التلقين في الفقة المالكي (القاضي عبد الوهاب) القسم: الفقه المالكي الكتاب: التلقين في الفقة المالكي المؤلف: أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (ت ٤٢٢هـ)المحقق: ابي أويس محمد بو خبزة الحسني التطواني الناشر: دار الكتب العلمية الطبعة: الأولى ١٤٢٥هـ-٢٠٠٤معدد الأجزاء: ٢[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
الجزء الأولمقدمة…بسم الله الرحمن الرحيموصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلمقال القاضي الجليل أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي المالكي رحمه الله: الحمد لله نشكره ونستعينه ونستغفره ونعبده ونذكره
ونؤمن به ولا نكفره ونسأله الصلاة على خيرته من خلقه محمد نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته صلاة تامة نحظى بفضيلتها ونسعد بمزيتها آمين.
كتاب الطهارةمدخل…كتاب الطهارةالطهارة من الحدث فريضة واجبة على كل من لزمته الصلاة وهي ثلاثة أنواع وضوء وغسل وبدل منها عند تعذرهما وهو التيمم.فأما الوضوء ففي ثمانية مواضع وهي الوجه وداخل الفم وداخل الأنف وما بين الصدغ والأذن واليدان إلى آخر المرفقين والرأس والأذنان ظاهرهما وباطنهما والرجلان إلى آخر الكعبين.وطهارته نوعان: غسل ومسح فالمسح بالرأس والأذنين والغسل فيما عداها وأحكامه ثلاثة أنواع: فرض وسنة وفضيلة.ففروضه ستة وهي النية وغسل الوجه كله وغسل اليدين إلى آخر المرفقين والمسح بالرأس كله وغسل الرجلين إلى الكعبين وما به يفعل ذلك وهو الماء المطلق وسننه سبع وهي غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء والمضمضة والاستنشاق وغسل البياض الذي بين الصدغ والأذن ومسح داخل
الأذنين وفي ظاهرهما خلاف وتجديد الماء لهما والترتيب. وفضائله ثلاث وهي السواك قبله والتسمية عند بعض أصحابنا وتكرار مغسوله مرتين أو ثلاثاً هذا ذكر جملة ونحن نبين تفصيله.فصلأما النية فقد بينا أنها من فروضه وهي قصده به ما لزمه والذي يلزمه أن ينوي بوضوئه رفع الحدث أو استباحة فعل معين يتضمن رفع الحدث ومعنى رفع الحدث استباحة كل فعل كان الحدث مانعاً منه ومعنى تعيين ما يتضمن ذلك هو أن ينوي به استباحة فعل بعينه لا يستباح إلا بعد التطهر من الحدث وذلك كالصلوات كلها على اختلاف أنواعها من الصلوات المعهودة وصلاة الكسوف والجنازة وسجود القرآن على اختلاف أحكامها من فرض على الأعيان أو على كفاية وسنة ونفل وكالطواف بالبيت كل هذا لا يجزئ إلا بعد التطهر من الحدث فقصده استباحة واحدة كقصده استباحة جميعه.
وأما الوجه فالفرض "إيعاب جميعه" وحده ما انحدر من منابت شعر الرأس إلى آخر الذقن للأمرد وآخر اللحية للملتحي طولاً وما دار عليه من العذارير عرضاً فإن كان عليه شعر لزم إمرار الماء عليه ثم ينظر فإن كان كثيفاً قد ستر البشرة ستراً لا تتبين معه انتقل الفرض إليه وسقط فرض إيصال الماء إلى البشرة وإن كان خفيفاً تبين منه البشرة لزم إمرار الماء عليه وعلى البشرة وسواء في ذلك أن يكون على خد أو شفة أو حاجب أو عذار أو عنفقة ويلزم فيما انسدل عن البشرة كلزومه فيما تحت بشرة.وأما اليدان ففرض غسلهما إلى استيفاء المرفقين على تخليل أصابعهما وأما الرأس فهو ما صعد عن الجبهة إلى آخر القفا طولاً وإلى الأذنين عرضاً واختلف في الأذنين هل هما منه حقيقة أو حكماً فمنأوجب مسحهما عدهما منه ومن لم يوجبه عدهما زائدتين عليه والاختيار في صفة مسح الرأس أن يبدأ بيديه من مقدمه ثم يمر بهما إلى مؤخره ثم يردهما إلى حيث بدأ.والفرض في تطهير القدمين غسلهما إلى الكعبين والكعبان هما اللعظمان اللذان عند معقد الشراك وقيل الناتئان في طرف الساق وهما داخلان في الوجوب وعلى أقطعهما غسل ما بقي له منهما بخلاف المرفقين.
ومن شيوخنا من يعد الموالاة فرضا مع الذكر والذي يجب أن يقال أن التفريق يفسده مع التعمد أو التفريط ومع الطول المتفاحش الخارج عن الموالاة ولا يفسد قليله ولا على وجه السهو هذا الكلام في تفصيل فروضه وبيان الماء المطلق يأتي في موضعه إن شاء الله.فصلفأما بيان سننه فمنها غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء وذلك من سنة الوضوء لكل طاهر اليد مريد للوضوء بأي نوع كان انتقاض وضوئه من الأحداث وأسبابها من بول أو غائط أو ريح أو نوم من ليل أو نهار أو لمس أو مس فرج أو كان مجدداً للوضوء.وأما تطهير داخل الفم فإنه سنة وهو المضمضة وصفتها أن يوصل الماء إلى فيه ثم يخضخضه ويمجه. وأما تطهير داخل الأنف فإنه سنة وصفته أن يجذب الماء إلى خياشيمه وهو الاستنشاق ويستحب له المبالغة فيه إلا في الصوم.
وأما غسل البياض الذي بين الصدغ والأذن فسنة ويستوفى جميعه بالغسل وأما الأذنان فيستحب استيفاؤهما بالمسح ظاهرهما وباطنهما وإدخال الأصابع إلى الصماخين وقد بينا القول في الرجلين.وأما بيان الترتيب المسنون فهو أن يبدأ بعد النية فيسمي الله ويغسل يديه قبل إدخالهما في الإناء ثم يتمضمض ثم يستنشق ثم لينتشر ثم يغسل وجهه يبدأ من أعلاه ثم يمني يديه ثم يسراهما من أطراف الأصابع إلى المرافق ثم يمسح الرأس على الصفة التي ذكرنا ثم المسح بالأذنين ثم يغسل يمني رجليه ثم يسراهما.فصلفأما فضائله فالسواك بعود يابس أو رطب إلا أن يكون صائماً فيكره له الأخضر خيفة أن يصل طعمه إلى الحلق فيفطره فإن لم يجد شيئاً فإن أصبعه يجزيه.وأما التكرار ففضيلة في المغسول دون الممسوح فيكرره مرتين أو ثلاثا الثلاث أفضل من الاثنين وما زاد على الثلاث سرف ممنوح والمرة هي الفرض ولا فضيلة في تكرار مسح الرأس والأذنين.
باب مايوجب الوضوء وما ينقضه بعد صحته…باب ما يوجب الوضوء وما ينقصه بعد صحتهيوجب الوضوء شيئان أحداث وأسباب للأحداث فأما الأحداث الموجبة للوضوء فهي ما خرج من السبيلين من المعتاد دون النادر الخارج على وجه المرض والسلس من غائط أو ريح أو بول أو مذي أو ودي إذا كان ذلك على غير وجه السلس والاستنكاح وإن كان البول والمذي خارجين على وجه السلس والاستنكاح فلا وضوء فيهما واجب وكذلك ما خرج من السبيلين من غير المعتاد كالحصى والدم والدود فلا وضوء فيه ويفسد الوضوء الردة ولا يوجب الوضوء ما خرج من البدن من غير السبيلين من قيئ ولا قلس ولا بلغم ولا رعاف ولا حجامة ولا فساد ولا غير ذلك.وأما أسباب الأحداث فهي ما أدت إلى خروج الأحداث غالباً وذلك نوعان أحدهما: زوال العقل بالنوم والسكر والجنون والإغماء.فأما النوم المستثقل فيجب منه الوضوء على أي حال كان النائم من اضطجاع أو سجود أو جلوس أو غير ذلك وما دون الاستثقال يجب منه الوضوء في الاضطجاع والسجود ولا يجب في الجلوس.وأما السكر والجنون والإغماء فيجب الوضوء بقليله وكثيره.والنوع الآخر: وهو ضربان لمس النساء ومس الذكر.فأما لمس النساء فيجب منه الوضوء إذا كان للذة قليلاً كان أو كثيراً مباشراً أو من وراء حائل رقيق لا يمنع اللذة وإن كان صفيقاً لم يوجب الوضوء لمنعه اللذة ولا فرق بين اللمس باليد أو الفم أو بغيرهما من الأعضاء إذا وجد اللذة ولا بين
لمس الأعضاء أو الشعر إذا كان هناك لذة ولا فرق بين الزوجة والأجنبية وذات المحرم.وأما مس الذكر فالمراعاة فيه اللذة عند بعض أصحابنا البغداديين كلمس النساء وعند المغاربة وبعض البغداديين ببطن الكف أو الأصابع فقط ومس المرأة فرجها مختلف فيه.ولا وضوء من مس الأنثيين ولا الدبر ولا شيء من أرفاغ البدن وهي مغابنة الباطنة كتحت الابطين وما بين الفخدين وما أشبه ذلك ولا من أكل شيئاً أو شربه كان مما مسته النار أو مما لم تمسه ولا من قهقهة في صلاة أو غيرها ولا من ذبح بهيمة أو غيرها.
يفيض الماء على بدنه كله ومن له شعر معقوص من رجل أو امرأة لم ينقضه وأجرى الماء ثم ضغثه بيده.
فالمطلق ما لم يتغير أحدا أوصافه بما ينفك عنه غالباً مما ليس بقرار له ولا متولد عنه فيدخل في ذلك الماء القراح وما تغير بالطين لأنه قراره وكذلك ما يجري على الكبريت وما تغير بطول المكث لأنه متولد عن مكثه وما تغير "بالطحلب" لأنه من باب مكثه وما انقلب عن العذوبة إلى الملح لأنه من أرضه وطول إقامته.ويدخل فيه الماء المستعمل على كراهة استعماله وكذلك القليل الذي لم تغيره النجاسة والمضاف نقيض المطلق وهو ما تغير أوصافه أو أحدها من مخالط له مما ينفك عنه غالباً وهو على ضربين مضاف نجس ومصاف طاهر وذلك بحسب المخالط له وما تغير بزعفران أو عصفر أو كافور أو غير ذلك من الطيب أو بلبن أو خل أو بشيء من المائعات أو الجامدات لأنه مما خالطه ما ينفك عنه غالبا فشبه بماء الباقا فهو طاهر غير مطهر.فصلوالحيوان كله طاهر العين طاهر "السؤر" إلا ما لا يتوقي النجاسات غالباً كالكلب والخنزير والمشركين فأسئارهم مكروهة وفي الحكم طاهرة إلا ما تغير منها عند إصابتهم النجاسة أكل الكلب الميتة وأكل النصراني الخنزير وشربه الخمر فإنه نجس.
ويغسل الإناء من "ولوغ الكلب" في الماء سبعاً ويراق الماء استحباباً ولا يراق ما ولغ فيه الكلب من سائر المائعات وفي غسل الإناء منه روايتان وأسار البغال والحمير وسائر الدواب والسباع والطير طاهرة الا يكون شيء منها يأكل النجاسة على ما بيناه وفي غسل الإناء من ولوغ الخنزير روايتان ثم الحيوان بعد ذلك على ضربين بري وبحري فالبحري طاهر العين حياً وميتاً كان سمكاً أو غيره كان مما له شبه في البر أو مما لا شبه له ينجس في نفسه ولا ينجس ما مات فيه من مائع ويجوز التطهر بما مات فيه على الإطلاق إلا أن تغيره فيصير مضافاً لا نجساً.والبري ضربان منه ما له نفس سائلة كسائر ما ذكرناه من الدواب وغيرها من الطير والفأرة والسنانير فمات مات من ذلك نجس في نفسه وينجس ما مات فيه من مائع غيره أو لم يغيره ولا ينجس الماء إلا أن تغيره النجاسة إلا أنه يستحب نزح البئر التي تموت فيها بحسب كبر الدابة وصغرها وكثرة ماء البئر وقلته وذلك توق واستحباب وما تغير وجب نزح جميعه إلى أن يزول التغير.والضرب الآخر ما لا نفس له سائلة كالزنبور والعقرب والخنفساء والصرار وبنات وردان وشبه ذلك فحكم هذا حكم دواب البحر لا ينجس في نفسه إذا مات ولا ينجس ما مات فيه من مائع أو ماء وكذلك ذباب العسل والباقلاء ودود الخل.ولا يجوز التطهر من حدث ولا نجس ولا بشيء من المسنونات والمفروضات والقربات بمائع سوى الماء المطلق.ونبيذ التمر المسكر نجس كالخمر ولا يجوز شربه ولا التطهر به للحدث ولا للنجس.
باب في الاستنجاء وآداب الأحداثويختار لمريد الغائط والبول أن يبعد بموضع لا يقرب منه أحد ولا يتسقبل القبلة ولا يستدبرها إلا أن يكون في منزله أو بين البنيان فيجوز ذلكولا ينبغي له قضاء الحاجة على "قارعة الطريق" ولا شاطئ نهر ولا في ماء دائم إلا أن يكون كثيراً جداً "كالمستبحر" ولا يكلم أحداً في حال جلوسه للحدث وإذا أراد الاستنجاء فبشماله إلا أن يكون له عذر ويفرغ الماء على يديه قبل أن يلاقي بها الأذى والأفضل له أن يجمع بين الماء والأحجار ويبدأ بالأحجار فإن اقتصر على أحدهما أجزأه والماء أفضل وإن اقتصر على الأحجار جاز ما لم يعد المخرج أو ما يقاربه فإن انتشر على ذلك الموضع لم يجزه إلا الماء.ويستحب له أن يأتي بالثلاثة وأن أنقى بدونها أجزأه وكل جامد يحصل به الإنقاء فهو كالحجر في الإجزاء وقد يخالفه في إباحة الابتداء إذا كان مما له حرمة ويكره له العظم والبعر وإن وقع بهما الإنقاء جاز ومن ترك الاستنجاء "والاستجمار" وصلي بالنجاسة، فإن كان لعذر من سهو أو عدم ما يزيلها به
أجزاه وأعاد إن وجد الماء في الوقت وإن كان عامداً قادراً على الإزالة لم يجزه وأعاد أبداً وليس على من بال أن يقوم أو يقعد أو يزيد في التنحنح ولكن "ينتثر" ذكره ويستفرغ جهده على ما يرى أن حاله يقتضيه من طالة أو إقصار ويكره البول قائماً في موضع صلب لا يأمن تطايره عليه أو مقابلة الريح ويجوز في الرمل والمواضع التي يأمن ذلك فيها.