن تعرف هذه العبادة إلا بمعرفة الفقه الإِسلامي وأدلته، وأحكام الإِسلام وأدلته، ولا يكون ذلك إلا بمعرفة العلماء الذين يعتمد عليهم في هذا الباب من أئمة الحديث والفقه الإِسلامي.فعلم الفقه هو الذي يعرفك الحلال فتفعله والحرام فتجتنبه، وهو العلم الذي يرشدك إلى شروط صحة العبادات لكي تحققها، وهوالعلم الذي يرشدك إلى مبطلات العبادات فتتجنبها، وهو العلم الذي يبين لك المعاملات الصحيحة من الباطلة، وهو العلم الذي يبين لك الأحكام الشرعية المتعلقة بأحكام الأسرة والأحوال الشخصية، وهو العلم الذي يوضح لك أحكام الأطعمة والذبائح والصيد ما يحل منها وما يحرم، وهو العلم الذي يوضح لك أحكام الأيمان وما يكَفر منها وما لا كفارة له، هو العلم الذي يوضح لك أحكام الجنايات والديات والحدود التي حدها اللَّه تبارك وتعالى، وهو العلم الذي يبين لك كيف تحكم بين الناس في المنازعات والخصومات، وهو العلم الذي يعرفك كيف توزع المواريث توزيعًا شرعيًّا عادلًا.
والفقه في الدين: هو الفقه في كتاب اللَّه عز وجل، والفقه في سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهو الفقه في الإِسلام، من جهة أصل الشريعة، ومن جهة أحكام اللَّه التي أمرنا بها، ومن جهة ما نهانا عنه سبحانه وتعالى، ومن جهة البصيرة بما يجب على العبد من حق اللَّه وحق عباده، ومن جهة خشية اللَّه وتعظيمه ومراقبته، فإن رأس العلم خشية اللَّه سبحانه وتعالى، وتعظيم حرماته، ومراقبته عز وجل فيما يأتي العبد ويذر.وبما ذكرنا يعرف المؤمن فضل فقهاء الإِسلام، وأنهم قد أوتوا خيرًا كثيرًا، وقد فازوا بحظ عظيم من أسباب السعادة وطرق الهداية؛ لأن العلم النافع من أسباب الهداية، ومن حرم العلم حرم خيرًا كثيرًا، ومن رزق العلم النافع فقد رزق أسباب السعادة، إذا عمل بذلك واتقى اللَّه في ذلك.وعلى رأس العلماء بعد الرسل أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، فإفهم هم الفقهاء على الكمال، الذين تلقوا العلم عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وتفقهوا في كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ونقلوا ذلك إلى من بعدهم غضًّا طريًّا، تفقهوا وعملوا، ونقلوا العلم إلى من بعدهم من التابعين، نقلوا كتاب اللَّه إلى من بعدهم لفظًا وتفسيرًا وقراءة إلى غير ذلك، ونقلوا إلى من بعدهم أيضًا ما بينه لهم نبيهم عليه الصلاة والسلام من معنى كلام اللَّه عز وجل، ونقلوا أيضًا لمن بعدهم أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي سمعوها منه، والتي رأوها منه عليه الصلاة والسلام، والتي أقرهم عليها، نقلوها إلى من بعدهم بغاية الأمانة والصدق، نقلوها إلى الأمة بواسطة الثقات من التابعين، حتى نقلت إلينا بالطرق المحفوظة الثابتة التي لا يتطرق إليها الشك، نقلها الثقات عن الثقات، والثقات عن الثقات، حتى وصلت إلى هذا القرن وما بعد.وهذا من إقامة الحجة من اللَّه عز وجل على عباده، فإن نقل العلم من طرق الثقات عن الرسول صلى الله عليه وسلم ثم عن الصحابة إلى من بعدهم، إقامة للحجة، وإيضاح للمحجة، ودعوة إلى الحق، وتحذير من الباطل، وتبصير للعباد بما خلقوا له من عبادة اللَّه وطاعته جل وعلا.
وبهذا يعلم أن لهم من الحق على من بعدهم: الدعاء لهم بالرحمة والمغفرة والرضا، والحرص على الاستفادة من علومهم، وما جمعوه وألفوه من العلوم النافعة، فإنهم سبقوا إلى خير عظيم، وإلى علم جم، سبقوا إلى الفقه في كتاب اللَّه، وإلى الفقه في سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ونقلوا إلينا ما وصل إليهم من علم باللَّه، وبكتابه، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.فوجب علينا أن نعرف لهم قدرهم، وأن نشكرهم على علمهم العظيم، وعلى ما قاموا به من حفظ رسالة اللَّه وتفقيه الناس في دين اللَّه، وأن نستعين بما دونوه، وخلفوه من الكتب المفيدة والعلوم النافعة، حتى نعرف بذلك معاني كلام اللَّه، ومعاني كلام رسوله عليه الصلاة والسلام.وإن من أعظم الفائدة، ومن أكبر الخير الذي نقلوه إلينا أن حفظوا علينا سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، ونقلوها إلينا طرية غضة سليمة محفوظة، وفيها تفسير كتاب اللَّه، وفيها بيان ما أجمل في كتاب اللَّه، وفيها بيان الأحكام التي جاء بها الوحي الثاني إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهو الوحي من اللَّه له إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو السنة المطهرة، فإن اللَّه جل وعلا أعطى نبيه صلى الله عليه وسلم القرآن ومثله معه، كما قال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه فعلى أهل العلم أن ينقلوا ما جاءت به السنة، وأن يوضحوا ذلك للناس، وأن يرشدوهم إلى معاني كلام ربهم وسنة نبيهم عليه الصلاة والسلام، في الخطب والمواعظ والدروس وحلقات العلم، وغير هذا من أسباب التوجيه والتعليم والإرشاد.ولهذا ارتحل العلماء إلى الأمصار، واتصلوا بالعلماء في كل قطر؛ للفائدة والعلم، ففي عهد الصحابة سافر بعض الصحابة من المدينة إلى مصر والشام، وإلى العراق واليمن، وإلى غير ذلك، للفائدة ولنقل العلم، فتجد الصحابة رضي الله عنهم -وهم أفضل الناس بعد الأنبياء- ينتقلون من بلاد إلى بلاد، ليسألوا عن سنة من من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فاتتهم ولم يحفظوها، فبلغهم ذلك عن صحابي آخر فيسافر أحدهم إليه؛ ليسمع ذلك منه، ولينتفع بذلك، ولينقله إلى غيره من إخوانه في اللَّه التابعين لهم
بإحسان.ثم جاء العلماء بعدهم من التابعين، هكذا فعلوا، ارتحلوا في العلم، وساروا في طلب العلم، وتبصروا في دين اللَّه، وتفقهوا على الصحابة وسألوهم رضي الله عنهم وأرضاهم- عما أشكل عليهم، وعملوا بذلك، ثم نقلوا ذلك إلى من بعدهم من أتباع التابعين رواية ودراية، ثم هكذا أتباع التابعين نقلوه لمن بعدهم، ثم ألفوا كتبا عظيمة في الحديث والتفسير واللغة العربية. . . وغير هذا من أنواع العلوم الشرعية، حتى بصروا الناس، وحتى أرشدوا إلى الطريق السوي، وحتى علموهم القواعد الشرعية التي بها يعرف كتاب اللَّه، وبها تعلم معانيه، وبها تحفظ السنة، وبها تعلم معانيها.وبذلك يحصل العمل بكتاب اللَّه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على بصيرة وعلى هدى وعلى نور، فجزاهم اللَّه عن ذلك خيرًا وضاعف لهم الأجور، وضاعف لهم الحسنات، ونفعنا بعلومهم جميعًا، وأعاذنا جميعًا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا (١).* * *(١) باختصار وتصرف من "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" للشيخ ابن باز. . الجزء التاسع ص ١٢٨ - ١٤١.
المذهب الشافعي نشأته وتطوره وأئمته ومصنفاتهممراحل تطور المذهب:لقد مرَّ المذهبُ الشافعي بعدة مراحل شأنه في ذلك شأن بقية المذاهب، وقد قسم بعض أهل العلم المراحل التي مرَّ بها المذهب إلى أربع مراحل، وبعضهم أوصلها إلى خمس، وبعضهم رفعها إلى ست، وهكذا، والاختلاف بينهم نشأ من طريقتهم في تحديد المرحلة وضوابطها، وقد مشيت ههنا على تقسيم هذه المراحل إلى أربع مراحل، وهي: المرحلة الأولى: مرحلة البناء والتأسيس، المرحلة الثانية: مرحلة التبليغ والتعريف بالمذهب، المرحلة الثالثة: مرحلة التخصص والانتشار، والمرحلة الرابعة مرحلة الاستقرار. (١) المرحلة الأولى: مرحلة البناء والتأسيسوهي تنقسم إلى قسمين: ١ - المذهب القديم. ٢ - المذهب الجديد.١ - المذهب القديم:كان الإِمام الشافعي رحمه الله قد جمع بين المدارس الفقهية التي سبقته، فقد أخذ العلم في سِني الصبا عن إمام مكة -شرفها اللَّه- ومُفتيها مسلم بن خالد الزنجي، والإمام سفيان بن عيينة، ولازم الشافعي علماء مكة حتى بلغ من الشباب، فقد سافر إلى المدينة المنورة وقد جاوز العشرين بقليل، والتقى شيخها ومفتيها الإِمام مالك بن أنس صاحب المذهب المشهور، ولازمه حتى توفي الإِمام مالك سنة ١٧٩، ثم قدر اللَّه تعالى له أن يجتمع بالإمام محمد بن الحسن الشيباني وارث علم مدرسة الحنفية (مدرسة الرأي) وقد لازمه مدة من الزمن جمع فيها الكثير من علم هذه المدرسة، ولما رجع الإِمام الشافعي إلى مكة جلس يدرِّس فيها، وصار شيخها الذي لا يُجارى، واجتمع إليه طلبة العلم، وبدأ ينثر علمه، ثم سافر إلى بغداد، وجلس يدرس ويفتي، وجلس إليه الأئمة ينهلون من علومه
كالإمام أحمد والإمام إسحاق بن راهويه وغيرهما من الأئمة، وسُمِّيت اجتهادات الإِمام في هذه المرحلة بما اصطلح على تسميته بالمذهب القديم. ٢ - المذهب الجديد:بدا للإمام رحمه الله أن يسافر إلى مصر ليعلم أهلها ويطلع على مذهب الإِمام الليث بن سعد شيخ مصر، من خلال تلاميذه، فسافر إليها سنة ١٩٩ في أواخر سِني حياته، واجتمع إليه علماء مصر وأعيانها، وبقي الإِمام فيها حتى وافته المنية، وكان في تلك المدة قد اطلع على فقه الإِمام الليث، ومسائل متفقه الإِمام الأوزاعي، واستفاد منها، وكتب كتبه الجديدة، التي اصطلح على تسميتها بالمذهب الجديد. (٢) المرحلة الثانية: مرحلة التبليغ والتعريف بالمذهبلقد قام الإِمام الشافعي رحمه الله بنشر مذهبه، ووضعَ أصوله وطرقه في الاستدلال والاستنباط بيده، فقد كتب الرسالة الأولى، ثم الثانية، وكتب كتبه التي تعتبر بمثابة إسقاطات عملية لهذه الأصول والضوابط، وقد بذل جهدًا كبيرًا لا سيما في أواخر سِني حياته في نقل علمه إلى طلابه في مصر، فقد كان رحمه الله يواصل الليل بالنهار بحثًا وكتابةً وتعليمًا، ويسر اللَّه تعالى له مجموعة من طلاب العلم حملوا علمه وبلّغوه، وقد كان لهؤلاء الطلبة دور كبير في نشر المذهب وحفظه. تلاميذ الشافعي وناشرو علمه:١ - تلاميذه بمكة:* أبو بكر عبد اللَّه بن الزبير بن عيسى الحميدي القرشي: عبد اللَّه بن الزبير بن عيسى بن عبيد اللَّه القرشي الأسدي الإِمام أبو بكر الحميدي المكي، صاحب الشافعي، ورفيقه في الرحلة إلى الديار المصرية، وقد أخذ عن شيوخ الشافعي، وقال يعقوب بن سفيان: ما رأيت أنصح للإسلام وأهله منه، وقال الحاكم: الحميدي مفتي أهل مكة ومحدثهم وهو لأهل الحجاز في السنة كأحمد بن حنبل
لأهل العراق، روى عنه البخاري بها صحيحه، وله مسند مشهور، مات بمكة سنة تسع عشرة ومائتين، وقيل سنة عشرين.طبقات الفقهاء للشيرازي ٩٩ و ١٠٠ طبقات الشافعية الكبرى ١٤٠ - ١٤٣ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ١/ ٦٦ السير ١٠/ ٦١٦ تذكرة الحفاظ ٢/ ٤١٣ العقد الثمين ٥/ ١٦٠.* أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن العباس بن عثمان بن شافع المطلبي: ابن عم الإِمام الشافعي، روى عن الشافعي والفضيل بن عياض وجده لأمه محمد بن على بن شافع والمنكدر بن محمد بن المنكدر وحماد بن زيد وابن عيينة وطائفة، روى عنه ابن ماجه بها سننه وأحمد بن سيار المروزي وأبو بكر بن أبي عاصم وبقي بن مخلد ومطين وغيرهم، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي والدارقطني: ثقة، وكان ينشر مذهب الشافعي بين الناس. . مات سنة سبع ويقال: ثمان وثلاثين ومائتين.طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٨٠، الجرح والتعديل ٢/ ١٢٩، تهذيب الكمال ٢/ ١٧٥.* أبو الوليد موسى بن أبي الجارود: موسى بن أبي الجارود أبو الوليد المكي الفقيه راوي كتاب الأمالي وغيره عن الشافعي، روى عنه الترمذي بها آخر الجامع أقوال الشافعي، قال الدارقطني: روى عن الشافعي حديثًا كثيرًا وكان يفتي بمكة على مذهب الشافعي، لم يذكروا وفاته. . قال الذهبي: أظنه قديم الموت، وله رواية عن سفيان بن عيينة، نقل عنه الرافعي بها باب زكاة الذهب أنه روى عن الشافعي تحريم تحلية السرج واللجام.طبقات الفقهاء للشيرازي ١٠٠، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ١٦١ - ١٦٢ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ١/ ٧٠. ٢ - تلاميذه بالعراق:* أحمد بن حنبل: وترجمته شهيرة معروفة، وهي أكبر من أن ينبه عليها ههنا، ولكن سأذكر طرفًا يسيرًا منها، الإمام أبو عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل إمام المذهب الحنبلي أمير المؤمنين في الحديث. ومناقبه لا تُحَد ولا تُحصر، قال
الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني: ما قرأت على الشافعي حرفًا إلا وأحمد حاضر، وما ذهبت إلى الشافعي مجلسًا إلا وجدت أحمد فيه. وقال إبراهيم الحربي: الشافعي أستاذ الأستاذين، أليس هو أستاذ أحمد؟ وقال صالح بن أحمد: مشى أبي مع بغلة الشافعي فبعث إليه يحيى بن معين فقال: أما رضيت إلا أن تمشي مع بغلته؟ فقال: يا أبا زكريا، ولو مشيتَ إلى الجانب الآخر كان أنفع لك.طبقات الفقهاء للشيرازي ١٠٠، طبقات الشافعية الكبرى ٢٧ - ٦٣ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ١/ ٥٦.* الحسن بن محمد بن الحسين الصباح الزعفراني؛ هو أبو علي الحسن بن محمَّد بن الحسين الزعفراني، منسوب إلى زعفرانة، قرية بقرب بغداد، وكان إمامًا في اللغة، وهو أثبت رواة القديم، قال ابن حبان في الثقات: كان راويًا للشافعي وكان يحضر أحمد وأبو ثور عند الشافعي وهو الذي يتولى القراءة عليه وقال الزعفراني: لما قرأت كتاب الرسالة على الشافعي قال لي: من أي العرب أنت؟ فقلت: ما أنا بعربي، وما أنا إلا من قرية يقال لها الزعفرانية، قال: فأنت سيد هذه القرية، وقال الساجي: سمعت الزعفراني يقول: إني لأقرأ كتب الشافعي وتقرأ علي منذ خمسين سنة. قال السمعاني: مات في الربيع الآخر سنة تسع وأربعين ومائتين، وقال ابن خلكان: في شعبان سنة ستين ومائتين، وقال النووي في تهذيبه: في رمضان في السنة.طبقات الفقهاء للشيرازي ١٠٠، طبقات الشافعية الكبرى ١١٤ - ١١٧.* الحسين بن علي الكرابيسي: الحسين بن علي بن يزيد أبو علي البغدادي الكرابيسي، أخذ الفقه عن الشافعي، وكان أولًا على مذهب أهل الرأي، قال ابن عدي: وله كتب مصنفة ذكر فيها اختلاف الناس في المسائل، وكان حافظًا له، وذكر في كتبه أخبارًا كثيرة وقال الشيخ أبو إسحاق: كان متكلمًا عارفًا بالحديث له تصانيف كثيرة في أصول الفقه وفروعه، وقال العبادي: لم يتخرج على يدي الشافعي بالعراق مثل الحسين، قال الإسنوي: وكتاب القديم الذي رواه الكرابيسي عن الشافعي مجلد ضخم. توفي سنة خمس وأربعين ومائتين، وقيل