فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن (زكريا الأنصاري)القسم: علوم القرآن وأصول التفسيرالكتاب: فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآنالمؤلف: زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (ت ٩٢٦هـ)المحقق: محمد علي الصابونيالناشر: دار القرآن الكريم، بيروت - لبنانالطبعة: الأولى، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ معدد الصفحات: ٦٣٥[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن - المقدمةبسم الله الرحمن الرحيمالكتاب: فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآنالمؤلف: شيخ الإسلام / أبو يحيى زكريا الأنصاري٩٢٦ هـحققه وعلق عليه: الشيخ محمد علي الصابوني
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن - المقدمةترجمة المؤلف زكريا الأنصاريهو شيخ الإسلام أبو يحيى زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري السنيكي المصري الشافعيولد بقرية الحلمية (سنيكة قديماً) - مركز أبوحماد - محافظة الشرقية*قاض، مفسر، من حفاظ الحديث.ولد في سنيكة (بشرقية مصر) سنة ٨٢٣ هـ، وتعلم في القاهرة، وكف بصره سنة ٩٠٦ هـ.نشأ فقيرا معدما، قيل: كان يجوع في الجامع فيخرج بالليل يلتقط قشور البطيخ فيغسلها ويأكلها.وكما ظهر فضله تتابعت إليه الهدايا والعطايا، بحيث كان له قبل دخوله في منصب القضاء كل يوم نحو ثلاثة آلاف درهم، فجمع نفائس الكتب وأفاد القارئين عليه علما ومالا.وولاه السلطان قايتباي الجركسي (٨٢٦ - ٩٠١) قضاء القضاة، فلم يقبله إلا بعد مراجعة والحاح.ولما ولي رأى من السلطان عدولا عن الحق في بعض أعماله، فكتب إليه يزجره عن الظلم، فعزله السلطان، فعاد إلى اشتغاله بالعلم إلى أن توفي سنة ٩٢٦ هـ.له تصانيف كثيرة، منها:- (فتح الرحمن) في التفسير.- تحفة الباري على صحيح البخاري.- (فتح الجليل) تعليق على تفسير البيضاوي.- (شرح إيساغوجي) في المنطق.- (شرح ألفية العراقي) في مصطلح الحديث.- (شرح شذور الذهب) في النحو.- (تحفة نجباء العصر) في التجويد.- (اللؤلؤ النظيم في روم التعلم والتعليم) رسالة.- (الدقائق المحكمة) في القراءات.- فتح العلام بشرح الاعلام بأحاديث الاحكام.- (تنقيح تحرير الباب) في الفقه.- (غاية الوصول) في أصول الفقه.- (لب الاصول) اختصره من جمع الجوامع.- (أسنى المطالب في شرح روض الطالب) في الفقه.- (الغرر البهية في شرح البهجة الوردية) في الفقه.- (منهج الطلاب) في الفقه.- (الزبدة الرائقة) رسالة في شرح البردة. وترجم له ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب (٨ / ١٣٤ - ١٣٦) في وفيات سنة ٩٢٥ هـ، وقال: (وفيها شيخ الاسلام قاضي القضاة زين الدين الحافظ زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الانصاري السنبكي ثم القاهري الازهري الشافعي.قال فيالنور: ولد سنة ست وعشرين وثمنمائة بسنيكة من الشرقية، ونشأ بها، وحفظ القرآن وعمدة الاحكام وبعض مختصر التبريزي، ثم تحول إلى القاهرة سنة إحدى وأربعين، فقطن في جامع الازهر وكمل حفظ المختصر ثم حفظ المنهاج الفرعي والالفية النحوية والشاطبية والرائية وبعض النهاج الاصلي ونحو النصف من ألفية الحديث ومن التسهيل إلى (كاد) وأقام بالقاهرة يسيرا، ثم رجع إلى بلده وداوم الاشتغال وجد فيه.وكان ممن أخذ عنه القاياني والعلم البلقيني والشرف السبكي والشموس الوفائي والحجازي والبدرشي والشهاب بن المجدي والبدر النسابة والزين البوشنجي والحافظ ابن حجر والزين رضوان في آخرين.وحضر دروس الشرف المناوي، وأخذ عن الكافيجي وابن الهمام ومن لا يحصى كثرة.ورجع إلى القاهرة، فلم ينفك عن الاشغال والاشتغال مع الطريقة الجميلة والتواضع وحسن العشرة والادب والعفة والانجماع عن أبناء الدنيا مع التقلل وشرف النفس ومزيدة العقل وسعة الباطن والاحتمال والمداراة وأذن له غير واحد من شيوخه في الافتاء والاقراء، منهم شيخ الاسلام ابن حجر، وتصدى للتدريس في حياة شيوخه، وانتفع به الفضلاء طبقة بعد طبقة، وألف ما لا يحصى كثرة فلا نطيل بذكرها، إذ هي أشهر من الشمس.وقصد بالفتاوى، وزاحم كثيرا من شيوخه فيها.ورويته أحسن من بديهته، وكتابته أمتن من عبارته، وعدم مسارعته إلى الفتاوى يعد من حسناته.وله الباع الطويل في كل فن، خصوصا التصوف.وولي تدريس عدة مدارس إلى منصب قضاء القضاة بعد امتناع كثرة، وذلك في رجب سنة ست وثمانين، واستمر قاضيا مدة ولاية الاشرف قايتباي، ثم بعد ذلك، إلى أن كف بصره فعزل بالعمر.ولم يزل ملازم التدريس والافتاء والتصنيف وانتفع به خلائق لا يحصون منهم ابن حجر الهيتمي، وقال في معجم مشايخه: وقدمت شيخنا زكريا لانه أجل من وقع عليه بصري من العلماء العاملين والائمة الوارثين، وأعلىمن عنه رويت ودريت من الفقهاء الحكماء المهندسين، فهو عمدة العلماء الاعلام وحجة الله على الانام، حامل لواء المذهب الشافعي على كاهله ومحرر مشكلاته وكاشف عويصاته في بكره وأصائله، ملحق الاحفاد بالاجداد، المتفرد في زمنه بعلو الاسناد، كيف ولم يوجد في عصره إلا من أخذ عنه مشافهة أو بواسطة أو بوسائط متعددة، بل وقع لبعضهم أنه أخذ عنه مشافهة تارة وعن غيره ممن بينه نحو سبع وسائط تارة أخرى، وهذا لا نظير له في أحد اهل عصره، فنعم هذا التمييز الذي هو عند الائمة أولى به وأحرى، لانه حاز به سعة التلامذة والاتباع وكثرة الاخذين عنه ودوام الانتفاع. انتهى.وتوفي رحمه الله تعالى يوم الجمعة رابع ذي الحجة بالقاهرة، ودفن بالقرافة بالقرب من الإمام الشافعي رضي الله عنه.وجزم في الكواكب بوفاته في السنة التي بعدها، قال: (عاش مائة وثلاث سنين) انتهى.
الخاصة، فطبع منه خمسة آلاف نسخة وقدَّمها هدية لطلاب العلم، وأساله تعالى أن يجعل أعمالنا خالصةً لوجهه الكريم، وأن يوفقنا لخدمة دينه، إنه سميع مجيب الدعاء، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.الخامس عشر من شهر ربيع الأول ١٤٠٢ هـ.وكتبهخادم الكتاب والسُّنةمحمد علي الصابوني
بسم الله الرحمن الرحيممُقدّمَة المؤلفِالحمد لله الذي نور قلوبَ العارفين بكتابِهِ العظيم، وأطلعهم على خبايا الزوايا بالبرهان القويم، والصلاةُ والسلامُ على خيرِ الأنام، وعلى آلِه وصحبِهِ البَرَرة الكرام.وبعد:فهذا مختصرٌ في ذكرِ آياتِ القرآنِ المتشابهاتِ، المختلفةِ بزيادةٍ، أو تقديمٍ، أو إبدال حرفٍ بآخر، أو غيرِ ذلك مع بيان سبب تكراره، وفي ذكر أنْموذجٍ من أسئلة القرآن العزيز وأجوبتها، صريحاً أو إشارةً، جمعتُه من كلام العلماء المحققين، ما فَتح اللَّهُ به من فيضِ فضلِهِ المتين، وسميته بـ: " فتحُ الرحمن بكشف ما يَلْتبسُ في القرآن ".واللهَ أسالُ أن ينفع به، ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، وهو حسبي ونعم الوكيل.
سُورَة الفَاتِحة١ - قوله تعالى: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم)أي أبتدىءُ. وتقديرُ العامِل مؤخراً كما صنعتُ أولى من تقديمه ليفيد الاختصاص، والاهتمام بشأن المقدَّم. وإِنَّما قُدِّم في قوله " اقرأ باسم ربك " للاهتمام بالقرآن، لأن ذلك أوَّلُ سورةٍ نزلت.٢ - قوله تعالى: (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)كرره لأن الرحمة هي الِإنعامُ على المحتاج، وذكرَ في الآية الأولى المُنعِمَ دونَ المُنْعَمِ عليهم، وأعادها مع ذكرهم بقوله (رَبِّ العَاَلمينَ) الخ.فإِن قلتَ: الرحمنُ أبلغ من الرحيم فكيف قدَّمه؟ وعادةُ العرب في صفات المدح الترقّي من " الأدنى " إلى " الأعلى " كقولهم: فلانٌ عالمٌ نِحرير. . لأن ذكر الأعلى أوّلًا، ثم الأدنى، لم يتجدد بذكر الأدنى فائدة، بخلاف عكسه؟!
قلت: إن كانا بمعنى واحدٍ كندمان ونديم، كما قال الجوهري وغيره فلا إشكال، أو بأنَّ " الرحمن " أبلغ كما عليه الأكثر، فإِنما قدَّمه لأنه اسمٌ خاصٌ بالله تعالى كلفظ " الله ".٣ - قوله تعالى: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)كرَّر (وَإِيَّاكَ) لأنه لو حذفه في الثاني لفاتت فائدة التقديم، وهي قطع الاشتراك بين العاملَيْن، إذ لو قال: " إِيَّاكَ نعبدُ ونستعينُ " لم يظهر أن التقدير إِيَّاكَ نعبدُ وإِيَّاكَ نستعين. . أو إِيَّاكَ نعبدُ ونستعينك!!فإِن قلتَ: إذا كان " نستعينك " مفيداً لقطع الاشتراك بين العامِلَيْن، فلِمَ عَدَلَ عنه مع أنه أخصرُ، إِلى " وإِيَّاكَ نستعين "؟قلتُ: عَدَلَ إليه ليفيد الحصر بين العامليْن مع أنه أخصر.فإِن قلتَ: فلمَ قَدَّمَ العبادة على الاستعانة، مع أن الاستعانة مقدمة، لأن العبد يستعين اللَّهَ على العبادة ليُعينه عليها؟
قلتُ: الوَاوُ لا تقتضي الترتيبَ، أو المرادُ بالعبادةِ التوحيدُ وهو مقدَّم على الاستعانة على سائر العبادات.٤ - قوله تعالى: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) .كرَّرَ " الصراط " لأنه المكان المهيَّأُ للسّلوك، فذكر في الأول المكان دون السَّالك، فأعاده مع ذكره بقوله (صراطَ الّذينَ أنعَمْتَ عليهم) الخ. . المصرَّح فيه بما يخرج " اليهود " وهم المغضوب عليهم، و " النصارى " وهم الضالُّون.فإِن قلتَ: المراد " بالصراط المستقيم " الِإسلامُ، أو القرآن، أو طريق الجنة كما قيل. . والمؤمنون مهتدون إلى ذلك، فما معنى طلب الهداية له، إذ فيه تحصيلُ الحاصل؟قلتُ: معناه ثبِّتْنا وأَدِمْنا عليه مع الاستقامة كما في قوله (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا باللَّهِ) .فإِن قلتَ: ما فائدةُ دخول " لا " في قوله (وَلَا الضَّالين) مع أن الكلام بدونها كافٍ في المقصود؟قلتُ: فائدتُه توكيدُ النفي المفاد من " غير "
سورة البقرة١ - قوله تعالى: (الم) . كُرِّرَ في أوائل ستِّ سور.وزاد في " الأعراف " صاداً لقوله بعده (فَلَا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ منه. .) الآية.وفي " الرعد " راءً لقوله بعده (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّموَاتِ. .) الآية.واعلم أن حرف الهجاء في أوائل السور من المتشابه الذي استأثر اللهُ بعلمه، وهي سِرُّ القرآن.وفائدة ذكرها طلبُ الِإيمان بها.وقيل: هي معلوماتُ المعاني، وعليه:فقيل: كل حرف منها أول اسم من أسماء الله.
فالألف من " الله " واللام من " اللطيف " والميم من " المجيد " والصادُ من " صادق " والرَّاءُ من " رءوف ". وقيل: هي أقسامٌ أقسم الله بها لشرفها.وقيل: غيرُ ذلك وأَنَّ تسميتَها حروفاً مجازٌ، وإِنما هي أسماءٌ مسمياتها الحروف المبسوطة. . وعليه فقيل: مُعْربة، وقيل: مبنيَّةٌ، وقيل: لا، ولا، وقد بيَّنت ذلك في غير هذا الكتاب.٢ - قوله تعالى: (لَارَيْبَ فِيهِ) أي لا شكَّ فيه.فإِن قلتَ: كيف نفى الرَّيْب، وكم ضالً ارتاب فيه؟قلتُ: المراد أنه ليس محلًا للرَّيب، أو لا ريب فيه عند الله، ورسوله، والمؤمنين.أو ذلك نفيٌ بمعنى النَّهي، أي لا ترتابوا فيه لأنه من عند الله، ونظيره قوله تعالى (إِنَّ السَّاعةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فيها. .) .
فإِن قلتَ: كيف قال: (هُدَىً لِلمُتَّقِينَ) وفيه تحصيلُ الحاصل، لأن المتقين مهتدون؟قلتُ: إنما صاروا متَّقينَ باستفادتهم الهُدَى من الكتاب، أو المراد بالهدى الثباتُ والدوام عليه.أو أراد الفريقين واقتصر على المتقين، لأنهم الفائزون بمنافع الكتاب، وللِإيجاز كما في قوله تعالى (سرابيلَ تقيكم الحرَّ. .) .٣ - قوله تعالى: (هُمْ يُوقِنُونَ) أي يعلمون. واليقينُ: العلمُ بعد أن لم يكن، ولهذا لا يُقال لعلم اللَّهِ يقينٌ.٤ - قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَىً مِنْ رَبِّهِمْ) .فإِن قلتَ: لمَ ذَكرَ ذلك مع قوله قبلُ " هُدَىً للمُتَّقِينَ "؟قلتُ: لأنه ذكر هنا مع " هُدىً " فاعِله، بخلاف ثَمَّ.
٥ - قوله تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ)فإِن قلتَ: لِمَ حُذِفَ الواوُ هنا، وأُثْبتت في " يسَ "؟قلتُ: لأن ما هنا جملةٌ هي خبر عن اسم " إنَّ " وما هناك جملةٌ عُطفت على أخرى.فإِن قلتَ: ما فائدةُ بعثةِ الرسل بعد قوله (سَوَاءٌ عليهم) الآية؟قلتُ: لئلا يكون للناس حجة، أو لأنَّ الآية نزلتْ في قومِ " لا يؤمنون ولو جاءتهم كلُّ آية " فبعثةُ الرسل انتفع بهَا آخرون فآمنوا.٦ - قوله تعالى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا)إن قلتَ: كيف قاله، مع أن المخادعة إنما تُتصوَّر في حقّ من تخفى عليه الأمور، ليتمَّ الخداعُ من حيث لا يعلم، ولايخفى على الله شيءٌ؟قلت: المراد يخادعون رسول الله، إذْ معاملةُ اللَّهِ
معاملة رسوله، كعكسه لقوله تعالى " إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ "، وقوله " مَنْ يُطِعِ الرَّسولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ "، أو سمَّى نفاقَهم خداعاً لشَبهِهِ بفعل المخادع.٧ - قوله تعالى: (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ) .إن قلتَ: كيف خصَّ الفساد بالمنافقين، مع أن غيرهم مفسدٌ؟قلتُ: المرادُ بالفسادِ الفسادُ بالنفاق، وهم كانوا مختصَين به.٨ - قوله تعالى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ) .إن قلت: الاستهزاءُ من باب العَبَث والسخرية، وذلك قبيحٌ على الله تعالى ومنزَّه عنه؟قلتُ: سمَّى جزاء الاستهزاء استهزاءً مشاكلةً كقوله " وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا " والمعنى أن الله يجازيهم جزاء استهزائهم.٩ - قوله تعالى: (أو كصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ) .
إِن قلتَ: ما فائدة قوله " من السَّمَاء " مع أن الصيِّبَ لا يكون إِلَّا منها؟قلتُ: فائدتُه أنه عرَّف السماءَ، وأضاف الصيِّب إليها، ليدلَّ على أنه من جميع آفاقِ السَّماء، لا من أُفُقٍ واحد، إِذْ كُلّ - أفُق يُسمَّى سماءً، ونظيرُ ذلك قولُه تعالى: " وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأَرْضِ ".١٠ - قوله تعالى: (يَجْعَلُونَ أَصَابهُمْ فِي آذَانِهِمْ. .) .عبَّر بالأصابع عن أناملها، والمرادُ بعضها لأنهم إنما جعلوا بعض أناملها.١١ - قوله تعالى: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي إنه لا أنداد له.فإِن قلتَ: المشركون لم يكونوا عالمين بذلك، بل كانوا يعتقدون أنَّ له أنداداً؟قلتُ: المرادُ وأنتم تعلمون أن الأنداد لا تقدر على
شيءٍ ممَّا مرَّ قبل ذلك، أو وأنتم تعلمون أنه ليس في التوراة والِإنجيل جوازُ اتخاذ الأنداد.١٢ - قوله تعالى: (فَأْتُوا بِسورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ)إن قلتَ: لِمَ ذُكرت " مِنْ " هنا، وحُذفت في سورتَيْ " يونس " و " هود "؟قلتُ: لأن " مِنْ " هنا للتَّبعيضِ، أو للتَّبْيينِ، أو زائدة على قول الأخفش، بتقدير رجوع الضمير في " مثلِه " إلى " مَا " في قوله: " مِمَّا نَزَّلْنَا " وهو الأوجه. والمعنى على الأخير: فأتوا بسورةٍ مماثلةٍ للقرآن، في البلاغة وحُسْنِ النَّظْم، وعلى الأوَّلَيْن: فأتوا بسورةٍ مما هو على صفته في البلاغة، وحُسن النَّظم، وحينئذٍ فكأنه منه، فحُسن الِإتيان بـ " مِنْ " الدالة على ما ذكر. بخلاف ذاكَ، فإِنه قد وصف السور بالافتراء، صريحاً في " هود "، وإِشارةً في " يونس " فلم يَحْسُنْ الإتيان بـ " مِنْ " الدالَّة على ما ذُكر، لأنها حينئذٍ تُشعر بأنَّ ما بَعْدها من جنس ما قَبْلَها، فيلزم أن يكون قرآناً وهو محالٌ.ويجوز جعلُ " مِنْ " للابتداء، بتقدير رجوع الضمير في " مثله " إلى عبدنا أي " محمد " والمعنى: فأتوا