لوامع الدرر في هتك استار المختصر (محمد بن سالم المجلسي) القسم: الفقه المالكي الكتاب: لوامع الدرر في هتك أستار المختصر[شرح «مختصر خليل» للشيخ خليل بن إسحاق الجندي المالكي (ت: ٧٧٦ هـ)]المؤلف: محمد بن محمد سالم المجلسي الشنقيطي (١٢٠٦ - ١٣٠٢ هـ)تصحيح وتحقيق: دار الرضوانراجع تصحيح الحديث وتخريجه: اليدالي بن الحاج أحمد، عضو المجلس الأعلى للفتوى والمظالم ومستشار وزير الشئون الإسلامية والتعليم الأصلي «سابقًا»المقدمة بقلم حفيد المؤلف: الشيخ أحمد بن النيني، وزير الشئون الإسلامية والتعليم الأصلي «سابقًا»الناشر: دار الرضوان، نواكشوط- موريتانيا، لصاحبها أحمد سالك بن محمد الأمين بن أبوه الطبعة: الأولى، ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ معدد الأجزاء: ١٥ (١٤ والفهارس)أعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية)[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده صلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما، اللهم الإعانة اللهم الإعانة؛يقول العبد الفقير إلى الله تعالى المالكي الأشعري محمد بن محمد سالم بن محمد سعيد بن محمد بن عمر بن أبي السيد بن أبي بكر بن علي بن يَمَغْدِشْ بن وديعة الله بن عبد الله بن أحمد بن يفت بن يدَرْ بن إبراهيم المجلسي العلوي الفاطمي الحسني الإدريسي وإبراهيم هذا يقال- والله أعلم- إنه من ولد عمر بن عبد العزيز، وإنما عرفت بنفسي لقول القائل:ومن كتب الكتاب لم يذكر اسمه … كبنت لها أم وليس لها أب:الحمد لله رب العالمين، قيوم السماوات والأرضين، مفصل الآيات لقوم يفقهون، ما هو بإله استحدثناه، ولا برب ابتدعناه، بل هو معبود بالحق عبدناه، نَعَّمَ قلوب أوليائه بحبه فلهم إليه شوق وحنين، وتململوا من هول المطلع فلهم زفير وأنين، وأبعد المحروم بلا علة فهو بدين الحرمان يدين وشغل الجهول أيام عمره وأعماه عن الحق المبين، وطبع على قلوبهم فطردهم عن بابه وجعلهم مبعدين، كل ميسر إلى ما سبق في علمه، ومقود إليه بزمام قهره وحكمه، فنَعَّمَ المقربين بالمسامرة وأظهر لهم من سره الأمر العجيب، وفجر من قلوبهم ينابيع الحكمة فنبع من العرفان كل معنى غريب، عزيز جلت صفاته، ملك لا تحصى مقدوراته، ولا تتناهى كمالاته ومعلوماته، محيط بما تحت تخوم الأرضين إلى أعلى السماوات، وبغير ذلك من جميع المعلومات والكائنات، لا تدركه الأوهام، ولا تحيط به الأفهام، أحمده حمد من علم أن لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه، وأشكره شكر من تحقق أن خير الدنيا والآخرة بيديه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده المطهر، وحبيبه السراج الأنور، ورسوله وباب حضرته الأكبر؛ شهادة أعدها لأهوال القيامة، وأتقي بها الحسرة والندامة، يوم يبعثون، {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}، وأصلي وأسلم على من أوتي جوامع الكلم واختصر له اختصارا سيدنا محمد الذي أُمِرَ بإعلاء كلمة الحق وخَفْضِ كلمة البهتان
فتقلد سيف النصر وصدع بما أمر به جهارا، من تفجر بمولدد بحور الرغبوت، وضحكت بجماله الزاهر ثغور الرحموت، مطلع شموس التجليات الاجتبائية، ومغرس أغصان التدليات الاصطفائية، من تدفقت من بحار كماله جداور الأنوار، وتفتقت من بهجته مونقات الأزهار، وتبرقعت بجماله عوالم الملكوت، وترعرعت في رياض بهجته أطفال أسرار الجبروت. وحيعل بجامع العز والحبور، وأوضح بالقول والفعل سبيلا للأمن والسرور: وهو الطريق الأقوم: الذي لسالكه الفوز والمغنم، من حاد عنه انتكس وارتدى، وعمهوا في ضلالتهم ولن يهتدوا إذا أبدا.أما بعد فإن الاشتغال بالعلم من أفضل ما يتقرب به إلى الله تعالى، لكون معرفة الله تعالى وعبادته يتوقفان عليه، والخير منوط بهما والشر منوط بعدمهما، وحينئذ فأهم ما يشتغل به الإنسان ما يرشده إلى تحقيق ذلك ويوصله إليه، فعلى العاقل أن يجتهد بعد معرفة الله تعالى فيما يعلم به كيفية العبادة.والعبادة هي: امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، وعلم الفقه هو الكفيل ببيان الأوامر والنواهي على أتم الوجود وأكملها، وجدير بذلك مذهب إمام الأئمة مولانا مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه. فقد أجاد في ذلك كل الإجادة، مع كثرة الجدوى وحسن الإفادة، بين الحلال والحرام والمسنون والمندوب والمكروه والمباح من الأحكام، فجزاه الله بأحسن الجزاء عن أهل الملة الإسلامية. وخصوصا عنا معاشر المغاربة فقد أفاض علينا من مواهبه الربانية، وأسبغ علينا من تحفه الإحسانية، ومن أعظم ما صنف فيه مختصر السيد الأجل، والحبر البارع الأحفل، مولانا أبي المودة خليل، فكم كشف عن معضلات وأبرد الغليل، بيَّن ما به الفتوى ت وما هو الراجح الأقوى، مع كثرة الجمع والإيجاز العجيب، وحسن اللفظ وفخامته وتناسب المعنى الغريب، غير أنه لفرط الإيجاز، كاد يعد من جملة الألغاز، وقد اعتنى بحل ألفاظه الجهابذة النقاد، من كل حبر بارع أجاد وأفاد، فشرحوا وأجادوا، ونقحوا وأفادوا، ومنهم من حلى بعض الشروح بأبدع من در النحور، ولآلئ تتلهب مثل الشموس والبدور.وبالجملة فقد بقيت في الكتاب مواضع كثيرة تحتاج إلى التقرير، والبيان والتوضيح والتحرير، وبحسب تتبع كلامهم يظهر من ذلك ما لم يكن مبينا في كتاب بانفراده، فأردت أن أبين من ذلك
ما ظهر لي مستعينا بحفظ المهيمن واسترشاده، بشرح أبذل جهدي في تحريره، وتوضيحه لكلام المص وتقريره، وسميته بلوامع الدرر، في هتكَ أستار المختصر، وإني لأعلم علم تحقيق وإيقان، بأني لست من خيالة هذا الميدان، لكن نظر رحمة الله تعالى إلى المرموق بعين الازدراء والتحقير، أكثر من نظرها إلى المرموق بعين الإجلال والتوقير.إن لله رحمة وأحق النـ … ـاس منه بالرحمة الضعفاء،والله أسأل أن ينفع به من كتبه أو قرأه أو حصله أو سعى في شيء منه، وأتوسل إليه في ذلك بجاه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.وأثبت هنا رؤيا للشيخ القدوة أحمد بابَ بن البخاري بن الفلالي رحمهم الله تعالى، وهي أنه أرسل إلي رسالة قال فيها: رأيت بعدك - وأنا في النوم - أن الناس تتحدث أن العلماء أهل المذاهب يؤتون المذاهب من أصل الروضة الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وكنت - أصلحك الله وذريتك ووقاك وإياهم كل مكروه في الدنيا والآخرة - ممن أعطي المذهب المالكي من أصل الروضة المكرمة.ثم إني بعد أن ثبت عندي هذا مشيت حتى أتيت الروضة الشريفة - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - وكنت أقرأ كتابي في الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم حتى خرج لي من القبر الشريف وكلمته صلى الله عليه وسلم. فالذي عندي أن هذا إذْنٌ في اشتغالك بالفقه المالكي، وإيذَانٌ بقبول شرحك على مختصر الشيخ خليل رحمه الله ورحمنا ببركته وبركة أوليائه. اهاعلم وفقني الله وإياك - أن المقصود من تعلم العلم وتعليمه، عبادة الله تعالى به لتوقفها عليه، فلذا كان الاشتغال به أفضل الأعمال، ولا يصلح عمل إلا بإخلاص النية لوجه الله تعالى، قال جل من قائل. {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}، وفي الحديث الصحيح المتفق عليه (إنما الأعمال بالنية وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه(١))، قال الشيخ(١) إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، صحيح البخاري، رقم الحديث: ١؛ ٦٦٨٩. ومسلم في صحيحه، رقم الحديث: ١٩٠٧.
أحمد بن عبد العزيز الهلالي نفعنا الله به: فقد دلت الآية الكريمة على أن صورة العبادة الظاهرة من الاشتغال بالعلم أو غيره لا عبرة بها إلا مع إخلاص النية لوجهه الكريم؛ فالنية والعمل بهما تمام العبادة، فهي أحد جزأي العبادة لكنها خير الجزأين؛ لأن الأعمال بالجوارح إنما طلبت ليميل القلب إلى الخير وينفر عن الشر، فالمراد بالسجود: خضوع القلب لا مجرد وضع الجبهة على الأرض، والمراد بالزكاة. إزالة رذيلة البخل لا إزالة الال عن ملك الغني.ودل الحديث الشريف على أن الأعمال معتبرة بالنية؛ فمن نوى بها خيرا كانت له خيرا، ومن نوىَ بها شرا كانت عليه شرا: ومن أراد بها مباحا كانت ضائعة، وإن كانت صورتها صورة عبادة فالسجدة مثلا تكون عبادة إذا كانت لله، وكفرا إذا كانت لصنم ومعصية دون الكفر إذا كانت لتعظيم سلطان من غير اعتقاد ربوبية.والاشتغال بالعلم يكون أفضل أعمال البر إذا نُوِيَ به امتثال أمر الله تعالى في تعاطيه وفي العمل به، ويكون معصية إذا قصد به التكبر على الأقران، واجتلاب الال من وجه حرام، كالرشوة، وقبض الأعطية من الأموال المغصوبة، وشبه ذلك، ويكون فضولا إذا نوي به الفضول كاجتلاب المباح المستغنى عنه.فأهم الأشياء على العاقل - ولا سيما في جانب تعاطي العلم - تصحيح النية، بأن ينوي بفعل المأمور به، وترك المنهي عنه امتثال أمر الله عز وجل، وبفعل المباح أو تركه الاستعانة على الطاعة، لتكون جميع حركاته وسكناته طاعة، وتنميتها بأن ينظر فيما عزم عليه من فعل أو ترك، فإن وجده يحتمل وجوها من الخير نواها كلها. حكى في المدخل عن بعض الشيوخ أنه كان مع صاحب له في حائط. فدق شخص الباب، فقام إليه الصاحب فلحقه الشيخ، وسأله بأي نية قام. فقال: لأفتح الباب، قال: لا غير؟ قال: هو ذاك، فعاب عليه الشيخ، وقال: إنما قمت أفتح الباب. وكذا وكذا: وعدد له من النيات، فإذا هي خمس وعشرون.وقد ذكر في المدخل في قضاء حاجة الإنسان - الذي هو أهون الأمور من الضروريات - نيفا وسبعين خصلة، فإذا نواها الإنسان حين خروجه للخلاء يحصل له نيف وسبعون حسنة فإذا منعه مانع من فعلها فقد ربح تلك الحسنات في نيته، وإذا فعلها حصلت له سبع مائة حسنة
ونيف؛ لحديث الصحيحين: (من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات(١)).وكل ما يعرض للإنسان من حركة أو سكون فلا يخلو من أن يكون مأمورا به وجوبا أو ندبا، أو منهيا عنه تحريما أو كراهة، أو مباحا وأقل ما ينوي العاقل بفعل الأول بقسميه امتثال أمر الله في فعله، وفي الثاني بقسميه امتثال أمر الله تعالى بتركه، وفي الثالث أن الله تعالى تفضل عليه بإباحته، وأنه لو نهاه عنه ما فعله، فإن قدر على تنمية تلك النيات فله بحساب ما نوى، فينوي بدخول المسجد والجلوس فيه مثلا أنه زائر لبيت ربه ويرجو إكرامه؛ لأن الكريم المزور يكرم، فما ظنك بأكرم الأكرمين؟ وينوي المرابطة المأمور بها في قوله تعالى: {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا}، فقد قيل هي انتظار الصلاة بعد الصلاة، وينوي الجوار؛ فإنه مستحب، ولا يشترط فيه الصوم ولا إتمام النهار، وينوي الخلوة ودفع الشواغل المانعة من التفكر في الآخرة والاستعداد لها، وينوي إفادة العلم واستفادته أو كليهما، كتنبيه من قصر في شيء من أحكام صلاته، وأن يشغل نفسه عن المعاصي وعن الفضول، وأن يقتدي به غيرد في فعل الخير وغير ذلك، وكذا سائر أعمال البر فينوي طالب العلم - تفصيلا إن قدر في كل مسألة، وإلا فإجمالا - أداء المفروض عليه بتعلمه ما يلزمه في خاصة نفسه، وما زاد ينوي به القيام بفرض الكفاية، ولا يقتصر على نية الندب؛ لأن أجر الفرض أعظم بكثير، وينوي أن يعمل بما علَّمه الله في خاصة نفسه، وأن يعلمه كل من أمكنه تعليمه، وينوي نفع الطبقات بالوسائط علما وعملا إلى يوم القيامة، وأن يشغل نفسه بطاعة الله عن معصيته، وعن الفضول الذي فيه تضييع العمر الذي هو رأس المال؛ وفيه مع ذلك شغل الكرام الكاتبين بما لا خير فيه، وقراءته على رؤوس الأشهاد حين يقال له: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} فيخجل في موقف الأهوال والشدائد وهو جوعان عطشان عُريان، وتشتد حسرته لكونه لم يشتغل بالعمل الصالح الذي هو في غاية الاضطرار إليه في ذلك الموقف، وفيه أيضا توبيخه بأن يقال له لم فعلت كذا أو قلت كذا؟(١) من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة. مسلم في صحيحه، رقم الحديث: ١٣١، وصحيح البخاري، رقم الحديث: ٦٤٩١.
فتنقطع حجته بين يدي علام الغيوب، ويبهت ولا يجد جوابا، وإذا كان هذا حاله في الفضول، فكيف في المعاصي. نسأل الله العفو والعافية.واعلم أن في الحديث: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له(١)).وفيه: (من علم آية من كتاب الله أو بابا من العلم أنمى الله أجره إلى يوم القيامة(٢)): قال العلماء في بيان كون العلم لا ينقطع بالموت: إنه إذا علم العالم شخصا، فعمل المتعلم بعد موت العالم بما علمه. يكتب له أجر تسببه، وهكذا في كل من عمل به إلى يوم القيامة، وإذا علم المتعلم آخر حصل للشيخ أجران؛ لأنه تسبب لتلميذه وتلميذ تلميذه في حصول الأجر لهما، فإذا علم التلميذ الثاني ثالثا حصل للشيخ الأول أربعة أجور زيادة على ما مر، لأنه تسبب للتلميذ الأول في أجرين ولكل من الثاني والثالث في الأجر، فإذا علم الثالث رابعا حصل للشيخ الأول ثمانية أجور فإذا علم الرابع خامسا فللأول ستة عشر، وفي السادس اثنان وثلاثون، وفي السابع أربع وستون. وفي الثامن ثمانية وعشرون ومائة، وفي التاسع ست وخمسون ومائتان، وفي العاشر اثنا عشر وخمس مائة. فإن ضممت ما في العاشر إلى ما قبله كان ثلاثة وعشرين وألفا - والحسنة بعشر أمثالها - فيكون ذلك ثلاثين ومائتين وعشرة آلاف.وهكذا يتضاعف له الأجر في كل مرتبة إلى منتهى السلسلة، وهذا في نفس تعليم مسألة واحدة لمتعلم واحد، فإذا تعدد التعليم والمتعلمون في كل طبقة تضاعفت الأجور بقدر ذلك، وتتضاعف بحسب تعدد العمل بذلك وفي الحديث: (من علم علما فله أجر من عمل به لا ينقص من أجر العامل(٣))، فتتناهى إلى غاية لا يعلمها إلا واهب ذلك،فالحمد لله رب العالمين حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده:والمرء في ميزانه أتباعه … فاقدر إذا قدر النبي محمد(١) إذا مات الإنساز انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة. صحيح مسلم، رقم الحديث. ١٦٣٥.(٢) من علم آية من كتاب الله أو بابا من علم أنمى الله أجره إلى يوم القيامة. كنز العمال، رقم الحديث: ٢٨٧٠٤.(٣) من علم علما فله أجر من عمل به لا ينقص من أجر العامل. سنن ابن ماجه، رقم الحديث: ٢٤٠.
صلى الله عليه وسلم تسليما وعلى آله وصحبه، وفي الحديث: (ما جميع أعمال البر في الجهاد إلا كبصقة في بحر، وما جميع أعمال البر والجهادُ في طلب العلم إلا كبصقة في بحر(١))، وروى القرطبي في تذكرته عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مسألة واحدة يتعلمها المؤمن خير له من عبادة سنة وخير له من عتق رقبة من ولد إسماعيل، وإن طالب العلم والمرأة المطيعة لزوجها والولد البار لوالديه يدخلون الجنة بغير حساب(٢))، قال العلماء. والتعليم يكون بالمشافهة وبالتأليف والتدوين، فكل من فهم مسألة من التأليف فمؤلفه معلمه إياها، ومن هنا يظهر أن التعليم بالتأليف أكثر ثوابا منه بالمشافهة، لأن في التأليف ما فيها وزيادة ما يحصل بالكتاب لبقائه وانقطاعها، ولله در سيدي عبد الواحد بن عاشر حيث يقول:لله من صنعه في خلقه عجب … كادت حقائق في الوجود تنقلبكِلْمٌ بعين ترى لا الأذن تسمعها … خطابها حاضر وأهلها ذهبواولله در القائل:لنا جلساء لا يمل حديثهم … ألباء مأمونون غيبا ومشهدايفيدوننا من علمهم علم من مضى … وعقلا وتأديبا ورأيا مسددافلا فتنة تخشى ولا سوء عشرة … ولا تتقي منهم لسانا ولا يدافإن قلت أحياء فلست بكاذب … وإن قلت أموات فلست مفنداوفي رياض الصالحين عن رسول الله صلى الله عليه سلم أنه قال: (فضل العلم خير من فضل العبادة وخير دينكم الورع(٣))، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدال على الخير كفاعله(٤))،(١) اختصار المدونة والمختلطة لابن أبى زيد ج ١ ص ١٨. ط مركز نجيبويه،(٢) كنز العمال، ج ١٠ ص ١٦٠، رقم الحديث: ٢٨٨٢٨ وفيه … البار بوالديه يدخلون الجنة مع الأنبياء بغير حساب.(٣) فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع. مصنف ابن أبى شيبة، ج ٦ ص ١٨٧ المعجم الأوسط رقم الحديث: ٣٩٦٠.(٤) إن الدال على الخير كفاعله. جامع الترمذي، رقم الحديث: ٢٦٧٠، ولفظ مسلم: من دل على خير فله مثل أجر فاعله. كتاب الإمارة، رقم الحديث: ١٨٩٣.
وقال: (توضع الموازين يوم القيامة، فتوضع حسنات العبد في ميزانه فتخف فيؤتى بمثل السحاب والغمام كثرة فتوضع في ميزانه فتثقل، فيقال له: هل تدري ما هذا؟ فيقول: لا: فيقال: هذا ثواب ما علمت الناس من الخير فعملوا به وعلموه من بعدك)، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال. (إن العبد الذي يعلم الناس الفقه والخير إذا عرض يوم القيامة على الله تعالى، يقول الله عز وجل: مرحبا مرحبا، أنت الذي تحبب إلي عبادي وتحببني إلى عبادي، البس حلة كرامتي، فيلبس حلة لم تر العين مثلها قط، ويتوج بتاج في ركن ذلك التاج ياقوتة بيضاء تضيء مسيرة أيام وليال، ثم يقول الله عز وجل جلاله: يا ملائكة الرحمة شيعوا عبدي حتئ تردوه على الذين كان يعلمهم القرآن والخير والفقه في الدنيا).واعلم أن أقسام التأليف سبعة لا يؤلف العاقل إلا في أحدها: إما شيء لم يسبق إليه يخترعه، أو ناقص يتممه، أو مستغلق يبينه، أو طويل يختصره دون إخلال بمعانيه: أو متفرق يجمعه، أو مختلط يرتبه. أو خطأ يصلحه، وللشيخ سيدي أحمد بن عبد العزيز الهلالي:في سبعة حصروا مقاصد العقلا … من التآليف فاحفظها تنل أملاأبدع تمام بيان لاختصارك في … جمع ورتب وأصلح يا أخي الخللاقال الشيخ العارف بالله تعالى مولانا أبو المودة خليل رَوَحَ الله تعالى روحه وأفاض علينا فتوحه: بسم الله الرحمن الرحيم؛ الكلام على البسملة من ثمانية أوجه: معنى مفرداتها، وإعرابها، ومعنى تركيبها، وسبب الابتداء بها: وحكمها، وفضلها، وكتابتها: وقرءانيتها.أما معنى مفرداتها فإن الباء للمصاحبة، والمراد منها التبرك، فكأن المبتدئ بالبسملة يقول: أفعل كذا حال كوني متبركا فيه ب بسم الله، فالمصطحبان هما العمل المبدوء بها أو البادئ، ومدخول الباء والتبرك منسحب على جميع العمل سواء قدر العامل عاما كأبدأ، أو خاصا كأولف أو ءاكل مثلا، ويحتمل أن تكون الباء هنا للاستعانة، والراد بذلك كون مدخول الباء واسطة في حصول العمل على الوجه المعتد به: وباء الاستعانة هي الداخلة على ءالة الفعل، نحو كتبت بالقلم بمعنى أن القلم هو الواسطة لي في حصول الكتابة. وكذا هنا، فيقال: معناها أن اسم الله تعالى هو
الواسطة في حصول العمل المشروع فيه لبركة الاسم الشريف، فمئال المصاحبة والاستعانة هنا واحد، وقيل. إن الباء هنا بمعنى على، والظاهر أن القائل بذلك أراد الاستعلاء المجازي، نحو: سر على اسم الله: وقيل: إنها للإلصاق، وهذان راجعان لما قبلهما، وقد قالوا: إن معاني الكتب السماوية مجموعة في القرآن، ومعاني القرءان مجموعة في الفاتحة، ومعاني الفاتحة مجموعة في البسملة، ومعاني البسملة مجموعة في بائها السيوطي: وجه الجمع في بائها بأن المقصود من كل العلوم وصول العبد إلى الرب، والباء للإلصاق، فهي تلصق العبد بجانب الرب، وذلك كمال المقصود. قاله الشيخ عبد الباقي. وفيه: أن الباء حرف شفهي تنفتح الشفة به ما لم تنفتح بغيره من الحروف، فالميم وإن كان شفهيا لا تنفتح الشفة به كما تنفتح بالباء حسا، وكان أول انفتاح فم الذرة الإنسانية في عهد {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} في جواب "بلى"، فاختارها الله تعالى، ورفع قدرها، وأعلى شأنها، وجعلها مفتاح كتابه، وقرنها باسم ذاته وصفاته، وقيل: إن الباء هنا زائدة وهو مرغوب عنه، ومن الغريب أنها للقسم؛ أي القسم على أن ما في هذه السورة حق ونحوه في الغرابة قول من قال إنها للتعدية متعلقة بالحمد، يعني في الفاتحة ونحوها مما ذكر فيه الحمد بعدها، ولبعضهم في جميع معاني الباء:تعد لصوقا واستعن بتسبب … وبدل صحابا قابلوك بالاستعلاوزد بعضهم إن جاوز الظرف غاية … يمينا تحز للبا معانيها كلافباء التعدية هي المعاقبة للهمز نحو: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} أي أذهبه، فليس معنى ذهبت بزيد أنك مصاحب له في الذهاب؛ خلافا للمبرد والسهيلي، والإلصاق هوأصل معانيها وما عداه راجع إليه؛ وهو يكون حقيقيا نحو: أمسكت بزيد، ومجازيا نحو: مررت بزيد أي ألصقت مروري بمكان يقرب منه، وقيل: للاستعلاء، بدليل قوله تعالى: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ}، والسببية نحو: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ}، والبدل نحو قول الأنصاري رضي الله تعلى عنه: ما يسرني أني شهدت بدرا بالعقبة أي بدلها، والمصاحبة نحو: {وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ} أي معه أي كافرين، والمقابلة نحو: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. وبهذا يتبين لك أنه لا تعارض بين
الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله(١))؛ لأن الباء في الحديث للسببية والباء في الآية باء العوض، وإنما لم تكن الأولى للسببية، لأن المعطي بعوض قد يعطي مجانا. والمسبب لا يوجد بدون السبب، وقالت المعتزلة قبحهم الله تعالى: إن الباء في الآية للسببية. والاستعلاءُ نحو: {مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ}، وباء الاستعلاء هي التي يصلح في موضعها على: والزائدة نحو، {كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا}، ونحو: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}: ونحو: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، والتبعيض نحو: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ}. والعجاوزة نحو: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} والظرف نحو: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ}: والغاية نحو: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي}، أي إلي، وقيل: ضمن معنى لطف واليمين نحو بالله لأفعلن أو بالله هل قام زيد؟ أي أسألك بالله مستخبرا. وهذا الأخير هو القسم الاستعطافي.والاسم هو اللفظ الدال بالوضع على معنى مَّا فيتناول الاسم النحوي وقسيميه. وقوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} يتناول جميع ذلك، والمسمى هو مدلول اللفظ، ومسألة الاختلاف في الاسم، هل هو عين المسمى، أو غيرة؟ مسألة طويلة الذيل قليلة النيل؛ إذ الخلاف فيها لفظي، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن أبي سلمة، وهو صغير ويده تطيش في الصحفة: (سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك(٢))؛ أي اذكر اسم الله. {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} أي وضعت لها هذا الاسم، وعينته للدلالة عليها، ومنه: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ}. وبنى بعضهم على الخلاف المتقدم أن من قال لزوجته: اسمك طالق، تطلق على اتحادهما، لا على الآخر، وأن من قال: بسم الله لأفعلن، تلزمه اليمين على الاتحاد، لا على الآخر، والجاري على مذهبنا عدم لزوم اليمين والطلاق إلا إذا نوى بالاسم الذات مجازا. والله أعلم. ولكون الاسم غير السمى حسن التمني في قول الشاعر:وقد زعم الواشون أن قد شتمتني … ويا حبذا من فيك لو علموا الشتملقد قبل اسمي فاك حين ذكرتني … فليت المسمى مثل ما زعموا الإسم(١) الإتحاف، ج ٢ ص ١٩٧. مسلم في صحيحه، رقم الحديث: ٢٨١٦.(٢) صحيح البخاري، كتاب الأطعمة، رقم الحديث: ٥٣٧٦.
ولفظ اسم هنا جنس أضيف إلى معرفة، فيعم جميع أسماء الله تعالى، فالتبرك بمصدوقه وهو جميع الأسماء قاله الشيخ الهلالي.والله: علم خاص بذات مولانا جل وعز المعبود بالحق المتصف بكل كمال، المنزه عن كل نقص، وأكثر العلماء على أن الاسم الأعظم هو الله، قال الشيخ الحطاب: وبه وقع الإعجاز حيث لم يتسَمَ به أحد، واختار النووي تبعا لجماعة أنه: الحي القيوم، وعلى كل فتخلف الإجابة لكثير من الداعين بهما لتخلف شروطها التي منها: أكل الحلال.ونقل عن سيبويه أن اسم الجلالة أعرف المعارف؛ لأنه لا يقبل الشركة بوجه، وحكي عنه أنه ريء في النوم فأخبر أن الله تعالى فعل به خيرا كثيرا، لقوله: هوأعرف المعارف، ولكون هذا الاسم الشريف جامعا للذات والصفات لا ينتقل الكافر إلى الإيمان إلا به، فلو أنه قال: لا إله إلا الرحمن الرحيم، أو إلا الملك، أو إلا القدوس لم يخرج من كفره. قاله الخرشي.وللتفتازاني: اعلم أنه كما تحيرت الأوهام في ذاته وصفاته، فكذا في اللفظ الدال عليه عز وجل، هل هو اسم أو صفة؟ مشتق أو غير مشتق عربي أو معرب؟ وقال الإمام الفخر: المختار عندنا أن هذا اللفظ اسم لله تعالى، وأنه ليس بمشتق؛ وهو قول الخليل وسيبويه، وأكثر الأصوليين، والفقهاء، قال السيد في شرح المواقف: وهو المروي عن أبي حنيفة، والشافعي، والخطابي، والغزالي، واختاره ابن العربي وغيره، قال الغزالي: وكل ما قيل في اشتقاقه فيه تعسف.واختلف القائلون بالاشتقاق اختلافا كثيرا، ولا دليل قطعي لأحد منهم، وأكثرهم يقولون إله بمعنى مألوه: أي معبود، يقال: أله يأله إلهة كعبد يعبد عبادة وزنا ومعنى، ثم حذفت همزته شذوذا وعوض عنها حرف التعريف وجعل علما، وقيل: أصله الإله، وقد أنكر ابن مالك هذين القولين وبالغ وتقرير إبطالهما، فالأولى عدم التعرض لاشتقاقه. والله تعلى أعلم.ويفخم لامه بعد غير الكسرة لا بعدها على الراجح، وقيل: يفخم مطلقا للتعظيم ويترجح قطع همزته في النداء للتعظيم أيضا، ويكثر تعويض الميم من حرف النداء الداخل عليه نحو: اللهم، وقد يحذف حرف الجر الداخل عليه في الشعر، ويحذف أل ويبقى الجر كقوله:
لاه ابن عمك لا فضلت في حسب … عني ولا أنت دياني فتخزونيأي لله ابن عمك، وقد تقلب ألفه المحذوف في الخط ياء، وتقدم عليها الهاء مع حذف حرف الجر وأل، فيقال: لهي أبوك؛ أي لله أبوك بفتح اللام وسكون الهاء وفتح الياء، مبني لتضمنه معنى حرف التعجب.والرحمن: هو المنعم بالنعم التي لا تدخل تحت كسب العباد؛ كبعث الرسل، والتوفيق للإيمان، وخلق الجنة ونعيمها، ويدل لهذا المعنى اختصاصه بالله تعالى: فإنه لا يجوز إطلاقه شرعا على غيرد عز وجل، واستعمال أصحاب مسيلمة إياه فيه لعنة الله عليهم تحريف له عن موضعه، كما حرفوا لفظ النبي فاستعملوه فيه، وقال الحطاب: ومن تسمى به؛ أي الرحمن هلك، وأصله صفة مشتقة من الرحمة، وفي كونها في حقه تعالى بمعنى الإنعام نفسه، أو بمعنى إرادة الإحسان خلاف: الأول للباقلاني. والثاني للإمام الأشعري، وعلى ما للباقلاني يقال: اللهم اجمعنا وأحبتنا في مستقر رحمتك؟ أي الجنة؛ لا على ما للأشعري.والرحيم: هو المنعم مطلقا، فلذا صح إطلاقه على غير الله عز وجل، وذكر بعد الرحمان ليتناول ما لم يتناوله. لأنه تعالى هو المنعم بكل نعمة {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}، فمتعلق الثاني شامل لمتعلق الأول وزيادة وقيل: الرحمن المنعم بجلائل المنعم، والرحيم المنعم بدقائقها كمية وكيفية فيهما، وقيل: الرحمن ذو الرحمة العامة لكل مربوب، والرحيم ذو الرحمة الخاصة بكل محبوب. وأخر عن الأول إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه - كما في الحديث(١) لأن في تخصيص الرحمة بالمحبوبين ترهيبا من سلوك سبيل المغضوب عليهم، فقد اشتملت البسملة إجمالا على ما حصل في الفاتحة من الإشارة إلى أصول العبادة وفروعها، والترغيب، والترهيب، وأحوال المعاد. والإشارة إلى درجات السعداء، ودرك ضدهم، ولا مانع من كونهما للمبالغة، والمبالغة في أسماء الله تعالى راجعة إلى كثرة التعلق التنجيزي. قاله الهلالي.(١) عن أبي هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: لما قضى الله الخلق كتب كتابا عنده: غلبت - أو قال سبقت - رحمتي غضبي، فهو عنده فوق العرش. البخاري كتاب التوحيد، رقم الحديث: ٧٥٥٣.
وفي الحطاب: أنهما صفتان للمبالغة من رحم بالكسر بعد نقله إلى فعل بالضم، أو تنزيله منزلة القاصر. انتهى. ولا محذور في كون الأسماء مشتقة من المصدر؛ لأن المحكوم عليه بالاشتقاق هو اللفظ فقط، وهو حادث، والقديم هو المعنى ولا يتصور فيه اشتقاق. وبالله تعالى التوفيق.وأما إعرابها فإن الباء متعلقة بمحذوف، والمختار كونه فعلا؛ لأن أصل العمل للفعل مؤخر للدلالة على الاهتمام والاختصاص، فيقصد الموحد تخصيص اسم الله بالابتداء للاهتمام، والرد على الكفار حيث كانوا يبدءون بأسماء، ءالهتهم، فيقولون: باسم اللات وباسم العزى، والأولى أيضا أن يقدر العامل المذكور خاصا كأولف هنا، لا عاما كأبدا، والمشروع فيه يعين المحذوف في كل مقام، فيقدر عند القراءة: أقرأ، وعند الشراب: أشرب، وهكذا، وقيل: يقدر اسما مبتدءا، والجار والمجرور هو الخبر، فيتعلق بالكون التام وصفا أو فعلا، فإن جعل الخبر كائن كما هو الصحيح، و بسم الله معموله: ففي رفعه لنيابته عنه ونصبه قولان، قاله الشيخ عبد الباقي.واعلم أن الظرف بالمعنى الشامل للمجرور إذا وقع خبرا كما هنا على أحد الوجهين المتقدمين، أو وصفا، أو حالا، أو صلة سمي مستقرا بفتح القاف، اسم مكان الاستقرار، لأنه استقر فيه الضمير المنتقل إليه من العامل المحذوف، وإن كان غير الأربعة سمي لغوا لإلغاء الضمير منه، والقدر المذكور واجب الحذف؛ لأن هذا كلام جرى مجرى الأمثال.واعلم أن مقدرات القرءان ضمائرَ مستترةً أو غيرها معانيها من المعاني القرءانية، وأما ألفاظها فليست منه لأنها معدومة، والاسم مأخوذ من السمو عند البصريين وهو العلو؛ لأن الاسم يعلي مسماه ويرفعه من حالة الجهلية إلى ضدها؛ ولذا يكثرون أسماء الشيء الذي لهم به عناية. وأصله سحو كقنو أو عضد حذفت لامه وعوض عنها همزة الوصل بعد تسكين أوله، ويدل على هذا تصغيره وتكسيره. والفعل وهو سميت وسائر تصاريفه، وعند الكوفيين من الوسم وهو العلامة، وأجابوا عن دليل البصريين بأنه من القلب بجعل الفاء في موضع اللام، ورد بأن البناء كامل التصاريف، وإنما يدعى القلب في ناقصها، وللداني رحمه الله:واشتق الاسم من سما البصريون … واشتقه من وسم الكوفيون
والمذهب القدم الجلي … دليله الأسماء والسميوفعل التسمية يتعدى بنفسه إلى مفعولين. نحو: {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ}، ومثله أسميت بالهمزة كقوله:والله أسماك سمى مباركا … آثرك الله به إيثاركاوليس من باب ظن؛ لأن المراد من الأول الذات، ومن الثاني مجرد اللفظ، والمفعولان في باب ظن يجب تصادقهما على ذات واحدة، ويجوز هنا في المفعول الثاني جره بالباء ومطاوع سمى يتعدى لواحد فقط. إما بنفسه كقولك: تسميت زيدا أو بالباء، كحديث: (تسموا باسمي ولا تَكنوا بكنيتي(١)) ومنه قول بعضهم:تصدر للتدريس كل مهوَّس … بليد تسمى بالفقيه المدرسفحق لأهل العلم أن يتمثلوا … ببيت قديم شاع في كل مجلسلقد هزلت حتى بدا من هزالها … كلاها وحتى سامها كل مفلسوالمهوس بالفتح الذي أصابه الهوس: وهو طرق من الجنون، وفي الاسم ثمان عشرة لغة جمعها بعضهم في قوله:اسم سم سما سماء وسمه … سماة ثلثهن نلت المكرمهونظمها الشيخ الأجهوري، فقال:ثلث من اسم سماء مع سم سمة … كذا سماة سمى بَدْءا لهن تفواسم الجلالة مضاف إليه ما قبله مجرور بالمضاف، وإضافته محضة مقدرة باللام وليست إضافته بيانية الآن مصدوق الأول الألفاظ ومصدوق الثاني الذات: بدليل إتباعه بما بعده من الرحمن(١) تسموا باسمى ولا تكنوا بكنيتى صحيح مسلم، كتاب الآداب، رقم الحديث ٢١٣٤. وفى البخاري بلفظ ولا تكتنوا .. إلخ، كتاب العلم، رقم الحديث ١١٠.