معترك الأقران في إعجاز القرآن (الجلال السيوطي)القسم: علوم القرآن وأصول التفسيرالكتاب: معترك الأقران في إعجاز القرآن، ويُسمَّى (إعجاز القرآن ومعترك الأقران)المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت - لبنانالطبعة: الأولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ معدد الأجزاء: ٣[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيمالكتاب: معترك الأقران في إعجاز القرآنويُسمَّى (إعجاز القرآن ومعترك الأقران)المؤلف: الإمام الحافظ / جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي(المتوفى ٩١١ هـ)دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت - لبنانالطبعة الأولى: ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ معدد الأجزاء: ٣تنبيه:[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]مصدر الكتاب نسخة مصورة قام الشيخ الجليل نافع - جزاه الله خيرا - بتحويلهاوقام الفقير إلى عفو ربه الكريم القدير بتصويبهوالحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.
بسم الله الرحمن الرحيممقدمةبسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.يقول عبيد الله سبحانه عبد الرحمن بن جال الدين السيوطي عفا الله عنه وغفر له ولوالديه ولجميع المسلمين إنه أرحم الراحمين:الحمد لله الذي جعل معْجزَاتِ هذه الأمَّةِ عَقْلِيَّةً؛ لفَرْطِ ذَكائهم، وكمالأفهامهم، وفَضْلِهم على مَنْ تقدمهم، إذ معجزاتهم حِسيّة لبلَادتهم، وقلَّةِبَصِيرتهم، نَحْمَده سبحانه على قوله لرسوله: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) ، وخَصّه بالإعانةِ على التبليغ فلم يقدر أحدٌ منهمعلى معارَضَتِه بعد تَحَدِّيهم، وكانوا أَفصحَ الفصحاءِ وأبلَغ البلغاء، وأمهلهم طولَ السنين فعجزوا.وقالوا: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) .فأخبر تعالى أَنَّ الكتابَ آية من آياتِه قائمٌ مقامَ معجزاتِ غيره من الأنبياءلفَنَائها بفَنَائهم.وكانوا أحرصَ الناسِ على إطفاء نُورِه، وإخفاء، أمْرِهِ، فلو كانفي مقدرتهم معارضَتُه لعدلوا إليها تقويةً لحججهم، بل عَدلوا إلى العِنَادِ تارةًوإلى الاستهزاء أخرى، فتارةً قالوا: ساحِر، وتارة قالوا: أساطيرالأولين.كلّ ذلك مِنْ تَحَيّرِهم، ثم رضوا بتحكيم السَّيْفِ في أعناقهم، وسَبْيِ ذَرَارِيهم، وحُرمهم، واستباحة أموالهم، فنصب لهم الحَرْبَ ونصبوا له، وقتَل مِنْ عِلْيَتِهمْ
وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم، وهو في ذلك يحتجّ عليهم بأن يَاتُوا بسورةٍ واحدة وآياتٍ يسيرة، إذ هي أنْقَض لقوله، وأفسد لأمره، وأبلغُ في تكذيبه، وأسرع في تفريق أتباعِهِ مِنْ بَذْلِ نفوسهم وخروجهم من أوطانهم، مع أنهم أشدّ الخَلْق أَنَفَةً، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سَيِّدُ عملهم، فحين لم يجدوا حِيلَةً ولا حجًّة قالوا له: أنْتَ تعرف مِنْ حال الأمم ما لا نَعْرِف، فلذلك يمكنُك ما لا يمكننا.فقال لهم: هاتوها مفتريات لتَبْكِيتهم، فلم يرُمْ ذلك خطيبٌ، ولا طمع فيه شاعر، ولا طبع منه أو تكلّفه، ولو تكلَّفَة لظهر ذلك، ولو ظهر لوجد مَن يستجيره ويحميه، نصْرَةً لدِينهم، بل أظهر الله دينَه، وخرق العادةَ في أسلوبِ كلامهِ وبلاغته وحلاوتهِ، حتى التَذوا بسماعه ألذّ من أهل اللهْوِ في لهوِهم، وأبقى ذلك فيه إلى صفحات الدهر ليراها ذوو البصائر، كما قال صلى الله عليه وسلم: " ما مِن الأنبياء نَبِيءٌ إلاّ أعطي من الآيات، ما مثْله آمَنَ عليه البَشَر، وإنما كان الذيأوتيته وَحْياً أوْحَاه إليَّ، فأرجو أن أكونَ أكثرهم تابعاً يَوْمَ القيامة ".فصلوات الله وسلامه على هذا النبي الكريم الذي أدى الأمانةَ، ونصح أمّتَهإلى رشدهم وهدايتهم، فهو أوْلَى بالمؤمنين من أنفسهم، ورضِيَ الله تعالى عنأصحابه وأتباعِه الذين نَصَروة بأنفسهم وأموالهم.أما بعد فإنَّ إطلاقَ السَّلَفِ رضي الله عنهم على كلامِ اللهِ أنه محفوظ فيالصّدور، مقروءٌ، بالألسنة، مكتوب في المصاحف هو بطريق الحقيقة لا بطريق المجاز، وليس يعنون بذلك حلولَ كلام الله تعالى القديم في هذه الأجرام، تعالى الله عن ذلك، وإنما يريدون أنَّ كلامَه جلّ وعلا مذكور مدلول عليه بتلاوة اللسان، وكلام الجَنَان، وكتابة البنَان، فهو موجود فيها حقيقة وعِلْماً لا مدلولاً، لأنَّ الشيءَ له وجودات أربع: وجود في الأذهان، ووجود في الأعيان، ووجود في اللسان، ووجود بالبَنَان، أي بالكتابة بالأصابع، فالوجودُ الأول الذات الحقيقي، وسائر الوجَودات إنما هي باعتبار الدلالة والفَهْم.وبهذا تعرف أنَّ التلاوةَ غير المتلوّ، والقراءة غير المقروء، والكتابة غير المكتوب، لأنَّ الأول من كل قسمين من هذه الأقسام حادث، والثاني منها قديم لا نهاية له.
وقد أفرد علماؤنا رضي الله عنهم بتصنيف إعجاز القرآن، وخاضوا في وجوهِ إعجازِه كثيراً، منهم الخطابي، والرمّاني، والزَّمْلَكاني، والإمام الرازي، وابن سراقة، والقاضي أبو بكر الباقِلاني، وأنهى بعضهم وجوه إعجازه إلى ثمانين.والصواب أنه لا نهاية لوجوه إعجازه كما قال السكاكي في المفتاح: اعلم أنإعجاز القرآن يدرك ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكنوصفها، وكالملاحة.وكما يدرك طيب النغم العارض لهذا الصوت، ولا يدرك تحصيله لغير ذوي الفطر السليمة إلا بإتقان علمي المعاني والبيان والتمرين فيهما.وقال الأصبهاني في تفسيره: اعلم أن إعجاز القرآن ذكر من وجهين:أحدهما إعجاز يتعلق بنفسه.والثاني بصرف الناس عن معارضته، فالأول إما أن يتعلق بفصاحته وبلاغته أو بمعناه.أما الإعجاز المتعلق بفصاحته وبلاغته فلا يتعلق بعنصره الذي هو اللفظ والمعنى، فإن ألفاظه ألفاظهم، قال تعالى: (قرْآناً عَرَبِيًّا) .(بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ) . ولا بمعانيه، فإن كثيراً منها موجود في الكتب المتقدمة، قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) .وما هو في القرآن من المعارف الإلهية وبيان المبدأ والمعاد،والإخبار بالغيب، فإعجازه ليس براجع إلى القرآن من حيث هو قرآن، بل لكونها حاصلة من غير سبق تعليم وتعلم، ولكون الإخبار بالغيب إخبارا بالمغيبسواء كان بهذا النظم أو بغيره، مورَداً بالعربية أو بلغة أخرى، بعبارة أو إشارة، فإذاً فالنظم المخصوص صورة القرآن، واللفظ والمعنى عنصره، وباختلاف الصور يختلف حكم الشيء واسمه لا بعنصره، كالقرط والخاتم والسوار، فإنه باختلاف صورها اختلفت أسماؤها، لا بعنصرها الذي هو الذهب والفضة والحديد، فإن الخاتم المتخذ من الذهب ومن الفضة ومن الحديد يسمى خاتماً،وإن كان العنصر مختلفاً.وإن اتخذ خاتم وقرْط وسوار من ذهب اختلفت أسماؤها باختلاف صورها وإن كان العنصر واحدا.قال: فظهر من هذا أن الإعجاز المختص بالقرآن يتعلق بالنظم المحصوص.
وبيان كون النظم معجزاً يتوقف على بيان نظم الكلام، ثم بيان أن هذا النظممخالف لما عداه من النظم.فنقول: مراتب تأليف الكلام خمس:الأول: ضم الحروف المبسوطة بعضها إلى بعض لتحصل الكلمات الثلاثالاسم والفعل والحرف.والثانية: تأليف هذه الكلمات بعضها إلى بعض، فتحصل الجمل المفيدة، وهو النوع الذي يتداوله الناس جيعأ في مخاطباتهم وقضاء حوائجهم، ويقال له المنثور من الكلام.والثالثة: ضم بعض ذلك إلى بعض ضما له مَبَادٍ ومقاطع، ومداخل ومخارج، ويقال له المنظوم.والرابعة: أن يعتبر في أواخر الكلام مع ذلك تسجيع، ويقال له السجع.والخامسة: أن يجعل له مع ذلك وزن، ويقال له الشعر.والمنظوم إما محاورة، ويقال له الخطابة، وإما مكاتبة ويقال له الرسالة، فأنواع الكلام لا تخرج عن هذه الأقسام، ولكل من ذلك نظم مخصوص.والقرآن جامع لمحاسن الجميع على غير نظم لشيء منها، يدل على ذلك أنه لا يصح أن يقال له رسالة أو خطابة أو شعر أو سجع، كما يصح أن يقال هو كلام، والبليغ إذا قرع سمعه فصل بينه وبين ما عداه من النظم.ولهذا قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) .تنبيهاً على أن تأليفه ليس على هيئة نظْم يتعاطاه البشر، فيمكن أن يغير بالزيادة والنقصان كحالة الكتب الأخرى.قال: وأما الإعجاز المتعلق بصرف الناس عن معارضته فظاهر أيضاً إذااعتبر، وذلك أنه ما من صناعة كانت محمودة أو مذمومة إلا وبينها وبين قوممناسبات خفية واتفاقات فعلية، بدليل أن الواحد يؤثر حرفة من الحرف
فينشرح صدره بملابستها، وتطيعه قواه في مباشرتها، فيقبلها بانشراح صدرويزاولها بقلبه.فلما دعا الله أهل البلاغة والخطابة الذين يهيمون في كل واد من المعانيبسلاطة لسانهم إلى معارضة القرآن، وعجزوا عن الإتيان بمثله، ولم يقصدوالمعارضته، فلم يخف على ذوي البلاغة أن صارفا إلهياً صرفهم عن ذلك.وأيُّ إعجاز أعظم من أن يكون كافة البلغاء عجزوا في الظاهر عن معارضة، مصروفة في الباطن عنها.فإن قلت: هل يعلم إعجاز القرآن ضرورة أم لا؟فالجواب ظهور ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك، ضرورة، وكونه معجزا يعلم بالاستدلال.قال أبو الحسن الأشعري: والذي نقوله إن الأعجمي لا يمكنه أن يعلمإعجازه إلا استدلالاً، وكذلك من ليس ببليغ.فأما البليغ الذي أحاط بمذاهب العرب وغرائب الصنعة فإنه يعلم من نفسه ضرورة عجزه وعجز غيره عن الإتيان بمثله.فإن قلت: إنما وقع العجز في الإنس دون الجن؟فالجواب أن الجن ليسوا من أهل اللسان العربي الذي جاء القرآن على أساليبه، وإنما ذكروا في قوله تعالى: (قلْ لَئِن اجْتَمَعَت الإنْس وَالْجِنّ...) تعظيما لشأنه، لأن للهيئة الاجتماعية من القوة ما ليس للأفراد، فإذا فرِض إجماع الثقلين، وظاهر بعضهم بعضا، وعجزوا عن المعارضة كان الفريق الواحد أعجز.وقال بعضهم: بل وقع للجن أيضاً والملائكة منويون في الآية، لأنهم لايقدرون أيضاً على الإتيان بمثل القرآن.وقال الرُّماني في غرائب التفسير: إنما اقتصر في الآية على ذكر الجنوالإنس، لأنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثاً إلى الثقلين دون الملائكة.
فإن قلت: قد قال تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) .وقد وجدنا فيه اختلافا وتفاوتا في الفصاحة، بل نجد فيه الأفصح والفصيح.والجواب أنه لو جاء القرآن على غير ذلك لكان على غيرالنمَط المعتاد في كلام العرب من الجمع بين الأفصح والفصيح، فلا تتم الحجة في الإعجاز، فجاء على نمط كلامهم المعتاد ليتم ظهور العجز عن معارضته ولا يقولوا مثلاً: أتيت بما لا قدرة لنا على جنسه، كما لا يصح للبصير أن يقول للأعمى: قد غلبتك بنظري، لأنه يقول له: إنما تتم لك الغلبة لو كنت قادراً على النظر، وكان نظري أقوى من نظرك، فأما إذا فقد أصل النظر فكيف تصح مني المعارضة.وقيل: إن الحكمة في تنزيه القرآن عن الشعر الموزون - مع أن الشعر الموزون من الكلام رتْبَته فوق رتبة غيره - إن القرآن منبع الحق، وجمع الصدق، وقصارى أمر الشاعر التخييل بتصور الباطل في صورة الحق، والإفراط في الإطراء، والمبالغة في الذم والإيذاء، دون إظهار الحق، وإثبات الصدق، ولهذا نزه الله نبيه صلى الله عليه وسلم عنه، ولأجل شهرة الشعر بالكذب سمى أصحاب البرهان القياسات المؤدية في أكثر الأمر إلى البطلان والكذب: شِعْريّة.وقال بعض الحكماء: لم يُرَ متَدَيِّن صادق اللهجة مُفْلق في شعره، وأما ماوجِد في القرآن مما صورته صورة الموزونفالجواب عنه أنْ ذلك لا يسمى شعراً، لأن من شرط الشعر القصد، ولو كان شعراً لكان من اتفق له في كلامه شيء موزون شاعراً، فكان الناس كلهم شعراء، لأنه قل أن يخلو كلام أحد عن ذلك.وقد ورد ذلك على الفصحاء، فلو اعتقدوه شعرا لبادروا إلى معارضتهوالطعن عليه، لأنهم كانوا أحرص شيء على ذلك، وإنما يقع ذلك لبلوغ الكلام الغاية القصْوى في الانسجام.وقيل البيت الواحد وما كان على وزنه لا يسمى شعراً.وأقل الشعر بيتان "فصاعدا.وقِيل الرجز لا يسمى شعراً أصلا.وقيل:أقل ما يكون من الرجز شعراً أربعة أبيات، وليس ذلك في القرآن بحال.
قال الغزالي: الاختلاف لفظ مشترك بين معان، وليس المراد نفي اختلافالناس فيه، بل نفي الاختلاف عن ذات القرآن، يقال: هذا كلام مختلف، أي لا يشبه بعضه بعضاً، أو لا يشبه أوله آخره، أو بعضه يدعو إلى الدين وبعضه يدعو إلى الدنيا، وهو مختلف النّظْم، فبعضه على وزن الشعر وبعضه منزحف، وبعضه على أسلوب مخصوص في الجزالة، وبعضه على أسلوب يخالفه، وكلام الله منَزة عن هذه الاختلافات، فإنه على منهاج واحد في النظم يناسب أوله آخره، وعلى درجة واحدة في الفصاحة، فليس يشتمل على الغث والسمين، ومسوق بمعنى واحد، وهو دعوة الخلق إلى الله تعالى، وصرفُهم عن الدنيا إلى الدين، وكلام الآدميين يتطرق إليه هذه الاختلافات، إذ كلام الشعراء والمراسلين إذا قيس عليه وجِد فيه اختلاف في منهج النظم، ثم اختلاف في درجات الفصاحة، ثم في أصل الفصاحة، حتى يشتمل على الغَثّ والسمين، ولا تتساوى رسالتان ولا قصيدتان، بل تشتمل قصيدة على أبيات فصيحة وأبيات سخيفة، وكذلك تشتمل القصائد والأغراض على أغراض مختلفة، لأن الشعراء والفصحاء في كل واد يهيمون، فتارة يمدحون الدنيا، وتارة يذمونها، وتارة يذمون الجبْنَ ويسمونه ضَعْفاً، وتارة يمدحونه ويسمونه حزماً، وتارة يمدحون الشجاعة ويسمونهاصرامة، وتارة يذمونها ويسمونها تهوراً.ولا ينفك كلام آدمي عن هذه الاختلافات، لأن منشأها اختلافالأغراض والأحوال.والإنسان تختلف أحواله فتسعده الفصاحة عند انبساط الطبع وفرحه، وتتعذرعليه عند الانقباض، وكذلك تختلف أغراضه فيميل إلى الشيء مرة ويميل عنهأخرى، فيوجب ذلك اختلافاً في كلامه بالضرورة، فلا يصادَف إنسان يتكلم في ثلاث وعشرين سنة - وفي مدة نزول القرآن - فيتكلم على غرض واحد ومنهاج واحد.وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بشراً تختلف أحواله، فلو كان هذا كلامه أو كلام غيره من البشر لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.
فإن قلت: هل يقال إن غير القرآن من كلام الله معجز كالتوراة والإنجيل؟فالجواب ليس شيء من ذلك معجزاً في النظم والتأليف، وإن كان معجزاًكالقرآن فيما يتضمن من الإخبار بالغيوب.وإنما لم يكن معجزاً لأن الله لم يصفه بما وصف به القرآن، ولأنّا قد علمنا أنه لم يقع التحدي إليه كما وقع في القرآن، ولأن ذلك اللسان لا يتأتى فيه من وجوه الفصاحة ما يقع به التفاضل الذي ينتهي إلى حد الإعجاز.وقد ذكر ابن جنيّ في الخاطريات في قوله تعالى: (يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) .أن العدول عن قوله: وإما أن نلقي لغرضين:أحدهما - لفظي، وهو المزاوجة لرؤوس الآي.والثاني - معنوي، وهو أنه تعالى أراد أن يخبر عن قوة أنفس السحرة واستطالتهم على موسى، فجاء عنهم باللفظ أتم وأوفى منهم في إسنادهم الفعل إليه.تم أورد سؤالا، وهو أنا نعلم أن السحرة لم يكونوا أهل لسان، فنذهب بهمهذا المذهب من صنعَة الكلام.وأجاب بأن جميع ما ورد في القرآن حكاية عن غير أهل اللسان من القرونالخالية إنما هو معرَّب عن معانيهم، وليس هو بحقيقة ألفاظهم.ولهذا لا يشك أن قوله تعالى: (قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) .إن هذه الفصاحة لم تجر على لغة العجم.قال أبو حيان التوحيدي: سئل بُندار الفارسي عن موضع الإعجاز منالقرآن، فقال: هذه مسألة فيها حَيْف على المفتي، وذلك أنه شبيه بقولكم موضع الإنسان من الإنسان، فليس للإنسان موضع من الإنسان، بل متى أشرت إلى جملته فقدت حقيقته ودللت على ذاته، كذلك القرآن لشرفه لا ئشار إلى شيء منه إلا وكان ذلك المعنى آية في نفسه ومعجزة لمحاوِله، وأهدى لقائله، وليس
في طاقة البشر الإحاطة بأغراض الله في كتابه، فلذلك حارت العقول وتاهتالبصائر عنده.فإذا علمت عَجْزَ الخلق عن تحصيل وجوه إعجازه فما فائدة ذكرها؟لكنا نذكر بعضها تَطَفلآَ على من سبق، فإن كنتُ لا ممن أجول في ميدانهم، ولا أعَدّ من فرسانهم لعَمْرك إن دار كريم أبناء الدنيا تتحمل من تطفّل عليه فكيفبأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وإن كانت بعض الأوجه لا تعد عن إعجازهفإنما ذكرتها للاطلاع على بعض معانيه، فيثلج له صدرك، وتبتهج نفسك.فإن وجدت له حلاوة فلا تنس أخاك الغريق بدعوة أن يتفضل عليه سبحانه في دار كرامته بخلق سَمْع وقوة حتى يدرك به كلامه القديم، فإنه منعه في هذه الحياة الدنيوية لذيذَ المناجاة له بسبب ذنوبه، مصداقه قوله تعالى: (سأصْرِف عَنْ آياتِي الّذِينَ يتَكَبَّرونَ فِي الْأرْضِ بِغَيْرِ الْحَق) .وانظر إلى ما صح عن كليمه موسى عليه السلام أنه كان يسد أذنيه لئلايسمع كلام الخلق، إذ صار عنده أشد ما يكون من أصوات البهائم المنكرة، حتى لم يكن يستطيع سماعه بِحِدْثان ما ذاق من اللذات التي لا يحاطنها ولاتكيَّف عند سماع كلام من ليس كمثله شيء جل وعلا.ولولا أنه سبحانه يغيّبه عما ذاق عند مناجاته مما لا يقدر على وصفه لما أمكنأن يأنس إلى شيء من المخلوقات أبداً، ولما انتفع به أحد، فسبحانه من لطيف، ما أوسع كرمه وأعظم جلاله!ومن أعجب الأمر في هذا عدم ذوبان اللذات وتلاشيها حتى تصير عدماًمحضاً عند اطلاعها من ذي الجلال عما اطلعت عليه، لولا أنه أثبتها وأمسكها، يشهد لهذا ما صح عن ابن الأسمر - وإن من الأبدال - أنه رأى مرة في نومه حوراء كلمته فبقي نحو شهرين أو ثلاثة لا يستطيع أن يسمع كلاماً إلا تقيأه.فانظر هذا الأمر كيف صار كلام الناس بالنسبة إلى كلام الحوراء الذي هومن جنس كلامهم أدنى وأقبح من صوت الحمير والكلاب بالنسبة إلى كلام
الناس، إذ لا تجد من يتقيأ من سماع صوت الحمير أو الكلاب، ولو سمعته إثرسماعك أفصح كلام وأعذبه، فكيف نسبة كلام الخلق إلى كلام الخالق الذيجلّ عن المثل في ذاته وصفاته وأفعاله.وقال أيضاً رضي الله عنه: دخلت مسجد نبيء بالإسكندرية بالديمان، فوجدت النبيء المدفون هناك قائماً يصلي، عليه عباءة مخططة، فقال: تقدم فَصَلِّ!قلت له: تقدم أنت فَصَلِّ.قال: إنكم من أمة نبيء لا ينبغي لنا التقدم عليه.قال: قلت له: بحق هذا النبي - وقد وضع فمه على فمي إجلالا للفظة النبي كي لا تبرز في الهواء - قال: فتقدمت وصليت.فانظر إلى هذا المصاب الحالّ بنا في عدم احترامنا لذكر هذا الرسولوالكتاب المنزل عليه، فقف به على قدم الاعتذار، واكشف رأس التَجَبّروالاستكبار، ونادِ بلسان الاضطرار: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) ، لعلك تسمع كلامه إذتشفعتَ إليه بكلامي فأنت من المقبولين، وتنال بذلك الفوز مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصِّدِّيقين، وحاشاك نسيان أخيك الجالب لك من أسرار كلامه تعالى ما تزيد فيه حلاوته والنظر فيه يزيدك لى محبة.*******(من وجوه الإعجاز)الوجه الأول من وجوه إعجازهوكيف لا وقد احتوى على علوم ومعارف لم يجمعها كتاب من الكتب، ولاأحاط بعلمها أحد في كلمات قليلة وأحرف معدودة.قال تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكتَاب مِنْ شَيْء) .وقال: (وَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْكتَابَ تِبْيَاناً لكلً شيْء) .وقال صلى الله عليه وسلم: ستكون فتن.قيل: وما المخرج منها، قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم.أخرجه الترمذي وغيره.وأخرج سعيد بن منصور، عن ابن مسعود، قال: من أراد العلم فعليهبالقرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين.
قال البَيْهَقِي: يعني أصول العلم.وأخرج البيهقي عن الحسن، قال: أنزل الله مائة كتاب وأربعة كتب، أودععلومها أربعة منها: التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، ثم أودع علوم الثلاثة في الفرقان.وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: جميع ما تقوله الأمة شرح للسنة، وجميعالسنة شرح للقرآن.وقال أيضاً: جميع ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن.ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: " إني لا أحِلّ إلا ما أحلّ الله في كتابه، ولا أحَرِّم إلا ما حرم الله في كتابه ".أخرجه بهذا اللفظ الشافعي في الأم.وقال سعيد بن خبَيْر: ما بلغني حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه إلا وجدتُ مِصْداقه في كتاب الله.وقال ابن مسعود: إذا حدثتكم بحديث أنبأتكم بتصديقه من كتاب الله.أخرجهما ابن أبي حاتم.وقال الشافعي أيضاً: لَيْسَتْ تَنْزِل بأحد في الدين نازلة إلا وفي كتاب اللهالدليل علي سبيل الهدى فيها.فإن قيل: من الأحكام ما ثبت ابتداءً بالسنة، قلنا: ذلك مأخوذ من كتابالله في الحقيقة، لأن كتاب الله أوجب علينا اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وفرض علينا الأخذ بقوله.وقال الشافعي مرة بمكة: سَلوني عما شئتم أخبركم عنه من كتاب الله.فقيل له: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) .وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير، عن رِبْعِيّ بن حِرَاش، عن
حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر.وحدثنا سفيان عن مِسْرَ بن كِدَام، عن قيس بن مسلم، عن طارق بنشهاب، عن عمر بن الخطاب: أنه أمر بقتل المحرم الزنبور.وأخرج البخاري عن ابن مسعود أنه قال: لعن الله الواشِمَة والمستوشمة، والمتنَمِّصَات والْمُتَفَلِّجات للحسن، المغَيًرات خلق الله.فبلغ ذلك امرأة من بني أسد، فقالت له: بلغني أنك لعنت كيْتَ وكيت! فقال: ومالي لا ألعن مَنْ لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله، فقالت: "قد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول".قال: إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه.أما قرأت: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) .قالت: بلى.قال: فإنه قد نهى عنه.وحكى ابن سرَاقة في كتاب الإعجاز عن أبي بكر بن مجاهد، أنه قال: ماشيء في العالم إلا وهو في كتاب الله عز وجل، فقيل: فأين ذكر الخانات، قال في قوله عز وجل: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ) .فهي الخانات.وقال ابن برّجَان: ما قال النبي صلى الله عليه وسلممن شيء فهو في القرآن أو فيه أصله قَرب أو بعد، فَهمَه مَنْ فَهمَهُ، وعَمِيَ عنه من عمي، وكذا كل ما حكم أو قضى به، وإنما يدركه الطالب من ذلك بقدر اجتهاده وبذل وسعه ومقدار فهمه.وقال غيره: ما من شيء إلا يمكن استخراجه من القرآن لمن فهّمه الله، حتىإن بعضهم استنبط عمْر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وستين سنة من قوله في سورة المنافقين: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا) .فإنها رأس ثلاث وستين سورة وأعقبها بالتغابن في فقده.وقال أبن أبي الفضل المرسي: جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لميحط بها علماً حقيقة إلا واهبها والمتكلم بها، ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما خلا ما استأثر به
سبحانه، ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم، مثل الخلفاءالأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، حتى قال: لو ضاع لي عِقَال بعير لوجدته في كتاب الله.ثم ورث عنهم التابعون بإحسان، ثم تقاصرت الهمم، وفترت العزائم، وتضاءل أهل العلم، وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه، فنوعوا علومه، وقامت كل طائفة بفن من فنونه، فاعتنى قوم بضبط لغاته، وتحرير كلماته، ومعرفة مخارج حروفه، وعد كلماته وآياته وسوره، وأحزابه، وأنصافه وأرباعه، وعدد سجداته، والتعليم عند كل عشر آيات، إلى غير ذلك، من حصر الكلمات المتشابهة، والآيات المتماثلة، من غير تعرض لمعانيه، ولا تدبر لما أودع فيه، فسمّوا القراء.واعتنى النحاةُ بالمعرب منه والمبنيِّ من الأسماء والأفعال، والحروف العاملةوغيرها، وأوسعوا الكلام في الأسماء وتوابعها، وضروب الأفعال واللازموالمتعدي، ورسوم خط الكلمات، وجميع ما تعلق به، حتى إن بعضهم أعربمشكله، وبعضهم أعربه كلمة كلمة.واعتنى المفسرون بألفاظه، فوجدوا منه لفظاً يدل على معنى واحد، ولفظايدل على معنيين، ولفظاً يدل على أكثر، فأجروا الأول على حُكمه، وأوضحوا معنى الخفي منه، وخاضوا في ترجيح أحد محتملات ذي المعنيين والمعاني، وأعمل كلّ فكره، وقال بمقتضى نظره.واعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة العقلية، والشواهد الأصلية والنظرية، مثل قوله: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) .إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة، فاستنبطوا منه أدلة على وحدانية الله ووجوده، وقِدَمه، وبقائه، وقدرته وعلمه، وتنزهه عما لا يليق به، وسموا هذا العلم بأصول الدين.وتأملت طائفة منهم معاني خطابه، فرأت منها ما يقتضي العموم، ومنها ما