البيان في مذهب الإمام الشافعي (العمراني) القسم: الفقه الشافعي الكتاب: البيان في مذهب الإمام الشافعي المؤلف: أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (ت ٥٥٨هـ)المحقق: قاسم محمد النوري الناشر: دار المنهاج - جدة الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ- ٢٠٠٠ معدد الأجزاء: ١٣[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
[المقدمة]بسم الله الرحمن الرحيم[مقدمة المؤلف] :الحمد لله الذي أوجدنا بقدرته، وأرشدنا بخلقه إلى معرفته، وتعبدنا بما شاء من عبادته، وصلواته على محمد المصطفى نبيه خير بريته، وعلى أهله وذريته وصحابته.أما بعد: فلما كان مذهب الشافعي رحمة الله عليه اعتقادي، وفي " المهذب " درسي، وعليه اعتمادي، ثم طالعت في غيره من مصنفات أئمتنا رضي الله عنهم مسائل غير مذكورة فيه، يصعب علي استخراجها وانتزاعها من معانيه، فأشار علي بعض شيوخي رحمة الله عليهم بمطالعة الشروح وجمعها، والتقاط هذه المسائل ونزعها، لأستعين بمطالعته مع " المهذب "، على المسائل المنصوص عليها في المذهب.. فجمعت كتابًا قبل هذا، سلكت فيه هذا السبيل، لكني أغفلت البروز فيه وأقوال المخالفين، خشية التطويل، ثم نظرت، فإذا لي حاجة إلى ذكر ما أغفلته، واستيفاء ما تركته وأهملته، فجمعت هذا الكتاب مشتملًا من ذلك على ما قصدته، وعلى ترتيب " المهذب " رتبته، والله أسأل العون على ما أردته، والتوفيق في ما نويته، وهو حسبي ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير.
ذكر نسب الشافعي رضي الله عنه: لا ينبغي لمن انتحل مذهب إمام أن يجهل نسبه.وهو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن الشافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف جد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. وكان لعبد مناف خمسة أولاد: هاشم بن عبد مناف جد النبي صلى الله عليه وسلم، والمطلب بن عبد مناف جد الشافعي رحمه الله، وعبد شمس بن عبد مناف جد بني أمية، وعثمان بن عفان رضي الله عنه منهم، ونوفل بن عبد مناف جد بني نوفل، وجبير بن مطعم منهم، وأبو عمرو بن عبد مناف ولا عقب له.وكان المطلب جد الشافعي رحمه الله كفل عبد المطلب بن هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ولد بالمدينة، ومات أبوه، فمضى له المطلب، وقدم به مكة وهو رديفه، وعليه ثياب رثة، فإذا سئل عنه.. استحيا أن يقول: إنه ابن أخي، فكان يقول: عبد لي، فلما وصل منزله.. ألبسه ثم أخرجه، وقال: هذا ابن أخي، فسمي بذلك: عبد المطلب، وكان اسمه المطلب، وكان يسمى شيبة الحمد؛ لأنه ولد وفي رأسه شعرة بيضاء، وقيل: إن شافعا لقي النبي صلى الله عليه وسلم وهو مراهق للبلوغ.وأما مولد الشافعي رضي الله عنه: فإنه ولد بـ (غزة) - قرية من قرى الشام - سنه خمسين ومائة، فمكث بها سنتين، ثم حمل إلى مكة، فنشأ بها، وتعلم بها القرآن،
على سفيان بن عيينة، وغيره، ثم خرج إلى المدينة، فقرأ على مالك بن أنس " الموطأ " وحفظه، ثم دخل بغداد، وأقام به سنين، وصنف بها كتبه القديمة، ثم عاد إلى مكة، وأقام بها سنة تسع وسبعين، ثم عاد إلى بغداد، وأقام بها أشهرًا، ولم يصنف بها شيئًا، ثم خرج إلى مصر، فصنف بها كتبه الجديدة، وأقام بها إلى أن مات بها ودفن هنالك، وكان موته ليلة الجمعة، وقد صلى العشاء الآخرة آخر ليلة من شهر رجب، ودفن في يوم الجمعة. رحمة الله عليه.قال الربيع: انصرفنا من دفن الشافعي رحمه الله فرأينا هلال شعبان، وكان ذلك في سنة أربعة ومائتين، وكان عمره أربعًا وخمسين سنة.وأصحابه البغداديون: الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، والحسين الكرابيسي، وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، وأحمد بن حنبل، وهم الذين يروون عنه الكتب القديمة.وأما أصحابه المصريون الذين يروون عنه الكتب الجديدة: فإسماعيل بن يحيى المزني، والربيع بن سليمان المرادي، والربيع بن سليمان الجيزي، ويوسف بن يحيى البويطي، وحرملة بن يحيى التجيبي، ويونس بن عبد الأعلى.وإنما اخترنا مذهبه؛ لموافقته الكتاب والسنة والقياس. وأمرنا المتعلم أن
يتعلم مذهبه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «الأئمة من قريش» ، وقال صلى الله عليه وسلم: «تعلموا من قريش ولا تعلموها» ، وروي: «ولا تعالموها، فإن عالمها يملأ الأرض علمًا» ، وقال صلى الله عليه وسلم: «الناس في هذا الشأن تبع لقريش، فمسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم» .وليس في الأئمة المشهورين قرشي غير الشافعي رحمه الله، فكان اتباعه أولى من اتباع غيره.وأما تخريج الأئمة المسألة على قولين وأكثر، فعلى معنى: أن كل قول سوى ذلك باطل، وليس على سبيل الجمع، ولا على سبيل التخيير، وقد يقوم للمجتهد الدليل على إبطال كل قول سوى قولين، فلم يظهر له الدليل في تقديم أحدهما على الآخر، فيخرجهما على قولين، وهذا كما فعل عمر رضي الله عنه حيث قال: (الخلافة بعدى في هؤلاء الستة) ؛ ليدل على أن الخلافة ليست في غيرهم.وقد قيل: إن الشافعي رحمه الله لم يمت حتى بين الصحيح من أقواله إلا في ست عشرة مسألة، أو سبع عشرة مسألة.
[كتاب الصلاة]الصلاة في اللغة: عبارة عن الدعاء، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: ١٠٣] [التوبة: ١٠٣] ؛ أي: ادع لهم.وقال الأعشى:تقول بنتي وقد قربت مرتحلا … يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعاعليكِ مثل الذي صليت فاغتمضي … يومًا فإن لجنب المرء مضطجعايقول: عليكِ مثل الذي دعوت.وأما في الشرع: فقد نقل هذا الاسم إلى أقوال وأفعال مخصوصة، وهي: التكبير، والقراءة، والركوع، والسجود، والتشهد، وغير ذلك. فإذا وردت الصلاة في الشرع.. فإنما تنصرف إلى الصلاة الشرعية دون اللغوية.إذا ثبت هذا: فإن الصلاة واجبة، والأصل - في وجوبها -: الكتاب، والسنة، والإجماع.أما الكتاب: فقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: ١١٠] [البقرة: ١١٠] .وقَوْله تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} [البينة: ٥] [البينة: ٥] .وقَوْله تَعَالَى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: ٢] [الكوثر: ٢] . وغير ذلك من الآيات.
وأما السنة: فما روى ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا» . وغير ذلك من الأخبار.وأجمعت الأمة على وجوب الصلاة.إذا ثبت هذا: فإن أول ما افترض الله تعالى من الصلاة قيام نصف الليل، أو دونه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} [المزمل: ١] {قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا} [المزمل: ٢] {نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا} [المزمل: ٣] {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا} [المزمل: ٤] [المزمل: ١ - ٤] . ثم نسخ ذلك، وخففه بقوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: ٢٠] [المزمل: ٢٠] . يريد: صلوا ما تيسر.قال ابن عباس رضي الله عنهما: (كان بين أول السورة وآخرها سنة، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس) . وقيل نسخ بقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: ٧٨] [الإسراء: ٧٨] . واستقر الفرض على الصلوات الخمس ليلة الإسراء.والدليل عليه: ما روي - في حديث المعراج -: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فرض الله تعالى على أمتي خمسين صلاة، فلما لقيت موسى بن عمران عليه السلام.. فقال: ما فعل معك ربك؟ فقلت: فرض على أمتي خمسين صلاة، فقال: ارجع، فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك. فراجعته، فنقصني خمسًا - وفي رواية: فوضع شطرها - فما زلت أتردد بين ربي وموسى، حتى جعلها خمس صلوات، فقال موسى: ارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك، فقلت: أستحيي، فإذا النداء - من عند الله تعالى -: ألا إني قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وجعلت الحسنة بعشر أمثالها، هي خمس، وهن خمسون، ما يبدل القول لدي، وما أنا بظلام للعبيد» .
[كتاب الطهارة] [باب ما يجوز به الطهارة من المياه وما لا يجوز به]
وقَوْله تَعَالَى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} [فصلت: ٦] {الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت: ٧] [فصلت: ٦ - ٧] .فعلى هذا: يعاقبون على ترك ذلك في الآخرة، إذا ماتوا على الكفر، ولا خلاف أنهم لا يعاقبون على تركها في الدنيا، ولا يصح منهم فعلها قبل الإسلام.والوجه الثاني - وهو اختيار الشيخ أبي حامد -: أنهم غير مخاطبين بذلك، ولا يأثمون بتركها؛ لأنهم لو كانوا مخاطبين بذلك. . لعوقبوا على تركها في الدنيا، ولصح منهم فعلها، ولوجب عليهم قضاؤها.ومن الناس من قال: إنهم مخاطبون بالمنهيات، مثل: ترك الزنا، والقتل، وغير مخاطبين بالمأمورات.وإذا أسلم الكافر. . لم يجب عليه قضاء ما تركه من الصلوات في حال الكفر، سواء قلنا: إنه مخاطب بفعلها، أو غير مخاطب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: ٣٨] [الأنفال: ٣٨] .ولقوله صلى الله عليه وسلم: «الإسلام يجب ما قبله» .ولأن في إيجاب القضاء عليه تنفيرًا عن الإسلام.
كتاب الطهارةباب ما يجوز به الطهارة من المياه، وما لا يجوز به قال الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: ٤٨] [الفرقان: ٤٨] .إذا الطهور عندنا: هو الطاهر في نفسه، المطهر لغيره، وهو اسم متعد، وتعديته: تطهيره لغيره من الحدث والنجس.وقال أبو حنيفة، والأصم: (هو اسم لازم غير متعد يعم جميع الطاهرات) .وأجاز أبو حنيفة إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات، كالخل. وأجاز الأصم رفع الحدث بالمائعات الطاهرة غير الماء: كاللبن، والخل.دليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: «خلق الله الماء طهورًا» .
وقال صلى الله عليه وسلم في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» . فخص الماء باسم الطهور، فدل ذلك على أنه لا يسمى غيره بهذا الاسم.إذا ثبت هذا: فيجوز رفع الحدث، وإزالة النجس بالماء المطلق، كماء المطر، وذوب الثلج والبرد، وماء الآبار والأنهار؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: ١١] [الأنفال: ١١] .وروي: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ من بئر بضاعة» .وأما الثلج والبرد قبل أن يذوبا: فيجوز مسح الرأس والخف بهما لا غير.وقال الأوزاعي (إذا أمره على العضو المغسول.. أجزأه) .والدليل على أنه لا يجوز: أن أقل الطهارة جري الماء بطبعه على العضو المغسول، وهذا لا يوجد فيهما قبل أن يذوبا.وتجوز الطهارة بماء البحر مع وجود غيره من الماء، ومع عدمه، وهو قول كافة العلماء، إلا ما حكي عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو: أنهما قالا: (التيمم أعجب إلينا منه) .
وقال ابن المسيب: إن كان واجدًا لغيره من الماء.. لم يجز الوضوء به، وإن لم يجد غيره.. جاز الوضوء به.دليلنا: قَوْله تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: ٤٣] [النساء: ٤٣] . وماء البحر يسمى ماءً. وروى أبو هريرة: «أن رجلًا قال: يا رسول الله إنا نركب في البحر أرماثًا، ومعنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه الحل ميتته» ، وقال صلى الله عليه وسلم: «من لم يطهره البحر، فلا طهره الله» . [مسألة: الماء المشمس]وأما الماء المشمس: فإن لم يقصد إلى تشميسه.. لم تكره الطهارة به؛ لأنه لا يمكن صون الماء عن الشمس، وإن قصد إلى تشميسه.. فهل تكره الطهارة به؟ فيه خمسة أوجه:أحدهما - وهو المنصوص - (أنه يكره) ؛ لما روي: «أن عائشة رضي الله عنها سخنت ماء بالشمس، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "يا حميراء، لا تفعلي هذا، فإنه يورث البرص» ، تقول العرب: امرأة حميراء أي: بيضاء. وروي: أن عمر رضي الله عنه كان ينهى عن الماء المشمس، وقال: (إنه يورث البرص) ، فذكر أن رجلًا عانده في ذلك، وكان يتطهر به، فما مات حتى أصابه البرص.
وسواء شمس بالحجارة أو النحاس أو الزجاج، وفي الإناء المغطى والمكشوف.. فإنه يكره.والوجه الثاني: لا يكره بحال، وهو قول أبو حنيفة، كما لا يكره ما تشمس بنفسه في البرك والأنهار.والثالث: إن شمس في البلاد الحارة في آنية الصفر.. كره؛ لأنه يورث البرص، وإن شمس بغير ذلك.. لم يكره؛ لأنه لا يورث البرص.والرابع - حكاه الشاشي - يكره في البدن، دون الثوب.والخامس - حكاه أيضًا - إن قال عدلان من أهل الطب: إنه لا يورث البرص.. فلا يكره، وإن قال يورث.. كره، وهذا ضعيف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنه يورث البرص، فلا معنى للرجوع إلى قول أهل الطب.فإن قلنا: يكره، فبرد الماء المشمس.. فهل تزول كراهة الطهارة به؟سمعت بعض شيوخي يحكي فيه ثلاثة أوجه:أحدها: تزول الكراهة، لزوال التشميس.والثاني: لا تزول الكراهة؛ لأنه لا يزول عنه اسم التشميس.والثالث: يرجع إلى عدلين من أطباء المسلمين، فإن قالا: لا يورث البرص.. زالت الكراهة، وإن قال: يورث.. كره؛ لأن العلة في كراهته خوف البرص، فرجع إليهم في ذلك بعد التبريد.فإن توضأ بالماء المشمس.. ارتفع حدثه؛ لأن المنع منه لخوف البرص، فلم يمنع صحة الطهارة، كما لو توضأ بماء حار أو بارد يخاف منه. [فرع: الماء المسخن]وإن سخن الماء بالنار.. لم تكره الطهارة به، سواء سخن بالوقود الطاهر أو
النجس. وقال مجاهد: تكره الطهارة به بكل حال. وقال أحمد: (إن سخن بالوقود النجس.. كرهت الطهارة به، وإن سخن بالوقود الطاهر.. لم تكره) .دليلنا: (أنه كان يسخن لعمر رضي الله عنه ماء في قمقم، فكان يتوضأ به) .وروى « [الأسلع بن] شريك قال: (أجنبت وأنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فجمعت أحجارًا، وسخنت ماء، فاغتسلت به، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فلم ينكر علي» .وروى ابن عباس رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حمامًا بالجحفة، فاغتسل منه» .ولا يكره الوضوء والغسل بماء زمزم. وقال أحمد في إحدى الروايتين عنه:
(يكره) ؛ لما روي عن العباس بن عبد المطلب: أنه قال في ماء زمزم: (لا أحلها لمغتسل، وهي لشارب حل وبل) .دليلنا: قَوْله تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: ٤٣] [النساء: ٤٣] . وهذا ماء؛ ولأن الناس يفعلون ذلك من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا من غير إنكار.وأما ما روي عن العباس رضي الله عنه: فيتحمل أنه نهى عن ذلك في وقت قل الماء فيها، وكثر من يطلب الشرب منها. [مسألة: الماء غير المطلق]قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وما عدا ذلك من ماء ورد، أو شجر، أو عصفر، أو ماء زعفران، أو عرق.. فلا يجوز التطهر به) .وهذا كما قال: لا يجوز رفع الحدث بغير الماء المطلق من المائعات الطاهرة، كـ (ماء الورد) : وهو الماء الذي يعتصر من الورد. و (ماء الشجر) : وهو أن يقطع الشجر رطبًا، فيجري منه الماء، و (ماء العصفر والزعفران) : وهو ما اعتصر منهما.وبه قال عامة أهل العلم، إلا الأصم، فإنه قال: يجوز رفع الحدث بكل مائع طاهر.دليلنا: قَوْله تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: ٤٣] ، فنقلهم من الماء عند عدمه إلى التيمم، فدل على أنه لا يجوز الطهارة بغيره.وأيضًا: فإن الصحابة - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - قد كانوا يسافرون، فيعدمون الماء، فيتيممون، وما روي أن أحدًا منهم توضأ بمائع غير الماء.وأما (العرق) : ففيه ثلاث روايات: