مفتاح العلومكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ
بسم الله الرحمن الرحيمقال الأستاذ الإمام البارع العلامة سراج الملة والدين أبو يعقوب يوسف بن أبي بكر محمد بن علي السكاكي تغمده الله برحمته ورضوانه: أحق كلام أن تلهج به الألسنة. وأن لا يطوى منشوره على توالي الأزمنة. كلام لا يفرغ إلا في قالب الصدق. ولا ينسج خبره إلا على منوال الحق. فبالحري تلقيه بالقبول إذا ورد يقرع الأسماع. وتأبيه أن يعلق بذيل مؤداه ريبة إذا حسر عن وجهه القناع. وهو مدح الله تعالى وحمده بما هو له من الممادح أزلاً وأبداً. وبما انخرط في سلكها من المحامد متجدداً. ثم الصلاة والسلام على حبيبه محمد البشير النذير. بالكتاب العربي المنير. الشاهد لصدق دعواه بكمال بلاغته. المعجز لدهماء المصاقع عن إيراد معارضته. إعجازاً أخرس شقشقة كل منطيق. وأظلم طرق المعارضة فما وضح إليها وجه طريق. حتى أعرضوا عن المعارضة بالحروف. على المقارعة بالسيوف. وعن المقاولة باللسان. على المقاتلة بالسنان. بغياً منهم وحسداً. وعناداً ولدداً. ثم على آله وأصحابه الأئمة الأعلام. وأزمة الإسلام.وبعد: فإن نوع الأدب نوع يتفاوت كثرة شعب وقلة وصعوبة فنون وسهولة وتباعد طرفين وتدانيا بحسب حظ متوليه من سائر العلوم كمالاً ونقصاناً وكفاء منزلته هنالك ارتفاعاً وانحطاطاً وقدر مجاله فيها سعة وضيقاً، ولذلك ترى المعتنين بشأنه على مراتب مختلفة فمن صاحب أدب تراه يرجع منه على نوع أو نوعين لا يستطيع أن يتخطى
ذلك، ومن آخر تراه يرجع على ما شئت من أنواع مربوطة في مضمار اختلاف، فمن نوع لين الشكيمة سلس المقاد يكفي في اقتياده بعض قوة وأدنى تمييز، ومن آخر هو بعيد المأخذ نأي المطلب رهين الارتياد بمزيد ذكاء وفضل قوة طبع. ومن آخر كالمروز في قرن، ومن رابع لا يملك إلا بعدد متكاثرة وأوهاق متظافرة مع فضل إلهي في ضمن ممارسات كثيرة ومراجعات طويلة لاشتماله على فنون متنافية الأصول متباينة الفروع متغايرة الجنى ترى مبنى البعض على لطائف المناسبات المستخرجة بقوة القرائح والأذهان وترى مبنى البعض على التحقيق البحت وتحكيم العقل والصرف والتحرز عن شوائب الاحتمال، ومن آخر ريض لا يرتاض إلا بمشيئة خالق الخلق، وقد ضمنت كتابي هذا من أنواع الأدب دون نوع اللغة ما رأيته لا بد منه وهي عدة أنواع متآخذة فأودعته علم الصرف بتمامه وإنه لا يتم إلا بعلم الاشتقاق المتنوع على أنواعه الثلاثة وقد كشفت عنها القناع. وأوردت علم النحو بتمامه، وتمامه بعلمي المعاني والبيان، ولقد قضيت بتوفيق الله منهما الوطر، ولما كان تمام علم المعاني بعلمي الحد والاستدلال لم أر بداً من التسمح بهما، وحين كان التدرب في علمي المعاني والبيان موقوفاً على ممارسة باب النظم وباب النثر ورأيت صاحب النظم يفتقر على علمي العروض والقوافي ثنيت عنان القلم على إيرادهما وما ضمنت جميع ذلك كتابي هذا إلا بعد ما ميزت البعض عن البعض التمييز المناسب، ولخصت الكلام على حسب مقتضى المقام هنالك ومهدت لكل من ذلك أصولاً لائقة وأوردت حججاً مناسبة وقررت ما صادفت من آراء السلف قدس الله أرواحهم بقدر ما احتملت من التقرير مع الإرشاد على ضروب مباحث قلت عناية السلف بها وإيراد لطائف مفتنة ما فتق أحد بها رتق أذن، وها أنا ممل حواشي جارية مجرى الشرح للمواضع المشكلة مستكشفة
عن لطائف المباحث المهملة مطلعة على مزيد تفاصيل في أماكن تمس الحاجة إليها فاعلاً ذلك كله عسى إذا قيض في اللحد المضجع أن يدعى لي بدعوة تسمع، هذا.واعلم أن علم الأدب متى كان الحامل على الخوض فيه مجرد الوقوف على بعض الأوضاع وشيء من الاصطلاحات فهو لديك على طرف التمام. أما إذا خضت فيه لهمة تبعثك على الاحتراز عن الخطأ في العربية وسلوك جادة الصوابفيها اعترض دونك منه أنواع تلقى لأدناها عرق القربة لاسيما إذا انضم على همتك الشغف بالتلقي لمراد الله تعالى من كلامه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فهناك يستقبلك منها ما لا يبعد أن يرجعك القهقرى وكأني بك وليس معك من هذا العلم إلا ذكر النحو واللغة قد ذهب بك الوهم على أن ما قرع سمعك هو شيء قد أفتر عنه عصبية الصناعة لا تحقق له وإلا فمن لصاحب علم الأدب بأنواع تعظم تلك العظمة لكنك إذا اطلعت على ما نحن مستودعوه كتابنا هذا مشيرين فيه على ما تجب الإشارة إليه ولن يتم لك ذلك إلا بعد أن تركب له من التأمل كل صعب وذلول علمت إذ ذاك أن صوغ الحديث ليس إلا من عين التحقيق وجوهر السداد، ولما كان حال نوعنا هذا ما سمعت ورأيت أذكياء أهل زماني الفاضلين الكاملي الفضل قد طال إلحاحهم عليّ في أن أصنف لهم مختصرا يحظيهم بأوفر حظ منه وأن يكون أسلوبه أقرب أسلوب من فهم كل ذكي صنفت هذا وضمنت لمن أتقنه أن ينفتح عليه جميع المطالب العلمية، وسميته: مفتاح العلوم وجعلت هذا الكتاب ثلاثة أقسام: القسم الأول في علم الصرف، القسم الثاني في علم النحو،
القسم الثالث في علمي المعاني والبيان.والذي اقتضى عندي هذا هو أن الغرض الأقدم من علم الأدب لما كان هو الاحتراز عند الخطأ في كلام العرب وأردت أن أحصل هذا الغرض وأنت تعلم أن تحصيل الممكن لك لا يتأتى بدون معرفة جهات التحصيل واستعمالها لا جرم أنا حاولنا أن نتلو عليك في أربعة الأنواع مذيلة بأنواع أخر مما لا بد من معرفته في غرضك لتقف عليه ثم الاستعمال بيدك، وإنما أغنت هذه لأن مثارات الخطأ إذا تصفحتها ثلاثة المفرد والتأليف وكون المركب مطابقاً لما يجب أن يتكلم له، وهذه الأنواع بعد علم اللغة هي المرجوع إليها في كفاية ذلك ما لم يتخط على النظم، فعلما الصرف والنحو يرجع إليهما في المفرد والتأليف، ويرجع على علمي المعاني والبيان في الأخير، ولما كان علم الصرف هو المرجوع إليه في المفرد أو فيما هو في حكم المفرد والنحو بالعكس من ذلك كما ستقف عليه وأنت تعلم أن المفرد متقدم على أن يؤلف وطباق المؤلف للمعنى متأخر عن نفس التأليف لا جرم أنا قدمنا البعض على هذا الوجه وضعا لنؤثر ترتباً استحقته طبعاً.وهذا حين أن نشرع في الكتاب فنقول وبالله التوفيق:القسم الأولعلم الصرفأما: القسم الأول من الكتاب فمشتمل على ثلاثة فصول الأول: في بيان حقيقة علم الصرف والتنبيه على ما يحتاج إليه في تحقيقها. الثاني: في كيفية الوصول إليه. الثالث: في بيان كونه كافياً لما علق به من الغرض، وقبل أن نندفع على سوق هذه الفصول فلنذكر شيئاً لا بد منه في ضبط الحديث فيما نحن بصدده وهو الكشف عن معنى الكلمة وأنواعها.
الأقرب أن يقال الكلمة هي اللفظة الموضوعة للمعنى مفردة والمراد بالإفراد أنها بمجموعها وضعت لذلك المعنى دفعة واحدة ثم إذا كان معناها مستقلاً بنفسه وغير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة مثل علم وجهل سميت اسماً وإذا اقترنت مثل علم وجهل سميت فعلاً وإذا كان معناها لا يستقل بنفسه مثل من وعن سميت حرفاً ويفسر المستقل بنفسه على سبيل التقريب والتأنيس بأنه الذي يتم الجواب به كقول القائل زيد في جوابك إذا قلت من جاء وقرأ إذا قلت ماذا فعل بخلافه إذا قال في أو على إذا قلت أين قرأ، وإذ قد ذكر هذا فلنشرع في الفصل الأول ولنشرحه.
اعلم أن الصرف هو تتبع اعتبارات الواضع في وضعه من جهة المناسبات والأقيسة ونعني بالاعتبارات وافرضها على أن تتحقق أنه أولاً جنس المعاني ثم قصد لجنس جنس منها معيناً بإزاء كل من ذلك طائفة طائفة من الحروف ثم قصد لتنويع الأجناس شيئاً ف شيئاً متصرفاً في تلك الطوائف بالتقديم والتأخير والزيادة فيها بعد أو النقصان منها مما هو كاللازم للتنويع وتكثير الأمثلة ومن التبديل لبعض تلك الحروف لغيره لعارض وهكذا عند تركيب تلك الحروف من قصد هيئة ابتداء ثم تغيرها شيئاً ف شيئاً ولعلك تستبعد هذه الاعتبارات إذ ليس طريق معرفتها عندك لكن لا يخفى عليك أن وضع اللغة ليس إلا تحصيل أشياء منتشرة تحت الضبط فإذا أمعنت فيه النظر وجدت شأن الواضع أقرب شيء من شأن المستوفي الحاذق وانك لتعلم ما يصنع في باب الضبط فيزل عنك الاستبعاً د ثم انك ستقف على جلية الأمر فيه مما يتلى عليك عن قريب.
الفصل الثاني: في كيفية الوصول على النوعين، وهما معرفة الاعتبارات الراجعة على الحروف ومعرفة الاعتبارات الراجعة على الهيئات وفيه بابان. الأول في معرفة الطريق على النوع الأول وكيفية سلوكه. الثاني في معرفة الطريق على النوع الثاني وكيفية سلوكه أيضاً ومساق الحديث فيهما لا يتم إلا بعد التنبيه على أنواع الحروف التسعة والعشرين ومخارجها. اعلم أنها عند المتقدمين تتنوع على مجهورة ومهموسة وهي عندي كذلك لكن على ما أذكره وهو أن الجهر انحصار النفس في مخرج الحرف والهمس جرى ذلك فيه والمهجورة عندي الهمزة والألف والقاف والكاف والجيم والياء والراء والنون والطاء والدال والتاء والباء والميم والواو يجمعها قولك قدك أترجم ونطايب والمهموسة ما عداها ثم إذا لم يتم الانحصار ولا الجري كما في حروف قولك لم يروعنا سميت معتدلة وما بين الشديدة والرخوة وإذا تم الانحصار كما في حروف قولك أجدك قطبت سميت شديدة وإذا تم الجري كما في الباقية من ذلك سميت رخوة ثم إذا تبع
الاعتدال ضعف تحمل الحركة أو الامتناع عنه كما في الواو والياء والألف سميت معتلة وإذا تبع تمام الانحصار حفز وضغط كما في حروف قولك قد طبخ سميت حروف القلقلة وتتنوع أيضاً على مستعلية وهي الصاد والضاد والطاء والظاء والغين والخاء والقاف وعلى منخفضة وهي ما عداها والاستعلاء أن تتصعد لسانك في الحنك الأعلى والانخفاض بخلاف ذلك فإن جعلت لسانك مطبقاً للحنك الأعلى كما في الصاد والضاد والطاء والظاء سميت مطبقة وإلا كما في سواها سميت منفتحة ومخارجها عند الأكثر ستة عشر على هذا النهج: أقصى الحلق للهمزة والألف والهاء ووسطه للعين والحاء وأدناه على اللسان للغين والخاء وأقصى اللسان وما فوقه من الحنك الأعلى مخرج القاف ومن أسفل من موضع القاف من اللسان قليلاً ومما يليه من الحنك الأعلى مخرج الكاف ومن وسطه اللسان بينه وبين وسط الحنك الأعلى مخرج الجيم والشين والياء ومن بين أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس مخرج الضاد ومن حافة اللسان من أدناها على منتهى طرف اللسان من بينها وبين ما يليها من الحنك الأعلى فما فويق الضاحك والناب والرباعية والثنية مخرج اللام ومن طرف اللسان بينه وبين ما فويق الثنايا العليا مخرج النون ومن مخرج النون غير أنه أدخل في ظهر اللسان قليلاً لانحرافه على اللام مخرج الراء ومما بين طرف اللسان وأصول الثنايا العليا مخرج الطاء والدال والتاء ومما بين الثنايا وطرف اللسان مخرج الصاد والزاي والسين ومما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا مخرج الظاء والذال والثاء ومن باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا مخرج الفاء ومما بين الشفتين مخرج الباء والميم والواو ومن الخياشيم مخرج النون الخفيفة ويتصور ما ذكرناه من الشكل الآتي
وعندي أن الحكم في أنواعها ومخارجها على ما يجده كل أحد مستقيم الطبع سليم الذوق إذا راجع نفسه واعتبرها كما ينبغي وإن كان بخلاف الغير لإمكان التفاوت في الآلات وإذ قد تنبهت لما ذكرنا فلنرجع على الباب الأول،
والكلام فيه يستدعي تمهيد أصل، وهو أن اعتبار الأوضاع في الجملة مضبوطة أدخل في المناسبة من اعتبارها منتشرة وأعني بالانتشار ورودها مستأنفة في جميع ما يحتاج إليه في جانب اللفظ من الحروف والنظم والهيئة، وكذا في جانب المعنى من عدة اعتبارات تلزمه وبالضبط خلاف ذلك. وتقريره أن إيقاع القريب الحصول أسهل من البعيدة وفي اعتبارها مضبوطة تكون أقرب حصولاً لاحتياجها إذ ذاك على أقل مما تحتاج إليه على خلاف ذلك، ويظهر من هذا أن اعتبار الأوضاع الجزئية أعني بها المتناولة للمعاني الجزئية يلزم عند إمكان ضبطها أن تكون مسبوقة بأوضاع كلية لها، وقد خرج بقولي عند إمكان ضبطها ما كان في الظاهر جنسه نوعه كالحروف والأسماء المشاكلة لها من نحو إذا وأني ومتى عن أن يكون لوضعه الجزئي وضع كلي هذا على المذهب الظاهر من جمهور أصحابنا وإلا فخروج ذلك عندي ليس بحتم وإذا تمهد هذا فنقول الطريق على ذلك هو أن تبتدئ فيما يحتمل التنويع من حيث انتهى الواضع في تنويعه وهي الأوضاع الجزئية فترجع منها القهقرى في التجنيس، وهو التعميم على حيث ابتدأ منه وهو وضعه الكلي لتلك الجزئية كنحو أن تبتدئ من مثل لفظ المتباين وهو موضع التباين فترده على معنى أعم في لفظ التباين وهو المباينة من
الجانبين ثم ترد التباين على أعم وهو المباينة من جانب في لفظ باين ثم ترده على أعم وهو حصول البينونة في لفظ بان ثم ترده على أعم وهو مجرد البين، وهذا هو الذي يعنيه أصحابنا في هذا النوع بالاشتقاق ثم إذا اقتصرت في التجنيس على ما تحتمله حروف كل طائفة بنظم مخصوص كمطلق معنى البينونة فيما ضربنا من المثال للباء ثم الياء ثم النون وهو المتعارف سمي الاشتقاق الصغير وإن تجاوزت على ما احتملته من معنى أعم من ذلك كيفما انتظمت مثل الصور الست للحروف الثلاثة المختلفة من حيث النظم والأربع والعشرين للأربعة والمائة والعشرين للخمسة سمي الاشتقاق الكبير. وههنا نوع ثالث من الاشتقاق كان يسميه شيخنا الحاتمي رحمه الله الاشتقاق الأكبر، وهو أن يتجاوز على ما احتملته أخوات تلك الطائفة من الحروف نوعاً أو مخرجا وقد عرفت الأنواع والمخارج على ما نبهناك وأنه نوع لم أر أحداً من سحرة هذا الفن وقليل ما هم حام حوله على وجهه إلا هو وما كان ذلك منه تغمده الله برضوانه وكساه حلل غفرانه إلا لكونه الأول والآخر في علماء الفنون الأدبية على علوم أخر " ولا ينبئك مثل خبير ". وسلوك هذا الطريق على وجهين أصل فيما يطلب منه وملحق به. أما الأصل فهو إذا ظفرت بأمثلة ترجع معانيها الجزئية على معنى كلي لها أن تطلب فيها من الحروف قدراً تشترك هي فيه وهو يصلح للوضع الكلي على أن لا تمتنع عن تقدير زيادة أو حذف أو تبديل إن توقف مطلوبك على ذلك وعن تقدير القلب أيضاً في الاشتقاق الصغير معينا كلا من ذلك بوجه يشهد له سوى وجه الضبط فهو بمجرده لا يصلح لذلك وتلك الحروف تسمى أصولاً والمثال الذي لا يتضمن إلا إياها مجرداً وما سوى تلك الحروف زوائد والمتضمن لشيء منها م وإذا أريد أن يعبر عن الأصول عبر عن أولها في ابتداء الوضع بالفاء وعن ثانيها
بالعين وعن ثالثها باللام ثم إذا كان هناك رابع وخامس كرر لهما اللام فقيل اللام الثاني واللام الثالث وإذا أريد أن يعبر عن الزوائد عبر عنها بأنفسها إلا في المكرر والمبدل من تاء الافتعال وستعرفه هذا عند الجمهور وهو المتعارف، وإذا أريد تأدية هيئة الكلمة أديت بهذه الحروف ويسمى المنتظم منها إذ ذاك وزن الكلمة والكلام في تقرير هذا الأصل يستدعى تحرير خمسة قوانين. أحدها في أن القدر الصالح للوضع الكلي ماذا والباقية في أن الشاهد لتعيين كل من الأربعة الزيادة والحذف والبدل والقلب ماذا. أما القانون الأول فالذي عليه أصحابنا هو الثلاثة فصاعدا على خمسة خلافاً للكوفيين. أما الثلاثة فلكون البناء عليها أعدل الأبنية لا خفيفا خفيفا ولا ثقيلا ثقيلا، ولانقسامه على المراتب الثلاث وهي المبدأ والمنتهى والوسط بالسوية لكل واحد واحد لا تفاوت مع كونه صالحاً لتكثير الصور المحتاج إليه في باب التنويعصلاحاً فوق الاثنين دع الواحد ويظهر من هذا أن مطلوبية العدد فيما جنسه نوعه دون مطلوبيته فيما سوى ذلك. وأما التجاوز عنها على الأكثر فلكونه أصلح منها لتكثير الصور المحتاج إليه. وأما الاقتصار على الخمسة فليكون على قدر احتمال نقصانها زيادتها، وقد ظهر من كلامنا هذا أن الكلمات الداخلة تحت الاشتقاق عند أصحابنا البصريين إما أن تكون ثلاثية أو رباعية أو خماسية في أصل الوضع، وأما القانون الثاني وهو أن الحرف إذا دار بين أن يكونلاحاً فوق الاثنين دع الواحد ويظهر من هذا أن مطلوبية العدد فيما جنسه نوعه دون مطلوبيته فيما سوى ذلك. وأما التجاوز عنها على الأكثر فلكونه أصلح منها لتكثير الصور المحتاج إليه. وأما الاقتصار على الخمسة فليكون على قدر احتمال نقصانها زيادتها، وقد ظهر من كلامنا هذا أن الكلمات الداخلة تحت الاشتقاق عند أصحابنا البصريين إما أن تكون ثلاثية أو رباعية أو خماسية في أصل الوضع، وأما القانون الثاني وهو أن الحرف إذا دار بين أن يكونم على مثال هو فيه وبين أن يكون محذوفاً عن مثال ليس فيه فالشاهد للزيادة ماذا فوجوه وقبل أن نذكرها لابد من شيء يجب التنبيه عليه، وهو أن لا يكون توجه الحكم بالزيادة على الحرف بعد استجماع ما لابد
منه في ذلك نادراً مثله في الخارج عن مجموع قولك اليوم تنساه إذا لم يكن مكرراً على ما افترعه الاستقراء الصحيح، وهذه الحروف يسميها أصحابنا في هذا النوع حروف الزيادة بمعنى أن حكم الزيادة يتفق لها كثيراً، ولذلك جعل شرطاً في زيادة الحرف كونه مكرراً أو من هذه الأحرف وأن لا يتغير حكم الحرف في نظيره كنحو رجيل ومسيلم، وإذ قد تنبهت لهذا فنقول: الوجه الأول هو أن يفضل عن القدر الصالح للوضع الكلي كنحو ألف قبعثري. الثاني أن يكون ثبوته في اللفظ بقدر الضرورة كهمزة الوصل في اسم واعرف وأمثالهما وستعرف مواقعها. الثالث أن يمتنع عليه الحذف كحروف المضارعة لأدائها إذا قدرت محذوفة عن الماضي على خلاف قياس وهو أن لا يكون في الأفعال الوزن الذي هو في باب الاعتبار الأصل المقدم وهو الثلاثي ألبتة مع محذور آخر وهو التجاوز عن القدر الصالح للوضع الكلي. الرابع وهو أم الوجوه أن يكون ثبوته في أقل صوراً من لاثبوته، ولا مقتضى للحذف من مقتضياته التي تقف عليها في قانونه كالحروف التي تقع فيما يصغر ويثني ويجمع من نحو مسيلم ومسلمان أو مسلمين ومسلمون أو مسلمين أو مسلمات وفي الأسماء المتصلة بالأفعال كالمصادر وأسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهة من نحو مرحة وراحم ومرحوم ورحيم وفي أبنية التفضيل وأسماء الأزمنة والأمكنة وأسماء الآلات من نحو أطلع ومطلع ومصداق وفي غير ذلك مما يطلع عليه المتأمل وهذه أشياء لها تفاصيل يتضمنها مواضعها من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
أما ما يقرع سمعك أن من جملة الشواهد لزيادة الحرف أن يكون له معنى على حدة ممثلاً بالتنوين وتاء التأنيث وسين الكسكسة وهاء الوقف ولام ذلك وهنالك وأولالك وأشباه لها فلولا أنه يلزم من سوق هذا الحديث إدخال الشين المعجمة الكشكشية وكاف نحو ذلك وهنالك وكزيد وباء نحو بزيد في جملة حروف الزيادة، وأنه يلزم إدخال الأسماء الجارية مجرى الحروف في الاشتقاق لكان خلقاً بالقبول. وأما القانون الثالث وهو أن الحرف إذا اتفق له أن يدور بين الحذف والزيادة فالشاهد لكونه محذوفاً ماذا؟ فنقول هو أن يلزم من الإخلال بالحذف ترك أصل تراعيه مثل أن يلزم كون المثال على أقل من ثلاثة أحرف إما بدون تأمل كنحو غد ومن بل بتخفيف الهمزة وقل وقه ولم يك أو بأدنى تأمل كنحو رمتا ورموا وقمن وقمت وقمتما وقمتم وقمت وقمتن وقمت وقمنا، ونحو رمت وعدة وحرى فإن ضمائر الفاعلين وتاءي التأنيث وياء النسب كلمات على حدة، أو باستعمال قانون الزيادة في نحو يعد ويسل " والليل إذا يسر " ولم يخش ويقلن وتدعين واغز وأقم وغاز وغازون وأعلون وإقامة واستقامة وجوار وجوير وعلى ذا فقس أو مثل أن يلزم أن لا يكون في الأسماء التي هي لمدار التنويع القطب الأعظم خماسي أصلاً نظراً على التحقير والتكسير مع كونهما مستكرهين في نحو فريزد وفرزاد وسفيرج وسفارج وجميع ما شاكل ذلك. واعلم أن الحذف ليس يخص حرفاً دون حرف إلا أنه في حرف اللين إذا تأملت مفرط. وأما القانون الرابع وهو أن الشاهد لكون الحرف بدلا عن غيره في محل التردد ماذا فالقول فيه هو أن تجده أقل وجودا منه في أمثلة اشتقاقه كهمزة أجوه وتاء تراث ونظائرهما لا مساوياً له مساواة