جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب (أحمد الهاشمي) القسم: الأدب الكتاب: جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب المؤلف: أحمد بن إبراهيم بن مصطفى الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)اشرفت على تحقيقه وتصحيحه: لجنة من الجامعيين الناشر: مؤسسة المعارف، بيروتعدد الأجزاء: ٢[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيم"الفن السابع في تاريخ أدب اللغة العربية"التاريخ: هو معرفة أخبار الماضين وأحوالهم من حيث معيشتهم، وسياستهم وأدبهم، ولغتهم.والأدب: (كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل) . وهذه الرياضة كما تكون بالفعل، وحسن النظر، والمحاكاة، تكون بالأقوال الحكيمة التي تضمنتها لغة أي أمة.واللغة: ألفاظ يعبر بها كل قوم عن أغراضهم وهي من الأوضاع البشرية وأدب لغة أي أمة هو ما أودع في شعرها ونثرها من نتائج عقول أبنائها وصور أخيلتهم وطباعهم: مما شأنه أن يهذب النفس، ويثقف العقل، ويقوم اللسان.وتاريخ أدب اللغة: هو العلم الباحث عن أحوال اللغة: نثرها ونظمها في عصورها المختلفة، وعما كان لنابغيها من التأثير البين فيها.واللغة العربية: إحدى اللغات السامية. وهي لغة أمة العرب القديمة العهد الشائعة الذكر التي كانت تسكن الجزيرة المنسوبة إليها في الطرف الغربي من آسيا.وهذه الأمة: منها القدماء، وهم الذين يسكنون تلك الجزيرة وينطقون باللغة العربية سليقة وطبعاً، وهم ثلاث طبقات: أولاها العرب البائدة وهؤلاء لم يصل إلينا شيء صحيح من أخبارهم إلا ما قصه الله علينا في القرآن الكريم، وإلا ما جاء في الحديث النبوي. ومن أشهر قبائلهم طسم، وجديس وعاد، وثمود وعمليق.
وثانيهما العرب العاربة: وهم بنو قحطان الذين اختاروا اليمن منازل لهم. ومن أمهات قبائلهم كهلان، وحمير. وثالثتها العرب المستعربة: وهو بنو اسماعيل الطارئون على القحطانين، والممتزجون بهم لغة ونسباً. والمعرفون بعج بالعدنانيين، ومن أمهات قبائلهم ربيعة، ومضر، وإياد، وأنمار.ومنها المحدثون: وهم سلائل هؤلاء الأقوام الممتزجون بسلائل غيرهم والمنتشرون بعد الإسلام في بقاع الأرض من المحيط الأخضر (الأطلنطي) إلى ما وراء بحر فارس ودجلة، ومن أعالي النهرين إلى ماوراء جاوه وسومطرة.
"عصور اللغة العربية وآدابها"لما كان تاريخ أي أمة وأدبها يرتبط كل الارتباط بالحوادث السياسية والدينية والاجتماعية التي تقع بين ظهراني هذه الأمة، ناسب تقسيم تاريخ أدب اللغة خمسة أعصر: الأول: عصر الجاهلية: وينتهي بظهور الإسلام ومدته نحو خمسين ومائة سنة.الثاني: عصر صدر الإسلام، ويشمل بني أمية ويبتدئ بظهور الإسلام وينتهي بقيام دولة بني العباس سنة (١٣٢هـ?) .الثالث: عصر بني العباس: ويبتدئ بقيام دولتهم، وينتهي بسقوط بغداد في أيدي التتار سنة (٦٥٦هـ?) .الرابع: عصر الدول التركية: ويبتدئ بسقوط بغداد، وينتهي بمبدأ النهضة الأخيرة سنة (١٢٢٠هـ?) .الخامس: عصر النهضة الأخيرة: ويبتدئ من حكم الأسرة المحمدية العلوية بمصر، ويمتد إلى وقتنا هذا. "العصر الأول عصر الجاهلية""حالة اللغة وآدابها في ذلك العصر"لغة العرب من أغنى اللغات كلما، وأعرقها قدماً، وأوسعها لكل ما يقع تحت الحس، أو يجول في الخاطر: من تحقيق علوم، وسن قوانين وتصوير خيال، وتعيين مرافق: وهي على هندمة وضعها، وتناسق أجزائها لغة قوم أميين، ولا عجب أن بلغت تلك المنزلة، من بسطة الثروة، وسعة المدى إذا كان لها من عوامل النمو، ودواعي البقاء والرقي، ما قلما يتهيأ لغيرها وما رواه لنا منها أئمة اللغة وجاء به القرآن الكريم والحديث النبوي هو نتيجة امتزاج لغات الشعوب التي سكنت جزيرة العرب ولا شك في أن من أسباب امتزاج هذه اللغات ما يأتي: ١ هجرة القحطانين إلى جزيرة العرب ومخالطتهم فيها العرب البائدة باليمن ثم تمزقهم في بقاع الجزيرة كل ممزق بظلمهم وتخرب بلادهم بسيل العرم.
٢ هجرة اسماعيل عليه السلام إلى جزيرة العرب واختلاطه وبينه بالقحطانين بالمصاهرة والمجاورة والمحاربة والمتاجرة: وأظهر مواطن هذا الامتزاج مشاعر الحج والأسواق التي كانت تقيمها العرب في أنحاء بلادها، ومن هذه الأسواق عكاظ ومجنة وذو المجاز.وأهمها سوق عكاظ: وكانت تقام من أول ذي العقدة إلى اليوم العشرين منه. وأقيمت تلك السوق بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة وبقيت إلى ما بعد الإسلام حتى سنة تسع وعشرين ومائة. وكان يجتمع بهذه السوق أكثر أشراف العرب للمتاجرة، ومفاداة الأسرى والتحكيم في الخصومات وللمفاخرة بالشعر والخطب في الحسب والنسب والكرم والفصاحة والجمال والشجاعة وما شاكل ذلك. وكان من اشهر المحكمين بها في الشعر النابغة الذبياني. ومن أشهر خطبائها قس بن ساعدة الإيادي. وقد لهج الشعراء بذكرها في شعرهم. وحضرها منهم الرجال والنساء. كلام العربالغرض من كلام العرب كغيره الإبانة عما في النفس من الأفكار ليكون مدعاة إلى المعاونة والمعاضدة. وذريعة إلى تسهيل أعمال الحياة.ولما كانت هذه الأفكار لا تزال متجددة غير متناهية. كانت صور الكلام المبين عنها لا تزال كذلك متجددة خاضعة لقوى الاختراع والابتداع وأنواع الإنشاء والتأليف على حسب ما يقتضيه المقام فقد تصل صورة الكلام إلى الغاية القصوى في البلاغة، وقد تنحط صورة العبارة إلى الدرك الأسفل من الإبانة. بحيث لو انحطت عن ذلك لكانت عند الأدباء بأصوات الحجماوات أشبه، وبين الحالين مراتب، وجل بحث علم الأدب وتاريخه في التفاوت بين هذه المراتب ورجالها.
مقدمة في علم الإنشاءالإنشاء لغة الشروع والإيجاد والوضع تقول أنشأ الغلام يمشي إذا شرع في المشي وأنشأ الله العالم أوجدهم وأنشأ فلان الحديث وضعه واصطلاحاً علم يعرف به كيفية استنباط المعاني وتأليفها مع التعبير عنها
بلفظ لائق بالمقام وهو مستمد من جميع العلوم. وذلك لأن الكاتب لا يستثنى صنفاً من الكتابة فيخوض في كل المباحث ويتعمد الإنشاء في كل المعارف البشرية.وينحصر المقصود منه في ثلاثة أبواب وخاتمة وملحق. الباب الأول في أصول الإنشاءوهي أربعة: مؤاده وخواصه وطبقاته ومحاسنه.أما مواده فثلاث: الأولى: الألفاظ الفصيحة الصريحة. ، الثانية: المعاني. الثالثة: إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة ومرجعها إلى الفصاحة وعلمي المعاني والبيان.
وأكثر ما وصل إلينا منها كان شريف المعنى. فصيح اللفظ. الخطابةلما كان جل العرب في جاهليتها قبائل متبدية. لايربطها قانون عام. ولا تضبطها حكومة منظمة. ومن شأن المعيشة البدوية شن الغارات لأوهى الأسباب. والمدافعة بالنفس عن الروح والعرض والمال. والمباهاة بقوة العصبية وكرم النجار وشرف الخصال. وللقول في ذلك أثر لا يقل عن الصول: كانت الخطابة لهم ضرورية. وفيهم فطرية. وإنما لم تصل إلينا أخبار خطبائهم الأوائل. وشيء من خطبهم كما كان ذلك في الشعر. لحفلهم قديماً بالشعر دون الخطابة. ولصعوبة حفظ النثر.وما عني الرواة بنقل أخبار الخطباء إلا عندما حلت الخطابة بعد منزلة أسمى من الشعر. لابتذاله بتعاطي السفهاء والعامة له. وتلوثهم بالتكسب به والتعرض للحرم. فنبه بذلك شأن الخطابة. واشتهر بها الأشراف وكان لكل قبيلة خطيب كما كان لكل قبيلة شاعر.وأكثر ما كانت الخطابة في التحريض على القتال. والتحكيم في الخصومات وإصلاح ذات البين. وفي المفاخرات. والمنافرات. والوصايا وغير ذلك.وكان من عادة الخطيب في غير خطب الإملاك والتزويج أن يخطب قائماً أو على نشر ومرتفع من الأرض أو على ظهر راحلته. لإبعاد مدى الصوت، والتأثير بشخصه وإظهار ملامح وجهه وحركات جوارحه ولا غنى له عن لوث وعصب العمامة والاعتماد على مخصرة أو عصا أو قناة أو قوس وربما أشار بإحداها أو بيده.وخطباء العرب كثيرون (من أقدمهم) كعب بن لؤي (وكان ذا نفوذ عظيم من قومه حتى أكبروا موته) وذو الإصبع العدواني وهو حرثان بن محرث.
وأما خواصه فهي محاسنه السبعة وهي: أولاً: الوضوح بأن يختار المفردات البينة الدلالة على المقصود وأن يعدل عن كثرة العوامل في المجلة الواحدة وإن يتحاشى عن الالتباس في استعمال الضمائر وأن نسبك الجمل سبكاً جلياً بدون تعقيد والتباس وأن يتحاشى عن كثرة الجمل الاعتراضية.وثانياً: الصراحة بأن يكون الإنشاء سالماً من ضعف التأليف وغرابة التعبير بحيث يكون الكلام حراً مهذباً تناسب ألفاظه للمعاني المقصودة كما قيل:تزينُ معانيه ألفاظهُ … وألفاظه زائناتُ المعانيويكون الكلام صريحاً بانتقاء الألفاظ الفصيحة والمفردات الحرة الكريمة وكذا بإصابة المعاني وتنقيح العبارات مع جودة مقاطع الكلام وحسن صوغه وتأليفه. وكذا بمراعاة الفصل والوصل وهو العلم بمواضع العطف والاستئناف والاهتداء إلى كيفية إيقاع حروف العطف في مواقعها.وثالثاً: الضبط وهو حذف فضول الكلام وإسقاط مشتركات الألفاظ كقول قيس بن الخطيم المتوفي سنة ٦١٢م.
أرى الموتَ لا يرعى على ذي قرابةٍ … وإنْ كان في الدّنيا عزيزاً بمقعدلعمرك ما الأيام إلاّ معارةٌ … فما اسطعتَ من معروفها فتزوَّدورابعاً: الطبعية بأن يخلو الكلام من التكلف والتصنع كما قال في رثاء ابنه أو العتاهية المتوفي سنة ٢١١هـ?. بكيتك يا بني بدمع عيني … فلم يغن البكاءُ عليك شيّاوكانت في حياتك لي عظاتٌ … وأنت اليوم أوعظُ منك حيّاوذلك لأن من تطبع طبعه نزعته العادة حتى ترده إلى طبعه كما أن الماء إذا أسخنته وتركته عاد إلى طبعه من البرودة. وحينئذ الطبع أملك.وخامساً: السهولة بأن يخلص الكلام من التعسف في السبك وأن يختار ما لان منها كما قال في الأشواق بهاء الدين زهير المتوفي سنة ٦٥٦هـ?. شوقي إليكَ شديدٌ … كما علمتَ وأزيدْفكيفَ تنكرُ حبَّا … بهِ ضميرك يشهدْوأن تهذب الجمل وأن يأتلف اللفظ مع اللفظ مع مراعاة النظير كما قال الشاعر في الوداع. في كنفِ الله ظاعنٌ ظعنا … أودع قلبي وداعه حزنالا أبصرتْ مقلتي محاسنه=إنْ كنتُ أبصرتُ بعده حسنا قال بعض البلغاء أحذركم من التقعير والتعمق في القول وعليكم بمحاسن الألفاظ والمعاني المستخفة المستملحة فإن المعنى المليح إذا كسي لفظاً حسناً وأعاره البليغ مخرجاً سهلاً كان في فلب السامع أحلى ولصدره أملأ قال البستي:إذا انقادَ الكلامُ فقدهُ عفواً … إلى ما تشتهيه من المعانيولا تكرهْ بيانكَ أنْ تأبى … فلا إكراهَ في دين البيانوسادساً: الاتساق بأن تتناسب المعاني كقول المتنبي المتوفي سنة ٣٤٦هـ?.
ومازلتُ حتى قادني الشوقُ نحوه … يسايرني في كلّ ركبٍ له ذكرُوأستكبرُ الأخبارَ قبلَ لقائهِ … فلمّا التقينا صغّرَ الخبرَ الخبرُوسابعاً: الجزالة وهي إبراز المعاني الشريفة في معارض من الألفاظ الأنيقة اللطيفة كقول الصابئ المتوفي سنة ٣٨٤هـ?. لك في المحافل منطقٌ يشفي الجوى … ويسوغُ في أذن الأديب سلافهفكأنّ لفظكَ لؤلؤٌ متنخّلٌ … وكأنّما آذاننا أصدافهُوأما عيوبه فسبعة الهجنة بأن يكون اللفظ سخيفاً والمعنى مستقبحاً كقوله:وإذا أدنيتَ منهُ بصلاً … غلبَ المسكَ على ريح البصلوالوحشية كون الكلام غليظاً تمجه الأسماع وتنفر منه الطباع كقوله:وما أرضى لمقلتهِ بحلم … إذا انتبهتَ توهَّمهُ ابتشاكاوالركاكة ضعف التأليف وسخافة العبارة كقول المتنبي المتوفي سنة ٣٤٦هـ?. إنْ كان مثلك كان أو هو كائنٌ … فبرئتُ حينئذٍ من الإسلاموالسهو عبارة عن ضعف البصر بمواقع الكلام المتنبي يشبه ممدوحه بالله تعالى (وهو كفر) . تتقاصرُ الأفهامُ عن إدراكه … مثل الذي الأفلاكُ منهُ والدُّنيوالإسهاب الإطالة الزائدة المملة في شرح المادة والعدول إلى الحشو كقوله:أعنى فتى لم تذرُّ الشَّمسُ طالعةٌ … يوماً من الدّهر إلا ضرَّ أو نفعا
والجفاف الإيجاز والاختصار المخل كقول الحارث بن حلزة المتوفي سنة ٢٣٢هـ?. والعيشُ خيرٌ في ظلال النّوكِ … ممَّن عاشَ كدّاووحدة السياق التزام أسلوب واحد من التعبير وطريقة واحدة من التركيب بحيث تكون للأذهان كلالا وللقلوب ملالاً.وللكلام عيوب كثيرة منها اللحن ومخالفة القياس الصرفي وضعف التأليف والتعقيد والتكرار وتتابع الإضافات إلى غير ذلك من الأشياء التي تكون ثقيلة على اللسان مخالفة للذوق والعرب غريبة على السمع.وأما طبقاته ثلاث الأولى: الطبقة السفلى ومرجعها إلى الإنشاء الساذج وهو ما عرا عن رقة المعاني وجزالة الألفاظ والتأنق في التعبير فهو بالكلام العادي أشبه لسهولة مأخذه وقرب مورده ويستعمل في المحافل العمومية ليقرب منال المعاني على جمهور السامعين في المقالات والتأليف العلمية لينصرف الذهن إلى أخذ المعنى وليس دونه حائل من جهة العبارة وفي المكاتبات الأهلية والرحلات والأسفار والأخبار وما شابه ذلك (الثانية: الطبقة العليا) ومرجعها إلى الإنشاء العالي وهو ما شحن بغرر الألفاظ وتعلق بأهداب المجاز ولطائف التخيلات وبدائع التشابيه فيفتن ببراعته العقول ويسحر الألباب ويصلح في الترسل بين بلغاء الكتاب وفي المجالس الأدبية وديباجة بعض التصانيف إلى غير ذلك من المواضع التي من شأنها الزجر وتحريك العواطف والحماسة.
(الثالثة: الطبقة الوسطى) ومرجعها إلى الإنشاء الأنيق وهو ما توسط بين الإنشاء العالي والساذج فيأخذ من الأول رونقه ومن الثاني جلاءه وسلامته ويصلح في مراسلات ذوي المراتب وفي الروايات المنمقة والأوصاف المسهبة وفي خطب المحافل وما أشبه ذلك.وأما محاسنه فهي أساليب وطرائق معلومة وضعت لتزيين الكلام وتنميقه لغرض أن يتمكن البليغ من ذهن السامع بما يورده من أساليب الكلام المستحسنة فيحرك أهواء النفس ويثير كامن حركاتها، ولغرض أن يكون قوله أشد اتصالاً بالعقل وأقرب للإدراك بتصرفه في فنون البلاغة. كيفية الشروع في عمل مواضيع الإنشاءإذا عن لك أو اقترح عليك إنشاء موضوع فأنت منوط إذاً بأمرين التفكر أولاً والكتابة ثانياً فإذا أنعمت الفكر ملياً في أجزاء الموضوع بعد استيلاء الإحساس بها على قلبك وقلبتها على جميع الأوجه الممكنة فيها تولد في خيالك لكل جزء عدة صور تتفاوت في تأديته كتفاوت صور المنظوم في الحسن والقبح فبعضها يستميل النفوس بتأثيره في الحواس وبعضها يوجب نفورها وبعضها
بين بين، وإذا تشخصت الصور في الخيال يتخير العقل منها ماله المكانة الرفيعة في حسن تأدية الغرض المناسب للمقام فإن كان المقام للتحريض على القتال مثلاً انتخب الصورة المهيجة للإحساس المشجعة للنفس على اقتحام الأخطار وإن كان المقام مقام فرح وسرور انتخب نما يشرح الصدور وتقر به العيون وتروق به الأرواح ويذهب عنها الحزن والأتراح.وبعد تشخيص الصور وتخير المناسب منها تعتن أيها المنشئ بحسن تأليف وترتيب ما تخيرته بأن تجمع الصور المناسبة التي يرتبط بعضها ببعض بدون تكلف بحيث يكون المجموع منسجماً يمضي وحده مع النفس دون علاج وتعب في فهم الغرض منه وحينئذ يمكنك إظهار هذه الصورة المعقولة في صورة محسوسة بواسطة القلم. أركان الكتابةاعلم أن للكتابة أركاناً لابد من إيداعها في كل كتاب بلاغي ذي شأن. أولها أن يكون مطلع الكتاب عليه جدة ورشاقة فإن الكاتب من أجاد المطلع والمقطع. أو يكون مبنياً على مقصد الكتاب. الثاني: أن يكون خروج الكاتب من معنى إلى معنى برابطة لتكون رقاب المعاني آخذة بعضها
ببعض ولا تكون مقتضبة. الثالث: أن تكون ألفاظ الكتاب غير مخلولقة بكثرة الاستعمال.ولا أريد بذلك أن تكون ألفاظاً غريبة فإن ذلك عيب فاحش بل أريد أن تكون الألفاظ المستعملة مسبوكة سبكاً غريباً يظن السامع أنها غير ما في أيدي الناس وهي مما في أيدي الناس. وهناك معترك الفصاحة التي تظهر فيسه الخواطر براعتها والأقلام شجاعتها. وهذا الموضع بعيد المنال كثير الإشكال يحتاج إلى لطف ذوق وشهامة خاطر وليس كل خاطر براق إلى هذه الدرجة (ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الحديد: ٢١] ومع هذا فلا تظن أيها الناظر في كتابي أني أردت بهذا القول إهمال جانب المعاني بحيث يؤتى باللفظ الموصوف بصفات الحسن والملاحة ولايكون تحته من المعنى ما يماثله ويساويه فإنه إذا كان كذلك كان كصورة حسنة بديعة في حسنها إلا أن صاحبها بليد أبله. والمراد أن تكون هذه الألفاظ المشار إليها جسماً لمعنى شريف.على أن تحصيل المعاني الشريفة على الوجه الذي أشرت إليه أيسر من تحصيل الألفاظ المشار إليها. ولقد رأيت كثيرا من الجهال الذين هم من السوقة أرباب الحرف والصنائع وما منهم إلا من يقع له المعنى الشريف ويظهر من مخاطره المعنى الدقيق ولكنه لايحسن أن يزوج بين لفظين.فالعبارة عن المعاني هي التي تخلب بها العقول. وعلى هذا فالناس كلهم مشتركون في استخراج المعاني فإنه لايمنع الجاهل الذي لايعرف علما من العلوم أن يكون ذكيا بالفطرة. واستخراج المعاني إنما هو بالذكاء لا بتعلم العلم.فإذا استكملت معرفة هذه الأركان وأتيت بها في كل كتاب بلاغي ذي شأن فقد استحققت حينئذ فضيلة التقدم ووجب لك أن تسمي نفسك كاتبا.(عن المثل السائر باختصار)