العمدة في محاسن الشعر وآدابه (ابن رشيق القيرواني) القسم: الأدب الكتاب: العمدة في محاسن الشعر وآدابه المؤلف: أبو على الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي (ت ٤٦٣ هـ)المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد [ت ١٣٩٢ هـ]الناشر: دار الجيل الطبعة: الخامسة، ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ معدد الأجزاء: ٢[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيمباب التصديروهو، أن يرد أعجاز الكلام على صدوره، فيدل بعضه على بعض، ويسهل استخراج قوافي الشعر إذا كان كذلك وتقتضيها الصنعة، ويكسب البيت الذي يكون فيه أبهة، ويكسوه رونقاً وديباجة ويزيده مائية وطلاوة.وقد قسم هذا الباب عبد الله بن المعتز على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يوافق آخر كلمة من البيت آخر كلمة من النصف الأول، نحو قول الشاعر:يلفي إذا ما الجيش كان عرمرماً … في جيش رأي لا يفل عرمرمالآخر: ما يوافق آخر كلمة من البيت أول كلمة منه، نحو قوله:سريع إلى ابن العم يشتم عرضه … وليس إلى داعي الندى بسريعوالثالث: ما وافق آخر كلمة من البيت بعض ما فيه، كقول الآخر:عزيز بني سليم أقصدته … سهام الموت وهي له سهاموالتصدير قريب من الترديد، والفرق بينهما أن التصدير مخصوص بالقوافي ترد على الصدور، فلا تجد تصديراً إلا كذلك حيث وقع من كتب المؤلفين، وإن لم يذكروا فيه فرقاً، والترديد يقع في أضعاف البيت، إلا ما ناسب بيت ابن العميد المقدم.ومن أبيات التصدير قول زهير:كذلك خيمهم، ولكل قومٍ … إذا مستهم الضراء خيموقال أيضاً في ذلك:له في الذاهبين أروم صدق … وكان لكل ذي حسب أروم
وقال أبو الأسود واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان الدؤلي:وما كل ذي لب بموتيك نصحه … وما كل مؤتٍ نصحه بلبيبفهذا تصدير، وإن كان ظاهره في اللفظ ترديداً للعلة التي ذكرتها.ومن أناشيدهم في التصدير قول طفيل الغنوي:محارمك أمنعها من القوم؛ إنني … أرى جفنة قد ضاع فيها المحارموقال جرير وهم يستحسنوه جداً:سقى الرمل جون مستهل ربابه … وما ذاك إلا حب من حل بالرملوقال عمرو بن الأحمر:تغمرت منها بعد ما نفد الصبا … ولم يروا من ذي حاجة من تغمراتغمرت أي: شربت من الغمر، وهو قدح صغير جداً، ضربه مثلاً، أي: تعللت منها بالشيء القليل، وذلك لا يبلغ ما في نفسي منك من المراد.ومن التصدير نوع سماه عبد الكريم المضادة، وأنشد للفرزدق:أصدر همومك لا يغلبك واردها … فكل واردة يوماً لها صدروأنشد في التصدير بيت طفيل المتقدم، وبيت جرير، وخص بيت الفرزدق بالمضادة دون أن يجعله تصديراً كما جعله أولاً طباقاً كما يقال في الأضداد إذا وقعت في الشعر، وقد رأيته في إحدى النسخ مع أبيات المطابقة.ويقاربه من كلام المحدثين قول ابن الرومي:ريحانهم ذهب على درر … وشرابهم درر على ذهبوالكتاب يسمون هذا النوع التبديل، حكاه أبو جعفر النحاس.ومن أناشيد ابن المعتز قول منصور بن الفرج في ذكر الشيب:يا بياضاً أذرى دموعي حتى … عاد منها سواد عيني بياضاً
وأنشد لأبي نواس، وهو عندي بعيد من أحكام السمعة التي يدخل بها في هذا الباب، على أنه غاية في ذاته؛ لأن أكثر العادة أن تعاد اللفظة بنفسها:دقت ورقت مذقة من مائها … والعيش بين رقيقتين رقيقوأنشد لمسلم بن الوليد:تبسم عن مثل الأقاح تبسمت … له مزنة صيفية فتبسماوهذا البيت أيضاً ترديد، وأنشد للطائي:ولم يحفظ مضاع المجد شيء … من الأشياء كالمال المضاعفالمولدون أكثر عناية بهذه الأشياء، وأشد طلباً لها من القدماء، وهي في أشعارهم أوجد كما قدمت آنفاً. باب المطابقةالمطابقة في الكلام: أن يأتلف في معناه ما يضاد في فحواه المطابقة عند جميع الناس: جمعك بين الضدين في الكلام أو بيت الشعر، إلا قدامة ومن اتبعه؛ فإنهم يجعلون اجتماع المعنيين في لفظة واحدة مكررة طباقاً، وقد تقدم الكلام في باب التجانس، وسمى قدامة هذا النوع الذي هو المطابقة عندنا التكافؤ، وليس بطباق عنده إلا ما قدمت ذكره، ولم يسمه التكافؤ أحد غيره وغير النحاس من جميع من علمته.
قال الخليل بن أحمد: طابقت بين الشيئين إذا جمعت بينهما على حذوٍ واحد وألصقتهما.وذكر الأصمعي للمطابقة في الشعر فقال: أصلها وضع الرجل في موضع اليد في مشي ذوات الأربع، وأنشد لنابغة بن الجعدة:وخيل يطابقن بالدار عين … طباق الكلاب يطأن الهراسةثم قال: أحسن بيت قيل لزهير في ذلك:ليث بعثر يصطاد الرجال، إذا … ما الليث كذب عن أقرانه صدقاحكى ذلك ابن دريد عن أبي حاتم عنه.وأما علي بن سليمان الأخفش فاختار قول ابن الزبير الأسدي:رمي الحدثان نسوة آل حرب … بمقدار سمدن له سموداًفرد شعورهن السود بيضاً … ورد وجوههن البيض سوداًوهذا من التبديل على مذاهب الكتاب، وأختار أيضاً قول طفيل الغنوي:بساهم الوجه لم تقطع أباجله … يصان وهو ليوم الروع مذبولحكاه الحاتمي عن أبي الفرج على ابن الحسن القرشي..وقال الرماني:المطابقة: مساواة المقدار من غير زيادة ولا نقصان.
قال صاحب الكتاب: هذا أحسن قول سمعته في المطابقة من غيره، وأجمعه لفائدة، وهو مشتمل على أقوال الفريقين وقدامة جميعاً، وأما قول الخليل إذا جمعت بينهما على حذو واحد ألصقتهما فهو مساواة المقدار من غير زيادة ولا نقصان كما قال الرماني، يشهد بذلك قول لبيد:تعاورن الحديث وطبقنه … كما طبقت بالنعل المثالاومنه طبقت المفصل أي: أصبته فلم أزد في العضو شيئاً ولم أنقص منه.. وكذلك قول الأصمعي " أصلها من وضع الرجل موضع اليد في مشي ذوات الأربع هو مساواة المقدار أيضاً؛ لأن من ذوات الأربع ما تجاوز رجله موضع يده، ومنها ما يطابق كما قال خلقة، وربما كان طباقها من ثقل تحكله أو شكيمة تمنعها أو شيئاً تتقيه على أنفسها، ولذلك شبه النابغة الجعدي مشي الخيل بوطء الكلاب الهراس، وهو حطام الشوك؛ فهي لا تضع أرجلها إلا حيث رفعت منه أيديها طلباً للسلامة.وأما قول قدامة في المطابق هو ما اشترك في لفظة واحدة بعينها فإنه أيضاً مساواة لفظٍ للفظ، وهي أعني المساواة على رأي الخليل والأصمعي مساواة معنى لمعنى، وقد يكون المراد أيضاً مطابقة الفظ للمعنى، أي: موافقته، ألا ترى أنهم يقولون: فلان يطابق فلان على كذا إذا وافقه عليه وساعده فيه؛ فيكون مذهب قدامى أن اللفظ وافقت معنى، ثم وافقت بعينها معنى آخر، ويصح هذا أيضاً في قول الخليل في الطباق إنه جمعك بين الشيئين على حذو واحد فيكون الشيئان للمعنيين، والحذو الواحد: اللفظة.ومن مليح ما رأيته في المطابقة قول كثير بن عبد الرحمن يصف عيناًوعن نجلاء تدمع في بياض … إذا دمعت، وتنظر في سواد
قال أيضاً:ووالله ما قاربت إلا تباعدت … بصرم، ولا أكثرت إلا أقلتوقال ابن المعتز، ويروى لابن المعذل:هواي هوا باطن ظاهر … قديم حديث لطيف جليلولبعض الأعراب:أمؤثرة الرجال علي ليلى … ولم أوثر على ليلى النساءوقال إعرابي: الدراهم مياسم تسم حمداً أو ذماً، فمن حبسها كان لها، ومن أنفقها كانت له ونظم الشاعر هذا الكلام فقال:أنت للمال إذا أمسكته … فإذا أنفقته فالمال لكومن الطباق الحسن قول إعرابي: خرجنا حفاة حين أنتعل كل شيء ظله، وما زادنا إلا التوكل وما مطايانا إلا الأرجل، حتى لحقنا بالقوم.وقال آخر لصاحبه: إن يسار النفس أفضل من يسار المال، فإن لم ترزق غنياً فلا تحرم تقوى، فرب شبعان من النعم غرثان من الكرم؛ وأعلم أن المؤمن على خير ترحب به الأرض وتستبشر به السماء، ولن يساء إليه في بطنها وقد أحسن على ظهرها.. ولربيعة بن مقروم الضبي:فدعوا نزال فكنت أول نازل … وعلام أركبه إذا لم أنزلومن أفضل كلام البشر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض خطبه فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الممات؛ فو الدي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا دار، إلا الجنة أو النار فهذا هو المعجز الذي لا تكلف فيه ولا مطمع في الإتيان بمثله. وقال الله عز من قائل: وما يستوي الأعمى والبصر، ولا الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور، وما يستوي الأحياء ولا الأموات
وعد ابن المعتز من المطابقة قول الله عز وجل: ولكم في القصاص حياة لأن معناه: القتل أنفة للقتل فصار القتل سبب الحياة، وهذا من أملح الطباق وأخفاه.ومما استغربه الجرجاني من الطباق واستلطفه قول الطائي:مها الوحش إلا أن هاتا أوانس … قنا الخط إلا أن تلك ذوابللمطابقته بهاتا وتلك، وإحداهما للحاضر وأخرى للغائب، فكانتا في المعنى نقيضتين وبمنزلة الضدين، هذا قوله، وليس عندي بمحقق؛ إنما إحداهما للقريب والأخرى للبعيد المشار إليه، ولكن الرجل أراد التخلص فزل في العبارة.ومثل هذا عندي في بابه قول أبي الطيب يذكر خيل العدو الزاحف للحرب:ضربن إلينا بالسياط جهالة … فلما تعارفنا ضربن بها عنافقوله ضربن إلينا مجيء إقدام، وقوله ضربن بها عنا ذهاب فرار، وهما ضدان.ومن أنواع الطباق قول هدبة بن خشرم:فإن تقتلونا في الحديد فإننا … قتلنا أخاكم مطلقاً لم يكبلفقوله في الحديد ضد قوله مطلقاً لم يكبل وإن لم يأتي على متعارف المضادة، وكذلك قوله:فإن يك أنفي زال عني جماله … فما حسبي في الصالحين بأجدعكأنه قال: وإن يك أنفي أجدع فما حسبي بأجدع.قال الجرجاني: وقد يخلط من يقصر علمه ويسوء تمييزه بالمطابق ما ليس منه، كقول كعب بن سعد الغنوي يرثى أخاه:لقد كان أماً حلمه فمروج … علينا، وأما جهله فعزيبلما رأى الحلم والجهل ووجد مروحاً وعزيباً جعلهما في هذه الجملة، ولو ألحقنا
ذلك بها لوجب أن يلحق أكثر أصناف التقسيم، ولا تسع الخرق فيه حتى يستغرق أكثر الكلام.قال صاحب الكتاب: معنى قوله فيما أنكر أن البيت إنما حقه أن يكون في باب المقابلة؛ لمقابلة الشاعر فيه كلمتين بكلمتين تقرباني من مضادتهما، وليستا بضدين على الحقيقة، ولو كانتا ضدين لم يكن ما زاد على لفظتين متضادتين أو مختلفتين إلا مقابلة، فإن لم يكن بين الألفاظ مناسبة البتة إلا الوزن سمى موازنة، وسأذكره في باب المقابلة إن شاء الله، هكذا جرت العادة في هذه التسمية.وأما قولنا إن الكلمتين غير متفاوتتين فظاهر؛ لأن الحلم ليس ضده في الحقيقة الجهل، وإنما ضده السفه والطيش، وضد الجهل العلم والمعرفة وما شاكلهما، وكذلك المروح ليس ضده العزيب وإنما ضده المغدو به أو المبكر به، وما أشبههما ولما ثقل وزن المروح من هاتين اللفظتين وقل استعماله تسمحت فيهما، وأما العزيب فهو البعيد والغائب، ولا مضادة بينه وبين المروح إلا بعيدةً، كأنه يقول: إن هذا يأتي لوقته وذلك بعيد خفي لا يأتي ولا يعرف، على أنا نجد أبا تمام إمام الصنعة قد قال:ولقد سلوت لو أن داراً لم تلح … وحلمت لو أن الهوا لم يجهلوقال زهير، وزعموا أنه لأوس بن الحجر:إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا … أصبت حليماً أو أصابك جاهللما وجده خلافاً له طابق بينها كما يفعل بالضد، وإن كان الخلاف مقصراً عن رتبة الضد في المباعدة، والناس متفقون على أن جميع المخلوقات: مخالف، وموافق، ومضاد، فمتى وقع الخلاف في باب المطابقة فإنما هو على معنى المسامحة وطرح الكلفة والمشقة، وأنشد غير واحد من العلماء لحسين بن مطير:
بسود نواصيها وحمر أكفها … وصفر تراقيها وبيض خدودهاورواه ابن الأعرابي في نسق أبيات:بصفر تراقيها وحمر أكفها … وسود نواصيها وبيض خدودهاوهذه الرواية أدخل في الصنعة، وقال الرماني وغيره: السواد والبياض ضدان، وسائر الألوان يضاد كل واحد منها صاحبه، إلا أن البياض هو ضد السواد على الحقيقة؛ إذ كان كل واحد منهما كلما قوي زاد بعداً من صاحبه، وما بينهما من الألوان كلما قوى زاد قرباً من السواد، فإن ضعف زاد قرباً من البياض، وأيضاً فلأن البياض منصبغ لا يصبغ، والسواد صابغ لا منصبغ، وليس سائر الألوان كذلك؛ لأنها كلها تصبغ ولا تنصبغ، انقضى كلامهم، وهو بين ظاهر لا يخفى على أحد، وإنما أوردته إبطالا لزعم من زعم أن أفضل مطابقة وقعت قول عمرو بن كلثوم:بأنا نورد الرايات بيضاً … ونصدرهن حمراً قد رويناومن أخف الطباق روحاً، وأقله كلفة، وأرسخه في السمع، وأعقله في القلب؛ قول السيد أبي الحسن في قصيدة:ألا ليت أياماً مضى لي نعيمها … تكر علينا بالوصال فننعموصفراء تحكي الشمس من عهد قيصر … يتوق إليها كل من يتكرمإذا مزجت في الكأس خلت لآلئا … تنثر في حافاتها وتنظمجمعنا بها الأشتات من كل لذة … على أنه لم يغش في ذاك محرمفطابق بين تنثر وتنظم وبين جمعنا والأشتات أسهل طباقاً وألطفه من غير تعمل ولا استكراه، وأتى في البيت الأول من قوله مضى وتكر بأخفى مطابقة، وأظرف صنعة على مذهب من انتحله.
ومما يغلط فيه الناس كثيراً في هذا الباب الجمال والقبح كقول بعض المحدثين.وجهه غاية الجمال، ولكن … فعله غاية لكل قبيحوليس لضده، وإنما ضده الدمامة، والقبح ضده الحسن. وقال الصولي أبو بكر يصف قلماً:ناحل الجسم ليس يعرف مذكاً … ن نعيما، وليس يعرف ضراًوليس بيهما مضادة. وإنما ضد النعيم البؤس، فأما قول أبي الطيب:فالسلم تكسر من جناحي ماله … بنواله ما تجبر الهيجاءفإنه داخل في الطباق المحض؛ لأن المراد بالهيجاء الحرب وهي اسم من أسمائها، فكأنه قال الحرب، فأتى بضد السلم حقيقة. باب ما اختلط فيه التجنيس بالمطابقةمن ذلك أن يقع في الكلام شيء مما يستعمل للضدين: كقولهم جلل بمعنى صغير، وجلل بمعنى عظيم؛ فإن باطنه مطابقة، وإن كان ظاهره تجنيساً، وكذلك الجون الأبيض، والجون الأسود، وما أشبه ذلك وكذلك إن دخل النفي كما قدمت، قال البحتري:يقيض لي من حيث لا أعلم الهوى … ويسري إلي الشوق من حيث أعلمفهذا مجانس في ظاهره، وهو في باطنه مطابق؛ لأن قوله لا أعلم كقوله أجهل، ومثل ذلك قول الآخر:لعمري لئن طال الفضيل بن ديسم … مع الظل ما إن رأيه بطويلكأنه قال: إن رأيه قصير، وقد جاء في القرآن: " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " فأما قول الفرزدق:
لعمري لئن قل الحصى في عديدكم … بني مهشل ما لؤمكم بقليلظاهره تجنيس بالقلة، وباطنه تطبيق بالكثرة؛ إذ كان معنى قل الحصى في عديدكم أنكم كثير، ومعنى ما لؤمكم بقليل أنه كثير أيضاً، فخاف الأول، وقد قال جلهمة بن أد بن مالك وهو طيء لولده في وصية: " ولا تكونوا كالجراد أكل ما وجد وأكله ما وجده " فهذا مجانس الظاهر مطابق الباطن، ومما أنشده ثعلب:أبى حبي سليمى أن يبيدا … وأمسى حبلها خلقاً جديداالجديد هنا: المجدود وهو المقطوع، مثل قتيل وهزيل بمعنى مقتول ومهزول، كأنه قال مجدوداً، أي: مقطوعاً، فليس بمطابق، وإن كان كذلك في الظاهر عند من لا يميز، فأما المميز فيعلم أنه لا يكون خلقاً جديداً في حال: وقال العتابي يعاتب المأمون وقد حجب عنه وكان به حفياً:تضرب الناس بالمهندة البي … ض على غدرهم وتنسى الوفاءفأتى بالغدر والوفاء، جميعاً، وهما ضدان، فطابق بينهما في الظاهر وباطن كلامه مجانس لأن قوله وتنسى الوفاء كقوله تغدر.وقال جرير أيضاً:أتصحو أم فؤادك غير صاح.فقوله غير صاح نقيض أتصحو لولا استفهام لم تعلم حقيقة محصوله بعد، إلا على مذهب من جعل أم بمعنى بل فكأنه قال لنفسه: بل فؤادك غير صاح، فناقض الصحو، ودخل كلامه في المطابقة.. وقال قيس بن الخطيم، ويروي لعدي:
وإني لأغنى الناس عن متكلف … يرى الناس ضلالاً وليس بمهتديكأنه قال وهو ضال فجانس في الباطن، وإن كان قد طابق في الظاهر. ومن هذا الباب قولك فاعل ومفعول، نحو خالق ومخلوق وطالب ومطلوب هما ضدان في المعنى، وإن تجانسا في اللفظ، وكذلك ما كان اسم الفاعل منه مفعل والمفعول مفعل نحو مكرم ومكرم ومعط ومعطى وما جرى هذا المجرى أو زاد عليه في البناء، وأما قولك قضيت واقتضيت فظاهره تجنيس وباطنه طباق، إلا أنه غير محض، وكذلك قولك أخذت وأعطيت؛ لأن الأخذ ضده الترك، والإعطاء ضد المنع، فهذا مما يظنه من لا يحسن طباقاً وليس كما ظن، ولكنه كثر جداً في الكلام، واستعمله الناس، كما تقدم من قولنا في الحلم والجهل والجمال والقبح.ومما ظاهره تجنيس وباطنه طباق الوعد والوعيد كما قال الشاعر:وإني وإن أوعدته أو وعدته … لمخلف إيعادي ومنجز موعديوأول ما يعتد به في هذا الباب قول امرئ القيس:فإن تدفنوا الداء لا نخفه … وإن تبعثوا الحرب لا نقعدويروى فإن تكتموا الداء لا نخفه وقوله لا نخفه أي: لنبده من
قوله تعالى: أكاد أخفيها فكأن الشاعر قال: إن تدفنوا الداء ندعه دفيناً أو قال: إن تكتموا الداء نكتمه، وكذلك قوله لا نقعد كأنه قال: إن تبعثوا الحرب نبعثها، ومن كلام السيد أبي الحسن:وأعلم أن المجد شيء مخلد … وأن الفتي والمال غير مخلدوالبيت من قصيدة شريفة أولها:صحا القلب عن سعدي وعن أم مسعد … ولم يشجني نوح الحمام المغرد باب المقابلةالمقابلة: مواجهة اللفظ بما يستحقه في الحكم، هذا حد ما اتضح عنديالمقابلة: بين التقسيم والطباق، وهي تتصرف في أنواع كثيرة، وأصلها ترتيب الكلام على ما يجب؛ فيعطي أول الكلام ما يليق به أولاً، وآخره ما يليق به آخراً، ويأتي في الموافق بما يوافقه، وفي المخالف بما يخالفه.وأكثر ما تجئ المقابلة في الأضداد، فإذا جاوز الطباق ضدين كان مقابلة مثال ما أنشده قدامة لبعض الشعراء، وهو:فيا عجباً كيف اتفقنا؛ فناصح … وفي، ومطوي على الغل غادر؟فقابل بين النصح والوفاء بالغل والغدر، وهكذا يجب أن تكون المقابلة الصحيحة، لكن قدامة لم يبال بالتقديم والتأخير في هذا الباب، وأنشد للطرماح:أسرناهم وأنعمنا عليهم … وأسقينا دماءهم التربا
فما صبروا بلأس عند حرب … ولا أدوا لحسن يدٍ ثوابافقدم ذكر الإنعام على المأسورين، وأخر ذكر القتل في البيت الأول؛ وأتى في البيت الثاني بعكس الترتيب، وذلك أنه قدم ذكر الصبر عند بأس الحرب وأخر ذكر الثواب على حسن اليد، اللهم إلا أن يريد بقوله فما صبروا لبأس عند حرب القوم المأسورين إذ لم يقاتلوا حتى يقتلوا دون الأسر وإعطاء اليد؛ فإن المقابلة حينئذ تصح وتترتب على ما شرطنا، وهذه عندهم تسمى مقابلة الاستحقاق، ويقرب منها قول أبي الطيب: وفعله ما تريد الكف والقدم لأن الكف من اليد بمنزلة القدم من الرجل، فبينهما مناسبة وليست مضادة، ولو طلبت المضادة لكان الرأس أو الناصية أولى، كما قال تعالى: " فيؤخذ بالنواصي والأقدام ".ومن أناشيد المقابلة قول النابغة الجعدي:فتى تم فيه ما يسر صديقه … على أن فيه ما يسوء الأعاديةفقابل يسر بيسوء وصديقه بالأعادي، وهذا جيد؛ ولو كان كل مقابل على وزن مقابله في هذا البيت والبيت الذي أنشده قدامة أولاً لكان أجود..وقال عمرو بن معدي كرب الزبيدي:ويبقى بعد حلم القوم حلمي … ويفنى قبل زاد القوم زاديفقال يبقى بعد ثم قال يفنى قبل فهذا كما أردنا.وقال الفرزدق:وأنا لنمضي بالأكف رماحنا … إذا أرعشت أيديكم بالمعالق