الاقتضاب في شرح أدب الكتاب = الكاتب (ابن السيد البطليوسي) القسم: الأدب الكتاب: الاقتضاب في شرح أدب الكُتّاب [وهو شرح لأدب الكاتب لابن قتيبة]المؤلف: أبو محمد عبد الله بن محمد بن السِّيد البَطَلْيَوسي (ت ٥٢١ هـ)المحقق: الأستاذ مصطفى السقا [ت ١٣٨٩ هـ]- الدكتور حامد عبد المجيد الناشر: مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرةعام النشر: ١٩٩٦ معدد الأجزاء: ٣أعده للشاملة: فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
الاقتضابفي شرح أدب الكتابلأبي محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي (٤٤٤ - ٥٢١ هـ)(طبعة مزيدة منقحة) تحقيقالأستاذ مصطفى السقا - الدكتور حامد عبد المجيد مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة١٩٩٦
بسم الله الرحمن الرحيمصلى الله على محمد وعلى آله وسلمقال الفقيه الأستاذ أبو محمد عبد الله بن السيد البطليوسي رحمه الله: وهذا حين أبدأ بذكر مواضع من أدب الكتاب، يلزم التنبيه عليها، وإرشاد قارئه إليها، وليس جميعها غلطاً من ابن قتيبة، ولكنها تنقسم أربعة أقسام:القسم الأول منها: مواضع غلط فيها، فأنبه على غلطه. والقسم الثاني: أشياء اضطرب فيها كلامه، فأجاز في موضع من كتابه، ما منع فيه في آخر.والقسم الثالث: أشياء جعلها من لحن العامة، وعول في ذلك على ما رواه أبو حاتم عن الصمعي، وأجازها غير الأصمعي من
اللغويين، كابن الأعرابي، وأبي عمرو الشيباني، ويونس، وأبي زيد وغيرهم، وكان ينبغي له أن يقول: إن ما ذكره هو المختار، أو الأفصح، أو يقول: هذا قول فلان، وأما أن يجحد شيئاً وهو جائز، من أجل إنكار بعض اللغويين له، فرأى غير صحيح، ومذهب ليس بسديد.والقسم الرابع: مواضع وقعت غلطاً في رواية أبي علي البغدادي
المنقولة إلينا، فلا أعلم أهي غلط من ابن قتيبة، أم من الناقلين عنه.وأنا شارع في تبيين جميع ذلك، وترتيبه على أبواب الكتاب، بحسب ما أحاط به علمي، وانتهى إليه فهمي. وأضرب عن كر ما في الخطبة من الأغلاط، لأني قد ذكرت ذلك في الجزء الأول، وبالله أستعين، وعليه أتوكل.
بابمعرفة ما يضعه الناس في غير موضعه([١] مسألة:أنشد ابن قتيبة في هذا الباب:يقلن لقد بكيت فقلت كلا … وهل يبكي من الطرب الجليد[قال المفسر] هكذا نقل إلينا عن أبي نصر: هارون بن موسى، عن أبي علي البغدادي رحمة الله عليهما، والصواب فقلن (بالفاء)، لأن قبله.كتمت عواذلي ما في فؤادي … وقلت لهن ليتهم بعيدفجالت عبرة أشفقت منها … نسيل كأن وابلها فريدوأنشد أبو علي البغدادي في النوادر "فقالوا" بتذكير الضمير، وهو غير صحيح أيضا، لأن الضمير عائد على العواذل، والمراد بهن النساء لأن فواعل إنما يستعمل في جمع فاعلة، لا في جمع فاعل.فإن قلت: فلعله أراد بالعواذل: العذال، فجعل فواعل للمذكر ضرورة، كما قال الفرزدق:
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم … خضع الرقاب نواكس الأبصارفالجواب: أن قوله: "وقلت لهن"، يمنع من ذلك، وليس يمتنع عندي أن يكون الشاعر انصرف عن الإخبار عن المؤنث إلى المذكر مجازاً، كما ينصرفون عن المخاطب إلى الغائب، وعن الغائب على المخاطب، وذلك كثير تغني شهرته عن ذكره؛ ويدل على ذلك أنه قال بعد هذا:فقالوا ما لدمعهما سواء … أكلتا مقلتيك أصاب عودفهذا الضمير لا يصح فيه غلا التذكير على هذه الرواية ولو روى هذا البيت:فقلن نرى دموعهما سواءلكان أجود، وأبعد من المجاز، ولم أر فيه رواية ثانية غير رواية أبي علي، ولو أنشده منشد:فقلن ما لدمعهما سواء
لكان جائزاً في العروض، ويكون الجزء الأول من البيت معقولاً، ومعنى العقل في الوافر سقوط الحرف الخامس من الجزء، فيرجع الجزء من (مفاعلتن) إلى (مفاعلن ٩.وقد جاء العقل في جميع أجزاء الوافر، حاشا العروض والضرب، فإذا كان جائزاً في جميع البيت، فهو في جزء أجوز، ولنه من قبيح الزحاف، أنشد العروضيون:منازل لفرتني قفار … كأنما رسومها سطور[٢] مسألة: قال ابن قتيبة في هذا الباب:(ومن ذلك الحشمة، يضعها الناس موضع الاستحياء. قال الأصمعي: وليس كذلك وإنما هي بمعنى الغضب، وحكى عن بعض فصحاء العرب أنه قال: إن ذلك لمما يحشم بني فلان أي يغضبهم).(قال المفسر): هذا قول الأصمعي، كما ذكر عنه، وهو المشهور، وقد ذكر غيره أن الحشمة تكون بمعنى الاستحياء.وروى عن ابن عباس أنه قال: لكل داخل دهشة فابدءوه بالتحية،
ولكل طاعم حشمة فابدءوه باليمين. وقال المغيرة بن شعبة. العيش في إبقاء الحشمة.وقال صاحب كتاب العين: الحشمة: الانقباض عن أخيك في المطعم، وطلب الحاجة، تقول: احتشمت عني. وما الذي حشمك وأحشمك وقد روى في شعر عنترة:وأرى مطاعم لو أشاء حويتها … فيصدني عنها كثير تحشميوقال كثير:إني متى لم يسكن عطاؤهما … عندي بما قد فعلت أحتشموقال الكميت:ورأيت الشريف في أعين النا … س وضيعاً وقل منه احتشاميوقد يمكن أن تتأول هذه الأبيات كلها على ما قال الأصمعي. فلا تكون فيها حجة، فيكون معنى قول عنترة (فيصدني عنها كثير تحشمي):أي إن أنفتي وحميتي من أن يتعلق بي عار وخُلُق أسب به، بمعنى من أخذ مالا يجب، لأن همتي ليست في السلب، إنما هي في المسلوب، فيكون نحو قول أبي تمام:إن السود أسود الغاب همتها … يوم الكريهة في المسلوب لا السلب
وكذلك قول كثير، يكون معناه: إني أغضب وآنف أن يكون لهما فضل على ولا أجازيهما عليه. وكذلك قول الكميت: (وقل منه احتشامي) يكون معناه: قل معه غضبي وأنفتي، لأن الشريف يأنف من أن يكلم الخسيس، ويتكرم عن مراجعته، كما قال الآخر:(وأعرض عن شتم اللئيم تكرما)وكان الأصمعي لا يرى الكميت حجة، وقد استعمل أبو الطيب المتنبي الاحتشام بمعنى الاستحياء، وذلك أحد ما رود عليه من شعره فقال:ضيف ألم برأسي غير محتشم … السيف أحسن فعلاً منه باللمم[٣] مسألة:قال ابن قتيبة حكاية عن الأصمعي: (ونحو هذا قول الناس: زكنت الأمر. يذهبون فيه إلى معنى ظننت وتوهمت، وليس ذلك. إنما هو بمعنى علمت [يقال: زكنت الأمر أزكنه، قال قعنب بن أم صاحب:ولن يراجع قلبي ودهم أبدا … زكنت منهم على مثل الذي زكنواأي علمت منهم مثل الذي علموا مني].
(قال المفسر): قد حكى أبو زيد الأنصاري: زكنت منك مثل الذي زكنت مني. قال: وهو الظن الذي يكون عندك كاليقين، وإن لم تخبر به، وحكى صاحب العين نحوا من ذلك.وهذه الأقوال كلها متقاربة، ترجع عند النظر إلى أصل واحد. لأن الظن إذا قوى في النفس، وكثرت دلائله على الأمر المظنون، صار كالعلم، ولأجل هذا استعملت العرب الظن بمعنى العلم كقوله تعالى: (ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعها). وقال دريد بن الصمةفقلت لهم ظني بألفي مدجج … سراتهم في الفارسي المسردوقال السيرافي: لا يستعمل الظن بمعنى العلم إلا في الأشياء الغائبة عن مشاهدة الحواس لها. لا يقال: ظننت الحائط مبنياً وأنت تشاهده.[٤] مسألة:وقال في هذا الباب: (ومن ذلك المأتم. يذهب الناس إلى أنه المصيبة، ويقولون: كنا في مأتم، وليس كذلك. إنما المأتم النساء يجتمعن في الخير والشر).
(قال المفسر): قد حكى كراعو ابن الأنباري عن الطوسي: أن المأتم يكون من الرجال أيضاً، وأنشد:حتى تراهن لديه قيما … كما ترى حول الأمير المأتما[٥] مسألة:قال ابن قتيبة: (ومن ذلك قول العامة: فلان يتصدق: إذا أعطى وفلان يتصدق: إذا سأل. وهذا غلط، والصواب: فلان يسأل، وإنما المتصدق: المعطي. قال الله تعالى: (وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين).(قال المفسر): هذا الذي قاله ابن قتيبة هو المشهور عن الأصمعي وغيره من اللغويين. وقد حكى أبو زيد الأنصاري، وذكره قاسم بن أصبغ عنه، أنه يقال: تصدق: إذا سأل. وحكى نحو ذلك أبو الفتح ابن جنى، وأنشد:ولو أنهم رزقوا على أقدارهم … ألفيت أكثر من ترى يتصدقوذكر ابن الأنباري أيضاً في كتاب "الأضداد"، أن المتصدق يكون
المعطي، ويكون السائل، وحكى نحو ذلك صاحب كتاب "العين". والاشتقاق أيضاً يوجب أن يكون جائزاً، لأن العرب تستعمل تفعلت في الشيء، للذي يؤخذ جزءاً بعد جزء. فيقولون: تحسيت المرق، وتجرعت الماء. فيكون معنى تصدقت: التمست الصدقة شيئاً بعد شيء.[٦] مسألة:قال ابن قتيبة: (ومن ذلك الحمام، يذهب الناس إلى أنها الدواجن تستفرخ في البيوت)، وذلك غلط، ثم ذكر أن التي في البيوت إنما يقال لها: اليمام).(قال المفسر): هذا الذي قاله عن الأصمعي والكسائي، فيحتج عنهما. وقد يقال لليمام حمام أيضاً. حكى أبو عبيد في الغريب المصنف، عن الأصمعي أنه قال: اليمام ضرب من الحمام بري.وحكى أبو حاتم عن الأصمعي في كتاب "الطير الكبير": اليمام الواحدة يمامة، وهو الحمام البري. وحمام مكة يمام أجمع.قال أبو حاتم: والفرق بين الحمام الذي عندنا واليمام، أن أسفل
ذنب الحمامة مما يلي ظهرها، مائل إلى البياض، وكذلك حمام الأمصار، وأسفل اليمامة لا بياض فيه.[٧] مسألة:قال ابن قتيبة: ومن ذلك الآل والسراب، لا يكاد الناس يفرقون بينهما، وإنما الآل: أول النهار، وآخره، الذي يرفع كل شيء، إلى آخر الكلام.(قال المفسر): هذا الذي قاله، قد قاله غيره، وإنكار من أنكر أن يكون الآل السراب، من أعجب شيء سمع به، لأن ذلك مشهور معروف في كلام العرب الفصيح. فمن ذلك قول امريء القيس:فشبهتهم في الآل لما تكمشوا … حدائق دوم أو سفينا مقيراوقال العديل العجلي:فكنت كمهريق الذي في سقائه … لرقراق آل فوق رابية جلدوقال الأحوص لكثير:فكنت كمهريق الذي في سقائه … لضحضاح آل بالملا يترقرق
[٨] مسألة:وقد قال في هذا الباب: ومن ذلك (الربيع) يذهب الناس إلى أنه الفصل الذي يتبع الشتاء … إلى آخر الفصل.(قال المفسر): مذهب العامة في الربيع: هو مذهب المتقدمين، لأنهم كانوا يجعلون حلول الشمس برأس الحمل، أول الزمان وشبابه.وأما العرب فإنهم جعلوا حلول الشمس برأس الميزان أول فصول السنة الأربعة، وسموه الربيع. وأما حلول الشمس برأس الحمل، فكان منهم من يجعله ربيعاً ثانياً، فيكون في السنة على مذهبهم ربيعان، وكان منهم من لا يجعله ربيعاً ثانياً، فيكون في السنة على مذهبهم ربيعان، وكان منهم من لا يجعله ربيعاً ثانياً، فيكون في السنة على مذهبهم ربيع واحد، وأما الربيعان من الشهور، فلا خلاف بينهم في أنهما اثنان: ربيع الأول، وربيع الآخر.[٩] مسألة:قال ابن قتيبة: (ومن ذلك العرض. يذهب الناس إلى أنه سلف الرجل، من آبائه وأمهاته .. إلى آخر الفصل).(قال المفسر): قد اختلف الناس في حقيقة العرض. فقال قوم: عرض الرجل: آباؤه وأسلافه، وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام. وقال قوم: عرضه: ذاته ونفسه وهو الذي اختاره ابن قتيبة،