فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك (محمد بن أحمد عليش) القسم: الفقه المالكي الكتاب: فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك المؤلف: محمد بن أحمد بن محمد عليش، أبو عبد الله المالكي (ت ١٢٩٩هـ) الناشر: دار المعرفة الطبعة: بدون طبعة وبدون تاريخعدد الأجزاء: ٢[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
[بَابُ الطَّلَاقِ]{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: ٤٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَابُ الطَّلَاقِ. ابْنُ عَرَفَةَ الطَّلَاقُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تَرْفَعُ حِلِّيَّةَ مُتْعَةِ الزَّوْجِ بِزَوْجَتِهِ مُوجِبًا تَكَرُّرَهَا مَرَّتَيْنِ لِلْحُرِّ وَمَرَّةً لِذِي رِقٍّ حُرْمَتُهَا عَلَيْهِ قَبْلَ زَوْجٍ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَمْ يَرْسُمْهُ ابْنُ الْحَاجِبِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ مَرْسُومَةٌ لِلْعَوَامِّ فَضْلًا عَنْ الْفُقَهَاءِ يُرَدُّ بِأَنَّ الْمَشْعُورَ بِهِ لَهُمْ وُقُوعُهُ مِنْ حَيْثُ صَرِيحُ لَفْظِهِ أَمَّا حَقِيقَتُهُ فَلَا.عَبْدُ الْحَقِّ خَرَّجَ أَبُو دَاوُد عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ» وَيُرْوَى مُرْسَلًا مِنْ حَدِيثِ مُحَارِبِ بْنِ الْقَطَّانِ وَإِرْسَالُهُ مَرَّةً لَا يَضُرُّ فِي صِحَّةِ إسْنَادِهِ الْبَزَّارُ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَطْلُقُ النِّسَاءُ إلَّا مِنْ رِيبَةٍ إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الذَّوَّاقِينَ وَلَا الذَّوَّاقَاتِ» .الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا أَحَلَّ اللَّهُ شَيْئًا أَبْغَضَ إلَيْهِ مِنْ الطَّلَاقِ فَمَنْ طَلَّقَ وَاسْتَثْنَى فَلَهُ ثُنْيَاهُ» وَفِي إسْنَادِهِ حُمَيْدُ بْنُ مَالِكٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ.أَبُو دَاوُد عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» .وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ» .النَّسَائِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ تَحْتِي امْرَأَةً جَمِيلَةً لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ قَالَ: طَلِّقْهَا قَالَ: إنِّي لَا أَصْبِرُ عَنْهَا قَالَ: فَأَمْسِكْهَا» وَذَكَرَهُ ابْنُ صَخْرٍ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ إنَّمَا كَنَّى عَنْ بَذْلِهَا الطَّعَامَ، وَمَا يُدْخِلْهُ عَلَيْهَا لَا غَيْرُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ فِي تَرْجَمَةِ نِكَاحِ الزَّانِيَةِ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِطَلَاقِهَا وَقَوْلِهِ: جَمِيلَةً وَأَنَّهُ لَا يَصْبِرُ عَنْهَا فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ الْخِطَابِ حَدِيثُ «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ» يُصْرَفُ لِسُوءِ الْعِشْرَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَهُ وَفَعَلَهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم، ابْنُ عَرَفَةَ الْأَقْرَبُ أَنَّ فِعْلَهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ لِسَبَبٍ رَجَّحَهُ وَمَحْمَلُ كَوْنِهِ أَبْغَضَ أَنَّهُ أَقْرَبُ الْحَلَالِ إلَى الْبُغْضِ فَتَبْغِيضُهُ أَبْعَدُ عَنْ الْبُغْضِ فَيَكُونُ أَحَلَّ مِنْ الطَّلَاقِ كَقَوْلِ مَالِكٍ إلْغَاءُ الْبَيَاضِ أَحَلُّ، وَحَمَلَ اللَّخْمِيُّ مَا أَوْرَدَ فِي الْبَابِ عَلَى وُجُوهٍ وَاعْتِبَارَاتٍ فَقَالَ: الطَّلَاقُ عَلَى
أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: مَكْرُوهٌ وَمُبَاحٌ، وَمُسْتَحَبٌّ، وَوَاجِبٌوَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى حَالِ الزَّوْجَيْنِ فِي الْعِشْرَةِ، وَحَالِ الزَّوْجَةِ فِي نَفْسِهَا مِنْ الصِّيَانَةِ، وَالْفَسَادِ فَإِنْ كَانَ الزَّوْجَانِ عَلَى الْإِنْصَافِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مُؤَدٍّ لِحَقِّ صَاحِبِهِ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ لَا يُفَارِقَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: ١٩] الْآيَةَ فَنُدِبَ إلَى إمْسَاكِهَا لِإِمْكَانِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا، وَالْحَدِيثُ «أَبْغَضُ الْحِلَالِ» إلَخْ، وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ سَبَبٌ لِاطِّلَاعِ غَيْرِهِ عَلَيْهَا، وَاطِّلَاعِهَا عَلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بِحِمَايَةِ ذَلِكَ فَحَرَّمَ أَزْوَاجَهُ عَلَى غَيْرِهِ تَكْرِمَةً لَهُ فَكَانَ مِنْ مُرُوءَةِ الرَّجُلِ حِفْظُ هَذَا الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُؤَدِّيَةٍ لِحَقِّهِ نَاشِزًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ مُبَاحًا غَيْرَ مَكْرُوهٍ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَيِّنَةٍ فِي نَفْسِهَا اُسْتُحِبَّ لَهُ فِرَاقُهَا مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ إلَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِهَا نَفْسُهُ لِحَدِيثِ إنَّ زَوْجَتِي لَا تَرُدَّ يَدَ لَامِسٍ، وَلَا يَأْمَنُ أَنْ تُلْحِقَ بِهِ وَلَدَ غَيْرِهِ، وَإِنْ فَسَدَ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَا يَكَادُ يَسْلَمُ لَهُ دِينُهُ مَعَهَا، وَجَبَ الْفِرَاقُ إذَا لَمْ يَرْجُ صَلَاحًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} [النساء: ٣٥] الْآيَةَ، وَزَادَ ابْنُ بَشِيرٍ قَدْ يَكُونُ الطَّلَاقُ حَرَامًا، وَهُوَ إذَا خِيفَ مِنْ وُقُوعِهِ ارْتِكَابُ كَبِيرَةٍ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ عَلَاقَةٌ إنْ فَارَقَهَا خَافَ ارْتِكَابَ الزِّنَا قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا إلَيْهِ إنْ وَقَعَ مِنْ الْكَرَاهَةِ مَا لَا تَحْسُنُ بِهِ الصُّحْبَةُ، وَلَمْ يُؤَدِّ لِتَضْيِيعِ الْحُدُودِ، وَيَكُونُ مُبَاحًا إنْ خَافَ فَسَادَ الزَّوْجَةِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْفِرَاقُ، وَلَمْ تَتَشَوَّفْ نَفْسُهُ إلَيْهَا.وَتَقَدَّمَ لِلَّخْمِيِّ أَنَّ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ عَلَى الْعَكْسِ قَالَ، وَالْأَيْمَانُ بِالطَّلَاقِ مَمْنُوعَةٌ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا تَحْلِفُوا بِالطَّلَاقِ، وَلَا بِالْعَتَاقِ فَإِنَّهُمَا مِنْ أَيْمَانِ الْفُسَّاقِ» ، وَلِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَنْ يَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ لَا يَبَرُّ فِي يَمِينِهِ، وَقَدْ يَحْنَثُ، وَهِيَ حَائِضٌ، وَقَدْ قِيلَ فِي أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ فِي قَوْلِهِ عز وجل {وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ} [البقرة: ٢٢٤] الْآيَةَ أَيْ لَا تُكْثِرُوا الْأَيْمَانَ بِاَللَّهِ عز وجل فَإِنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ لَا يَبَرُّ، وَلَا يَتَّقِي، وَعَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ اعْتَادَ الْيَمِينَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهَا جُرْحَةٌ، وَلَا يَحْلِفُ بِذَلِكَ سُلْطَانٌ، وَلَا غَيْرُهُ وَيَنْهَى النَّاسَ عَنْ ذَلِكَ، وَيُؤَدِّبُ مَنْ اعْتَادَ الْيَمِينَ بِهِ، وَيَزْجُرُهُ عَنْ إيقَاعِ الطَّلْقَتَيْنِ، وَلَا يَبْلُغُ بِهِ الْأَدَبَ قَالَهُ الرَّمَّاحُ اهـ مِنْ نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيِّ.وَقَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ الطَّلَاقُ السُّنِّيُّ هُوَ الْوَاقِعُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي نَدَبَ الشَّرْعُ إلَيْهِ وَشُرُوطُهُ: أَنْ يَكُونَ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ، وَلَا يُرْدِفَهَا بِطَلْقَةٍ أُخْرَى، وَقِيلَ: إنْ طَلَّقَهَا فِي كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا مِنْ غَيْرِ رَجْعَةٍ فَهُوَ مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ، وَلَا بِدْعَةَ فِي الصَّغِيرَةِ وَالْيَائِسَةِ فَإِذَا فُقِدَ شَرْطٌ مِنْ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَلَيْسَ بِسُنِّيٍّ، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: رَجْعِيٌّ وَمُمَلَّكٌ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ، وَثَلَاثٌ وَخُلْعِيٌّ.فَأَمَّا الرَّجْعِيُّ فَيَلْزَمُ الزَّوْجُ فِيهِ، وَفِي السُّنِّيِّ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ لِلزَّوْجَةِ طُولَ الْعِدَّةِ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَرِثَهُ الْآخَرُ، وَلَهُ مُرَاجَعَتُهَا فِيهَا دُونَ إذْنِهَا مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا، فَإِنْ أَوْقَعَ هَذَا الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ فِي طُهْرٍ مَسَّهَا فِيهِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَلَيْسَ بِمَمْنُوعٍ، وَإِنْ أَوْقَعَهُ، وَهِيَ فِي حَالِ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ فَهُوَ مَمْنُوعٌ وَيَجْبُرُهُ السُّلْطَانُ عَلَى الرَّجْعَةِ فَإِنْ أَبَى حَكَمَ عَلَيْهِ بِهَا فَإِنْ أَنْكَرَ الزَّوْجُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي حَالِ حَيْضٍ، وَادَّعَى الطُّهْرَ، وَأَكْذَبَتْهُ فِي ذَلِكَ فَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلَهُ: وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا، وَلَا يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فَإِنْ كَانَتْ طَاهِرًا حِينَ ارْتَفَعَا إلَى الْإِمَامِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ لَا قَوْلَهَا، وَذَكَر ابْنُ فَتْحُونٍ أَنَّ ابْنَ يُونُسَ حَكَى عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّهُ قَالَ: يَنْظُرُ إلَيْهَا النِّسَاءُ كَالْعُيُوبِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ فِي الْبَائِنَةِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ إيقَاعُ الطَّلَاقِ فِي حَالِ الْحَيْضِ أَمْ لَا فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَعْدَ أَنْ خَلَا بِهَا دُون مَسِيسٍ بِمُوَافَقَتِهِمَا وَإِقْرَارِهِمَا بِذَلِكَ فَعَلَى الزَّوْجَةِ الْعِدَّةُ، وَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا، وَكَذَا إنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَعْدَ الْبِنَاءِ، وَأَنْكَرَتْ الزَّوْجَةُ الْوَطْءَ
وَادَّعَاهُ الزَّوْجُ فَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ لِإِقْرَارِهِمَا بِالْخَلْوَةِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ فَإِنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَادَّعَتْ أَنَّهُ مِنْهُ وَأَقَرَّ هُوَ بِهِ فَإِنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ، وَتَكُونُ لَهُ الرَّجْعَةُ وَيَلْزَمُهُ الصَّدَاقُ كَامِلًا، وَلَا يُتَّهَم أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْوَلَدِ لِتَكُونَ لَهُ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّ إلْحَاقَ النَّسَبِ يَرْفَعُ التُّهْمَةَ فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْوَطْءِ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ فَلَهُ الرَّجْعَةُ عَلَيْهَا إذَا وَافَقَتْهُ عَلَى الْوَطْءِ، وَالْعِدَّةُ لَازِمَةٌ لَهَا، وَإِنْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً مَلَّكَهَا بِهَا أَمْرَ نَفْسِهَا دُونَهُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ السُّنَّة، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، فَقِيلَ: إنَّهُ يَكُونُ طُلَقَةً رَجْعِيَّةً كَمَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً لَا رَجْعَةَ لِي عَلَيْك فِيهَا وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَمُطَرِّفٍوَالثَّانِي: أَنَّهَا تَكُونُ أَلْبَتَّةَ كَمَنْ قَالَ: أَنْت طَالِقٌ وَاحِدَةً بَائِنَةً فَإِنَّهَا ثَلَاثٌ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَابْنِ حَبِيبٍوَالثَّالِثُ أَنَّهَا طُلَقَةٌ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَحَكَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَبِهِ الْقَضَاءُ وَكَانَ ابْنُ عَتَّابٍ يُفْتِي بِأَنَّ مَنْ بَارَأَ زَوْجَتَهُ هَذِهِ الْمُبَارَأَةَ، ثُمَّ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْعِدَّةِ أَنَّ الطَّلَاقَ يُرْتَدَفُ عَلَيْهِ اسْتِحْسَانًا، وَمُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ يَرَاهُ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً فَإِنْ طَلَّقَهَا، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ.وَالثَّانِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ. [رَجُلٍ تَشَاجَرَ مَعَ زَوْجَتِهِ فَقَالَ لَهَا أَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا وَلَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ](وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ رَجُلٍ تَشَاجَرَ مَعَ زَوْجَتِهِ فَقَالَ لَهَا: أَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَأَجَابَ إذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْت فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهَا إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ اهـ.وَالطَّلَاقُ قَبْلَ الْبِنَاءِ كُلُّهُ بَائِنٌ، وَقَعَ عَلَى إسْقَاطٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ فَإِنْ أَوْقَعَهُ طَلْقَةً بَعْدَ أُخْرَى مُفَرَّقًا فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ بِإِجْمَاعٍ، وَإِنْ جَمَعَ الثَّلَاثَ فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الطَّلَاقِ الَّذِي أَوْقَعَهُ ثَلَاثًا فِي كَلِمَةٍ فَقِيلَ: إنَّهُ يَلْزَمُهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - إنَّمَا ذَكَرَ الثَّلَاثَ مُفَرَّقًا فَلَا يَصِحُّ إيقَاعُهُ إلَّا كَذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ بِهِ أَهْلُ الظَّاهِرِ، وَطَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَأَخَذَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِ قُرْطُبَةَ ابْنُ زِنْبَاعٍ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَصْبَغُ بْنُ الْحُبَابِ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْأَنْدَلُسِيِّينَ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَجُلُّ الْعُلَمَاءِ(وَسُئِلَ) ابْنُ رُشْدٍ عَنْ، وَثِيقَةٍ بِرَجْعَةٍ مِنْ الطَّلَاقِ الْمَذْكُورِ دُونَ زَوْجٍ.فَقَالَ: هُوَ رَجُلٌ جَاهِلٌ ضَعِيفُ الدِّينِ فَعَلَ مَا لَا يَسُوغُ لَهُ بِإِجْمَاعٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إذْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَيَسُوغُ لَهُ مُخَالَفَةُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ الْعُلَمَاءِ فِي وَقْتِهِ، وَلَا يَسُوغُ لَهُ أَنْ يُخَالِفَهُمْ بِرَأْيِهِ فَالْوَاجِبُ أَنْ يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ أُدِّبَ، وَكَانَتْ جُرْحَةً فِيهِ تُسْقِطُ إمَامَتَهُ، وَشَهَادَتَهُ اهـ مِنْ ابْنِ سَلْمُونٍ. [يَرُدُّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا وَيَتَحَيَّلُ فِي جَعْلِهِ وَاحِدَةً]، وَفِي نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيِّ سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَمَّنْ يَرُدُّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا، وَيَتَحَيَّلُ فِي جَعْلِهِ وَاحِدَةً، وَرُبَّمَا، وَجَدَ خَطَّهُ بِرَدِّهَا عَلَى وَاحِدَةٍ بِوِلَايَةِ الْخَالِ، وَالْكَاتِبُ لَا يَجْهَلُ هَذَا الْقَدْرَ، وَهَلْ يُؤَدَّبُ الْخَالُ، وَالشُّهُودُ فِي ذَلِكَ، وَمَا تَقُولُ فِيمَنْ سَأَلَهُ عَدْلٌ عَنْ زَوْجَتِهِ فَقَالَ: لَا تَحِلُّ لِي قَالَ: لَهُ لِمَ ذَلِكَ قَالَ: لِأَنِّي طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا، وَشَهِدَ عَلَيْهِ آخَرُ مَقْبُولٌ أَنَّهُ قَالَ لِهَذِهِ " الزَّوْجَةِ " الْأَيْمَانُ تَلْزَمُهُ إنْ كُنْت لِي بِزَوْجَةٍ أَبَدًا هَلْ تُلَفَّقُ الشَّهَادَتَانِ أَمْ لَا، وَمَا أُدِّبَ مَنْ فَعَلَ هَذَا إنْ لَمْ يُعْذَرْ بِجَهْلٍ؟فَأَجَابَ بِأَنَّ كَوْنَ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا لَا تَحِلُّ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، وَالْكَاتِبُ بِرَدِّ الْمُطَلَّقَةِ، وَالْمُفْتِي بِذَلِكَ جَاهِلٌ قَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ ضَعِيفُ
[مُقَدِّمَة الْكتاب]{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: ٤٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِتَبْيِينِ الْأَحْكَامِ لِلسَّائِلِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ الْقَائِلِ «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَجَمِيعِ التَّابِعِينَ، وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ.أَمَّا بَعْدُ: فَيَقُولُ الرَّاجِي شَفَاعَةَ جَدِّهِ سَيِّدِ قُرَيْشٍ مُفْتِي السَّادَةِ الْمَالِكِيَّةِ بِمَحْرُوسَةِ مِصْرَ الْمُعِزِّيَّةِ مُحَمَّدُ عُلَيْشٍ - عَامَلَهُ اللَّهُ بِجَزِيلِ إكْرَامِهِ، وَأَفَاضَ عَلَيْهِ سِجَالَ فَضْلِهِ وَإِنْعَامِهِ -: إنَّ أَوْلَى مَا يَشْتَغِلُ بِهِ الْعَاقِلُ اللَّبِيبُ، وَيَحْتَاجُ إلَيْهِ الْكَامِلُ الْأَرِيبُ التَّفَقُّهُ فِي دِينِهِ وَالِاجْتِهَادُ فِي تَوْضِيحِهِ وَتَبْيِينِهِ، وَلَمَّا كَانَتْ الْفَتْوَى مِمَّا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهَا فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ، وَمِنْ أَهَمِّ مَا يُعْتَنَى وَأَجَلِّ مَا يُقْتَنَى لِنَوْعِ بَنِي الْإِنْسَانِ قَيَّدْتُ مَا وَقَعَ لِي مِنْ الْأَسْئِلَةِ وَالْأَجْوِبَةِ وَجَمَعْتُهَا وَرَتَّبْتُهَا عَلَى أَبْوَابِ الْفِقْهِ بَعْدَ أَنْ هَذَّبْتُهَا وَنَقَّحْتُهَا، وَسَمَّيْتُهَا ب (فَتْحِ الْعَلِيِّ الْمَالِكِ فِي الْفَتْوَى عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ) رَاجِيًا مِنْ اللَّهِ سبحانه وتعالى التَّوْفِيقَ لِلصَّوَابِ، سَائِلًا مِنْهُ تَعَالَى أَنْ يُثِيبَنَا دَارَ الْفَضْلِ وَالثَّوَابِ، وَأَنْ يَنْفَعَ بِهَا الطُّلَّابَ وَيَجْعَلَهَا عُمْدَةً لِأُولِي الْأَلْبَابِ إنَّهُ وَلِيُّ الْإِجَابَةِ وَإِلَيْهِ الْإِنَابَةُ. [مَسَائِلُ الْعَقَائِدِ][الْإِيمَانُ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ]مَسَائِلُ الْعَقَائِدِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ أَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ الْإِيمَانُ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حُلْوِهِ وَمُرِّهِ وَلَا يُحْتَجُّ بِذَلِكَ وَأَنَّ الْقَدَرِيَّةَ يَحْتَجُّونَ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ مُوسَى عليه الصلاة والسلام قَالَ لِآدَمَ عليه الصلاة والسلام أَنْتَ الَّذِي كُنْتَ سَبَبًا فِي خُرُوجِنَا مِنْ الْجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ آدَم ذَلِكَ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَرِهِ فَسَكَتَ مُوسَى، وَقَالَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ عليه الصلاة والسلام «حَجَّ آدَم مُوسَى» وَأَيْضًا حُكِيَ أَنَّ بَعْضَ الْعَارِفِينَ وَعَظَ الشَّرَفَ الْمُنَاوِيَّ حَتَّى أَبْكَاهُ فَأَنْشَأَ الشَّرَفُ يَقُولُ:يَا ذَا الَّذِي آنَسَنِي وَعْظُهُ … أَنَسِيتَ مَا قُدِّرَ فِي الْمَاضِيإنَّ الَّذِي سَاقَكَ لِي وَاعِظًا … هُوَ الَّذِي صَيَّرَنِي عَاصِيوَاَللَّهِ مَا قَصْدِي سِوَى قُرْبِهِ … فَاخْتَارَ أَنْ يَعْكِسَ أَغْرَاضِيوَمَا نُسِبَ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ: اللَّهُمَّ لَمْ آتِ الذُّنُوبَ جُرْأَةً عَلَيْكَ وَلَا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّكَ وَلَكِنْ جَرَى بِذَلِكَ قَلَمُكَ وَنَفَذَ بِهِ حُكْمُكَ وَالْمَعْذِرَةُ إلَيْكَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْحُرَيْثِيُّ: مَنْ نَظَرَ إلَى الْخَلْقِ بِعَيْنِ الشَّرِيعَةِ مَقَتَهُمْ وَمَنْ نَظَرَ لَهُمْ بِعَيْنِ الْحَقِيقَةِ عَذَرَهُمْ، فَهَذِهِ كُلُّهَا تُوهِمُ الِاحْتِجَاجَ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ فَمَا الْجَوَابُ؟
فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ مَعْنَى قَوْلِنَا لَا يُحْتَجُّ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ أَنَّهُمَا لَا يُحْتَجُّ بِهِمَا فِي رَفْعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِسْقَاطِ التَّكَالِيفِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْكَسْبِ الثَّابِتِ لِلْعَبْدِ وَعِنْدَنَا لِلْعَبْدِ كَسْبٌ كُلِّفَ بِهِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي اعْتِرَافَنَا بِالْجَبْرِ بَاطِنًا وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقٌ لِجَمِيعِ أَفْعَالِ الْعَبْدِ فَمَذْهَبُنَا وَسَطٌ بَيْنَ مَذْهَبِ الْجَبْرِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ وَجَوَابُ آدَمَ عليه الصلاة والسلام لَيْسَ احْتِجَاجًا لِرَفْعِ تَكْلِيفٍ وَإِنَّمَا هُوَ تَأْدِيبٌ فِي الْبَرْزَخِ لِوَلَدِهِ مُوسَى عليه الصلاة والسلام بِأَنَّ اللَّائِقَ بِالْوَلَدِ أَنْ يَنْظُرَ لِجِهَةِ عُذْرِ وَالِدِهِ كَمَا أَفَادَ ذَلِكَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ الْأَمِيرُ فِي حَوَاشِي الْجَوْهَرَةِ وَكَلَامُ الشَّرَفِ لَيْسَ احْتِجَاجًا لِرَفْعِ تَكْلِيفٍ أَيْضًا وَإِنَّمَا هُوَ تَرَوُّحٌ.وَكَلَامُ ابْنِ أَدْهَمَ لَيْسَ احْتِجَاجًا لِرَفْعِ تَكْلِيفٍ أَيْضًا إنَّمَا هُوَ اسْتِشْفَاعٌ وَاسْتِعْطَافٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَكَلَامُ أَبِي الْعَبَّاسِ هُوَ عَيْنُ تَقْرِيرِ الْعَقِيدَةِ مِنْ أَنَّ الْعَبْدَ لَهُ كَسْبٌ ظَاهِرٌ بُنِيَتْ عَلَيْهِ التَّكَالِيفُ مَنْ نَظَرَ لَهُ بِاعْتِبَارِهِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ وَلَيْسَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي شَيْءٍ مَا وَمَنْ نَظَرَ لَهُ بِاعْتِبَارِهِ عَذَرَهُ بَاطِنًا وَلَمْ يَحْقِدْ عَلَيْهِ قَالَ الْمُحَقِّقُ الْأَمِيرُ:وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ لِلَّهِ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي نَفْيِ الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ وَالْفَخْرِ وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ فَإِنْ أَرَدْتَ شَيْئًا فَهَاتِ مِنْ عِنْدِكَ شَيْئًا وَيَسُدُّ أَبْوَابَ مُؤَاخَذَةِ النَّاسِ اهـ.وَإِلَى الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ يُشِيرُ قَوْلُ ابْنِ عَرَبِيٍّ عَنْ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إنَّ لِلرُّبُوبِيَّةِ سِرًّا لَوْ ظَهَرَ لَبَطَلَ حُكْمُ الرُّبُوبِيَّةِ.وَقَالَ أَيْضًا غَلَبَ عَلَيَّ شُهُودِ الْجَبْرِ الْبَاطِنِيِّ حَتَّى نَبَّهَنِي تِلْمِيذِي إسْمَاعِيلُ وَقَالَ لِي لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ أَمْرٌ ظَاهِرِيٌّ مَا صَحَّ كَوْنُهُ خَلِيفَةً وَلَا مُتَخَلِّقًا بِالْأَخْلَاقِ فَدَخَلَ عَلَيَّ بِكَلَامِهِ مِنْ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى.وَقَالَ الْمُحَقِّقُ الْأَمِيرُ عِنْدَ قَوْلِ الْجَوْهَرَةِ: وَمَيِّتٌ بِعُمُرِهِ مِنْ يُقْتَلُ، وَقَوْلُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ غَيْرِ مَدْخَلِيَّةٍ لِلْقَاتِلِ فِيهِ لَا مُبَاشَرَةً وَلَا تَوَلُّدًا مَا نَصُّهُ: " وَالْقِصَاصُ عِنْدَنَا نَظَرًا لِظَاهِرِ الْكَسْبِ كَقَوْلِ الْفَرْضِيِّينَ: مَنْ اسْتَعْجَلَ عَلَى شَيْءٍ قَبْلَ أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ اهـ.وَقَالَ أَيْضًا وَرُبَّمَا هَجَسَ لِبَعْضِ الْقَاصِرِينَ مِنْ أَنَّ حُجَّةَ الْعَبْدِ لِمَ تُعَذِّبْنِي وَالْكُلُّ فِعْلُكَ وَهَذِهِ فِي الْمَعْنَى حُجَّةٌ عَلَيْهِ فَالْعَذَابُ فِعْلُهُ أَيْضًا وَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ سُؤَالٌ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَقَدْ سُئِلَ) شَيْخُ مَشَايِخِي خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَمِيرُ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تبارك وتعالى وَاحِدٌ لَا مِنْ قِلَّةٍ وَمَوْجُودٌ لَا مِنْ عِلَّةٍ(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ؛ الَّذِي يَحْضُرُ الْفَقِيرَ فِي شَرْحِهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ أَنَّ مَعْنَاهُ لَيْسَتْ وَحْدَتُهُ وَانْفِرَادُهُ مِنْ أَجْلِ قِلَّةِ مَنْ يَتَّصِفُ بِالْكَمَالَاتِ وَصِفَاتِ الْمَجْدِ وَخُلُوِّ الْكَوْنِ عَنْهُ فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي الْحَوَادِثِ وَفِي الْحَقِيقَةِ الْوَحْدَةُ بِهَذَا الْمَعْنَى نَقْصٌ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
لَعَمْرُ أَبِيكَ مَا نَسَبُ الْمُعَلَّى … لَمَكْرَمَةٌ وَفِي الدُّنْيَا كَرِيمُوَلَكِنَّ الْبِلَادَ إذَا اقْشَعَرَّتْ … وَصَوَّحَ نَبْتُهَا رُعِيَ الْهَشِيمُوَأَمَّا وَحْدَةُ الْحَقِّ تَعَالَى فَذَاتِيَّةٌ بِكَمَالٍ لَا سَبِيلَ لِتَطَرُّقِ الِاشْتِرَاكِ إلَيْهِ وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ مَعْنَى وَاحِدُ لَا مِنْ قِلَّةٍ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَاهِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ مُمْكِنٌ تَعَدُّدُ أَفْرَادِهَا لَكِنْ قَلَّتْ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا إلَّا وَاحِدٌ بَلْ هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ وَعَنْ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ وَوُجُودُهُ ذَاتِيٌّ وَوَحْدَتُهُ ذَاتِيَّةٌ لَا يُمْكِنُ فِيهَا تَطَرُّقٌ وَلَا قِلَّةٌ.الثَّانِي أَنَّ مَعْنَى وَاحِدٌ لَا مِنْ قِلَّةِ أَنَّ وَحْدَتَهُ تَعَالَى لَيْسَتْ نَاشِئَةً عَنْ تَقْلِيلٍ بِأَنْ كَانَ لَهُ أَنْدَادٌ وَأَشْبَاهٌ وَشُرَكَاءُ فَسَطَا عَلَيْهِمْ حَتَّى أَبَادَهُمْ عَلَى عَادَةِ الْمُلُوكِ فَصَارَ وَاحِدًا مُنْفَرِدًا بِالْمُلْكِ بَلْ وَحْدَتُهُ أَزَلِيَّةٌ قَدِيمَةٌ ذَاتِيَّةٌ لَيْسَتْ نَاشِئَةً عَنْ قِلَّةٍ بِمَعْنَى تَقْلِيلٍ.الثَّالِثُ أَنَّ وَحْدَتَهُ تَعَالَى لَيْسَتْ وَحَدَاتِ الْقِلَّةِ كَمَا يَقَعُ فِي الْحَوَادِثِ بَلْ هُوَ وَاحِدٌ إلَيْهِ تَرْجِعُ جَمِيعُ الْكَثْرَاتِ وَعَلَى وَحْدَتِهِ تَدُورُ {أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ} [الشورى: ٥٣] فَهُوَ وَاحِدٌ ظَهَرَتْ وَحْدَتُهُ فِي جَمِيعِ الْمَظَاهِرِ فَهُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: ٧] {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} [فصلت: ٥٤] وَهَذَا مَعْنَى شَرِيفٌ لَا يُمْكِنُ شَرْحُهُ بِالتَّعْبِيرِ إنَّمَا يُذَاقُ بِحَسَبِ الْفَتْحِ وَالتَّجَلِّي مِنْ الْفَتَّاحِ الْخَبِيرِ، وَهُوَ مَعْنَى شُهُودِ الْوَحْدَةِ فِي الْكَثْرَةِ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْهُ الْقَوْمُ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ، وَقَدْ سُفِكَتْ فِيهَا دِمَاءٌ كَثِيرَةٌ بِسَبَبِ الْعِبَارَاتِ الْمُوهِمَةِ وَالْمَعْنَى قَدْ يَتَعَاظَمُ عَلَى الْعِبَارَةِ فَلَا يُمْكِنُهَا الْإِحَاطَةَ بِهِ حَقَّ الْإِحَاطَةِ فَمَنْ تَكَلَّفَ فِي ذَلِكَ التَّعْبِيرَ وَقَعَ فِي أَمْرٍ خَطِيرٍ.قَالَ الشَّاعِرُ:وَيَكْفِيكَ مِنْ ذَاكَ الْمُسَمَّى إشَارَةٌ … وَدَعْهُ مَصُونًا بِالْجَلَالِ مُحَجَّبًافَحَاشَا اللَّهِ وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُرِيدَ الْقَوْمُ حُلُولًا وَاتِّحَادًا كَمَا تُوهِمُهُ الْعِبَارَةُ قَالَ الْعَارِفُ ابْنُ وَفَا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَنَفَعَنَا بِهِ - حَاكِيًا عَنْ الْحَضْرَةِ:وَعِلْمُكَ أَنَّ كُلَّ الْأَمْرِ أَمْرِي … هُوَ الْمَعْنَى الْمُسَمَّى بِاتِّحَادِوَمَقَامُ الْعَامَّةِ فِي هَذَا تَصْدِيقُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا اخْتَصَّ الْخَوَاصُّ بِالذَّوْقِ وَالْعِبَارَةِ وَفَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الْعَسَلَ حُلْوٌ وَبَيْنَ حَالِ مَنْ يَذُوقُهُ بِالْفِعْلِ وَهَذَا بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ فَلْنُمْسِكْ عَنَانَ الْقَلَمِ، قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: إنَّمَا كَفَرَ مَنْ قَالَ إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ بَعْضًا مِنْ الثَّلَاثَةِ كَمَا هُوَ قَاعِدَةُ فَاعِلٍ مَعَ مَا اُشْتُقَّ مِنْهُ مِنْ الْعَدَدِ فَأَوْقَعَ الْمُشَاكَلَةَ وَالْمُشَابَهَةَ وَجَعَلَهُ بَعْضًا مِنْ مُتَعَدِّدٍ بِخِلَافِ {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: ٧] فَإِنَّ فِيهِ مَعْنَى الْجَعْلِ وَالتَّأْثِيرِ كَمَا هُوَ قَاعِدَةُ فَاعِل مَعَ مَا هُوَ دُونَهُ فَمَعْنَى رَابِعِ الثَّلَاثَةِ جَاعِلُ الثَّلَاثَةِ أَرْبَعَةً فَلْيُتَأَمَّلْ.الرَّابِعُ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِقِلَّةٍ وَلَا بِكَثْرَةٍ
فَإِنَّهُمَا مِنْ صِفَاتِ الْحَوَادِثِ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: ١١] وَجَمِيعُ مَا خَطَرَ بِبَالِكَ فَاَللَّهُ تَعَالَى بِخِلَافِ ذَلِكَ سُبْحَانَ مَنْ لَا يَعْلَمُ قَدْرَهُ غَيْرُهُ وَلَا يَبْلُغُ الْوَاصِفُونَ صِفَتَهُ لَكِنْ اقْتَصَرَ عَلَى نَفْيِ الْقِلَّةِ لِأَنَّ وَصْفَ الْوَحْدَةِ نَفْيُ الْكَثْرَةِ فَتَمَّمَ مَعْنَاهُ بِنَفْيِ الْقِلَّةِ أَيْضًا فَإِنَّهُ الْمُتَوَهَّمْ ثُبُوتُهُ بَعْدَ وَصْفِ الْوَحْدَةِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ وَاحِدٌ لَا يُوصَفُ بِالْكَثْرَةِ وَلَا يُوصَفُ أَيْضًا بِالْقِلَّةِ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. (وَقَدْ سُئِلَ أَيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا نَصُّهُ) مَا قَوْلُكُمْ فِي الْفَرَاغِ الْمُتَوَهَّمِ الَّذِي هُوَ ظَرْفٌ لِلْهَوَاءِ وَالْأَجْسَامِ هَلْ هُوَ حَادِثٌ أَمْ أَزَلِيٌّ وَإِذَا قُلْتُمْ بِحُدُوثِهِ مَعَ أَنَّهُ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ فَمَا حَقِيقَةُ الْحُدُوثِ إذْ عَدَمُ الْعَدَمِ فِيهِ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ، وَإِذَا قُلْتُمْ إنَّهُ أَزَلِيٌّ فَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى اعْتِقَادِ أَزَلِيَّتِهِ وَحُدُوثِهِ وَهَلْ الْمَوْلَى تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ حُلُولِهِ فِي الْفَرَاغِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجَوْهَرٍ وَلَا جِسْمٍ وَهَلْ الْفَرَاغُ الَّذِي فَوْقَ الْعَرْشِ حُكْمُهُ كَالْفَرَاغِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟(فَأَجَابَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ، الْفَرَاغُ عَدَمٌ مِنْ الْإِعْدَامِ فَلَيْسَ شَيْئًا مُحَقَّقًا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَحَقِّقًا لَكَانَ إمَّا جَوْهَرًا فَيَحْتَاجُ لِفَرَاغٍ أَوْ عَرَضًا فَيَقُومُ بِجَوْهَرٍ يَحْتَاجُ لِفَرَاغٍ وَيَنْتَقِلُ الْكَلَامُ لِلْفَرَاغِ الثَّانِي وَهَكَذَا فَيَلْزَمُ الدَّوْرَ أَوْ التَّسَلْسُلَ أَشَارَ لِذَلِكَ السَّيِّدِ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ وَالسَّعْدُ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ وَشُرَّاحِ هِدَايَةِ أَثِيرِ الدِّينِ الْأَبْهَرِيِّ كَالزَّيْنِ الْحُسْنَى وَالسُّدِّيِّ وَحَيْثُ إنَّهُ عَدَمٌ فَهُوَ أَزَلِيٌّ لِأَنَّ الْأَعْدَامَ كُلَّهَا أَزَلِيَّةٌ مَا خَلَا عَدَمَ الْوَاجِبِ فَإِنَّهُ مُسْتَحِيلٌ لِأَنَّهُ لَا وُجُودَ فِي الْأَزَلِ إلَّا لِلْوَاجِبِ جَلَّ شَأْنُهُ وَمَا عَدَاهُ عَدَمُهُ وَاجِبٌ فِي الْأَزَلِ وَعَلَى فَرْضِ الْقَوْلِ بِحُدُوثِ الْفَرَاغِ الْمُتَوَهَّمِ فَحَقِيقَةُ حُدُوثِهِ حُدُوثُ كَوْنِهِ مُتَوَهَّمًا أَيْ حُدُوثُ تَوَهُّمِهِ وَتَخَيُّلِهِ مَكَانًا لِلْجَوَاهِرِ وَحَقِيقَةُ الْحُدُوثِ عَلَى هَذَا التَّجَدُّدُ بَعْدَ عَدَمٍ لَا الْوُجُودُ بَعْدَ عَدَمٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْئًا مَوْجُودًا بَلْ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ فَقَطْ وَلَا يَتَرَتَّبُ ضَرَرٌ عَلَى اعْتِقَادِ أَزَلِيَّتِهِ وَلَا حُدُوثِهِ لَكِنْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَا مِنْ أَزَلِيَّتِهِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْعَدَمِ فِي نَفْسِهِ كَمَا قَالُوا فِي أَعْدَامِنَا السَّابِقَةِ عَلَى وُجُودِنَا مِنْ أَنَّهَا أَزَلِيَّةٌ وَأَزَلِيَّةُ الْعَدَمِ هُوَ مَعْنًى كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ وَهُوَ الْمُعَبِّرُ عَنْهَا فِي لِسَانِ الْحَقَائِقِ بِحَضْرَةِ الْعَمَى وَالظُّلْمَةِ، فَمَنْ قَالَ الْفَرَاغُ أَزَلِيٌّ يُثْبِتُ شَيْئًا مُحَقَّقًا مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالْأَزَلِيَّةِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَلْزَمَ مَحْذُورٌ وَإِنَّمَا هِيَ أَزَلِيَّةُ الْعَدَمِ فِي نَفْسِهِ كَمَا عَلِمْتَ وَمَنْ قَالَ حَادِثٌ يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّ تَوَهُّمَهُ وَتَخَلِّيَهُ أَمْرٌ مُتَجَدِّدٌ فَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ وَالْمَوْلَى جَلَّ شَأْنُهُ مُنَزَّهٌ عَنْ الْحُلُولِ فِي الْفَرَاغِ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْحَوَادِثِ الْمَحْصُورَةِ بِالْأَمْكِنَةِ وَالْجِهَاتِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرَاغِ الَّذِي فَوْقَ وَغَيْرِهِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّنَا نَمْسِكُ عَمَّا لَمْ يَرِدْ بِهِ سَمْعٌ فَوْقَ الْعَرْشِ وَنُفَوِّضُ عِلْمَهُ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ كَوْنِهِ مَشْغُولًا بِشَيْءٍ أَوْ لَا وَفِي مِقْدَارِ ذَلِكَ مَعَ وُجُوبِ تَنَاهِي الْمَوْجُودَاتِ الْحَادِثَةِ وَاسْتِرْسَالِ الْفَرَاغِ فِيمَا تَخَيَّلَ فَقَطْ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَوَاضِعِهِ وَأَمَّا قَوْلُ الْحُكَمَاءِ إنَّ
الْفَلَكَ الْأَعْظَمَ لَيْسَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ لَا خَلَا وَلَا مَلَا فَمَبْنِيٌّ عَلَى مَذَاهِبِهِمْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِحَرَكَاتِ الْكَوَاكِبِ وَنَحْوِهِ كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي أَمَاكِنِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. (وَسُئِلَ أَيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا نَصُّهُ) مَا قَوْلُكُمْ فِي النُّورِ الْمُحَمَّدِيِّ هَلْ هُوَ جِسْمٌ أَوْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ بِجِسْمِيَّتِهِ وَقُلْتُمْ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهُ قَبْلَ الْأَشْيَاءِ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَمْسٌ وَلَا قَمَرٌ وَلَا جِنِّيٌّ وَلَا مَلَكٌ وَلَا أَرْضٌ وَلَا سَمَاءُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ حَيِّزٍ يَتَحَيَّزُ فِيهِ وَلَا حَيِّزَ هُنَاكَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ؛ النُّورُ الْمُحَمَّدِيُّ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ السَّابِقُ فِي الْإِيجَادِ قَبْلَ جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ لَا تُطْلَقُ عَلَيْهِ الْجِسْمِيَّةُ إذْ لَا نَعْلَمُ فِيهِ إذْنًا وَرَدَ وَلَا تَوْقِيفًا كَيْفَ وَالْجِسْمُ مَا كَانَ مِنْ مَوَادٍّ تُرَكَّبُ مِنْهَا وَهَذَا مَادَّةُ الْمَوَادِّ كُلِّهَا، وَأَصْلُ الْأُصُولِ وَأَوَّلُ الْأَوَّلِ نَعَمْ هُوَ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ وَأَمَّا الْحَيِّزُ فَهُوَ فَرَاغٌ مَوْهُومٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ لَا تَحَقُّقَ لَهُ وَإِلَّا احْتَاجَ لِحَيِّزٍ وَدَوْرٍ أَوْ تَسَلْسُلٍ فَانْدَفَعَ التَّوَقُّفُ وَإِنَّمَا يَتِمُّ الْبَحْثُ بِقَوْلِ السَّائِلِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ حَيِّزٍ وَلَا حَيِّزَ هُنَاكَ لَوْ كَانَ الْحَيِّزُ أَمْرًا وُجُودِيًّا وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ الْجَمَاعَةِ فَعَلَى مَذْهَبِهِمْ لَا إشْكَالَ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ. [الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ هَلْ هِيَ أَجْسَامٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ جَوَاهِرَ وَأَعْرَاضٍ](وَسُئِلَ أَيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا نَصُّهُ) مَا قَوْلُكُمْ فِي الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ هَلْ هِيَ أَجْسَامٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ جَوَاهِرَ وَأَعْرَاضٍ أَوْ لَا؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ؛ الْمَلَائِكَةُ جَوَاهِرُ نُورَانِيَّةٌ رُوحَانِيَّةٌ لَهُمْ قُدْرَةٌ عَلَى التَّشَكُّلِ لَا يُوصَفُونَ بِذُكُورَةٍ وَلَا أُنُوثَةٍ وَلَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَيُوصَفُونَ بِالْأَعْرَاضِ فَإِنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَيَفْعُلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ وَيَتَنَزَّلُونَ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْرَاضِ لِأَنَّ التَّسْبِيحَ قَوْلٌ وَهُوَ عَرَضٌ وَالْفِعْلَ عَرَضٌ وَحَرَكَةَ النُّزُولِ عَرَضٌ وَكَذَلِكَ الصُّعُودَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَوَرَدَ أَنَّ لَهُمْ أَجْنِحَةً وَهِيَ جَوَاهِرُ فَهُمْ مُرَكَّبُونَ مِنْ جَوَاهِرَ نُورَانِيَّةٍ وَيُوصَفُونَ بِالْأَعْرَاضِ اللَّائِقَةِ بِالصُّورَةِ النُّورَانِيَّةِ، وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُمْ عُقُولٌ مُجَرَّدَاتٌ فَقَوْلُ الْحُكَمَاءِ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ. (وَمَا قَوْلُكُمْ) فِي أَرْوَاحِ الْبَهَائِمِ بَعْدَ الْمَوْتِ بِذَبْحٍ أَوْ غَيْرِهِ أَيْنَ تَسْتَقِرُّ؟فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ أَرْوَاحُ الْبَهَائِمِ بَعْدَ الْمَوْتِ بِذَبْحٍ أَوْ غَيْرِهِ تَسْتَقِرُّ فِي الْبَرْزَخِ كَمَا كَانَتْ فِيهِ قَبْلَ خَلْقِ الْجِسْمِ وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ رَوَاهُ الْأَشْعَرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي كِتَابِهِ شَجَرَةِ الْيَقِينِ فِي تَخْلِيقِ نُورِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ صلى الله عليه وسلم وَنَصُّهُ: " وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَسْلِيمًا - «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الصُّورَ وَلَهُ أَرْبَعَةُ شُعَبٍ شُعْبَةٌ مِنْهَا فِي الْمَغْرِبِ وَشُعْبَةٌ مِنْهَا فِي الْمَشْرِقِ وَشُعْبَةٌ مِنْهَا تَحْتَ الْأَرْضِ وَشُعْبَةٌ مِنْهَا فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَفِي الصُّورِ مِنْ الثَّقْبِ
بِعَدَدِ الْأَرْوَاحِ وَفِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا أَرْوَاحُ الْأَنْبِيَاءِ، وَفِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا أَرْوَاحُ الْمَلَائِكَةِ، وَفِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا أَرْوَاحُ الْجِنِّ وَفِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا أَرْوَاحُ الْإِنْسِ وَفِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا أَرْوَاحُ الشَّيَاطِينِ وَفِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا أَرْوَاحُ الْبَهَائِمِ حَتَّى السَّخْلَةُ وَالسِّقْطُ إلَى تَمَامِ سَبْعِينَ صِنْفًا وَأُعْطِيهِ إسْرَافِيلُ فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلَى فِيهِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَخَاتٍ نَفْخَةُ الْفَزَعِ وَنَفْخَةُ الصَّعْقَةِ وَنَفْخَةُ الْبَعْثِ» اهـ.الْمُرَادُ مِنْهُ وَفِيهِ إجْمَالٌ يُعْلَمُ تَفْصِيلُهُ مِنْ كَلَامِ الْغَوْثِ الْأَكْبَرِ سَيِّدِي عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّبَّاغِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَنَفَعَنَا بِهِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ فِي الْإِبْرِيزِ، وَنَصُّهُ: وَسَمِعْتُ الشَّيْخَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ فِي الْبَرْزَخِ إنَّهُ عَلَى صُورَةِ مُحَلِّقٍ ضَيِّقٍ مِنْ أَسْفَلِهِ ثُمَّ مَا دَامَ يَطْلُعُ وَهُوَ يَتَّسِعُ فَلَمَّا بَلَغَ مُنْتَهَاهُ جُعِلَتْ قُبَّةٌ عَلَى رَأْسِهِ مِثْلَ قُبَّةِ الْفَنَارِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُمَثَّلَ بِالْمِهْرَاسِ الْكَبِيرِ مِنْ الْعُودِ فَإِنَّ أَسْفَلَهُ ضَيِّقٌ ثُمَّ جُعِلَ يَتَّسِعُ شَيْئًا فَشَيْئًا إلَى أَعْلَاهُ فَإِذَا جُعِلَتْ فَنَارًا عَلَى رَأْسِهِ كَانَ مِثْلَ الْبَرْزَخِ فِي الشَّكْلِ أَمَّا فِي الْقَدْرِ وَالْعِظَمِ فَلَا فَإِنَّ الْبَرْزَخَ أَصْلُهُ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إلَى مَا يَلِيهَا ثُمَّ تَصَاعَدَ عَالِيًا حَتَّى خَرَقَ السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ تَصَاعَدَ حَتَّى خَرَقَ الثَّالِثَة وَهَكَذَا حَتَّى خَرَقَ السَّابِعَةَ ثُمَّ تَصَاعَدَ إلَى مَا لَا يُحْصَى وَقَدْ جُعِلَتْ عَلَيْهِ قُبَّةٌ هَذَا طُولُهُ، قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فَقُلْتُ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالْبَرْزَخُ مَبْدَؤُهُ مِنْ الْأُولَى إلَى مَا لَا يُحْصَى فَهُوَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ فَقَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّمَا اقْتَصَرُوا عَلَى مَا فَوْقَ السَّابِعَةِ لِأَنَّ فِيهِ الْقُبَّةَ الْمَذْكُورَةَ وَهِيَ أَشْرَفُ أَجْزَائِهِ إذْ لَيْسَ فِيهَا إلَّا رُوحُ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ - وَمَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِكَرَامَتِهِ كَأَزْوَاجِهِ الطَّاهِرَاتِ وَبَنَاتِهِ وَذُرِّيَّتِهِ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَانِهِ وَكُلُّ مَنْ عَمِلَ بِالْحَقِّ بَعْدَهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَفِيهَا أَرْوَاحُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَفِيهَا أَزْوَاجُ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ مَاتُوا بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي زَمَانِهِ وَبَذَلُوا نُفُوسَهُمْ لِيَحْيَا وَيَبْقَى وَلَهُمْ قُوَّةٌ وَجَهْدٌ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِمْ إثَابَةً لَهُمْ عَلَى حُسْنِ صَنِيعِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.وَفِي الْقُبَّةِ أَيْضًا أَرْوَاحُ وَرَثَتِهِ الْكَامِلِينَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى كَالْغَوْثِ وَالْأَقْطَابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ فِي كُلِّ سَمَاءٍ بَيْتًا مَعْمُورًا فَانْظُرْهُ فِي شَرْحِ الْإِسْرَاءِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي بَعْضِ نُسَخِهِ دُونَ الْبَعْضِ.وَأَمَّا عَرْضُ الْبَرْزَخِ فَحَسْبُكَ أَنَّ الشَّمْسَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ لَا تَدُورُ إلَّا بِهِ عَلَى هَيْئَةِ الطَّائِفِ فَتَقْطَعُهُ فِي كُلِّ عَامٍ وَكُلُّهُ ثُقَبٌ وَفِي هَذِهِ الثُّقَبِ الْأَرْوَاحُ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالْقُبَّةُ الَّتِي فِيهَا رُوحُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَرْوَاحُ مَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِكَرَامَتِهِ انْقَسَمَتْ إلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ بِعَدَدِ أَقْسَامِ الْجَنَّةِ كُلُّ قِسْمٍ مِنْهَا يُشْبِهُ جَنَّةً مِنْ الْجَنَّاتِ السَّبْعِ ثُمَّ قَالَ وَهَذِهِ الثُّقَبُ كَانَتْ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ مَعْمُورَةً بِالْأَرْوَاحِ فَلَمَّا أُهْبِطَتْ رُوحُ آدَمَ
- عليه الصلاة والسلام بَقِيَ مَوْضِعُهَا خَاوِيًا وَهَكَذَا كُلَّمَا أُهْبِطَتْ رُوحٌ بَقِيَتْ ثُقْبَتُهَا خَالِيَةً فَإِذَا رَجَعَتْ الرُّوحُ بَعْدَ الْمَوْتِ إلَى الْبَرْزَخِ فَلَا تَرْجِعُ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ بَلْ تَسْتَحِقُّ مَوْضِعًا غَيْرَهُ ثُمَّ قَالَ أَرْوَاحُ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَا ثَوَابَ لَهَا وَلَا عِقَابَ عَلَيْهَا مِنْهَا مَا يَكُونُ فِي جَهَنَّمَ عَذَابًا عَلَى أَهْلِهَا وَمِنْهَا مَا يَكُونُ فِي الْجَنَّةِ نِعْمَةً لِأَهْلِهَا فَأَرْوَاحُ الْكِلَابِ وَالسِّبَاعِ وَالذُّبَابِ وَمَا يُسْتَقْبَحُ مِنْ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ فِي جَهَنَّمَ إنْ كَانَتْ مَعَ الْكَفَرَةِ فِي الدُّنْيَا وَإِلَّا فَلَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.وَقَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَكَانَ الْيَوْمُ يَوْمَ الْعِيدِ الْأَكْبَرِ أَنَّهُ يَنْزِلُ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَلَائِكَةٌ لِقَبْضِ أَرْوَاحِ الضَّحَايَا فَتَرَى عَلَى كُلِّ بَلْدَةٍ أَوْ مَدِينَةٍ أَوْ مَوْضِعٍ يَذْبَحُ فِيهِ الْعَبْدُ مَلَائِكَةً كِرَامًا يَحُومُونَ لَا يَنْزِلُونَ إلَى الْأَرْضِ إلَّا فِي هَذَا الْيَوْمِ فَإِذَا ذُبِحَتْ الضَّحِيَّةُ أَخَذُوا رُوحَهَا وَذَهَبُوا بِهَا إمَّا إلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إلَى النَّارِ فَإِنْ كَانَتْ نِيَّةُ صَاحِبِهَا صَالِحَةً فِي ذَبْحِهَا وَلَمْ يُرِدْ بِهَا إلَّا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى خَالِصًا وَلَمْ يُرِدْ رِيَاءً وَلَا فَخْرًا وَلَا كِبْرًا وَلَا خُيَلَاءَ أَخَذُوا رُوحَ ضَحِيَّتِهِ وَذَهَبُوا بِهَا إلَى قَصْرِهِ فِي الْجَنَّةِ فَتَصِيرُ مِنْ جُمْلَةِ نِعَمِهِ الْمُعَدَّةِ لَهُ فِي الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَتْ نِيَّةُ صَاحِبِهَا عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ وَكَانَتْ نِيَّتُهُ فَاسِدَةً وَعَمَلُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ عز وجل أَخَذُوا رُوحَ ضَحِيَّتِهِ وَذَهَبُوا بِهَا إلَى جَهَنَّمَ وَتَصِيرُ نِقْمَةً مِنْ النِّقَمِ الَّتِي أُعِدَّتْ لَهُ فِي جَهَنَّمَ وَإِذَا نَظَرْت إلَى تِلْكَ الرُّوحِ رَأَيْتَ كَبْشًا بِذَاتِهِ وَصُورَتِهِ الْمَعْلُومَةِ بِقُرُونِهِ وَصُوفِهِ وَالْكُلُّ نَارٌ حَامِيَةٌ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَمِيرُ بِمَا نَصُّهُ) مَا قَوْلُكُمْ فِي بَيَانِ مَعْنَى الْأَسْمَاءِ وَالْمُسَمَّيَاتِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَهَلْ يُقْرَأُ بِالْأَسْمَاءِ أَوْ بِالْمُسَمَّيَاتِ أَوْ يُقْرَأُ بَعْضُهُ بِالْأَسْمَاءِ وَبَعْضُهُ الْآخَرُ بِالْمُسَمَّيَاتِ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) : " لَا يَخْفَاكَ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ مُجْمَلٌ غَيْرُ مُفْصِحٍ عَنْ الْمُرَادِ فَإِنَّ الْأَسْمَاءَ إنْ أُرِيدَ بِهَا هَذَا اللَّفْظُ أَعْنِي لَفْظَ الْأَسْمَاءِ فَقَدْ وَقَعَتْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ لِكُلِّ مَوْضِعٍ مَعْنًى يُنَاسِبُهُ فَهُوَ فِي قَوْله تَعَالَى {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الأعراف: ١٨٠] كُلُّ مَا دَلَّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الْعَلِيِّ وَصِفَاتِهِ السَّنِيَّةِ وَمُسَمَّيَاتِهَا مَا ذُكِرَ، وَفِي قَوْله تَعَالَى {إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا} [النجم: ٢٣] مَعْنَاهَا أَسْمَاءُ الْأَصْنَامِ كَاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاتَ وَمُسَمَّيَاتِهَا مَا ذُكِرَ، وَفِي قَوْله تَعَالَى {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: ٣١] كُلُّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَى مَعْنًى مُفْرَدًا كَانَ أَوْ مُرَكَّبًا مِنْ أَيِّ لُغَةٍ كَانَ.وَهَذَا لَا يُنَاسِبُ قَوْلَ السَّائِلِ بَعْدَ ذَلِكَ وَهَلْ يُقْرَأُ بِالْأَسْمَاءِ أَوْ بِالْمُسَمَّيَاتِ أَوْ بَعْضُهُ بِالْأَسْمَاءِ وَالْآخَرُ بِالْمُسَمَّيَاتِ وَاَلَّذِي يُنَاسِبُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ لِي بَعْضُ الْأَفَاضِلِ أَنَّهُ أَرَادَ أَسْمَاءَ حُرُوفِ الْهِجَاءِ وَمُسَمَّيَاتِهَا كَالْوَاقِعِ أَوَائِلَ السُّوَرِ نَحْوَ أَلَمْ وَغَيْرِهِ.وَاعْلَمْ أَنَّ الْقِرَاءَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي أَلْفَاظٍ مُجْتَمِعَةٍ مِنْ الْقُرْءِ وَهُوَ الْجَمْعُ وَكَذَلِكَ التِّلَاوَةُ لِأَنَّهَا كَوْنُ الشَّيْءِ تَالِيًا لِآخَرَ أَيْ تَابِعًا لَهُ فَأَلْفَاظُ الْقُرْآنِ الْمَتْلُوَّةُ الْمَقْرُوءَةُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ مُسَمَّيَاتِ حُرُوفِ
الْهِجَاءِ وَهِيَ حُرُوفُ الْمَبَانِي الَّتِي تُبْنَى مِنْهَا الْكَلِمَاتُ أَيْ تُرَكَّبُ ثُمَّ تِلْكَ الْأَلْفَاظُ الْمُرَكَّبَةُ مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ قَدْ تَكُونُ أَسْمَاءً لِتِلْكَ الْمُسَمَّيَاتِ كَمَا فِي الْكَلِمَاتِ الْمُفْتَتَحِ بِهَا أَوَائِلُ السُّوَرِ فَإِنَّ نُونًا مَثَلًا اسْمُ نُونٍ وَصَادًا اسْمُ صَادٍ، وَلِذَلِكَ تُرْسَمُ بِالْمُسَمَّيَاتِ وَتُقْرَأُ بِالْأَسْمَاءِ.وَفِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ تُقْرَأُ الْمُسَمَّيَاتُ نَفْسُهَا كَمَا يَقَعُ فِي بَاءِ الْجَرِّ وَوَاوِ الْعَطْفِ فَإِنَّهُ يُعْطَفُ بِنَفْسِ حَرْفِ الْمَعْنَى لَا بِاسْمِهِ فَإِنْ أَرَادَ السَّائِلُ هَذَا الْمَعْنَى فَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ أَرَادَ شَيْئًا آخَرَ فَلْيُفْصِحْ عَنْهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ الْجَوَابَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ أَيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا نَصُّهُ) مَا قَوْلُكُمْ فِي قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى الْقَدِيمُ بِذَاتِهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِجَمِيعِ أَقْسَامِ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ وَأَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ الْأَعْدَادَ الْمَسْرُودَةَ وَالنِّعَمَ الْأُخْرَوِيَّةَ وَعَذَابَ الْكُفَّارِ الدَّائِمَ فِي الْآخِرَةِ وَهِيَ لَا نِهَايَةَ لَهَا.فَإِنْ قُلْتُمْ يَعْلَمُهَا تَفْصِيلًا لَزِمَ أَنَّهَا مُتَنَاهِيَةٌ وَالْفَرْضُ أَنَّهَا لَا نِهَايَةَ لَهَا وَإِنْ قُلْتُمْ يَعْلَمُهَا إجْمَالًا لَزِمَ الْجَهْلُ بِتَفْصِيلِهَا وَهُوَ عَلَيْهِ تَعَالَى مُحَالٌ وَإِنْ قُلْتُمْ إنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا نِهَايَةَ لَهَا لَزِمَ الْجَهْلُ بِمَا يَحْدُثُ مِنْهَا وَهُوَ عَلَيْهِ تَعَالَى مُحَالٌ اكْشِفُوا لَنَا اللِّثَامَ عَنْ هَذَا الْمَرَامِ.فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا؛ تَوَقُّفُ الْعِلْمِ التَّفْصِيلِيِّ عَلَى التَّنَاهِي إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْعِلْمِ الْحَادِثِ فَقَطْ لِضِيقِ دَائِرَتِهِ وَقِصَرِ تَعَلُّقِهِ.وَأَمَّا الْعِلْمُ الْقَدِيمُ فَتَعَلُّقُهُ عَامٌّ لَا يَتَنَاهَى فَيَتَعَلَّقُ تَفْصِيلًا بِمَا لَا يَتَنَاهَى، فَإِنْ قِيلَ مَا كَيْفِيَّةُ الْعِلْمِ الَّذِي تَعَلُّقُهُ لَا يَتَنَاهَى؟ فَجَوَابُهُ الْبَحْثُ عَنْ كَيْفِيَّةِ عِلْمِهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ وَلَا تَسَعُهُ الْعُقُولُ بَلْ نَقُولُ يَعْلَمُ بِلَا كَيْفٍ كَمَا نَقُولُ مَوْجُودٌ بِلَا كَيْفٍ وَمَنْ يُؤْمِنُ بِمَوْجُودٍ بِلَا مَكَان وَلَا زَمَانٍ وَلَا أَوَّلٍ وَلَا آخِرٍ لَا يَسْتَبْعِدُ مِنْهُ عِلْمًا تَفْصِيلِيًّا بِمَا لَا يَتَنَاهَى سُبْحَانَ مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [عَذَاب الْقَبْر](مَا قَوْلُكُمْ) فِي اعْتِقَادِ الْعَامَّةِ أَنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي الْقَبْرِ بِالنَّارِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ رَأَوْا النَّارَ عِيَانًا فِي الْقَبْرِ فَهَلْ مَا يَزْعُمُونَهُ صَحِيحٌ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَفَأُجِيبَ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، نَعَمْ اعْتِقَادُهُمْ صَحِيحٌ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} [غافر: ٤٦] وَالْأَحَادِيثُ بَلَغَتْ جُمْلَتُهَا التَّوَاتُرَ وَلَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا ذَلِكَ وَكُلُّ مَا لَمْ يَمْتَنِعْ عَقْلًا وَوَرَدَ بِوُقُوعِهِ الشَّرْعُ وَجَبَ قَبُولُهُ وَاعْتِقَادُهُ وَمَا يَزْعُمُونَهُ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ نَادِرٌ جِدًّا فَفِي مُخْتَصَرِ تَذْكِرَةِ الْقُرْطُبِيِّ لِلشَّعْرَانِيِّ قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَلَجْلَجُ فِي مَسْأَلَتِهِ إذَا كَانَتْ عَقِيدَتُهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى مُخْتَلِفَةً فَلَا يَقْدِرُ عَلَى النُّطْقِ بِقَوْلِهِ اللَّهُ رَبِّي وَيَأْخُذُ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ فَيَضْرِبَانِهِ ضَرْبَةً يَشْتَعِلُ عَلَيْهِ بِهَا قَبْرُهُ نَارًا ثُمَّ تُطْفَأُ عَنْهُ أَيَّامًا ثُمَّ تُشْعَلُ أَيَّامًا هَذَا دَأْبُهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْسُرُ عَلَيْهِ النُّطْقُ بِقَوْلِهِ وَالْإِسْلَامُ
دِينِي لِشَكٍّ كَانَ عِنْدَهُ أَوْ فِتْنَةٍ حَصَلَتْ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ فَيَضْرِبَانِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً وَيَشْتَعِلُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ نَارًا كَالْأَوَّلِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْسُرُ عَلَيْهِ النُّطْقُ بِقَوْلِهِ وَالْقُرْآنُ إمَامِي لِأَنَّهُ كَانَ يَتْلُوهُ وَلَا يَتَّعِظُ بِهِ وَلَا يَأْتَمِرُ بِأَوَامِرِهِ وَلَا يَنْتَهِي بِنَوَاهِيهِ فَيُفْعَلُ بِهِ مَا يُفْعَلُ بِالْأَوَّلَيْنِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَسْتَحِيلُ عَمَلُهُ جَرْوًا يُعَذَّبُ بِهِ فِي قَبْرِهِ عَلَى قَدْرِ جُرْمِهِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَسْتَحِيلُ عَمَلُهُ خِنْزِيرًا أَيْ جَرْوَ خِنْزِيرٍ كَمَا وَرَدَ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْسُرُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ الْكَعْبَةُ قِبْلَتِي لِقِلَّةِ تَحَرِّيهِ فِي الِاجْتِهَادِ فِيهَا لِلصَّلَاةِ أَوْ فَسَادٍ فِي وُضُوئِهِ أَوْ الْتِفَاتٍ فِي صَلَاتِهِ أَوْ نَقْصٍ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْسُرُ عَلَيْهِ النُّطْقُ بِقَوْلِهِ إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ أَبِي لِأَنَّهُ سَمِعَ مِنْ بَعْضِ الْكُفَّارِ أَنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَتَوَهَّمَ ذَلِكَ وَنَسِيَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: ٦٧] فَيَفْعَلُ بِهِ مَا فَعَلَ بِالْأَوَّلِينَ مِنْ ضَرْبِهِ ضَرْبَةً يَشْتَعِلُ بِهَا قَبْرُهُ عَلَيْهِ نَارًا، وَأَمَّا الْفَاجِرُ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ لَهُ لَا دَرَيْتَ وَلَا عَرَفْتَ ثُمَّ يَضْرِبَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَامِعِ حَتَّى يَتَخَلْخَلَ فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ ثُمَّ تَنْفُضُهُ الْأَرْضُ فِي قَبْرِهِ ثُمَّ يَضْرِبَانِهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ قَالَ:وَيَخْتَلِفُ النَّاسُ فِي السُّؤَالِ فَمِنْهُمْ مَنْ يُسْأَلُ عَنْ بَعْضِ الْأُمُورِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسْأَلُ عَنْ بَعْضٍ آخَرَ كَمَا تَخْتَلِفُ الْأَحْوَالُ عَلَى النَّاسِ فِي الْعَذَابِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِيلُ عَمَلُهُ كَلْبًا يَنْهَشُهُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ وَهُمْ الْخَوَارِجُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِيلُ عَمَلُهُ خِنْزِيرًا يُعَذَّبُ بِهِ وَهُمْ الْمُرْتَابُونَ قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا كَانَ يَخَافُهُ فِي دَارِ الدُّنْيَا فَمِنْ النَّاسِ مَنْ كَانَ يَخَافُ مِنْ الْجَرْوِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَخَافُ مِنْ الْأَسَدِ وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ لَنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ قَالَ وَاعْلَمُوا أَيُّهَا الْإِخْوَانُ أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ وَنَعِيمَهُ حَقٌّ كَمَا صَحَّتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْخُذُ بِأَبْصَارِ الْخَلَائِقِ وَأَسْمَاعِهِمْ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ عَنْ رُؤْيَةِ عَذَابِهِ وَنَعِيمِهِ لِحِكْمَةٍ إلَهِيَّةٍ وَمَنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ فَهُوَ مُلْحِدٌ.وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّ أَحْوَالَ أَهْلِ الْمَقَابِرِ عَلَى خِلَافِ أَحْوَالِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَلَوْلَا خَبَرُ الصَّادِقِ الْمُصَدَّقِ عَلَى ذَلِكَ مَا عَرَفْنَا شَيْئًا مِنْ أَحْوَالِ أَهْلِ الْقُبُورِ وَلَا عَرَفْنَا الْمُنَعَّمَ وَالْمُعَذَّبَ، ثُمَّ قَالَ وَرَوَى الْحَافِظُ الْوَائِلِيُّ رحمه الله عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ «بَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ بِجَبَّانَاتِ بَدْرٍ إذْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ الْأَرْضِ فِي عُنُقِهِ سِلْسِلَةٌ يَمْسِكُ طَرَفَهَا أَسْوَدُ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اسْقِنِي فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لَا أَدْرِي أَعَرِفَ اسْمِي أَوْ كَمَا يَقُولُ الْإِنْسَانُ لِأَخِيهِ يَا عَبْدَ اللَّهِ فَقَالَ لِي الْأَسْوَدُ لَا تَسْقِهِ فَإِنَّهُ كَافِرٌ ثُمَّ اجْتَذَبَهُ فَدَخَلَ الْأَرْضَ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْته فَقَالَ أَوَقَدْ رَأَيْته ذَاكَ عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلٍ ابْنُ هِشَامٍ وَهُوَ عَذَابُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ثُمَّ قَالَ وَكَانَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ يَقُولُ لَا يَسْمَعُ
عَذَابَ الْمَوْتَى إلَّا مَنْ اتَّصَفَ بِكِتْمَانِ الْأَسْرَارِ كَالْبَهَائِمِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَالَمِ التَّعْبِيرِ عَمَّا تَرَى أَمَّا مَنْ يُخْبِرُ النَّاسَ بِمَا رَأَى فَلَا يَسْمَعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَمَا كَتَمَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ إلَّا لِحِكْمَةٍ إلَهِيَّةٍ كَمَا أَشَارَ الْحَدِيثُ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «إنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ» .وَذَلِكَ لِغَلَبَةِ الْخَوْفِ عِنْدَ سَمَاعِ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمَنْ يُطِيقُ سَمَاعَ عَذَابِ اللَّهِ فِي الْقَبْرِ مِنْ أَمْثَالِنَا فِي هَذِهِ الدَّارِ مَعَ ضَعْفِنَا وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُ مَاتَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ سَمَاعِ الرَّعْدِ الْقَاصِفِ وَالزَّلَازِلِ الْهَائِلَةِ وَهِيَ دُونَ صَيْحَةِ الْمَلَكِ عَلَى الْمَيِّتِ بِيَقِينٍ.وَفِي الْحَدِيثِ «لَوْ سَمِعَ أَحَدُكُمْ ضَرْبَةَ الْمَلَكِ لِلْمَيِّتِ بِمَفَاتِيحَ مِنْ حَدِيدٍ لَمَاتَ» نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ انْتَهَى. [التَّفْضِيلِ بَيْنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآنِ الْعَزِيزِ](مَا قَوْلُكُمْ) فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآنِ الْعَزِيزِ فَهَلْ يُحْكَمُ بِأَفْضَلِيَّةِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ أَوْ لَا؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَفْضَلِ خَلْقِ اللَّهِ؛ الْأَسْلَمُ عَدَمُ الْخَوْضِ فِي مِثْلِ هَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ الْخَوْضُ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ خُلُوُّ الذِّهْنِ عَنْهُ وَإِنْ خَاضَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ فَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ الْقُرْآنَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَمَسُّكًا بِمَا يُرْوَى مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «كُلُّ حَرْفٍ خَيْرٌ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ» وَرَدَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُحَقَّقِ الثُّبُوتِ كَمَا فِي الْكُرْدِيِّ عَلَى الْبُرْدَةِ وَغَيْرِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِ الْبُوصِيرِيِّ فِي الْبُرْدَةِ:لَوْ نَاسَبَتْ قَدْرَهُ آيَاتُهُ عِظَمًا … أَحْيَا اسْمُهُ حِينَ يُدْعَى دَارِسَ الرِّمَمِقَالَ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ آيَاتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم دُونَ مَقَامِهِ فِي الْعِظَمِ وَإِنْ كَانَ مِنْهَا الْقُرْآنُ وَقَدْ قَالَ فِيهِ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي صَاحِبَ الْبُرْدَةِآيَاتُ حَقٍّ مِنْ الرَّحْمَنِ مُحْدَثَةٌوَقَالَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلموَأَنَّهُ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ كُلِّهِمْقَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَمِيرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهَا فِعْلُ الْقَارِئِ وَهُوَ صلى الله عليه وسلم أَفْضَلُ مِنْ الْقَارِئِ وَجَمِيعِ أَفْعَالِهِ، وَالْأَسْلَمُ الْوَقْفُ عَنْ مِثْلِ هَذَا الَّذِي لَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ الْخَوْضُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ خُلُوُّ الذِّهْنِ عَنْهُ بِخُصُوصِهِ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَمَّنْ يَذْكُرُ بِصِيغَةِ اللَّهِ اللَّهَ مُقْتَصِرًا عَلَى ذَلِكَ هَلْ هُوَ مِثْلُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَمْ لَا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُ فَهَلْ هُوَ بِدْعَةٌ لَمْ تُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ أَمْ لَا؟(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ هَذِهِ بِدْعَةٌ لَمْ تُنْقَلْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُهَا الْجَهَلَةُ وَالذِّكْرُ الْمَشْرُوعُ كُلُّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً أَوْ اسْمِيَّةً وَهُوَ
مَأْخُوذٌ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَذْكَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي اتِّبَاعِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَاتِّبَاعِ السَّلَفِ الصَّالِحِ دُونَ الْأَغْبِيَاءِ الْجَاهِلِينَ نَقَلَهُ الْحَطَّابُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. (وَسُئِلَ) الْبُلْقِينِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ يَذْكُرُونَ وَفِي الْأَثْنَاءِ يَقُولُونَ مُحَمَّدٌ مُحَمَّدٌ وَيُكَرِّرُونَ الِاسْمَ الشَّرِيفَ وَفِي آخِرِهِ يَقُولُونَ مُحَمَّدٌ مُكَرَّمٌ مُعَظَّمٌ فَهَلْ ذَلِكَ ذِكْرٌ يُؤْجَرُونَ عَلَيْهِ وَهَلْ فِيهِ إسَاءَةُ أَدَبٍ وَهَلْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ؟(فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ) لَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ آيَةٌ وَلَا خَبَرٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا أَثَرٌ عَنْ الصَّحَابَةِ وَلَا عَنْ التَّابِعِينَ وَلَا عَنْ الْفُقَهَاءِ بَعْدَهُمْ وَلَا ذَلِكَ مِنْ الْأَذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ وَلَا يُؤْجَرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ مُبْتَدِعُونَ شَيْئًا قَدْ يَقَعُونَ فِي إسَاءَةِ الْأَدَبِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ مُحَمَّدٌ مُمَجَّدٌ مُعَظَّمٌ فَهَذَا لَيْسَ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ إخْبَارٌ بِالْوَاقِعِ وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ مَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ مَطْلُوبًا وَالْقِيَاسُ عَلَى مَا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: ٦٣] وقَوْله تَعَالَى {وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} [الحجرات: ٢] وَمَا طَلَبَهُ مِنْ الْأَدَبِ مِنْهُمْ فِي حَقِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ اهـ.قَالَ الْحَطَّابُ قَوْلُهُ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ مُحَمَّدٌ مُمَجَّدٌ مُكَرَّمٌ مُعَظَّمٌ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ تَكْرِيرِ الِاسْمِ الشَّرِيفِ وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ، وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْعَامَّةِ صَلُّوا عَلَى مُحَمَّدٍ اهـ. [تَفْضِيل الْقُرْآن عَلَى التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ](وَسُئِلَ) الْحَافِظُ الْإِمَامُ أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ الْمُفَضَّلِ الْمَقْدِسِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ قَوْمٍ تَجَادَلُوا وَقَالُوا إنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنَّ الْقُرْآنَ أَفْضَلُ مِنْهَا فَمَا مَعْنَى ذَلِكَ وَالْكُلُّ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى؟(فَأَجَابَ) بِأَنْ قَالَ أَمَّا الْكَلَامُ الْقَدِيمُ فَوَاحِدٌ لَا يَتَعَدَّدُ وَإِنَّمَا التَّعَدُّدُ فِي الْعِبَارَاتِ عَنْهُ وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الْعِبَارَةَ عَنْ الْحُكْمِ الرَّافِعِ تَتَّصِفُ بِالْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى الْعِبَارَةِ عَنْ الْحُكْمِ الْمَرْفُوعِ قَدْ وَرَدَتْ الْأَخْبَارُ بِتَفْضِيلِ بَعْضِ الْآيِ مِنْ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ عَلَى مَعْنَى أَنَّ آيَاتِ الصِّفَاتِ أَعْظَمُ مِنْ آيَاتِ الْأَحْكَامِ وَالْقَصَصِ كَمَا قَالَ عليه الصلاة والسلام فِي آيَةِ الْكُرْسِيِّ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ حِينَ قَالَ أَيُّمَا آيَةٍ أَعْظَمُ فِي الْقُرْآنِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ وَوَرَدَ فِي {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: ١] أَنَّهَا ثُلُثُ الْقُرْآنِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الثَّوَابُ الَّذِي يُعْطِيه اللَّهُ عَلَى بَعْضِ الْآيِ أَكْثَرَ فَهِيَ ثُلُثٌ فِي الْفَضِيلَةِ عَلَى أَنَّ الْكُتُبَ الْمَنْسُوخَةَ لَا يَجُوزُ النَّظَرُ فِيهَا فَكَيْفَ لَا يَكُونُ مَا تَجِبُ تِلَاوَةٌ وَيُثَابُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنْهَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ اهـ مِنْ الْمِعْيَارِ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ مَسَافَةُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ هَلْ ذَلِكَ عَنْ نَصٍّ صَرِيحٍ وَإِذَا قُلْتُمْ نَعَمْ فَهَلْ الْمَرْئِيُّ لَنَا حَقِيقَةُ تِلْكَ السَّمَاءِ مَعَ بُعْدِ تِلْكَ الْمَسَافَةِ أَمْ شَيْءٌ آخَرُ وَهَلْ سَمَاءُ الدُّنْيَا مِنْ أَيِّ نَوْعٍ وَعَلَى أَيِّ لَوْنٍ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.