العزيز شرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي - ط العلمية (الرافعي) القسم: الفقه الشافعي الكتاب: العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير المؤلف: عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم، أبو القاسم الرافعي القزويني (ت ٦٢٣هـ)المحقق: علي محمد عوض - عادل أحمد عبد الموجود الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ معدد الأجزاء: ١٣[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
العزيزشرح الوجيزالمعروف بالشرح الكبيرتأليفالإمام أبي القاسم عبدالكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي القزويني الشافعيالمتوفي سنة ٦٢٣ هـتحقيق وتعليقالشيخ على محمد معوض … الشيخ عادل أحمد عبد الموجودالجزء الثانييحتوي على الكتب التالية:تتمة الصلاة - صلاة الجماعة - صلاة المسافرين - صلاة الجمعةصلاة الخوف - صلاة العيدين - صلاة الخسوف - صلاة الاستسقاءصلاة الجنائز - الزكاةدار الكتب العلميةبيروت - لبنان
جميع الحقوق محفوظةجميع حقوق الملكية الادبية والفنية محفوظة لدار الكتبالعلميه بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمةأو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزأ أو تسجيله على أشرطةكاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطواناتضوئية إلا بموافقة الناشر خطياًالطبعة الأولى١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ مدار الكتب العلميةبيروت - لبنانالعنوان: رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارتتلفون وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٦٠٢١٣٢ (٩٦١١).صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
بسم الله الرحمن الرحيم[قال الشيخ الأجل الكبير، الإمام العالم العامل الورع الأوحد، حبر الأمة، ملك الأئمة، إمام الدين، علَاّمة الإسلام أبو القاسم عبد الكريم الرافعي، القزويني، قدس الله تعالى روحه] (١).أحمد اللهَ الحقَّ ذا الجلال والإكرام، وأصلي على رسوله محمد خير الأنام، وأسلم عليه وعلى آله وأصحابه أفضل الصلاة والسلام - وأقول: إن المبتدئين لحفظ (٢) المَذْهَبِ من أبناء الزمان، قد تولَّعوا بكتاب الوجيز للإمامة العلامة حُجَّة الإسلام، أبي حامد الغزاليِّ، قدَّس الله تعالى روحه العزيزة وهو كتاب غزيرُ الفوائدِ، جَمُّ العوائد، وله القدح المُعَلَّى، والحظ الأوفى، من استيفاء أقسام الحسن والكمال، واستحقاق صرف الهَمَّة إليه (٣) والاعتناء بالإكباب عليه، والإقبال والاختصاص (٤) بصعوبة اللفظ، ودقَّةِ المعنى؟ لما فيه من حسن النَّظْمِ، وصغر الحجم، وإنه من هذا الوجه مُحَوَجٌ إلى أحد أمرين:إما مراجعة غيره من الكتب. وإما (٥) شرح يُذَلِّلُ صِعَابَهُ.ومعلوم أن المراجعة لا تتأتى لكل أحد، وفي كل وقت، وأنها لا تقوم مقام الشرح المغني لإيضاح الكتاب (٦)، فدعاني ذلك إلى عمل شرح يوضح فقه مسائله، فيوجهها (٧)، ويكشف عما انغلق من الألفاظ، ودَقَّ من المعاني، ليغتنمه الشَّارعون في ذلك الكتاب، المخصوصون بالطَّبْع السليم، وبعينهم على بغيتهم، ويتنبه الذين [رأوا] (٨) غيره أولى منه، لما ذهب عليهم (٩) من فقه الكتاب ودقائقه؛ واستصعابه(١) ما بين القوسين سقط في ط، وفي أ: قال الشيخ الإمام أبو القاسم الرافعي القزويني رحمه الله.(٢) في أ: لتحصيل.(٣) في ب: إليه الآداب.(٤) في أ: لاختصاصه.(٥) في أ: أو.(٦) في ز: عن الإيضاح للكتاب.(٧) في أ: ويوجهها.(٨) سقط في ط.(٩) في أ: عليه.
عليهم؟ فينكشف لهم أنهم حرموا أشياء كثيرة (١)، ولقبته بـ"العَزِيْزِ (٢) في شَرْح الوَجِيْزِ"، وهو عزيز على [المتخلفين] (٣) بمعنى، وعند المبرزين المنصفين بمعنى، وربما تلتبس (٤) على المبتدئين والمتبلدين أمور من الكتاب، فيطمعون في اشتمال هذا الشرح على ما يشفيهم، ولا يظفرون به فليعلموا [أن] (٥) السبب فيه أن تلك المواضع لا تستحق شرحاً يودع بطون الأوراق، والقصور في أفهامهم فدواؤهم الرجوع إلى من يوقفهم (٦) على ما يطلبون، والله وليُّ التيسير وهذا حين افتتح القول [فيه] (٧) مستعيناً بالله تعالى، [ومتوخياً] (٨) للاختصار ما استطعت، واللهُ حَسْبِي ونعم الوكيلُ.بسم الله الرحمن الرحيم قال الغزالي: أَحْمَدُ اللهَ عَلَى نِعَمه السَّابِغَة، وَمنَنِه السَّائغَة، وَأَتَوَكَّلُ عَلَيهِ بِمَعْرِفَةٍ يُسْتَحْقَرُ في ضِيَائِهَا نُورُ الشَّمْسِ الْبَازِغَةِ، وَبَصِيرَة تَنْخَنَسُ دُونَ بَهَائِهَا وَسَاوِسُ الشَّيَاطِينِ النَّازِغَةِ، وَهِدَايَة يَنْمَحَقُ في رُوَائِهَا أَبَاطِيلُ الخَيَالَاتِ الزَّائِغَةِ، وَطُمَأنِينَةٍ تَضمَحِلُّ في أَرْجَائِهَا تَخَاييلُ المَقَالَاتِ الفَارِغَةِ، وأُصلِّي عَلَى المُصْطَفَى مُحَمَّدٍ المَبعُوثِ بالَايَاتِ الدَّامِغَةِ، المُؤَيَّدِ بالحُجَجِ البَالِغَةِ، وعَلَى آلِهِ الطَّيبِينَ، وَأَصْحَابِهِ الطَّاهِرِينَ إرْغَاماً لِأُنوفِ المُبْتَدَعَةِ النَّابِغَةِ.أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي مُتْحِفُكَ أَيها السَّائِلُ المُتَلَطِّفُ، وَالحَريصُ المُتَشَوِّفُ بِهَذَا الوَجِيزِ الَّذِي اشْتَدّتْ إِلَيْه ضَرُورَتُكَ وَافْتِقَارُكَ، وَطَالَ فِي نَيْلِهِ اَنتِظَارُكَ، بَعْد أَنْ مَخَضْتُ لَكَ فِيهِ جُمْلَةَ الفِقْهِ فَاسْتَخْرَجْتُ زُبْدَتَهُ، وَتَصَفَّحْتُ تَفَاصِيلَ الشَّرْعِ فَاَنْتَقَيْتُ صَفْوَتَهُ وَعُمْدَتَهُ، وَأَوْجَزْتُ لَكَ المَذْهَبَ البَسِيطَ الطَّوِيلَ، وَخَفَّفْتُ عَنْ حِفْظِكَ ذَلِكَ العِبْءِ الثَّقِيلَ، وَأَدْمَجْتُ جَمِيعَ مَسَائِلِهِ بِأُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا بِاَلْفَاظٍ مُحَرَّرَةٍ لَطِيفَةٍ، في أَوْراقٍ مَعْدُودَةٍ خَفِيفَةٍ، وَعَبَّيْتُ فِيهَا الفُرُوعَ الشَّوَارِدَ، تَحْتَ مَعَاقِدِ القَوَاعِدِ، وَنَبَّهْتُ فِيهَا بِالرُّمُوزِ، عَلَى الكُنُوزِ، وَاكْتَفَيتُ عَنْ نَقْلِ المَذَاهِبِ وَالوُجُوهِ البَعِيدَةِ بِنَقْلِ الظَّاهِرِ مِنْ مَذْهَبِ الإِمَامِ الشَّافِعِيَّ المُطَّلِبيِّ رحمه الله، ثُمَّ عَرَّفْتُكَ مَذْهَبَ مَالِكِ وَأَبِي حَنُيفَةَ والمُزَنِيِّ وَالوُجُوهَ البَعِيدَةَ لِلأَصْحَابِ بِالعَلَامَاتِ،(١) في ط (شيئًا كثيرًا).(٢) في أ: بالعزيز.(٣) في ز (المختلفين).(٤) في أ: يلتبس.(٥) سقط في ب.(٦) في ط (يطلعهم).(٧) سقط في أ.(٨) في ز (مستوجبًا).
وَالرُّقُومَ المَرْسُومَةَ بالحُمْرَةِ (١) فَوْقَ الكَلِمَاتِ، فَالمِيمُ عَلَامَةُ مَالِكٍ، وَالحَاءُ عَلَامَةُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالزَّايُ عَلَامَةُ المُزَنِيِّ فَاستُدِلَّ بِإثْبَاتِ هَذِهِ العَلَامَاتِ فَوْقَ الكَلِمَاتِ عَلَى مُخَالَفَتَهمْ فِي تِلكَ المَسَائِلِ، وَبالوَاو بِالحُمْرةِ فَوْقَ الكَلِمَةِ عَلَى وَجْهٍ أَوْ قَوْلٍ بَعِيدٍ مُخَرَّجٍ لِلأَصْحَابِ، وَبِالنَّقْطُ بَيْنَ الكَلِمَتَينِ، عَلَى الفَصْلِ بَينَ المَسْأَلَتَينِ، كُلُّ ذَلِكَ حَذَراً مِنَ الإِطْنَابِ، وَتَنْحِيَةً لِلقِشرِ عَنِ اللُّبَابِ، فَتَحَرَّرَ الكِتَابُ مَعَ صِغَر حَجمِهِ، وَجَزَالَةِ نَظْمِهِ، وَبَدِيعِ تَرْتِيبِهِ، وَحُسْنِ تَرْصِيعِهِ وَتَهذِيبِهِ، حَاوِيًا لِقَوَاعِدِ المَذهَبِ مَعَ فُرُوع غَرِيبَةِ، خَلَا عَنْ مُعْظَمِهَا المَجمُوعَاتُ البَسِيطَةُ، فَإِنْ أَنْتَ تَشَمَّرْتَ لِمُطَالَعَتِهَا، وَأَدْمَنْتَ مُرَاجَعَتَهَا، وَتَفِطَّنْتَ لِرُمُوزِهَا وَدَقَائِقَهَا، المَرْعِيةِ في تَرْتِيبِ مَسَائِلِهَا، اجْتَزَأتُ بِهَا عَنْ مُجَلَّدَاتِ ثَقِيلَةٍ، فَهِيَ عَلَى التَّحْقِيقِ إِذَا تأمَلْتَهَا قَصِيرَةٌ عَنْ طَوِيلَةٍ، فَكَم مِن كَلِم كَثِيرَةٍ فَضلَتْها كَلِمُ قَلِيلَةٌ، فَخَيْرُ الكَلَامِ مَا قَلَّ وَدَلَّ وَمَا أَمَلَّ، فَنَسْأَلُ اللهَ عز وجل، أَنْ يَدْفَعَ عَنَّا كَيدَ الشَّيْطانِ إِذَا أسْتَهْوَيَ وَاسْتَزَلَّ، وَأَنْ لَا يَجعَلَنَا مِمَّنْ زَاغَ عَنِ الحَقِّ وَضَلَّ، وأَنْ يَعفُوَ عَمَّا طَغَى بِهِ القَلَمُ أَوْ زَلَّ، فَهُوَ أَحَقُّ مَنْ أَسْدَى إِلَى عِبَادِهِ سُؤْلَهُمْ وَأَزَلَّ.قال الرافعي: أما ديباجةُ الكتاب فلا يتعلق بشرحها غرضٌ، ولكن من شرطك أن تطالعها وتعرف منها غاية (٢) حجة الإسلام رحمه الله تعالى، بالرموز التي قصد أن يُسَمِّ بها الكلمات (٣) إشعارًا بالأقوال والوجوه ومذاهب سائر الأئمة، وتتبين أنه ليس للشارح إهمالها على غزارة فائدتها، فإنها لا تعطى إلا معرفة خلاف في المسألة، فإما كفايته (٤) وإطلاقه وتفصيله (٥) فلا، ولذلك نجد أكثر النسخ عاطلة عنها في معظم المسائل ونحن لا نلتزم الوفاء بها، فإن اختلاف العلماء فن عظيم لا يمكن جعله علاوة كتاب، ولكن نتعرض منها لما هو أهم في عرض الكتاب ويستدعيه لفظه وبالله التوفيق.(١) ثبت في هامش المتن: قد استبدلنا هذه العلامات الحمراء برسم كل من الميم والحاء والزاي والواو بين قوسين بعد الكلمة لا فوقها فليتذكر المطالعون ذلك.(٢) في أ، ب: عناية.(٣) في أ: الكتاب.(٤) في أ: كيفيتها.(٥) في أ: وتفصيله وإطلاقه.
فلا يعد مقصراً بترك البَحْثِ عنه، وقد يفجأ الخرق لبعض العوارض أيضاً؛ أما إذَا حدث مناقِضٌ في الصلاة لا باختياره ولا تقصير منه فإن أمكن إزالته على الاتصال بحدوثه؛ كما لو انكشفت عورتُه فرد الثوب في الحال، أو وقعت عليه نجاسة يابسة فنفض ثوبه وسقطت في الحال، فلا يقدح في صحة الصلاة، وكذا لو ألقى الثوب الذي وقعت عليه النجاسة في الحال صحت صَلاتُه، ولا يجوز أن ينحيها بيده أو كمه، هكذا نقل صاحب "التهذيب" وغيره، وإن احتاج في الدفع إلى زمان يتخلل بين عروضه واندفاعه، ففيه القولان المذكوران في سبق الحدث.وقوله: (يجري هذا القول في دفع كل مناقض لا تقصير منه فيه) -يعني- به هذه الحالة، وإن كان اللفظ مطلقاً، فأما إذا دفعه في الحال، فالصلاة صحيحة بلا خلاف.ومثال ما يحتاج في دفعه إلى زمان: ما إذا تنجس ثوبه، أو بدنه واحتاج إلى الغسل، أو طيرت الريح ثوبه وأبعدته.ولو أصاب المصلي جرح، وخرج منه دم على سبيل الدَّفْقِ، ولم يلوث البَشرة فقد قال في "التتمة": لا تبطل صلاته بحال، لأن المنفصل منه غير مضافٍ إليه، ولعل هذا فيما إذا لم يمكن غسل موضع الانفتاق، أو كان ما أصابه قليلاً، وقلنا: القليل من الدّم معفوٌّ عنه كما سيأتي، وإلا فقد صار ذلك من الطَّاهِرِ فيجب غسله.قال الغزالي: الشّرْطُ الثَّانِي: طَهَارَةُ الخَبَثِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي الثَّوْبَ وَالبدَنِ وَالمَكَانِ (وَأَمَّا الثَّوْبُ) فإِنْ أَصَابَ أَحَدَ كُمَّيهِ نَجَاسَةٌ فَأدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى أَحَدِهِمَا فَغَسَلَهُ لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ استَيقَنَ نَجَاسَةَ الثَّوْبِ وَلَمْ يْسَتَيقِنْ طَهَارَتَهُ.قال الرافعي: النجاسة قسمان:أحدهما: النجاسة التي تقع في مظنة العذر والعفو.والثاني: التي تقع فيها.أما الأول: فيجب الاحتراز عنه في ثلاثة أشياء: في الثوب، والبدن، والمكان، ويجوز أن يعلم قوله: (فهي واجبة) بالميم؛ لأن أصحابنا نقلوا عن مالك أن إزالة النجاسة عنده لا تجب للصلاة، وإنما تستحب، ويدل على وجوب طهارة الثَّوْبِ قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} (١). وقد قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لأسماء رضي الله عنها "حِتِّيهِ، ثُمَّ [اقْرِضِيهِ] (٢) ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالمَاءِ، ثُمَّ صَلِّي فِيهِ" (٣) فإن أصابه نجاسة، وعرف موضعها منه،(١) سورة المدثر، الآية ٤.(٢) في (أ) اقرصيه وهما بمعنى واحد.(٣) سبق تخريجه.
قال (١) رحمه الله: كِتَابُ الطَّهَارَةِ (٢)وَفِيهِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ البَابُ الأَوَّلُ فِي المِيَاهِ الطَّاهِرَةِقال الغزالي: وَالمُطَهِّرُ لِلْحَدَثِ وَالْخَبَثِ (ح) هُوَ المَاءُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ المَائِعَاتِ.قال الرافعي: أراد بالطهارة بعض أنواع الطهارة، وهو الطهارة بالماء، وإلا فمن شرطه إدراجِ التيمم في أبواب هذا الكتاب؛ لأنه إحدى الطَّهَارات، ألا ترى إلى قول الشافعي رضي الله عنه طَهَارَتَانِ فكيف يفترقان فلما أفرده بكتاب دلَّ أنه أراد الطهارة بالماء. ثم الأحكام المتعلقة بالطَّهَارَةِ تنقسم إلى ما يَجْرِي مُجّرَى المقدمات، كالقول في المياه وإلى ما يجري مجرى المقاصد كالقول في نفس الوضوء والغُسْلِ، فجعل من الأبواب الثمانية أربعة في المُقَدّمَاتِ، ثم أربعة (٣) في المَقَاصِدِ، ولهذا قال عند تمام الأربعة الأولى هذا تمام قسم المُقَدّمَات، ثم الماء إما أن يكون مَعْلُومَ الحُكْمِ، أو لا يكون، فإن كان فهو إما طَاهِرٌ، أو نَجِسٌ، فإن (٤) لم يكن فهو الذي يُشْكَلُ ويشتبه حاله ثم هو على التقدير إما أن يكون في إناء يُحْفَظُ فيه ويستعمل منه، أو لا يكون، فجعل البابِ الأول في المياه الطاهرة، والطاهر ينتظم فيه الطهور، وغيره.والثاني: في المِيَاهِ النَّجِسَةِ.والثالث: فيما اشْتَبَهَ حُكْمُهُ.(١) في أ: قال حجة الإسلام.(٢) الطهارة لغة النظافة، وفي اصطلاح العلماء رفع حدث وإزالة نجس، أو ما في معناهما وهو تجديد الوضوء والأغسال المسنونة، والغسلة الثانية والثالثة في الوضوء والنجاسة والتيمم وغير ذلك مما لا يرفع حدثاً، ولا نجساً لكنه في معناهما، انظر في معناها اللغوي الصحاح ٢/ ٧٢٧، ترتيب القاموس ٣/ ١٠٣، لسان العرب ٤/ ٢٧١٢، المصباح المنير ٢/ ٥١٨، والشرعي تحرير التنبيه للإمام النووي (٣٤)، وشرح المهذب ١/ ١٢٣، الاقناع ١/ ٥٨، حاشية الباجرري ١/ ٢٥.(٣) في أ: وأربعة.(٤) في أ: وان.
والرابع: فيما يعتبر من الأحكام باعتبار الظروف، والأواني.وقوله: "والمُطَهِّرُ لِلْحَدَثِ وَالخَبَثِ"، هو الماء من بين سائر المائعات.وفيه كلامان:أحدهما: أن الخَبَثَ مَرْقُومٌ فيه النسخ بِرَقَمِ أبي حنيفة (١) -رحمه الله تعالى-، دون الحدث بناء على أن المشهور أن الطّهُورِيَّةَ مخصوصة بالماء في الحدث إجماعاً (٢)، ولكنه في الخبث مختلف فيه بيننا [وبين أبي حنيفة] (٣). ولك أن تقول دعوة الإجماع في الحدث على إطلاقه لا يَستقيم، لأن نَبِيذَ التَّمْرِ عنده طَهِورٌ في السفر عند إعواز (٤) الماء، وإذا كان كذلك فلو جعل الرقم على قوله هو الماء ليشملها جميعاً لم يضر.الثاني: لم قال من بين سائر المَائِعَاتِ، ولم يقتصر على قوله، والمُطَهِّرُ للحدث والخبث، هو: الماء.والجواب أنه لو اقتصر عليه لأشكل بِالتُّرَابِ فإنه مطهر، وليس بماء.واعلم أنه لو أراد تخصيص الطهورية في الحدث والخبث جميعًا بالماء لما لزم هذا الإِشْكَالُ، لكنه لم يرد التَّخْصِيصَ في الفصلين جميعًا، وإنما أراد التخصيص في كل واحد منهما، فوجب الاحْتِرَازُ. فإن قلت: ولم اختصت الطهورية بالماء.قلنا: أما في الحدث، فلقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} (٥) لولا اخْتِصَاصُ الوضوء بالماء لما نقل إلى التراب إلا بعد فقد ما يشارك الماء في الطهورية من المَائِعَاتِ(١) الإمام البارع أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى - بضم الزاي وفتح الطاء ابن ماه التيمي الكوفي إمام المذهب الحنفي، وأحد الأئمة الأربعة التي عليها مدار الناس قال الشافعي: (الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه) ولد سنة ٨١ هـ، وتوفي سنة ١٥٠ العبر ١/ ٢١٤، تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢١٦، الجواهر المضيئة (١/ ٢٦ - ٣٢).(٢) الإجماع في اللغة: العزم المصمم والاتفاق. وعند الأصوليين: اتفاق مجتهدي أمة الإجابة في عصر من العصور على أمرٍ من أمور الدين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. انظر: القاموس ٣/ ١٥، المصباح المنير ١/ ١٧١، المعتمد ٢/ ٤٥٧، المستصفى ١/ ١١٠، الإحكام للآمدي ٢/ ٢٨٠، منتهى السول ١/ ٤٩، المحصول ٢/ ١/ ١٩، شرح التنقيح ٣٢٢، الإبهاج ٢/ ٣٨٩، المنتهى لابن الحاجب ٣٧، جمع الجوامع حاشية البناني ٢/ ٧٧، العضد على المختصر ٢/ ٢٩، كشف الأسرار ٣/ ٢٢٧، تيسير التحرير ٣/ ٢٢٤، شرح الكوكب ٢/ ٢١٠. انظر سلاسل الذهب ٣٣٧.(٣) في ط (وبينه).(٤) عوز الشيء عوزًا من باب تعب عزْ فلم يوجد وعزت المشيء أعوزه من باب قال احتجت إليه فلم أجده وأعوزني المطلوب مثل أعجزني المصباح المنير ٢/ ٥٩٨.(٥) سورة النساء (٤٣)، والمائدة (٦).
ليأتي بأكمل الطهارات، وأما في الخبث فلما نستوفي من الخلاف.قال الغزالي: ثُمَّ المِيَاهُ الطَّاهِرَةُ عَلَى ثَلاثَةِ أقْسَامٍ:الْقِسْمُ الأَوَّلُ: المَاءُ المُطْلَقُ البَاقِي عَلَى أَوْصَافِ خِلْقَتِهِ فَهُوَ طَهُورٌ ومِنْهُ مَاءُ البَحْرِ وَمَاءُ البِئْرِ وَكُلَّ مَاءٍ نَبَعَ مِنَ الأَرْضِ أوْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ.قال الرافعي: قوله: "ثم المياه" يعني المياه الداخلة في هذا الباب - وهي الطاهرة وإنما انقسمت إلى ثلاثة أقسام، لأنها إما أن تبقى على أصل الخِلْقَةِ أو لا تبقى، وإن لم تَبْقَ فإما أن يخرج بما تغير من الصفات عن أن يسمى ماء مُطْلَقًا أو لا يكون كذلك.الأول الباقي على أوصاف خِلُقتِهِ، فهو طَهُورٌ لوقوع [مطلق اسم] (١) الماء عليه، واندراجه تحت النصوص الآمرة باستعمال الماء، والمُجَوّزَةِ له. وقد ورد في ماء البحر قوله صلى الله عليه وسلم: "الْبَحْرَ هُوَ الطَّهُورُ ماؤه" (٢). وفي ماء البئر: "إنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ بِئْر بضاعَة" (٣).فإن قلت: لم اعتبر الإطلاقُ مع البقاء (٤) على أصل الخِلْقَةِ حيث قال: "الماء المُطْلَقُ الباقي على أوصاف خِلْقَتِهِ فهو طهور"، ثم إذا اعتبر فكيف عُدَّ منه ماء البحر،(١) في ز تقديم وتأخير.(٢) رواه مالك والشافعي وأحمد والدارمي والأربعة والدارقطني والبيهقي والحاكم من رواية أبي هريرة قال الترمذي: حسن صحيح قال: وسألت البخاري عنه فقال حديث صحيح وصححه ابن خزيمة وابن حبان ورجح ابن منده صحته قال البيهقي في خلافياته: وإنما لم يخرجه الشيخان في صحيحيهما لأجل اختلاف وقع في اسم سعيد بن سلمة، والمغيرة بن أبي بردة. قال الحاكم ١/ ١٤٢ مثل هذا الحديث الذي تداوله الفقهاء في عصر الإمام مالك إلى وقتنا هذا لا يرد بجهالة هذين الرجلين. وهي مرفوعة عنهما بمتابعات فذكرها بأسانيد. قلت: وليسا بمجهولين. انظر خلاصة البدر المنير ١/ ٧. وقال ابن حجر في التلخيص تنبيه: وقع في بعض الطرق التي ذكرها الدارقطني أن اسم السائل عبد الله المدلجي، وكذا ساقه ابن بشكوال بإسناده وأورده الطبراني فيمن اسمه عبد، وتبعه أبو موسى فقال: عبد أبو زمعة البلوي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر، قال ابن منيع بلغني أن اسمه عبد، وقيل اسمه عبيد بالتصغير، وقال السمعاني في الأنساب: اسمه العركي، وغلط في ذلك، وإنما العركي وصف له، وهو ملاح السفينة قال أبو موسى: وأورده ابن منده فيمن اسمه عركي، والعركي هو الملاح، وليس هو اسماً، والله أعلم. وقال الحميدي: قال الشافعي: هذا الحديث نصف علم الطهارة. انظر التلخيص ١/ ١٢.(٣) رواه الشافعي وأحمد والثلاثة والدارقطني، والبيهقي من رواية أبي سعيد الخدري قال الترمذي: حسن. وفي بعض نسخه: صحيح وصححه أحمد ويحيى بن معين وغيرهما. انظر خلاصة البدر المنير ١/ ٧. وبضاعة بكسر الباء وَضَربها، والضم أكثر، وهي بئر قديمة بالمدينة حرسها الله تعالى.(٤) في ب: بقائه.
وماء البئر، وهذا مُقَيَّدٌ (١) لا مُطْلَقٌ (٢).فالجواب أن وصف الماء بالإطلاق قد تَكَرَّرَ في كلامِ الأئمة، ثم منهم من يفسر المطلق بالباقي على أوصاف الخِلْقَةِ، ومنهم من يُفسِّرُهُ بِاْلعَارِي عن القُيُود [والأوصاف] (٣).ونقول: الماء ينقسم إلى مُطْلَقِ، وإلى مضاف، ثم من المضاف ما هو طهور [كماء الكُوز] (٤) والبحر، ومنه ما ليس بطهور كماء الزَّعْفَرَانِ وماء الشَّجَرِ: فيجوز أن يقال: أراد بالمطلق الباقي على أوصاف الخلقة، وبه يشعر ظاهر كلامه في الوَسِيطِ (٥)، وعلى هذا يكون تعقيب المطلق بالباقي على أوصاف الخلقة تفسيرًا، وبياناً لِلْمَعْنَى.ويجوز أن يقال: أراد بالمطلق العَارِيَ عَنِ القُيُودِ والإضافات، أي: كل ما يسمى ماء من غير قيد فهو طَهُورٌ، وهذا لا ينافيه وقوع اسم الماء عليه مضافاً، بل تصح الإشارة إلى الماء المُعَيَّنِ بأنه ماء وبأنه مَاءُ عَيْنٍ، أو نهر وبهذا يظهر فساد تقسيم من قسم الماء إلى مطلق، ومضاف؛ لأن المطلق يجوز أن يكون مضافاً، وبالعكس أيضاً، فيدخل أحد القسمين في الآخر وإذا عرفت ذلك فإن أراد المعنى الأول فهما شيء واحد، فلا معنى لقول القائل: لم اعتبر الإطلاق مع البقاء على أصل الخلقة، وإن أراد المعنى الثاني فقد ذكرنا أنه لا مُنَافَاةَ بين كونه مطلقاً بهذا المعنى، ومضافاً، ثم ليس ذلك على سبيل اشتراط الإطلاق، لأن كل باق على أصل [خلقته يقع] (٦) عليه اسم الماء عرياً عن الإضافات فهو إذاً ملازم للبقاء على أصل الخِلقة، وإنما هو إِشَارَةٌ إلى أن المعنى المقتضي للطّهُورِيَّةِ إطلاقه والدخول في النصوص على ما سبق، ويتبين مما ذكرناه أنه لو حذف لفظ المطلق لم يضر.قال الغزالي: وَلَا يُسْتَثْنَى عَنْهُ إِلَّا المَاءُ المُسْتَعْمَلُ فِي الحَدَثِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ (ح) غَيْرُ طَهُورٍ (م) عَلَى القَوْلِ الجدِيدِ (٧) لِتَأَدِّي العِبَادَةِ بِهِ وَانتِقَالِ المَنْعِ إِلَيهِ، فَالمُسْتَعْمَلُ فِي الكَرَّة(١) المقيد هو اللفظ الدال على الماهية الموصوفة بأمر زائد عليها أو هو اللفظ المتناول لمعين أو غير معين موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لحينه.(٢) المطلق هو اللفظ الدال على الماهية بلا قيد، أو هو اللفظ المتناول لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لعينه. انظر شرح الكوكب المنير ٢/ ٣٩٢ - ٣٩٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٥ كشف الأسرار ٢/ ٣٨٦ التعريفات للجرجاني ٢١٨، الحدود للباجي ٤٧ - ٤٨، المحصول ١/ ٢/ ٥٢١، البرهان ١/ ٣٥٦، حاشية العطار ٢/ ٧١.(٣) في أ (الإضافات).(٤) في ب: كالكوز.(٥) أحد الكتب الثلاثة للإمام الغزالي رحمه الله.(٦) في ط: الخلق يقع.(٧) وهو ما قاله الشافعي بمصر، وعليه استقرار المذهب، وانظر المقدمة. فإن فيها مزيد تفصيل.
الرَّابِعَةِ طَهُورٌ لِعَدَمِ المَعْنَيَينِ، وأمَّا المُسْتَعْمَلُ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ أَوْ فِي تَجْدِيدِ الوُضُوءِ أَوْ فِي غسلِ الذِّمِّيَّةِ إِذَا اغْتَسَلَتْ مِنَ الحَيْضِ لِيَحِلَّ لِلزَّوْجِ غَشَيَانُهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ لِوُجُودِ أَحَدِ المَعْنَيَينِ دُونَ الثَّاني.قال الرافعي: استثناء المستعمل من الباقي على أوصاف الخِلْقَةِ يبين أنه ليس المراد من الأوصاف كل ما يصح وصف الماء به، حتى الإضافات، والاعتبارات وإلا فإنه قبل الاستعمال مَوْصُوفٌ بأنه غير مستعمل، وبعده بأنه مستعمل، فلا يكون باقياً على الأوصاف كلها، حتى يستثنى منه، وإنما المراد الصفات المعنوية، ثم الاعتبار منها باللَّوْنِ، وَالطَّعْمِ، وَالرَّائِحَةِ، وهي المنظور إليها في التغير بالنَّجَاسَةِ كما سيأتي، والصفات المعنوية باقية بحالها في المستعمل ثم هو غير طهور على المذهب فوجب استثناؤه.وفقه الفصل. أن الماء المستعمل في الحديث طاهر، وفي رواية عن أبي حنيفة رحمه الله هو نجس، وبه قال أبو يوسف (١) رحمه الله.لنا وجهان، أحدهما: قال صلى الله عليه وسلم: "خَلَقَ الله الْمَاءَ طَّهُوراً، لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَاّ مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ أوْ رِيْحَهُ" (٢) ولا تغير هاهنا.والثاني: أن الصحابة فمن بعدهم كانوا يتوضؤن في ثِيَابِهِمْ، ولا يَحْتَرِزُونَ عما يَتَقَاطَرُ عليهم وعلى ثيابهم، وهل هو طهور أم لا؟ قال في الجَدِيدِ: لا، لأنهم ما كانوا يجمعون المياه المستعملة للاستعمال، ثانيًا، ولو جاز الاستعمال لجمعوها كي لا يحتاجوا إلى التَّيَمُّمِ، وحكى عن القديم، أنه طهور، وبه قال مالك (٣) رحمه الله؛ لأن الطَّهُورَ ما يتكرر منه الطهارة، كَالقَتُولِ، وَالشَّتُومِ من يتكرر منه الفعل، ولأنه ماء بَاقٍ على إطلاقه، فأشبه غيره.ومنهم من لم يثبت هذا القول، وجزم بالجديد، وسواء ثبت أم لا فَالفَتْوَى على الجديد. ثم ذكر الأصحاب في أنه لم سقطت طهورية المستعمل معنيين:(١) يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، ويكنى بأبي يوسف، ويلقب بالقاضي، وقاضي القضاة، ولد سنة ١١٣ هـ وتوفى سنة ١٨٢ هـ. ابن خلكان ٢/ ٤٠٠، طبقات الأصوليين ١/ ١١٤.(٢) رواه ابن ماجه والبيهقي هكذا من رواية أبي أمامة. والدارقطني بدون (أو لونه) وهو حديث ضعيف في إسناده رشدين بن سعد المصري. وهو واه قاله يحيى وأبو حاتم الرازي: والصحيح إرساله وأشار أمامنا الشافعي أيضًا إلى ضعفه، واستغنى عنه بالإجماع. انظر خلاصة البدر ١/ ٨.(٣) الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي أبو عبد الله المدني أحد أعلام الإسلام وإمام دار الهجرة، ولد سنة ثلاث وتسعين، وتوفي سنة تسع وسبعين ومائة، ودفن بالبقيع. انظر خلاصة تهذيب الكمال ٣/ ٣.
أحدهما: تأدى عبادة الطهارة به.والثانى: تأدى فرض الطهارة به.فمن قال بالأول: أسقط طهورية المستعمل في الكَرَّةِ الثانية والثالثة، وتجديد الوضوء، والمَضْمَضَةِ، وَالاسْتِنْشَاقِ، وَغُسْل الجمعة، والعيدين، وسائر مسنونات الطهارة، [والطهارة المسنونة] (١) وقال بقاء الطهورية فيما اغتسلت به الذمية عَنِ الحَيْضِ لتحل لزوجها المسلم إذ لا تصح منها العبادة. ومن قال: بالآخر عكس الحكم.واتفقوا على أنهما لَيْسَتَا عِلَّتَيْنِ مستقلتين، وإلا لما صار بعضهم إلى ثبوت الطهورية في هذه الصور، وعلى أنهما ليستا جزأي علة واحدة، وإلا لما صار بعضهم إلى النفي، وإنما اختلفوا في أن المعنى هذا أو ذاك، وكل واحد منهما ملائم [الآخر] (٢)، أما تَأَدَّي العبادة [به] (٣) فلأن الآلة المستعملة في المقصود الحِسِّيِّ يورثها ضَعْفًا وَكَلَالاً، فكذلك [الآلة] (٤) المستعملة في المَقصُودِ الشَّرْعِيِّ.وأما تَأَدِّي الفرض به فلأن المراد منه رفع الحدث به، أو رفع منعه من الصلاة حيث لا يرتفع هو كما في وضوء صاحب الضَّرُورَةِ، وذلك يقتضي تأثر الماء ألا ترى أن غُسَالَةَ النَّجَاسَةِ لما أثرت في المَحِلِّ لم يبق المَحِلُّ كما كان قبل الغُسْلِ تأثرت هي بالاستعمال، حتى لم تبق كما كانت قبل الغسل، يُحْكَى هذا التقرير عَن ابْنِ سُرَيجٍ (٥)، ويجوز أن لا يقدر لكل واحد من فريقي الأصحاب التعليل بالمعنى الذي أبداه استقلالاً؛ بل يقول هؤلاء: ما ذكرناه من المعنى واقع في موضوع الاتفاق ملائم للحكم، فلا يحذف عن دَرَجَةِ الاعتبار، ويزعمون أن المعنى الثاني لغو، والآخرون يدعون مثل ذلك في المعنى الثاني، فَيَنْتَظِمُ الخلاف على هذا التقدير أيضاً.(١) في ز (الطهارات المسنرنات).(٢) سقط في ط.(٣) سقط في ط.(٤) سقط في ب.(٥) القاضي أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج البغدادي شيخ الشافعية في عصره، وعنه انتشر فقه الشافعي في أكثر الآفاق. قال الشيخ أبو إسحاق: كان ابن سريج يفضل على جميع أصحاب الشافعي حتى المزني، وقال الشيخ أبو حامد: نحن نجري مع ابن سريج في ظواهر الفقه دون دقائقه. بلغت مصنفاته أربعمائة تصنيف. تولى أبو العباس قضاء شيراز، ومات ببغداد لخمس بقين من جمادى الأولى سنة ست وثلثمائة عن سبع وخمسين، وستة أشهر قاله النووي في (تهذيبه) قال الخطيب: ودفن بالجانب الغربي بحجرة لسويقة بن غالب، وكان سريج جده مشهوراً بالصلاح الوافر. انظر ترجمته في الأسنوي ٥٩٣ ابن قاضي شهبة ١/ ٨٩ طبقات الشيرازي ٨٩ ووفيات الأعيان ١/ ٤٩، تاريخ بغداد ٤/ ٢٨٧، الشذرات ٢/ ٢٤٧، النجوم الزاهرة ٣/ ١٩٤.
واعلم أن ظَاهِرِ المذهب اعْتِبَارُ أدَاءِ الفرض دون المعنى الثاني حتى لا تَسْقُطُ طَهورِيَّةُ المستعمل في المرة الثانية وأخواتها، وتسقط في مسألة الذمية، والوجهان في الذِّمِيِّةِ مخصوصان بقولنا: إن الذمية إذا أسلمت يجب عليها إعادة ذلك الغُسْلِ، وهو الصحيح. أما إذا قلنا: لا تجب الإعادة عليها فهو مستعمل على المعنيين، لأنه قد ارتفع به المنع من الوَطءِ وأفاد جَوَازَ العِبَادَةِ به لو ارتفع مانع الكفر.وقوله: في الأصل "لتأدي العبادة به وانتقال المنع" كذلك يوجد في بعض النسخ؟ بل في أكثرها؛ وفي بعض النُّسَخِ المُحْدَثَةِ "أو انتقال المنع إليه"، وشغف به جماعة من مُحَصِّلِي هذا الكتاب لما ذكرنا أن العِلَّةَ غير مركبة من المعنيين، وإنما اختلفوا في أن العلة ماذا، ولا شك أن ما شرحناه من كلام الأصحاب واختلافهم يقتضي ذلك، ولكن الواو وأو قد يستعمل أحدهما في موضع الآخر، فالواقف على حظ المعنى قد ينزل الواو على أو، ولا يغير صورة الكتاب، ونظيره يكثر في المذهب، ثم الحدث ليس شيئًا محققًا يفرض انتقاله من البَدَنِ إلى الماء، لكن [المعنى أن باستعمال الماء] (١) يرتفع منع كان بالبدن، وهو أنه كان ممنوعًا من الصلاة وغيرها، ويحدث منع في الماء لم يكن، وهو أنه لا يستعمل مرة أخرى فَعَبَّرَ عن ارتفاع منع وحدوث منع بالانتقال تَوَسُّعاً.وينبغي أن تعلم أن انتقال المنع الذي ذكره هو الذي عبر عنه غيره من الأصحاب بأداء الفرض، لأن رفع الحدث فرض، ولا نعني بالفرض في مثل هذا ما يلحق الإِثْم بتركه بل ما لا بد منه، وكذلك نحكم باستعمال ما توضأ به الصبي إلا على وجه لا يعبأ به، وباستعمال ما توضأ به البَالِغُ لصلاة النفل: وعبارة أداء الفرض أوضح وأولى.قال الغزالي: فُرُوعٌ ثَلاثة: الأوَّلُ- المَاءُ المُسْتَعْمَلُ فِي الحَدَثِ لَا يسْتَعْمَلُ فِي الخَبَثِ عَلَى أَحْسَنِ الوَجْهَينِ. الثَّانِي- إِذَا جُمِعَ المَاءُ المُسْتَعْمَلُ حَتَّى بَلَغَ قُلَّتَينِ (٢) عَادَ طَهُوراً عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَينِ كَالمَاءِ النَّجِسِ. الثَّالِثُ- إِذَا انْغَمَسَ الجُنُبُ فِي مَاء قَلِيل نَاوِيًا وَخَرَجَ ارْتَفَعَتْ (و) جَنَابَتُهُ وَصارَ المَاءُ مُسْتَعْمَلاً بَعْدَ الخُرُوجِ وَالاِنْفِصَالِ.قال الرافعي: اعلم أنه يتفرع على القول الجديد مسائل:إحداها: المستعمل في الحدث هل يستعمل في الخبث؟ فيه وجهان:(١) بدل ما بين القوسين في ب: بالاستعمال.(٢) والقلتان بالأرطال: خمسمائة رطل بغدادية، وقيل ستمائة، وقيل: ألف، والصحيح خمسمائة، والقلتان تساوي ١٩٠ كيلو جرام، وهي تقريبية لا تحديدية.
قال الأَنْمَاطِيُّ (١)، وابن خيران (٢): نعم، لأن للماء قُوَّتَيْنِ، ولم يستوف إلا إحداهما. وقال الأكثرون وهو الأصح: لا، كما أن المستعمل في الحدث الأصغر لا يستعمل في الأكبر، وبالعكس. ولا يقال: الماء له قوتان ولم يستوف إلا إحداهما، ويجري الوجهان في المستعمل في الخبث هل يستعمل في الحدث إذا فرعنا على أن المستعمل في الخبث طاهر غير طهور وهو المذهب على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى- ولك أن تقول: إذا كان المستعمل في الخبث بحيث لا نحكم بنجاسته كان باقياً على أوصاف خِلْقَتِهِ وهو غير طهور على الظاهر، فيكون مستثنى مع المستعمل في الحدث عن الماء الباقي على أوصاف الخلقة فكيف ساغ للإمام رضي الله عنه أن يقول: "ولا يستثنى عنه إلا الماء المستعمل في الحدث".المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إذا جمع الماء المستعمل حتى بلغ قُلَّتَيْنِ، هل يعود طهورًا وجهان أحدهما يعود لأنه لو لم (٣) يعد إلى الطهورية لقَبِلَ النجاسة، وقد، قال صلى الله عليه وسلم: "إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لمْ يَحْمِلْ خَبُثاً" (٤)، ولأن الماء النجس المتفرق إذا جمع ولا تغير يعود(١) أبو القاسم عثمان بن سعيد بن بشار، بفتح الباء وتشديد الشين المعجمة، الأنماطي كذا نسبه الشيخ أبو إسحاق. وقال المطوعي في كتابه: (المذهب في ذكر أئمة المذهب). اسمه عبد الله ابن أحمد بن بشار، قال ابن الصلاح: وقد وقع للعقادي هنا خبط سببه اشتباه هذا بشخص من رواة الحديث، يقال له أيضًا الأنماطي، فليعلم ذلك. والأنماطي: منسوب إلى الأنماط، وهي البسط التي تفرش، أخذ الفقه عن المزني والربيع وأخذ عنه ابن سريج، قال الشيخ أبو إسحاق: كان الأنماطي هو السبب في نشاط الناس بالأخذ بمذهب الشافعي في تلك البلاد. قال: ومات ببغداد سنة ثمان وثمانين ومائتين. زاد ابن الصلاح في (طبقاته) وابن خلكان في تاريخه أنه في شوال. انظر ترجمته في تاريخ بغداد ١١/ ٢٩٢، انظر طبقات الأسنوي ٢٦، ابن قاضي شهبة ١/ ٨٠، العبر ٢/ ٨١، الشذرات ١٩٨/ ٢، مرآة الجنان ٢١٥.(٢) أبو علي الحسين بن صالح بن خيران البغدادي كان إماماً جليلاً ورعاً، كان يعقب على ابن سريج في ولايته للقضاء ويقول: هذا الأمر لم يكن في أصحابنا، إنما كان في أصحاب أبي حنيفة، وطلب الوزير ابن الفرات بأمر الخليفة للقضاء، فامتنع فوكل ببابه، وختم عليه بضعة عشر يوماً حتى احتاج إلى الماء فلم يقدر عليه إلا بمناولة بعض الجيران، فبلغ الخبر إلى الوزير فأمر بالإفراج عنه وقال: ما أردنا بالشيخ أبي علي إلا خيرًا أردنا أن نعلم أن في مملكتنا رجلاً يعرض عليه قضاء القضاة شرقاً وغرباً وفعل به مثل هذا، وهو لا يقبل. توفي رحمه الله يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة، سنة عشرين وثلثمائة، كذا قال العسكري والشيخ أبو إسحاق. وقال الدارقطني: توفي في حدود العشر وثلثمائة، ومال إليه الخطيب، وقال ابن الصلاح في: (طبقاته) إن الأول أقرب، وقال الذهبي: إنه أصح. انظر ترجمته في الأسنوي ٤١٧، تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢٦١، طبقات الشيرازي ١١٠.(٣) في ط: وجهان أصحهما نعم، لأنه لم.(٤) رواه الشافعي وأحمد والأربعة والدارقطني، والبيهقي من رواية ابن عمر. وصححه الأئمة كابن =