المحيط البرهاني (برهان الدين ابن مازه البخاري) القسم: الفقه الحنفي الكتاب: المحيط البرهاني في الفقه النعماني: فقه الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه المؤلف: برهان الدين أبو المعالي محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مَازَةَ البخاري الحنفي (ت ٦١٦ هـ)المحقق: عبد الكريم سامي الجندي الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ معدد الأجزاء: ٩[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
المحيط البرهاني - جـ ١المحيط البرهاني في الفقه النعمانيمحمود البخارى بن مازه
الفصل الحادي والعشرون في سجدة التلاوةهذا الفصل يشتمل على أنواع:الأول: في بيان صفتها وبين مواضعها، فنقول سجدة التلاوة واجبة عندنا، وعند الشافعي رحمه الله سنّة حجته في ذلك ما روي أن زيد بن ثابت رضي الله عنه، قرأ آية السجدة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسجد لها زيد، ولم يسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «كنت إمامنا لو سجدت سجدنا معك» ، ولو كانت واجبة لما تركها زيد، ولما تركها رسول الله صلى الله عليه وسلّمبترك زيد. وحجتنا في ذلك: أن آيات السجدة دالة على الوجوب، فإن في بعضها أمراً بالسجود، وفي بعضها إلحاق الوعيد بتاركه وفي بعضها ما يستدل على إسكات الكفرة إنكار الكفرة عن السجود، والاحتراز عن التشبه بهم واجب، وفي بعضها إخبار عن فعل الملائكة وغيرهم والاقتداء بهم لازم؛ ولأنه يجوز قطع الفعل المفروض لأجلها وهو الخطبة، وهو دليل على كونها واجبة، والحديث محمول على الفور يعني لو سجدت للحال سجدنا معك، فإذا لم يسجد للحال سجدنا في أي وقت نشاء.٦وأما بيان مواضعها فنقول: موضع السجود معلومة في القرآن، والخلاف في موضعين، عندنا سجدة التلاوة في سورة الحج واحدة وهي الأولى، وعند الشافعي رحمه الله فيها سجدتان لحديث عقبة بن عامر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «في الحج سجدتان أو قال: فضلت الحج لسجدتين من لم يسجدهما فلا يقرأها» ، وهو مروي عن عمر رضي الله عنه، ومذهبنا مروي عن ابن عباس رضي الله عنه وابن عمر رضي الله عنه، قالا: سجدة التلاوة في الحج هي الأولى، والثانية سجدة الصلاة وهو الظاهر، فقد قرنها الله تعالى بالركوع فقال: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا
الخير لعلكم تفلحون} (الحج: ٧٧) وهو تأويل الحديث، «فضلت الحج لسجدتين» أحدهما: سجدة التلاوة والأخرى سجدة الصلاة، وأما سجدة سورة «ص» ، فهي سجدة تلاوة.وقال الشافعي رحمه الله: هي سجدة الشكر، لما روي أن النبي عليه السلام: «قرأ في خطبته سورة «ص» ، فتشزن الناس السجود، فقال عليه السلام «علام تشزنتم إنها توبة نبي» ، وعن النبي صلى الله عليه وسلّمأنه قال في السجدة «ص» «سجدها داود صلوات الله عليه للتوبة وخرّو نحن نسجدها شكراً» . ولنا: ما روي أن رجلاً من الصحابة، قال: «يا رسول الله رأيت ما يرى النائم كأني أكتب سورة «ص» ، فلما انتهيت إلى موضع السجدة سجدت الدواة والقلم فقال عليه السلام نحن أحق بها من الدواة والقلم ما مر حتى تليت في مجلسه وسجدها مع أصحابه» ، وإنما لم يسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلّمفي خطبته ليبين لهم أنه يجوز التأخير، وروي «أنه سجدها في خطبته مرة» وهو دليل على أنه سجدها تلاوة، فإن … عباده بها … العبد، وجبت قطع الخطبة لأجلها، وما روي أنه سجدها داود عليه السلام توبة، ويخر شكر كونها سجدة تلاوة آلا وفيه معنى الشكر.ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله: سببه وجوبها، فنقول لا خلاف أن التلاوة سبب لوجوبها، فإنها تضاف إلى التلاوة ويتكرر بتكررها، وأما السماع هل هو سبب؟ قال بعض المشايخ: إنه سبب، فإن الصحابة رضوان الله عليهم، قالوا: السجدة على من سمعها، كما قالوا: على من تلاها، ولأنه إنما وجبت على التالي؛ لأنه طلب منه بحكم أنه مخالفة للكفرة، وقد فهم من طلب منه فيلزمه، وكذا السامع.والصحيح: أن السبب هو التلاوة، فإنها تضاف إليها دون السماع لكن السماع شرط، لتعمل التلاوة في حق غير التالي أما، ليس في الحديث بيان السبب فيه بيان الوجوب على السامع.ولو تلاها بالفارسية، فعليه أن يسجدها وعلى من سمعها على قياس قول أبي حنيفة رحمه الله، سواء فهم أو لم يفهم إذا أخبر له سجدة، وقال أبو يوسف رحمه الله: تجب على من فهم، ولا تجب على من لم يفهم؛ لأن عنده أنها تجوز بالفارسية إذا لم يقدر على العربية، فاعتبر تلاوة القرآن من وجه دون وجه، فأوجبها على من فهم دون من لم يفهم عملاً بالدليلين بقدر الإمكان. فأما التلاوة بالعربية توجب السجدة على من فهم أو لم يفهم؛ لأنها تلاوة القرآن من
كل وجه، والسبب متى وجد لا يتوقف عمله على الفهم، فهذا أبطل ما قاله أبو يوسف رحمه الله؛ لأنه إن كانت التلاوة بالفارسية تلاوة للقرآن ينبغي أن تجب على كل حال، وإن لم تكن لا تجب على كل حال، أما أن تجب في حال ولا تجب في حال، فهذا ليس من الفقه في شيء.وإذا تلا آية السجدة ومعه نائم أو مغشياً، عليه فلم يسمعها، فقد اختلف المشايخ في وجوب السجدة عليه، والأصح أنه لا تجب وإذا سمعها من طير لا تجب عليه السجدة، وإذا سمعها من نائم، فقد اختلف المشايخ فيه.والصحيح: أنها لا تجب، ولو سمعها من الصداى وتقال بالفارسية بجواك لا تجب عليه السجدة، ذكره الشيخ الإمام الزاهد أبو نصر الصفار رحمه الله، ولو تهجى بالقرآن لا تجب عليه السجدة، وكذلك إذا كتب لا تجب عليه السجدة، ولا تجوز بالتيمم مع القدرة على الماء ويبطلها ما يبطل الصلاة من الكلام والحدث والضحك، ولا تبطل الطهارة بالضحك قهقهة في سجدة التلاوة وتبطل بالضحك قهقهة في الصلاة.نوع آخر في بيان شرائط جوازها فنقول شرائط جوازها ما هو شرائط جواز الصلاة من طهارة البدن عن الحدث والجنابة وطهارة الثوب عن النجاسة وستر العورة، واستقبال القبلة؛ لأنها ركن من أركان الصلاة، ويكبر عند الانحطاط، والرفع اعتباراً بالسجدة الصلاتية، وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمة الله عليهما: أنه لا يكبر عند الانحطاط؛ لأن تكبير الانتقال من الركن، وعند الانحطاط لا ينتقل من الركن ولم يذكر في «الأصل» أنه ماذا يقول في هذه السجدة، وفي «القدوري» يسبح فيها ولا يسلم، وأما التسبيح اعتباراً بالصلاتية، ولم يذكر أيضاً ماذا يقول في التسبيح (٨٩ب١) ، والأصح أن يقول في هذه السجدة في التسبيح ما يقول في السجدة الصلاتية، وبعض المتأخرين استحبوا أن يقولوا: سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً، ما يقول فيها وكذلك استحبوا أن يقول ويسجد لقوله تعالى: {قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أُوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرُّون للأذقان سجَّداً} (الإسراء: ١٠٧) والخرور هو السقوط من القيام.وأما عدم السلام، فإن السلام شرع للتحلل عن التحريمة، وليس فيها تحريمة وإن لم يذكر فيها شيء أجزأه؛ لأنها لا تكون أقوى من السجدة الصلاتية، فتلك تجزىء وإن لم يذكر فيها شيئاً فههنا أولى.وقال القدوري: وإذا وجبت السجدة في الأوقات التي تجوز فيها الصلاة فسجدها، وفي الأوقات المكروهة لم تجز؛ لأنه التزمها كاملة وأداها ناقصة، فلا تجوز كمن افتتح الصلاة في وقت غير مكروه، وأفسدها وقضاها في وقت مكروه، فإن تلاها في هذه الأوقات وسجدها جاز، فإن لم يسجده في تلك الساعة، فسجدها في وقت آخر مكروه جاز؛ لأنه لا تفاوت بين المؤدى والواجب، هكذا ذكر القدوري؛ وهو نظير ما إذا افتتح
الصلاة في وقت مكروه وأفسدها وقضاها في وقت مكروه، وذلك جائز كذا ها هنا، وذكر في بعض الروايات أنه يومىء عندنا، وكذلك إذا سمعها وهو راكب يجزئه أن يومىء على أنه لا يجوز والله أعلم. ولو تلاها راكباً أجزأه على الدابة، وإن تلاها أو سمعها ماشياً لم تجزئه أن يومىء لها وهو في ركب يكون خارج المصر، أما الراكب الذي هو في المصر إذا أومأ لتلاوته، فقد جرى عن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يجوز، وهو قياس مذهبه على التطوع على الدابة في المصر، ولو تلاها على الدابة ثم نزل ثم ركب، فأداها بالإيماء جاز ماشياً إلا على قول زفر رحمه الله، وههنا آخر في نوع المتفرقات في هذا الفصل والله أعلم.نوع آخر في بيان حكمهافنقول من حكم هذه السجدة التواجد حتى يكفي في حق التالي سجدة واحدة، وإن اجتمع في حق التلاوة والسماع وشرط الترك حل اتحاد؛ لأنه اتحاد المجلس حتى لو اختلف المجلس واتحدت؛ لأنه لا تتداخل ولو اتحد المجلس واختلفت الآية لا تتداخل، ولها سبب على التداخل، لوجوه:أحدها: ما حكى القاضي أبو القاسم عن القضاة الثلاثة رحمهم الله: أنه يعيد مكرر عرفاً، فإن من قرأ أية واحدة في مجلس واحد بالحكمة، وقرأ خطبة واحدة في مجلس واحد مراراً يقال في العرف كرره، وهذا عرف تأيد بالحكمة، فإن من أقر بالزنا أربع مرات في مجلس واحد يكون في الإقرار التالي مكرراً ومعيداً، وإذا كان مكرراً ومعيداً عرفاً كان التالي الأول، فلا يكون التالي حكم نفسه، ولا عرف فيما إذا اختلف المجلس أو اختلف، ما حكي عن القاضي أبي عاصم العامري رحمه الله أن المجلس يجمع الكلمات المتفرقة من جنس واحد ويجعلها ككلمة واحدة، ألا ترى أن من أقر بالزنا أربع مرات في مجلس واحد يجعل مقراً مرة واحدة، فكذا ههنا يجعل كأنه قرأ مرة واحدة، فأما المجالس المختلفة لا تجمع الكلمات المتفرقة، ولا تجعلها ككلمة واحدة كما لو أقر بالزنا أربع مرات في أربع مجالس لا يجعل معبراً مرة واحدة، فكذا ههنا لا يجعل كأنه قرأ مرة واحدة. والثالث: ما ذهب إليه مشايخ ما وراء النهر: أن الحاجة إلى تكرار كلام الله تعالى للتعليم والتعلم وليحفظ صاحبه ما بينه فلو أوجبنا بكل مرة سجدة على حدة يقع في الحرج، ولأنه تنقطع عليه القراءة، بخلاف ما إذا اختلفت الآية في مجلس واحد؛ لأنه لا حرج ثم؛ لأن آيات السجدة في القرآن محصورة مضبوطة أما التكرار للتعلم وللحفظ غير محصورة ولا مضبوطة؛ ولأن الإنسان لا يقرأ جميع آيات السجدة في مجلس واحد غالباً، أما تكرار آية واحدة في مجلس واحد، فاللتعليم والتعلم والحفظ غالباً فظهرت التفرقة بينهما.
ولم يذكر في «الأصل» : حكم الصلاة على النبي عليه السلام إذا ذكر في مجلس واحد مراراً، وعلى قول الكرخي رحمه الله: لا يصلي عليه إلا مرة واحدة؛ لأن من مذهبه أنه لا تجب عليه الصلاة إلا مرة واحدة، فإن كان هذا الرجل قد كان عليه صلى مرة واحدة لا يلزمه ههنا شيء، وإن كان لم يصل عليه يلزمه ههنا مرة واحدة لكل مرة، وإن كرر اسمه في مجلس واحد؛ لأن هذا حق الرسول عليه السلام قال عليه السلام: «لا تجفوني بعد موتي» قيل وكيف نجفي بعدك يا رسول الله قال: «إن كان أذكر عند أحدكم، فلا يصلي عليّ» وبه كان يفتي شمس الأئمة السرخسي رحمه الله.نوع آخر في بيان من تجب عليه هذه السجدةفنقول التالي لآية السجدة تلزمه السجدة بتلاوته إذا كان أهلاً لوجوب الصلاة عليه، وإن كان منهياً عن القراءة كالجنب؛ لأن النهي عن التصرف لا يمنع اعتباره في حق الحكم كسائر التصرفات المنهي عنها، وكل من لا تجب عليه الصلاة ولا قضاؤها، كالحائض والنفساء والكافر والمجنون والصبي فلا سجود عليه للتلاوة لما ذكرنا، لأن السجدة من أركان الصلاة، فلا تجب على من لا تجب عليه سائر الأركان. وكذلك الحكم في حق السامع من كان أهلاً لوجوب الصلاة عليه تلزمه السجدة بالسماع، ومن لا يكون أهلاً لوجوب الصلاة عليه نحو الحائض أو الكافر أو الصبي أو المجنون لا تلزمه السجدة بالسماع. وإن لم يكن التالي أهلاً لوجوب الصلاة عليه، نحو الحائض أو الكافر أو الصبي أو المجنون والسامع أهلاً لوجوب الصلاة تجب على السامع السجدة، أو ليس فيه أكبر من كون التالي منهما منهي عن القراءة المنهي عن التصرف لا يمنع اعتباره الحكم غير أنه إنما يعتبر التصرف في حق الحكم، في حق من هو أهل لذلك، والتالي إن لم يكن أهلاً، فالسامع أهل فتجب عليه السجدة.وذكر مسألة المجنون في «نوادر الصلاة» : أن الجنون إذا قصر، فكان يوماً وليلة أو أقل تلزمه السجدة بالتلاوة والسماع حالة الجنون فيؤديها بعد الأهلية، إذا قرأ آية السجدة ولم يسجد لها، حتى ارتد والعياذ بالله ثم ذكر الفقيه أبو جعفر رحمه الله في غريب الرواية أنه لا قضاء عليه، والصبي الذي يعقل الصلاة إذا قرأ آية السجدة أمر أن يسجد، وإن لم يسجد لم يكن عليه أيضاً.والسكران إذا قرأ آية (٩٠أ١) السجدة، روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أنه تلزمه السجدة.المرأة إذا قرأت آية السجدة في صلاتها، ولم تسجد لها حتى حاضت سقطت عنها السجدة، مصلي التطوع إذا قرأ آية السجدة، وسجد لها ثم فسدت صلاته وجب عليه
قضاؤها، لا تلزمه إعادة تلك السجدة، وإذا قرأ الرجل ومعه قوم سمعوها، فسجد سجدوا معه ولا يرفعوا رؤوسهم قبله.والأصل في ذلك ما روي «أن شاباً قرأ آية السجدة بين يدي رسول الله ولم يسجد لها، فقال عليه السلام: يا شاب كنت إمامنا لو سجدت سجدنا معك» ، فقد جعل التالي إماماً وعلى المأموم أن يتابع الإمام في السجدة، فلا يرفع رأسه من السجدة قبل رفع التالي جازت سجدته كما في السجدة الصلاتية.نوع آخر في بيان ما يبطل هذه السجدة وما لا يبطلها إذا تكلم في السجدة أو ضحك قهقهة أو أحدث متعمداً أو خطأ، فعليه إعادتها اعتباراً بالصلاتية، ولا وضوء عليه في القهقهة؛ لأن الضحك عرف حدثاً بالأمر، والأثر ورد في صلاة مطلقة، وهذه ليست بصلاة مطلقة، وإن سبقه الحدث توضأ وأعادها؟ قال شيخ الإسلام هذا الجواب مستقيم على قول محمد رحمه الله، فإن عنده تمام السجدة بوضع الجبهة ورفعها، فإذا أحدث فيها أو ضحك فيها أعادها، أما قول أبي يوسف رحمه الله: تمام السجدة بوضع الجبهة لا غير، فإذا وضع الجبهة، فقد تمت السجدة وإن قل، فكيف يتصور القهقهة فيها؟ فإذا ضحك بعد ذلك فقد ضحك بعد تمام السجدة، فلا تلزمه الإعادة.ومحاذاة المرأة الرجل في سجدة التلاوة لا تفسد صلاة الرجل، وإن نوى إمامتها؛ لأن المحاذاة لها عرفت مفسدة ضرورة وجوب التأخر على الرجل بأمر الشرع، والأمر إنما ورد في الصلاة المطلقة، وهذه ليست بصلاة مطلقة، فلم تكن المحاذاة فيها مفسدة.نوع آخر في بيان ما يتعلق به وجوب هذه السجدةذكر في «الرقيات» : فيمن قرأ السجدة كلها إلا الحرف الذي في آخرها قال لا يسجد، ولو قرأ الحرف الذي يسجد فيه وحده لم يسجد إلا أن يقرأ أكثر من آية السجدة، قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله: إذا قرأ حرف السجدة ومعها غيرها قبلها أو بعدها فيه أمر بالسجدة سجد، وإن كان دون ذلك لا يسجد، وفي فوائد الإمام الزاهد السنكريتي رحمه الله: إن من تلا في أول السجدة أكثر من نصف الآية، وترك الحرف الذي فيه السجدة لم يسجد، وإن قرأ الحرف الذي فيه السجدة إن قرأ ما قبله أو بعده أكبر من نصف الآية تجب السجدة، وما لا فلا، وعن أبي علي الدقاق رحمه الله فيمن سمع سجدة من قوم قرأ كل واحد منهم حرفاً ليس عليه أن يسجد، لأنه لم يسمعها من قائلها.
نوع آخر في تكرار آية السجدة رجل قرأ آية السجدة فسجدها ثم قرأها في مجلسه، فليس عليه أن يسجدها، وإن قرأها فلم يسجدها حتى قرأها ثانية في مجلسه، فعليه سجدة واحدة، وهذا استحسان والقياس أن تجب بكل تلاوة سجدة؛ لأن السجدة حكم التلاوة، والحكم يتكرر بتكرر السبب اعتباراً للسبب، ولا معنى للبدل؛ لأن السجدة عبادة والعبادات يحتاط في إقامتها، ولا يحتال لدرئها بخلاف الحدود، فإنها عقوبات، والأصل في العقوبات إسقاطها لا استيفائها.وجه الاستحسان ما روي أن جبريل صلوت الله عليه كان ينزل بآية السجدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يكرر عليه مراراً، وكان رسول الله عليه السلام يسجد لها سجدة واحدة، وروي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه كان يعلم الناس القرآن في المسجد بالكوفة، وكان يكرر آية السجدة في مكان واحد.وفيما كان يخطو خطوة أو خطوتين، وكان يسجد لذلك مرة واحدة، والنص لها ورد في مكان واحد وفي آية واحدة فيما عدا ذلك يبقى على أصل القياس، والمعنى ما ذكرنا من الوجوه الثلاث في صدر هذا الفصل، فإن قرأ فسجد وذهب وعاد وقرأها ثانياً، فعليه سجدة أخرى، وكذلك إن لم يكن سجد للأولى حتى ذهب ثم عاد، فقرأ ثانياً تلزمه سجدتان؛ لأنه اختلف المجلس ولا يمكن إثبات الاتحاد، وهذا إذا ذهب بعيداً، فأما إذا ذهب قريباً تكفيه سجدة واحدة مقدر حد الفاصل، الحد الفاصل بين القريب والبعيد أنه إذا مشى خطوتين أو قلنا بذلك قريب، فإن كان أكثر من ذلك كان بعيداً.قال محمد رحمه الله: فإن كان نحواً من عرض المسجد وطوله فهو قريب، وهذا إذا كان المجلس مجلس القراءة كما روي عن أبي موسى الأشعري أنه كان يقرىء الصحابة وهم خلف كبيرة، فأما إذا لم تكن هكذا تلزمه ثانياً، لأن المجلس يختلف والله أعلم. ولو قرأها قاعداً ثم قام وقرأها ثانية تكفيه سجدة واحدة ولا يجعل المجلس مختلفاً؛ لأن مكان التالي لم يختلف لها إلا اختلاف هيئته، وهذا بخلاف المخيرة إذا قامت من مجلسها حيث يبطل خيارها؛ لأن ذلك ليس لاختلاف المجلس؛ بل للإعراض دلالة؛ لأن من حزبه أمر وهو قائم يقعد إذ القعود أجمع للرأي، وكان قيامها دليل الأعراض، والخيار يبطل بالأعراض صريحاً، ودلالة، أما ها هنا الحكم يتعدد باختلاف المجلس ولم يوجد، وإن أكل بيديه أكلاً طويلاً أو نام مضطجعاً أو أخذ في بيع أو في شراء أو عمل عملاً يعرف أنه قطع لما كان قبله لذلك، ثم قرأ فعليه سجدة أخرى استحساناً.والقياس: أن تكفيه سجدة واحدة، وجه القياس: أن المجلس ما تبدل حقيقة، فإنه لم ينتقل عنها إلى مكان واحد فكفته سجدة واحدة كما لو كان العمل يسيراً.
وجه الاستحسان: وهو أن المجلس قد يبدل اسماً وحكماً، وإن لم يتبدل حقيقة؛ لأن الفعل إذا كبر يضاف المجلس إليه، ألا ترى أن القوم إذا جلسوا للدرس يقولون أنه مجلس الدرس ثم يشتغلون بالأكل، فيقولون إنه مجلس الأكل ثم يقتتلون، فيصير مجلسهم مجلس القتال وصار تبدل المجلس بهذه الأعمال كتبديله بالذهاب والرجوع.وإن نام قاعداً أو أكل لقمة أو شرب شربة أو عمل عملاً يسيراً ثم قرأها فليس عليه سجدة أخرى؛ لأن المجلس لم يتبدل لا حقيقة، ولا حكماً، أما حقيقة فلا إشكال فيه؛ لأنه لم ينتقل عنها إلى مكان آخر، وأما حكماً؛ لأنه لا يضاف المجلس إلى الأكل بأكل لقمة، ولا إلى الشرب بشرب شربة، وإلى النوم بالنوم قاعداً ساعة، إذا لم يتبدل المجلس حقيقة، وصار وجود هذا وعدمه سواء. وفي الذي … إذا كرر آية سجدة واحدة اختلف المشايخ فيه (٩٠ب١) ، قال بعضهم تكفيه سجدة واحدة، فإن المجلس واحد من حيث الاسم، فإن المجلس يضاف إلى هذا الفعل، والأصح أنه يلزمه بكل مرة سجدة؛ لأن المجلس تبدل حقيقة بتبدل المكان ولو أنه اختلف حقيقة لا يعتبر واحداً باتحاد العمل، كما لو كان راكباً فتلا آية السجدة مراراً والدابة تسير لا تكفيه سجدة واحدة، وإن كان العمل وهو السير واحداً والتي تلاها على … اختلف المشايخ فيه مثل اختلافهم في تسدية الثوب، وحجتهم ما ذكرنا في تسدية الثوب والتي تلاها على الشجرة على غصن ثم انتقل إلى غصن آخر، وتلا تلك الآية في ظاهر الرواية يلزمه سجدتان، وعن محمد رحمه الله: أنه يكفيه سجدة واحدة محمد رحمه الله، اعتبر أصل الشجرة أنه واحد.وجه ظاهر الرواية وهو أنه تبدل المكان لاختلاف الغصن، ألا ترى أنه لو سقط يكون الموضع الذي سقط غير ذلك الموضع حتى لو تلاها على الأرض، ثم انتقل مقدار الغصن يلزمه سجدتان، والسابح في الماء إذا تلا السابح في الماء … الماء شيء يلزمه بكل مرة سجدة على حدة، قالوا إذا كان سبح في حوض أو غدير له حد معلوم تكفيه سجدة واحدة، وعن محمد رحمه الله إذا كان طول الحوض مثل طول المسجد وعرضه تكفيه سجدة واحدة.ولو قرأها في زوايا المسجد الجامع تكفيه سجدة واحدة كذلك حكم البيت والدار قيل: في الدار إذا كانت كبيرة كدار السلطان فتلا في دار منها ثم تلا في دار أخرى يلزمه سجدة أخرى، وأما في المسجد الجامع إذا تلا في دار ثم تلا في دار أخرى يلزمه يكفيه؛ لأن دور المسجد الجامع، وإن كثرت جعلت كمكان واحد في حق جواز الإقتداء، وكذا في حق حكم السجدة، ولا كذلك دور السلطان، وإذا قرأها مراراً على الدابة والدابة تسير، فإن كان في الصلاة تكفيه سجدة واحدة؛ لأن حرمة الصلاة تجمع الأماكن المختلفة، وإن كان خارج الصلاة يلزمه بكل مرة سجدة.
فرق بين هذا وبين السفينة، وبسفينة تجري يكفيه سجدة واحدة، وفي الدابة يلزمه بكل مرة سجدة، والفرق: هو أن سير السفينة مضاف إلى السفينة، لا إلى راكبها شرعاً وعرفاً، أما شرعاً فلقوله تعالى: {وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين} (هود: ٤٢) الله تعالى أضاف الجري إلى السفينة، لا إلى الراكب، وأما عرفاً؛ فلأن الناس يقولون: سارت السفينة كذا كذا مرحلة، وإذا صار مضافاً إلى السفينة، فالمكان يتحد في حق الراكب، وإن اختلف في حق السفينة.فأما سير الدابة مضاف إلى الراكب عرفاً، فإن الناس يقولون في العرف سرت كذا وكذا فرسخاً اليوم، وإذا صار السير مضافاً إلى الراكب تبدل المكان حقيقة وحكماً بعض مشايخنا قالوا؛ ما ذكر في «الكتاب» إذا قرأ آية السجدة على الدابة مراراً والدابة تسير، فإن كان في الصلاة، فعليه سجدة واحدة محمول على ما إذا قرأها مراراً في ركعة واحدة، فإن كان ذلك في ركعتين يجب أن يكون على الاختلاف الذي يذكر فيما إذا تلاها على الأرض في الصلاة في ركعتين على قول أبي يوسف رحمه الله: يكفيه سجدة واحدة، وعلى قول محمد رحمه الله: يلزمه سجدتان، ومنهم من قال: الجواب في هذه المسألة في الركعتين والركعة الواحدة سواء بالإجماع، ويكفيه سجدة واحدة بالإجماع. والفرق لمحمد رحمه الله بين المصلي على الأرض، والمصلي على الدابة: أن المصلي على الأرض يصلي بركوع وسجود، وإنه عمل كثير يتخلل بين التلاوتين، والراكب نوى وهو عمل يسير، ولا يتحدد وجوب السجدة في الراكب على الدابة، ويتحدد في المصلي على الأرض، بهذا، وإذا سمع هذا الراكب المصلي آية السجدة من غيره مرتين وهو يسير فعليه سجدتان إذا فرغ من صلاته؛ لأن حرمة الصلاة لها تجمع الأماكن المختلفة في حق أفعال الصلاة، فأما ما ليس من أفعال الصلاة يبقى على الحقيقة، والمكان مختلف حقيقة، وسماعه ذلك الرجل قرأ راكباً ونزل فقرأ ليس من أفعال الصلاة، فلا يثبت اتحاد المكان في حقه، وإذا لم يثبت اتحاد المكان في حقه يلزمه بكل تلاوة سجدة، وإن قرأها راكباً، ثم نزل قبل أن يسير فقرأها فعليه سجدة واحدة استحساناً.bوفي القياس: عليه سجدتان وجه القياس: وهو أن المكان اختلف حقيقة؛ لأنه كان على الدابة … وعلى الأرض، واختلاف المكان بهذا الصدر وإن كان لا يوجب تبدل المجلس، إلا أنه وجد معه عمل آخر وهو النزول وللعمل أثر في قطع المجلس، فإذا اجتمعا أوجب تبدل المجلس، وكان يجب أن تلزمه سجدتان.وجه الاستحسان: وهو أن النزول عمل قليل وما وجد من اختلاف المكان قليل أيضاً لو … ولم يوجب ذلك تبدل المجلس، فكذلك مع النزول وإن كان سار ثم نزل، فعليه سجدتان؛ لأن سير الدابة كمشيه فتبدل به المجلس.
وإن قرأها على الأرض ثم ركب فقرأها قبل أن يسير سجدها سجدة واحدة على الأرض، ولو سجدها على الدابة لم يجزئه عن الأولى؛ لأنه إذا سجدها على الدابة فالمؤداة أضعف من الأولى، فأما إذا سجدها على الأرض، فالمؤداة أقوى من الأولى والمكان واحد فينوب المؤدى عنهما، وإن قرأها راكباً ثم نزل ثم ركب، فقرأها وهو على مكانه، فعليه سجدة واحدة وتجزئه على الدابة؛ لأنه التزمها على الدابة، فإذا أداها على الدابة، فقد أداها كما التزم.وإذا تبدل مجلس التالي، ولم يتبدل مجلس السامع يتكرر الوجوب على السامع عند بعض المشايخ وعند عامة الشايخ لا يتكرر؛ لأن الوجوب على السامع بالسماع ومكان السامع متحد، ولو تبدل مجلس السامع دون التالي تكرر الوجوب، وإن قرأها في غير صلاة وسجد ثم افتتح الصلاة في مكانه، فقرأها فعليه سجدة أخرى؛ لأن التي وجبت بالتلاوة صلاتية، فلا تنوب عنها المؤداة قبل الشروع في الصلاة؛ لأنها أضعف، وإن لم يكن سجد أولاً ثم شرع في الصلاة في مكانه، فقرأها يسجد لهما جميعاً أجزأه عنهما في ظاهر الرواية، وروى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله وهو إحدى روايتي «نوادر الصلاة» (٩١أ١) أنه لا يجزئه عنهما، وعليه أن يسجد للتي تلاها خارج الصلاة بعد الفراغ من الصلاة.وجه هذه الرواية: أنه لا يمكن إدخال الأولى في الثانية؛ لأنه خلاف موضع التداخل، فلا بد من اعتبار كل واحد منهما على حدة، والصلاتية تؤدى في الصلاة وغير الصلاتية، وهي الأولى أن تؤدى بعد الفراغ من الصلاة وجه ظاهر الرواية، وهو أن السبب واحد، فإن المتلو آية واحدة والمكان واحد والمؤداة أكمل من الأولى؛ لأن لها حرمتان، ولو كانت مثل الأولى نابت، فإذا كانت أكمل أولى أن تنوب عنهما، إذا قرأ المصلي آية السجدة وسمعها من أجنبي أيضاً أجزائه سجدة واحدة، هكذا ذكر في «الجامع الصغير» . وفي «الجامع الكبير» ، وذكر في «نوادر أبي سليمان» وهو رواية ابن سماعة عن محمد رحمهم الله: أنه لا يكفيه سجدة واحدة ولا تنوب المتلوة عن المسموعة وعليه أن يسجدها للمسموعة إذا فرغ من صلاته، وجه رواية ابن سماعة وهو أن السماعية ليست بصلاتية وجه ظاهر الرواية وهو أنه سمع وتلا في مكان واحد فتدخل المسموعة في المتلوة وتنوب المتلوة عنهما جميعاً؛ لأن المتلوة أقوى من السماعية؛ لأن لها حرمتين حرمة الصلاة وحرمة التلاوة، والمسموعة لها حرمة واحدة، والقوي ينوب عن الضعيف ولو استويا في القوة نابت إحديهما عن الأخرى، فلأن ينوب القوي عن الضعيف أولى.قال شمس الأئمة رحمه الله: وبين الناس كلام كثير في هذه المسألة، قال بعضهم: إن كان السماع والتلاوة في مقام واحد، ففيه روايتان كما ذكرنا، فأما إذا كانت التلاوة في مقام والسماع في مقام آخر، ينبغي أن تكون المسألة على الاختلاف، عند أبي يوسف رحمه الله يكفيه سجدة واحدة، وعند محمد رحمه الله يلزمه سجدتان، وذكر الفقيه أبو
جعفر أن جواب «الجامع الصغير» عندي فيما إذا كانت تلاوته وسماعه معاً بأن كانا يقرآن معاً هذه السجدة هذا في الصلاة، وذاك خارج الصلاة فههنا تتداخلان، وتنوب المتلوة عن المسموعة؛ لأنها أقوى كما ذكرنا.فأما إذا كانا على التعاقب بأن كان السماع أولاً ثم التلاوة أو كانت التلاوة أولاً ثم السماع، ففيه روايتان وإن كانا جميعاً في مقام واحد، هذا إذا كانت المتلوة والمسموعة سجدة واحدة، فأما إذا سجد في الصلاة لا يجب عليه أخرى في ظاهر الرواية؛ لأن الباقي أعلى للأولى للاتحاد المجلس سجدة أخرى للمسموعة إذا فرغ من الصلاة وإن سمع المصلي آية السجدة من رجل وسجد لها ثم أحدث وذهب، ثم عاد وسمع من ذلك الرجل مرة أخرى، فإنه يسجد سجدة أخرى، قيل: قرأ في الصلاة وسجد ثم أحدث ورجع وبنا وقرأ تلك الآية هذا على رواية «النوادر» . وعلى هذا قالوا لو قرأ آية السجدة في الصلاة ثم أحدث وذهب ليتوضأ ثم عاد، وأعادها يسجد سجدة أخرى، ويستوي سماعه وتلاوته مرتين في إيجاب السجدتين، ولو قرأ رجل سجدة في الصلاة، فسجدها ثم سلم وتكلم قرأها ثانية، فعليه إن لم يسجدها وإن كان لم يسجدها يكفيه سجدة واحدة كذا ذكر في «الأصل» .وذكر في «نوارد أبي سليمان» رحمه الله: إذا قرأ آية السجدة في الصلاة وسجد ثم سلم وقرأها في مقامه ذلك، فلا سجود عليه من مشايخنا رحمهم الله من قال في المسألة اختلاف الروايتين، ومنهم من قال: إنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع ما ذكر في «النوادر» أنه سلم لا غير ومجرد السلام لا يوجب تبدل المجلس؛ لأنه كلام يسير؛ لأنه كلامان لا غير وموضوع ما ذكر في الصلاة أنه سلم وتكلم به يكثر الكلام؛ لأنه تكلم ثلاث مرات بسلامين وكلام آخر، فيوجب تبدل المجلس، ولو قرأ آية السجدة في الركعة الأولى، فسجد ثم أعادها في الثانية، فلا سجود عليه في قول أبي يوسف رحمه الله، وقال محمد رحمه الله يسجد استحساناً، وهذا من المسائل التي رجع أبو يوسف رحمه الله فيه من الاستحسان إلى القياس.وجه الاستحسان: أن القول باتحاد التلاوتين غير ممكن هنا، لأنا لو قلنا: بالاتحاد تفوت القراءة من إحدى الركعتين حكماً والقراءة في كل ركعة ركن، فاعتبرنا كل قراءة تلاوة على حدة.وللقياس وجوه: أحدها: أن يثبت الاتحاد بقدر ما تتعلق به السجدة لا غير.والثاني: أن يثبت الاتحاد في حق السجدة لا في حق الصلاة.والثالث: أن يثبت الاتحاد في حق سببية السجدة لا في حق القراءة، وتفسيره: أن يجعل كلاهما تلاوة واحدة، وإذا سجد للتلاوة وتلا في السجدة آية أخرى لا تلزمه سجدة أخرى، وكذا لو تلا في الركوع ذكر في صلاة الفارسية؛ لأن هذه التلاوة محجور عنها سجد للتلاوة، فقرأ في السجدة أية أخرى.
نوع آخر في سماع المصلي آية سجدة ممن معه في الصلاةأو ممن ليس معه في الصلاة وسماع غير المصليآية السجدة من المصلي ثم اقتداؤه بالمصليقال محمد رحمه الله: إذا تلا آية سجدة خلف الإمام يسمعها الإمام والقوم ليس عليهم أن يجسدوها ما داموا في الصلاة، وهذا حكم الثابت بالإجماع؛ لأنه يؤدي إلى قلب الشريعة فإن التالي يتبع في هذه الصلاة وينقلب متبوعاً بسبب السجدة، لأن التالي إمام السامعين، قال عليه السلام للتالي «كنت إمامنا لو سجدت لسجدنا» ولهذا كانت السنّة أن يتقدم التالي بالسجدة، ويصطفون خلفه فلو … الأداء في الصلاة انقلب التبع متبوعاً، وذلك باطل، فإن فرغوا من الصلاة لا يسجدونها أيضاً عند أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله، وقال محمد رحمه الله يسجدونها؛ لأن التلاوة صحت من أهلها فوجبت السجدة أكثر ما في الباب أن حرمة القراءة على المقتدي خلف الإمام إلى حرمة القراءة لا يكون مانعاً وجوب السجدة كحرمة القراءة على الجنب والحائض والنفساء والكافر، فتلاوة هؤلاء، فإنها لا تمنع وجوب السجدة، فكذلك ها هنا.ولهما: أن المقتدي محجوب عن القراءة خلف الإمام بدليل يعد أنه قراءة الإمام عليه قال عليه السلام: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» ، وذلك دليل الولاية، والولاية دليل حجر المولى عليه وتصرف المحجور عليه لا ينعقد بحكم كسائر تصرفاته، بخلاف قراءة الجنب والحائض؛ لأنهما ليسا بموليين عليهما ولا (٩١ب١) محجورين، بل كانا منهيين عن التلاوة والتصرفات المنهي عنها ينعقد حكمها. وفرق بين الحجر وبين النهي، فأثر الحجر في منع اعتبار السببية، وأثر النهي في حرمة الفعل دون مولى الاختيار والفقه فيه: أن النهي … مصدر المنهي عنه بعد النهي، كما كان قبل النهي بخلاف الحجر على أنا نقول الجنب والحائض ليسا بممنوعين عن قراءة ما دون الآية على ما ذكره الطحاوي رحمه الله، وذلك القدر كافٍ لتعلق الوجوب، فأما المقتدي ممنوع عن قراءة ما دون الآية ومحجور عليه على ما مر.وأما إذا سمعها من المقتدي رجل ليس معهم في الصلاة ذكر في «نوادر أبي سليمان» رحمه الله: أنه يلزمه نفل هو قول محمد رحمه الله ولئن كان قول الكل بالحجر ثبت في حق المقتدي، فلا يعدوهم إن قرأها رجل ليس معهم في الصلاة يسمعها القوم والإمام، فعليهم أن يسجدوها إذا فرغوا من الصلاة ولا يسجدوها في الصلاة إما تجب
سجدة لصحة التلاوة من غير حجر، ولا يجوز أن يسجد في الصلاة؛ لأنها ليست فيها؛ لأن تلك التلاوة ليست من أفعال الصلاة حتى تكون السجدة صلاتية، فيكون إذا قالها في الصلاة وجبت كاملة، فلا ينادى بالنهي ولكن مع هذا لو سجدوا في الصلاة لا تفسد صلاتهم، لأن السجدة من أفعال الصلاة في ذاتها وفساد الصلاة بما هو من أفعال الصلاة لا يكون، وذكر في «النوادر» أنه تفسد صلاتهم؛ لأنهم تركوا الصلاة حين انتقلوا لها وزادوا في الصلاة ما ليس منها، والصحيح ما قلنا بدئاً؛ لأنهم ما تركوا الصلاة ولا أتوا بما ينقضها.قال محمد رحمه الله في «الجامع الصغير» : إذا قرأ الإمام آية السجدة سمعها رجل ليس معه، ثم دخل الرجل في صلاة الإمام، فهذه المسألة على وجهين. الأول: أن يكون اقتداؤه قبل أن يسجد الإمام، وفي هذا الوجه عليه أن يسجد مع الإمام؛ لأنه لو لم يكن سمع السجدة من الإمام قبل الاقتداء به كان عليه أن يسجد مع الإمام بحكم المتابعة، فإذا سمعها خارج الصلاة منه أولى أن يسجد معه، وإذا سجد مع الإمام سقط عنه لزمه بحكم سماعه قبل الإمام؛ لأنه لما اقتدى به صارت قراءة الإمام قراءة له، ألا ترى أنه لو أدرك الإمام حالة الركوع نابت عنه قراءة الإمام، وإن لم يكن مع الإمام حال قراءته، وإذا جعل قراءة الإمام قراءة المقتدي صار كأن المقتدي شرع في صلاة نفسه وتلا في صلاته ما سمع ثانياً، ولو كان هكذا سجد في الصلاة وسقط عنه ما وجب خارج الصلاة كذا ها هنا.الوجه الثاني: إذ اقتدى به بعدما سجد فليس عليه أن يسجدها في الصلاة كيلا يصير مخالفاً للإمام وليس عليه أن يسجدها بعد الفراغ من الصلاة أيضاً، قالوا، وتأويل هذه المسألة إذا أدرك الإمام في آخر تلك الركعة يصير مدركاً للركعة من أولها، فيصير مدركاً بالقراءة وما تعلق بالقراءة من السجدة، فأما إذا أدرك الإمام في الركعة الأخرى كان عليه أن يسجدها بعد الفراغ؛ لأنه إذا أدرك الإمام في الركعة الأخرى لم يصر مدركاً للركعة التي قرأ فيها، فلم يصر مدركاً لتلك القراءة، ولا لما تعلق بتلك القراءة من السجدة فقد جعله مدركاً للسجدة بإدراك تلك الركعة، ونظير هذا ما لو أدرك الإمام في الركوع في الركعة الثالثة من الوتر في شهر رمضان يصير مدركاً للقنوت، حتى لا يأتي بالقنوت في الركعة الأخيرة، هكذا ذكر في «النوادر» .ولو أدرك الإمام في الركوع في صلاة العيدين كان عليه أن يأتي بالتكبيرات ولا يصير مدركاً التكبيرات بإدراك تلك الركعة. والأصل في جنس هذه المسائل: أن كل ما لا يمكنه أن يأتي به من الركعة في الركوع نحو التلاوة وقنوت الوتر، فبإدرك الإمام في الركوع في تلك الركعة يصير مدركاً لذلك، وكل ما يمكنه أن يأتي به من الركعة في الركوع كتكبيرات العيدين، فبإدراك الإمام في الركوع من تلك الركعة لا يصير مدركاً لها.