الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم (العصام الأسفراييني) القسم: البلاغة الكتاب: الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم المؤلف: إبراهيم بن محمد بن عربشاه عصام الدين الحنفي (ت: ٩٤٣ هـ)حققه وعلق عليه: عبد الحميد هنداوي الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنانعدد الأجزاء: ٢أعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية)[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المحققالحمد لله الذي خص بهذا العلم قوما هم به قائمون، وجعلهم حفظة لكتابه حيث قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ.فلما جزم الله تعالى بحفظ كتابه من عوادي الدهر ونوازله، تبين لأولي الألباب حفظه تعالى لهذه الطائفة ما بقي كتابه أبد الدهر.فلا يخلو عصر من مجدد للبلاغة معيد لرونقها يجلو عنها ما علاها من غبرة الأخلاط، ولكنة الاختلاط.ولقد مرّت البلاغة بعصور مزهرة فاح عبيرها وشذاها في كتب الأوائل، ولا زلنا نتنسم إلى اليوم نسيمها، ونعطر رسائلنا بعرفها وأريجها.والبلاغة وإن تعددت مناهج الناس في دراستها، واختلفت وتباينت مسالكهم إليها؛ فإن لها في النهاية غاية واحدة، وهي الوقوف على وجوه جمال التعبير، ومعرفة أسرار الجمل والتراكيب.لقد مرّت البلاغة العربية في مسيرتها بأطوار شتى اختلفت فيها دروب السالكين ومناهجهم وإن اتحد القصد- كما بينا- فتفاوتت تلك المناهج بين الذاتية والموضوعية وبين الأدبية والتجريدية، والكلامية والمنطقية، وبين الإيجاز والإطناب، الإيجاز الذي قد يصل إلى حدّ التعقيد، ويتسم بجفاف المادة، وقلّة الشواهد، وندرة التحليل، والإطناب الذى يبالغ في الشرح والإفصاح والإكثار من الشواهد والتحليلات كما رأينا عند ابن الأثير والعلوي على سبيل المثال.كما تنوعت بين الميل إلى التجريد والتقعيد الشديد أو قل: التعقيد كما رأينا عند ابن قدامة وابن سنان والرازي وغيرهم.وبين إرسال القول على عواهنه وإرخاء الزمام لخواطر العقل، وسوانح الفكر كما رأينا في مصنفات الأقدمين.ومنهم من سلك طريقة وسطا بين العناية بالتحليل ورونق التعبير، وحلاوة
المنطق، وفصاحة التعبير وبين التقعيد والتجريد كما فعل عبد القاهر في كتابه أسرار البلاغة، غير أنه قد اضطرب الزمام في يده في دلائل الإعجاز لانشغاله بالرد على متكلمة زمانه والسابقين عليه.وبعد هذه المقدمة أقول:إن لكل مرحلة إذا طبيعتها من حيث منهج التأليف سواء في علوم البلاغة أو غيرها من العلوم، وإنه لمن الظلم الواضح البين أن نحاكم مؤلفات القرن الثامن الهجري وما بعده- حيث شروح التلخيص والمفتاح على كثرتها- إلى المناهج الحديثة في الدرس البلاغي، فلكل عصر طبيعته ومنهجه.وينبغي ألا يصدنا ذلك عن الاهتمام بتحقيق تلك المصادر وتنقيحها وإعادة طبعها ونشرها على الوجه العلمي اللائق بها، حيث تبدو أهميتها في كونها حلقة من حلقات التراث البلاغي الذي إن فقدنا حلقة منه انقطع إسناده إلينا.وكما ينبغي على راوي الحديث أن يثبت سلسلة الإسناد بكل رواتها دون نظر إلى حالهم من حيث العدالة أو التجريح، فكذلك تقتضي الأمانة العلمية إظهار التراث البلاغي بكل حلقاته كما هي بما فيها من ضعف أو قوة.وأخيرا نقول: إن هذه المؤلفات قد أثرت تأثيرا كبيرا في الإنتاج اللاحق بها، ولا يمكن تفسير ذلك الإنتاج وفهمه على وجه الصواب، إلا بعد الاصطبار على تلك المصنفات ومحاولة فهمها واستيعابها مهما لقي الباحث في سبيل ذلك من معاناة، وبذل من جهد.ولذا فنحن نقدم لدارس البلاغة كتاب الأطول في ثوب قشيب يليق بجلالته، وبما ترك من تأثير كبير في التأليف البلاغي بعده، وبما أثاره من مباحث وقضايا عديدة في التراث البلاغي.ولقد ذاع صيت العصام صاحب هذا الكتاب بمصنفه هذا، وبلغت شهرته الآفاق، فحريّ بنا أن نقف على ما فيه حتى تكتمل لدينا حلقات تراثنا البلاغي، وحتى يتصل إلينا إسناده على حقيقته من قوة أو ضعف.هذا، وقد حاولنا جهدنا في ضبط الكتاب على نسخه القديمة العتيقة، مع مراجعة بعض نسخه المخطوطة بدار الكتب المصرية.
كما قمنا بتفقيره ووضع علامات الترقيم حيث جاءت طبعاته السابقة خلوا من تلك العلامات تماما، فاختلط شعره بنثره، ومتنه بشرحه، وامتلأ بالتصحيفات والأخطاء، فحاولنا إصلاح ذلك ما أمكن، كذلك فقد اعتنينا بتخريج شواهده القرآنية والحديثية والشعرية.ووضعنا كتاب التلخيص في بدايته كالفهرس والمفتاح للوصول إلى المبتغى من شرحه، وذلك لصعوبة وصول القارئ إلى بغيته من شرح ما يبتغى من متنه لتداخل بعضه ببعض.هذا، والله نسأل أن يغفر لنا زلاتنا، وأن يجزل لنا المثوبة، وأن ينفع به من شاء من عباده، إنه تعالى هو نعم المولى ونعم النصير.وكتبه/ عبد الحميد هنداوي مدرس البلاغة والنقد الأدبي بكلية دار العلوم جامعة القاهرة الجيزة في ٩/ ١٠/ ١٤٢١ هـ
ترجمة المؤلفاسمه: إبراهيم بن محمد بن عرب شاه عصام الدين الحنفي، من سلائل أبي إسحاق الإسفراييني.ذكره صاحب كشف الظنون في معرض ذكر كتاب تلخيص المفتاح والشروح والحواشي عليه، قال: «وشرح العلامة الفاضل المحقق عصام الدين إبراهيم بن عرب شاه الإسفراييني، وهو شرح ممزوج عظيم يقال له: الأطول … ».وذكره أيضا في معرض ذكره لرسالة «ما أنا قلت من عبارات المطول» وقال:«هي لعلي قوشجي، وعصام الدين، وشيخ الإسلام الحفيد، ومحمد أمين الشهير بأمين باذ شاه».وذكره الزركلي في الأعلام فيمن اسمه عصام، قال: «عصام الإسفراييني إبراهيم بن محمد ٩٤٥ هـ».مولده ونشأته: ولد بإسفرايين (قرية بخراسان) في مهد العلم إذ كان أبوه وجده قاضيين لأولاد تيمور، فشب وترعرع على بساط العلماء، وحصّل العلم من ينابيعه الفياضة، وبذّ الأقران، وصار يشار إليه بالبنان.عقيدته: من خلال صحبتنا للمؤلف في كتابه نتبين أنه كان ملازما لعقيدة أهل السنة والجماعة مدافعا عنها، ينزل البلاغة ويخرج وجوهها على مقتضى عقيدة الفرقة الناجية، ويقف بالمرصاد لأدق دقائق أهل الاعتزال المخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة.نجد ذلك واضحا في مفتتح كتابه حيث يستدرك على العلامة الزمخشري ما ذهب إليه من أن «أل» في «الحمد لله» هي علامة تعريف الجنس، فيقول:«إن الحمد والبسملة أيضا كسائر ما بين الدفتين، في إيجاب الحمد، فيعجز كل ذي منة عن أداء محامده، بل شمّة، ولا يريبك فيّ ما ألفيت مما ألقيت عليك أنه مبني على جعل اللام في الحمد لام الاستغراق، وقد جعله العلامة الزمخشري علامة تعريف الجنس ولا يوثق به، لأنه صرح بأن في هذا النظم دلالة على
اختصاص الحمد به تعالى، فهو لا يتحاشى عن إفادة الاختصاص، وإن يتحاش فبناء على قاعدة الاعتزال من أن العباد هم الخالقون لأفعالهم، فالحمد على أفعالهم ليس حمدا له تعالى، ونحن معاشر أهل السنة نخالفهم بناء على أن لا مؤثر إلا الله، فالمحامد ترجع إليه ولا تتعلق في الحقيقة بما سواه، على أنه قيل: إنما جعل التعريف للجنس دون الاستغراق من موجبات القرائن، كما سيتحقق في بحث التعريف للجنس دون الاستغراق، إما لبيان أن مدلول اللام هو للجنس، والاستغراق من موجات القرائن كما يستحقق في بحث التعريف، وإما لاختيار إثبات اختصاص الأفراد بجعل اختصاص الجنس كناية عنه لأنه أبلغ.مؤلفاته: تعددت مؤلفات عصام الدين الحنفي لتدل على سعة علمه وتبحره في علوم كثيرة، قال الشيخ المراغي: له التواليف الحسنة في فنون كثيرة منها:شرح التلخيص الذي سماه: الأطول، نقد فيه كثيرا من بحوث سعد الدين التفتازاني في المطول، وشرح على رسالة الاستعارات لأبي الليث السمرقندي المشهورة بالسمرقندية، والرسالة الفارسية في البيان، وعربها أحمد المولوي الشهير بمنجم باشا، وحاشية على تفسير البيضاوي.وهذه قائمة بما أوقفتنا عليه كتب التراجم من مصنفاته الكثيرة:- الأطول شرح تلخيص المفتاح وهو كتابنا هذا.- شرح الشمائل في حقوق أفضل الورى وأقوى الدلائل.- حاشية على أنوار التنزيل إلى سورة الأعراف.- حاشية على جزء النبأ.- حاشية على الشمسية في المنطق.- حاشية على شرح المواقف.- حاشية على شرح عقائد النسفية.- حاشية على الفوائد الضيائية للجامي.- حاشية على كليات المطالع.- شرح تهذيب المنطق.
- شرح رسالة الاستعارة.- شرح الشافية في النحو.- شرح الطوالع.- شرح العوامل للجرجاني.- شرح القصارى.- شرح الكافية عارض به الرضيّ.- مختصر في النحو، وشرح له عليه.وفاته: قال الشيخ المراغي: خرج في أخريات حياته من بخارى إلى سمرقند لزيارة العارف بالله عبد الله النقشبندي، فمرض اثنين وعشرين يوما ثم قضى نحبه سنة إحدى وخمسين وتسعمائة، وكانت سنّه اثنين وسبعين سنة.وقد اختلف في تاريخ وفاته، فقيل: توفي سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة.وقيل: خمس وأربعين وتسعمائة.مصادر الترجمة: شذرات الذهب (٤/ ٧٣٥)، روضات الجنات (١/ ٥٠)، تاريخ علوم البلاغة للشيخ المراغي (١٧٩ - ١٨٠)، هدية العارفين (٥/ ٢٦، ٢٧)، كشف الظنون (١/ ٤٧٧)، الأعلام (٤/ ٢٣٣)، فؤاد سيزكين (١٣٣٠).
الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم - جـ ١متن كتاب التّلخيص في علوم البلاغة وهو تلخيص كتاب «مفتاح العلوم» للسّكاكيّتأليف الإمام جلال الدّين محمّد بن عبد الرّحمن القزويني المتوفّى سنة ٧٣٩ هـ
مقدّمة فى بيان معنى الفصاحة، والبلاغة(١/ ١٥٨) الفصاحة: يوصف بها المفرد (١)، والكلام، والمتكلّم.(١/ ١٥٨) والبلاغة: يوصف بها الأخيران فقط.فالفصاحة فى المفرد: خلوّه من تنافر الحروف، والغرابة، ومخالفة القياس:فالتنافر (٢): نحو [من الطويل]:غدائره مستشزرات إلى العلا(١/ ١٥٨) والغرابة (٣): نحو [من الرجز]:وفاحما ومرسنا مسرّجا (٤)أى: كالسيف السّريجى فى الدقة والاستواء، أو كالسراج فى البريق واللمعان.(١/ ١٦٦) والمخالفة (٥): نحو [من الرجز]:الحمد لله العلىّ الأجلل (٦)(١) أى الكلمة المفردة فيقال: كلمة فصيحة، وشرط ذلك أن ينظر إلى الكلمة داخل سياقها، لا كما فعل البلاغيون حيث نظروا إلى الكلمة المفردة معزولة عن سياقها، ثم وضعوا لها ما سوف يتلى عليك قريبا من شروط فصاحتها.(٢) هو وصف فى الكلمة يوجب ثقلها على اللسان وعسر النطق بها.(٣) هى كون الكلمة وحشية غير ظاهرة المعنى ولا مأنوسة الاستعمال، يصعب تخريج معناها.(٤) أورده بدر الدين بن مالك فى المصباح ص ١٢٣، وعزاه للعجاج، وأسرار البلاغة ١/ ١٢٤.الفاحم: الشعر الأسود كالفحم. والمرسن: الأنف، ومسرج هى موضع الشاهد لعدم ظهور معناها. وقبله: «ومقلة وحاجبا مزججا» وقد اختلفوا فى تخريج كلمة (مسرّجا) هذه، فقيل:المعنى وصف الأنف بأنه كالسيف السريجى فى الدقة والاستواء، وسريج اسم حداد تنسب إليه السيوف، أو كالسراج فى البريق واللمعان، أو هو من قولهم: سرج الله وجهه، أى: بهجه وحسنه، وقيل غير ذلك.(٥) هى أن تكون الكلمة على خلاف قواعد الصرف.(٦) البيت لأبى النجم الراجز. وبعده: «أنت مليك الناس ربّا فاقبل» والشاهد فيه كلمة (الأجلل) لأن الموافق لقواعد الصرف هو (الأجلّ) بإدغام اللامين.
(١/ ١٦٧) قيل (١): ومن الكراهة فى السمع؛ نحو [من المتقارب]:كريم الجرشّى شريف النّسب (٢)(١/ ١٦٨) وفيه نظر (٣):وفى الكلام: خلوصه من ضعف التأليف، وتنافر الكلمات، والتعقيد، مع فصاحتها:فالضعف (٤): نحو: ضرب غلامه زيدا.والتنافر (٥): كقوله [من الرجز]:وليس قرب قبر حرب قبر (٦)وقوله (٧) [من الطويل]:كريم متى أمدحه أمدحه والورى … معي وإذا ما لمته لمته وحدي(١/ ١٧٣) والتعقيد: ألّا يكون الكلام ظاهر الدّلالة على المراد؛ لخلل:إمّا فى النظم: كقول الفرزدق فى خال هشام (٨): [من الطويل]وما مثله فى النّاس إلّا مملّكا … أبو أمّه حىّ أبوه يقاربه(١) أى قيل: فصاحة المفرد خلوص مما سبق ذكره، وأيضا من الكراهة فى السمع.(٢) البيت للمتنبى، وهو فى مدح سيف الدولة، والجرشى: النفس. وصدره:مبارك الاسم أغرّ اللقب(٣) لأن الكراهة فى السمع هنا من قبيل الغرابة.(٤) هو أن يكون تأليف الكلام على خلاف القانون النحوي المشهور بين الجمهور، كالإضمار قبل أن يذكر اللفظ.(٥) هو أن تكون الكلمات ثقيلة على اللسان وإن كان كل منها فصيحا.(٦) أورده فخر الدين الرازى فى نهاية الإيجاز ص ١٢٣ بلا عزو. وقبله: «وقبر حرب بمكان قفر» وهو مجهول القائل. القفر: الخالى من الماء والكلأ.(٧) البيت لأبى تمام أورده فخر الدين الرازى فى نهاية الإيجاز ص ١٢٣ وجاء البيت برواية:كريم متى أمدحه أمدحه والورى … جميعا ومهما لمته لمته وحدى(٨) خال هشام بن عبد الملك بن مروان أحد ملوك بنى أمية، وخاله الممدوح إبراهيم بن هشام ابن إسماعيل المخزومى.
أى: ليس مثله فى الناس حىّ يقاربه إلا مملّكا أبو أمّه (١) أبوه.(١/ ١٧٦) ٢ - وإمّا فى الانتقال (٢): كقول الآخر (٣) [من الطويل]:سأطلب بعد الدّار عنكم لتقربوا … وتسكب عيناى الدّموع لتجمدافإن الانتقال (٤) من جمود العين إلى بخلها بالدموع، لا إلى ما قصده من السرور.(١/ ١٧٩) قيل (٥): ومن كثرة التّكرار، وتتابع الإضافات؛ كقوله [من الطويل]:سبوح لها منها عليها شواهد (٦)وقوله [من الطويل]:حمامة جرعا حومة الجندل اسجعى …وفيه نظر!(١/ ١٨٢) وفى المتكلّم (٧) ملكة يقتدر بها على التعبير عن المقصود، بلفظ فصيح.(١/ ١٨٤) والبلاغة فى الكلام: مطابقته لمقتضى الحال، مع فصاحته.(١) مملكا: أى رجل أعطى الملك وهو هشام المذكور، وأبو أمه: أى أبو أم هشام أى أبو الممدوح وهو خال هشام، وحاصله الإخبار بأن الممدوح لا مثل له فى الناس إلا ابن أخته الذى هو المملك.(٢) أى لخلل واقع فى انتقال الذهن من معنى اللفظ الأصلى إلى معنى آخر ملابس للأصلى قد استعمل اللفظ ليفهم منه ذلك الملابس على وجه الكناية أو المجاز.(٣) هو العباس بن الأحنف الشاعر المشهور. والشاهد فى قوله: لتجمدا.(٤) أى انتقال الذهن المعهود من جمود العين إلى بخلها بالدموع إنما يكون فى حالة الحزن والبكاء لا فى حالة الفرح والسرور.(٥) أى فصاحة الكلام ترجع أيضا إلى خلوصه من كثرة التكرار … إلخ.(٦) مثال لكثرة التكرار. والبيت للمتنبى وصدره: وتسعدنى فى غمرة بعد غمرة، وسبوح أى فرس حسن الجرى لا تتعب راكبها، كأنها تجرى فى الماء.(٧) أى الفصاحة الكائنة فى المتكلم.
وهو (١) مختلف؛ فإنّ مقامات الكلام متفاوتة:فمقام كلّ من التنكير، والإطلاق، والتقديم والذكر: يباين مقام خلافه.ومقام الفصل: يباين مقام الوصل.ومقام الإيجاز: يباين مقام خلافه.وكذا: خطاب الذكى مع خطاب الغبىّ، ولكلّ كلمة مع صاحبتها مقام.(١/ ١٨٨) وارتفاع شأن الكلام فى الحسن والقبول بمطابقته للاعتبار المناسب (٢)، وانحطاطه بعدمها، فمقتضى الحال: هو الاعتبار المناسب.(١/ ١٩١) فالبلاغة؛ راجعة إلى اللفظ باعتبار إفادته المعنى بالتركيب، وكثيرا ما يسمّى ذلك فصاحة- أيضا- ولها (٣) طرفان:أعلى: وهو حدّ الإعجاز وما يقرب منه.وأسفل: وهو ما إذا غيّر الكلام عنه إلى ما دونه، التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات.وبينهما مراتب كثيرة، وتتبعها وجوه أخر تورث الكلام حسنا.وفى المتكلم: ملكة يقتدر بها على تأليف كلام بليغ.فعلم: أنّ كلّ بليغ فصيح، ولا عكس.(١/ ١٩٧) وأنّ البلاغة مرجعها:١ - إلى الاحتراز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد.٢ - وإلى تمييز الفصيح من غيره:والثاني (٤): منه ما يبيّن فى علم متن اللغة، أو التصريف، أو النحو، أو يدرك بالحسّ، وهو ما عدا التعقيد المعنوىّ.(١) أى مقتضى الحال.(٢) أى للحال والمقام.(٣) أى بلاغة الكلام.(٤) أى تمييز الفصيح من غيره.
(١/ ١٩٨) وما يحترز به عن الأوّل (١): علم المعانى.وما يحترز به عن التعقيد المعنوىّ: علم البيان.وما يعرف به وجوه التحسين: علم البديع.وكثير (٢) يسمّى الجميع: علم البيان.وبعضهم يسمّى الأول: علم المعانى، والأخيرين: علم البيان، والثلاثة:علم البديع.***(١) أى عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد.(٢) أى كثير من الناس.
الفنّ الأوّل علم المعاني(١/ ٢٠٠) وهو: علم يعرف به أحوال اللفظ العربى التى بها يطابق مقتضى الحال.(١/ ٢٠٦) وينحصر فى ثمانية أبواب:١ - أحوال الإسناد الخبرىّ.٢ - أحوال المسند إليه.٣ - أحوال المسند.٤ - أحوال متعلّقات الفعل.٥ - القصر.٦ - الإنشاء.٧ - الفصل والوصل.٨ - الإيجاز والإطناب والمساواة.لأنّ الكلام إمّا خبر، وإما إنشاء، لأنه:إن كان لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه: فخبر، وإلا: فإنشاء.والخبر: لا بدّ له من مسند إليه، ومسند، وإسناد.(١/ ٢٠٩) والمسند: قد يكون له متعلّقات إذا كان فعلا أو فى معناه.وكلّ من الإسناد والتعلّق: إما بقصر أو بغير قصر.وكلّ جملة قرنت بأخرى: إمّا معطوفة عليها أو غير معطوفة.والكلام البليغ: إمّا زائد على أصل المراد لفائدة، أو غير زائد. تنبيه (١/ ٢١٣) صدق الخبر: مطابقته للواقع، وكذبه: عدمها.وقيل: «مطابقته لاعتقاد المخبر ولو خطأ، وعدمها (١)؛ بدليل قوله تعالى:إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (٢)»:(١) أى وكذب الخبر: عدمها.(٢) المنافقون: ١.
(١/ ٢١٧) وردّ: بأن المعنى: لكاذبون فى الشهادة، أو فى تسميتها، أو فى المشهود به فى زعمهم.الجاحظ (١) «مطابقته مع الاعتقاد، وعدمها معه (٢)، وغيرهما (٣) ليس بصدق ولا كذب؛ بدليل: أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ (٤)؛ لأن المراد بالثانى غير الكذب؛ لأنه قسيمه، وغير الصدق؛ لأنهم لم يعتقدوه»:وردّ: بأنّ المعنى: «أم لم يفتر؟ ! »؛ فعبّر عنه ب «الجنّة»؛ لأنّ المجنون لا افتراء له. أحوال الإسناد الخبريّ(١/ ٢٢٤) لا شك أن قصد المخبر بخبره إفادة المخاطب: إمّا الحكم، أو كونه عالما به؛ ويسمّى الأول: فائدة الخبر. والثانى: لازمها.(١/ ٢٣٢) وقد ينزّل العالم بهما منزلة الجاهل؛ لعدم جريه على موجب العلم؛ فينبغى أن يقتصر من التركيب على قدر الحاجة:(١/ ٢٣٥) فإن كان خالى الذّهن من الحكم، والتردّد فيه: استغنى عن مؤكّدات الحكم. وإن كان متردّدا فيه، طالبا له: حسن تقويته بمؤكّد.وإن كان منكرا: وجب توكيده بحسب الإنكار؛ كما قال الله تعالى- حكاية عن رسل عيسى- عليه السلام، إذ كذّبوا فى المرّة الأولى: إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (٥)، وفى الثانية: إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (٦).(١/ ٢٤٢) ويسمّى الضّرب الأول: ابتدائيّا، والثانى: طلبيّا، والثالث:إنكاريّا، وإخراج الكلام عليها: إخراجا على مقتضى الظاهر.(١) أى: قال الجاحظ.(٢) أى: مع اعتقاد أنه غير مطابق.(٣) أى غير هذين القسمين.(٤) سبأ: ٨.(٥) يس: ١٤.(٦) يس: ١٦.