التبيان في أيمان القرآن - ط عطاءات العلم (ابن القيم)القسم: علوم القرآن وأصول التفسيرالكتاب: التبيان في أيمان القرآن[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (١٤)]المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)المحقق: عبد الله بن سالم البطاطيراجعه: محمد أجمل الإصلاحي - عبد الرحمن بن معاضة الشهريالناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)الطبعة: الرابعة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)عدد الصفحات: ٦٥٣قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(١)الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ربُّ العالمين، وقيُّومُ السمواتِ والأرضين. وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، المبعوثُ بالكتاب المبين، الفارق بين الغَيِّ والرَّشَادِ، والهُدَى والضلالِ، والشَّكِّ واليقينِ، صلَّى الله عليه وعلى آله الطَّيِّبِين الطَّاهِرين، صلاةً دائمةً بدوام السموات والأرضين.وبعد:فهذا كتابٌ صغير الحجم، كبير النفع، فيما وقع في القرآن العزيز من الأَيْمَانِ والأَقْسَام، والكلام عليها يَمِينًا(٢)، وارتباطها بالمُقْسَمِ عليه، وذكر أجوبة القَسَم المذكورة [و](٣) المقدَّرة، وأسرار هذه الأقْسَام، فإنَّ لها شأنًا عظيمًا يعرفه الواقف عليه في هذا الكتاب، وسَمَّيتُه: "كتابَ التِّبْيانِ في أيْمَانِ القرآنِ".واللهُ المسؤولُ أن ينفع به من قرأه وكتبه ونظر فيه، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم(٤)، سببًا لمغفرته.فما كان فيه من صوابٍ فمِنَ الله فَضْلًا ومِنَّةً، وما كان فيه من خطأ فَمِنِّي ومن الشيطان(٥)، والله ورسوله بريئان منه.(١) بعدها في (ك): وبه نستعين، وفي (ن): ربِّ يَسِّر، وفي (ح): وصلى الله على محمد وآله وسلم.(٢) جاء في هامش (ز) توضيح: "أي: من حيث إنها يمين".(٣) زيادة يقتضيها الكلام.(٤) غير موجود في (ز) و (ك).(٥) ساقط من (ن).
فيا أيُّها القارئُ؛ لك غُنْمُه، وعلى مؤلِّفه غُرْمُه، ولم يَأْلُ في معرفة المراد(١)، والله وليُّ التوفيق والسَّدَاد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.(١) ساقط من (ن).
اعلم أنَّ الله(١) - سبحانه - يُقْسِمُ بأمورٍ على أمورٍ، وإنَّما يُقْسِم بنفسِهِ [المُقَدَّسَةِ](٢) الموصُوفَةِ بصفاتِه، أو آياتِه المستلزِمة لِذَاتِه وصفاتِه، وإقْسَامُه ببعض المخلوقات دليلٌ على أنَّه من عظيم آياته.فالقَسَمُ:إمَّا على جملةٍ خبريةٍ - وهو الغالب - كقوله تعالى: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ} [الذاريات: ٢٣].وإمَّا على جملةٍ طلبيةٍ، كقوله عز وجل: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)} [الحجر: ٩٢، ٩٣].مع أنَّ هذا القَسَمَ قد يُرَادُ به تحقيقُ المُقْسَم عليه، فيكون من باب الخبر، وقد يراد به تحقيق القَسَم.والمُقْسَمُ عليه يُرَاد بالقَسَم توكيدُهُ وتحقيقُهُ، فلا بدَّ أن يكون ممَّا يَحْسُن فيه ذلك، كالأمور الغائبةِ والخَفِيَّة إذا أُقْسِمَ على ثبوتها.فأمَّا الأمور المشهودة(٣) الظاهرة كالشمس، والقمرِ، واللَّيلِ، والنَّهارِ، والسماءِ، والأرضِ، فهذه يُقْسَمُ بها ولا يُقْسَمُ عليها.وما أقْسَمَ عليه الرَّبُّ - سبحانه - فهو من آياته، فيجوزُ أن يكون مُقْسَمًا به، ولا ينعكس.(١) تبدأ (ح) و (م) هكذا: فصلٌ في أقسام القرآن؛ وهو سبحانه يُقسم ....(٢) زيادة من القطعة الموجودة في "مجموع الفتاوى" (١٣/ ٣١٤)، و"الإتقان" للسيوطي (٢/ ١٠٥١)، و"معترك الأقران" له (١/ ٤٥٣).(٣) في (ز) و (ن): المشهورة.
فهو - سبحانه - يذكر جوابَ القَسَم تارةً - وهو الغالب -، وتارةً يحذفه، كما يحذف جواب "لو" كثيرًا، كقوله تعالى: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)} [التكاثر: ٥] وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} [الرعد: ٣١]، {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ} [الأنفال: ٥٠]، {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ} [سبأ: ٥١]، {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ} [الأنعام: ٣٠].ومثل هذا حذفه من أحسن الكلام؛ لأنَّ المراد: "أنَّك لو رأيتَ ذلك لرأيت(١) هَولًا عظيمًا"، فليس في ذكر الجواب زيادةٌ على ما دلَّ(٢) عليه الشَّرطُ.وهذه(٣) عادةُ النَّاس في كلامهم، إذا رَأَوا أمورًا عجيبةً وأرادوا أن يُخبروا بها لغائبٍ عنها؛ يقول أحدُهم: لو رأيتَ ما جرى يوم كذا(٤) بموضع كذا.ومنه قوله تعالى: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)} [البقرة: ١٦٥]، فالمعنى - في أظهر الوجهين -: لو يَرى الذين ظلموا في الدنيا إذ يرون العذاب في الآخرة، والجواب محذوف(٥). ثُمَّ قال بعد ذلك: {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}. كما(١) "ذلك لرأيت" أصابه طمس في (ن).(٢) من أول قوله: "اعلم أن الله - سبحانه - يقسم بأمور. . ." إلى هنا؛ هذه القطعة موجودة في "مجموع الفتاوى" (١٣/ ٣١٤ - ٣١٦) بالنص، ثم يُبتر الكلام.(٣) "عليه الشرط. وهذه" أصابه طمس في (ن).(٤) "يوم كذا" ألحقت بهامش (ز).(٥) انظر: "الصواعق المرسلة" (٣/ ١٠٨١)، و"الدر المصون" للسمين الحلبي =
قال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ} [سبأ: ٥١]، {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ} [الأنفال: ٥٠]؛ أي: لو تَرى ذلك الوقت وما فيه.وأمَّا المُقْسَمُ [عليه](١)؛ فإنَّ الحالِفَ قد يحلف على الشيء ثُمَّ يكرِّرُ القَسَمَ ولا يعيد المُقْسَم عليه، لأنَّه قد عُرِفَ ما يحلف عليه، فيقول: واللهِ إنَّ لي عليه ألفَ درهمٍ، ثُمَّ يقول: ورَبِّ السماءِ والأرضِ، والذي نفسي بيده، وحَقِّ القرآنِ العظيمِ، ولا يعيدُ المُقْسَمَ عليه، لأنَّه قد عُرِفَ المُرادُ.والقَسَمُ لمَّا كان يكثر في الكلام اختُصِرَ، فصارَ فِعْلُ القَسَم يُحذَف ويكتفى بـ "الباء"، ثُمَّ عُوِّض من "الباءِ": "الواوُ" في الأسماء الظاهرة، وبـ "التاء" في اسم الله كقوله تعالى: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} [الأنبياء: ٥٧]، وقد نُقِل: "تَرَبِّ الكعبةِ"(٢)، وأمَّا "الواو" فكثيرٌ.= (٢/ ٢١٢ - ٢١٤).(١) زيادة مهمة لفهم الكلام.(٢) حكاه الأخفش، وذلك شاذٌّ.انظر: "الجنى الداني" للمرادي (٥٧)، و"رصف المباني" للمالقي (٢٤٧)، و"جواهر الأدب" للإربلي (١١٨).
فصل إذا عُرِف هذا؛ فهو - سبحانه - يُقْسِمُ على أصول الإيمان، التي يجب على الخلق معرفتُها: تارةً يُقْسِمُ على(١) التوحيد، وتارةً يُقْسِمُ على أنَّ القرآنَ حقٌّ، وتارةً على أنَّ الرسولَ حقٌّ، وتارةً على الجزاء والوعد والوعيد، وتارةً على حال الإنسان.فالأوَّل: كقوله تعالى: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)} [الصافات: ١ - ٤].والثاني: كقوله تعالى(٢): {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)} [الواقعة: ٧٥ - ٧٧].وقوله: {حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} [الدخان: ١ - ٣].و {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: ٣] إذا جُعِل ذلك جواب القسم كما هو الظاهر.وإن قيل: بل الجوابُ محذوفٌ؛ كان كقوله: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)} [ص: ١]، فإنه هنا حذفَ الجواب(٣). ومن قال: إنَّ الجواب هو قوله: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)} [ص: ٦٤]؛ فقد أَبْعَدَ النُّجْعَةَ(٤).(١) من قوله "الإيمان التي. . ." إلى هنا؛ ملحق بهامش (ز).(٢) من قوله: "والصافات صفًا. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ن).(٣) من قوله: "كان كقوله: "ص … " إلى هنا؛ ملحق بهامش (ز).(٤) سيعيد المؤلف ذكره في (ص/ ١٦)، وهناك سنذكر قائله، وما قيل فيه.
والقَسَمُ على الرسول صلى الله عليه وسلم؛ كقوله: {يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)} [يس: ١ - ٤] إذا قيل هو الجواب. وإن قيل: الجوابُ محذوفٌ؛ كان كما ذُكِر.ومنه قوله تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)} [القلم: ١ - ٢].ومنه: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)} [النجم: ١ - ٢] إلى آخر القصة.ومنه قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ} الآية [الحاقة: ٣٨ - ٤١].وأمَّا القَسَم على الجزاء والوعد والوعيد؛ ففي مثل قوله تعالى: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١)} [الذاريات: ١] إلى آخر القَسَم، ثُمَّ ذَكَر تفصيل الجزاء، وذَكَر الجنَّة والنَّار، وذكر أنَّ في السماء رزقكم وما توعدون، ثُمَّ قال: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)} [الذاريات: ٢٣].ومثل قوله تعالى: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)} إلى قوله: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)} [المرسلات: ١ - ٧].ومثل: {وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)} إلى قوله: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)} [الطور: ١ - ٨].وقد أمر نبيَّه أن يُقْسِمَ على الجزاء والمَعَاد في ثلاث آيات:١ - فقال تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} الآية [التغابن: ٧].
٢ - وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} [سبأ: ٣].٣ - وقال تعالى: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} [يونس: ٥٣].وهذا لأنَّ المَعَادَ إنَّما يعلَمُه عامَّة النَّاس بإخبار الأنبياء، وإن كان من النَّاس من قد يعلمه بالنَّظَر.وقد تنازع النُّظَّارُ في ذلك؛ فقالت طائفةٌ: إنَّه لا يمكن عِلْمُه إلا بالسَّمْعِ - وهو الخبر -؛ وهو قول من لا يرى تعليل الأفعال، ويقول: لا ندري ما يفعل اللهُ إلا بِعَادَةٍ أو خَبَرٍ، كما يقول جَهْمٌ ومن اتبعه، والأشعريُّ وأتباعه، وكثيرٌ من أهل الكلام والفقه والحديث من أتباع الأئمة الأربعة.بخلاف العلم بالصَّانِعِ - سبحانه - فإنَّ النَّاسَ متفقون على أنَّه يُعْلَمُ بالعقل، وإن كان ذلك ممَّا نَبَّهَتْ عليه الرُّسُلُ.وصفاتُه قد تُعْلَمُ بالعقل، وتُعْلَم بالسَّمْع - أيضًا - كما قد بُسِطَ في موضعٍ آخر(١).وأمَّا القَسَم على أحوال الإنسان؛ فكقوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)} إلى قوله: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)} [الليل: ١ - ٤] إلى آخر السورة.(١) انظر على سبيل المثال: "الصواعق المرسلة" (٣/ ٩١٤) فما بعده.ولأخينا الفاضل الشيخ الدكتور/ الوليد العلي مبحثٌ نفيسٌ في طريقة ابن القيم في تقرير الأسماء والصفات بالأدلة العقلية، في كتابه "جهود الإمام ابن قيم الجوزية في تقرير توحيد الأسماء والصفات" (١/ ٥٧٣ - ٦٥٤).
ولفظ "السَّعيِ" هو: العمل، لكن يراد به العمل الذي يهتمُّ(١) به صاحبُه، ويجتهد فيه بحسب الإمكان؛ فإن كان يفتقر إلى عَدْوِ بَدَنِهِ عَدَا، وإن كان يفتقر إلى جمْع أعوانٍ جَمَع، وإن كان يفتقر إلى تفرُّغٍ له وتَرْكِ غيرِه؛ فَعَل ذلك.فلفظ "السَّعْي" في القرآن جاء بهذا الاعتبار، ليس هو مُرادِفًا للفظ العمل كما ظنَّهُ طائفةٌ، بل هو عملٌ مخصوصٌ يهتَمُّ به(٢) صاحبه، ويجتهد فيه، ولهذا قال في الجُمُعَة: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: ٩]، وهذه أحسن من قراءة من قرأ: {فامْضُوا إلى ذكر الله}(٣).وقد ثبت في "الصحيح" عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "إذا أُقِيمَت الصَّلَاةُ فلا تأتوها(٤) تَسْعَون، وأْتُوها تمشُون، وعليكم السَّكِينَةُ، فما أدركتُم فصَلُّوا، وما فَاتكُم فأتِمُوا"(٥)، فلم ينْهَ عن السَّعْي إلى الصلاة؛ فإنَّ الله - تعالى - أمرَ بالسَّعْي إليها، بل نَهَاهُم أن يأتوها يَسْعَون، فنَهَاهُم عن الإتيان المُتَّصِفِ بسعي صاحبه، والإتيانُ فِعْلُ البَدَن، وسَعْيُهُ عَدْوُ البدن، وهذا منهيٌّ عنه.(١) في جميع النسخ: يَهُمُّ، وما أثبته هو المناسب لما سيأتي بعد.(٢) من (ح) و (م)، وسقط من باقي النسخ.(٣) قرأ بها جماعة من أكابر الصحابة والتابعين، وليست من القراءات المتواترة. انظر: "المحتسب" لابن جنِّي (٢/ ٣٢١ - ٣٢٢)، و"معاني القرآن" للزجَّاج (٥/ ١٧١)، و"البحر المحيط" (٨/ ٢٦٥).قال الفرَّاء: "المُضِيُّ، والسَّعيُ، والذَّهَابُ؛ في معنىً واحدٍ، يدل على ذلك قراءة ابن مسعود: فامضوا إلى ذكر الله". "معاني القرآن" (٣/ ١٥٦).(٤) في (ز) و (ك) و (ن) زيادة: وأنتم، ولفظ الصحيحين بدونها.(٥) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (٦١٠ و ٨٦٦)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٦٠٢)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وأمَّا السَّعْيُ المأمورُ به في الآية فهو الذهابُ إليها على وجهِ الاهتمامِ بها، والتفرُّغِ لها عن الأعمال الشاغلة، من بيعٍ وغيره، والإقبال بالقلب على السعي إليها(١).وكذلك قوله عز وجل في قصة فرعون لمَّا قال له موسى: {هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى} إلى قوله عز وجل: {ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى} [النازعات: ١٨ - ٢٣]، فهذا اهتمامٌ واجتهادٌ في حَشْدِ(٢) رعيته، ومناداته فيهم.وكذلك قوله: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا} [البقرة: ٢٠٥] هو عَمَلٌ بهِمَّةٍ واجتهادٍ.ومنه سُمِّيَ السَّاعي على الصدقة، والسَّاعي على الأَرْملةِ واليتيم.ومنه قوله تعالى: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)} [الليل: ٤]؛ وهو العمل الذي يقصده صاحبه ويعتني به، لِيَتَرَتَّبَ(٣) عليه ثوابٌ أو عقابٌ، بخلاف المباحات المعتادة، فإنَّها لم تدخل في هذا السَّعْي، قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)} [الليل: ٥، ٦] الآية وما بعدها.ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [الإسراء: ١٩].وقوله عز وجل: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا} [المائدة: ٣٣].(١) انظر: "الإحسان في تقريب صحيح ابن حِبَّان" (٥/ ٥٢٣)، و"التمهيد" لابن عبد البر (٢٠/ ٢٣١)، و"شرح السنَّة" للبغوي (٢/ ٣١٧).(٢) في (ز) و (ح) و (م): حشر.(٣) من (ح) و (م)، وفي باقي النسخ: لترتب.
فصل وأقْسَمَ على صفة الإنسان بقوله سبحانه: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)} إلى قوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)} [العاديات: ١ - ٦].وأقسم على عاقبته، وهو قَسَمٌ على الجزاء؛ في قوله: {وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)} [العصر: ١ - ٢] إلى آخر السورة. وفي قوله تعالى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)} إلى قوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [التين: ١ - ٦].وحَذَفَ جوابَ القَسَم؛ لأنَّه قد عُلِم أنَّه يُقْسِمُ على هذه الأمور، وهي متلازمة، فمتى ثبت أنَّ الرسول حقٌّ ثبت القرآنُ والمَعَادُ، ومتى ثبت أنَّ القرآن حقٌّ ثبت صدق الرسول الذي جاء به(١)، ومتى ثبت أنَّ الوعد والوعيد حقٌّ ثبت صدقُه وصدقُ الكتاب الذي جاء به.والجوابُ يُحذَف تارةً ولا يُراد ذِكْرُه، بل يراد تعظيمُ المُقْسَمِ به، وأنَّه ممَّا يُحلَفُ به، كقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "من كان حالفًا فَلْيَحلِفْ باللهِ أو لِيَصْمُتْ"(٢).لكن هذا في الغالب يُذْكَرُ معه الفعلُ دون مجرَّدِ حرف القَسَم، كقولك: فلانٌ يَحْلِفُ باللهِ وحده، وأنا أحلفُ بالخالق لا بالمخلوق، ونحوِ ذلك - فالنصرانيُّ يحلفُ بالصليب والمسيح -، وفلانٌ أكذَبُ ما(١) من قوله: "ومتى ثبت أن القرآن. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ن).(٢) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (٦٢٧٠)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٦٤٦)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
يكون إذا حلف بالله.وقد يكون هذا النَّوع(١) بحرف القَسَم مجرَّدًا، كما في الحديث: كانت أكثرُ يمينِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم "لا، ومُقَلِّب القُلُوبِ"(٢). وكان بعض السلف إذا اجتهد في يمينه قال: "واللهِ الذي لَا إله إلَا هو".وتارةً يُحذَفُ الجوابُ وهو مرادٌ؛ إمَّا لكونه قد ظَهَر وعُرِف: إمَّا بدلالة الحال - كمن قيل له: كُلْ، فقال: لا؛ واللهِ الذي لا إله إلا هو -، أو بدلالة السياق.وأكثر ما يكون هذا إذا كان في نفس المُقْسَمِ به ما يَدُلُّ على المُقْسَم عليه، وهي طريقة القرآن، فإنَّ المقصود يحصل بذكر المقسَم به(٣)، فيكون حَذْفُ المُقْسَم عليه أبلغَ وأوجزَ؛ كمن أراد أن يُقْسِمَ على أن الرسولَ حقٌّ، فقال: والذي أرسلَ محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحقِّ، وأيَّدَهُ بالآياتِ البينات، وأظهرَ دعوته، وأَعْلَى كلمته، ونحو ذلك؛ فلا يحتاج إلى ذكر الجواب، استغناءً عنه بما في القَسَم من الدلالة عليه.وكَمَن أراد أن يُقسِم على التوحيدِ، وصفاتِ الرَّبِّ ونعوتِ جلاله، فقال: واللهِ الذي لا إله إلا هو، عالمِ الغيبِ والشهادةِ، الرحمنِ الرحيمِ، الأوَّلِ الآخِرِ، الظاهرِ الباطنِ.وكمن أراد أن يقسم على علُوِّه فوق عرشه، فقال: والذي استوى(١) ساقط من (ن).(٢) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (٦٢٤٣، ٦٢٥٣، ٦٩٥٦)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.(٣) من قوله: "ما يدل على المقسم عليه. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ن).
على عرشه فوق سمواته، يصعد إليه الكَلِمُ الطَّيِّبُ، وتُرفَعُ إليه الأيدي، وتَعْرُجُ الملائكةُ والرُّوحُ إليه، ونحو ذلك(١).وكذلك من حَلَفَ لشخصٍ أنَّه يُحِبُّهُ ويُعَظِّمُه، فقال: والذي ملأ قلبي من محبتِكَ وإجلالِكَ ومَهَابتِكَ … ؛ ونظائر ذلك = لم يحتج إلى ذكر الجواب، وكان في المُقْسَم به ما يدلُّ على المُقْسَمِ عليه.فمن هذا قوله تعالى: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)} [ص: ١]،فإنَّ في المُقْسَم به من تعظيم القرآن، ووَصْفِه بأنَّه ذُو الذِّكْر - المتضمِّن لتذكير العباد ما يحتاجون إليه -، وللشَّرَفِ، والقَدْر = ما يدلُّ على المُقْسَم عليه، وهو كونه حقًّا من عند الله، غير مفترىً كما يقوله الكافرون.هذا معنى قول كثير من المفسِّرين - متقدِّميهم ومتأخِّريهم -: إنَّ الجوابَ محذوفٌ، تقديرُه: إنَّ القرآن لَحَقٌّ. وهذا مطَّرد في كلِّ ما شابَهَ ذلك.وأمَّا قول بعضهم(٢): إنَّ الجوابَ قوله تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ} [ص: ٣] فاعتَرَضَ بين القَسَم وجوابه بقوله: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)} [ص: ٢] = فبعيدٌ؛ لأنَّ "كَمْ" لا يُتَلَقَّى بها القَسَم، فلا تقول: واللهِ كم أنفقتُ مالًا، وباللهِ كم أعتقتُ عبدًا.وهؤلاء لمَّا لم يخْفَ عليهم ذلك احتاجوا إلى أن يقدِّروا "لامًا"(١) "ونحو ذلك" ساقط من (ن).(٢) نُسب إلى: ثعلب. وهو قول الفرَّاء في "معاني القرآن" (٢/ ٣٩٧).
يُتَلقَّى(١) بها الجواب، أي: لَكَمْ أهلكنا.وأبعد من هذا قول من قال(٢): الجواب في قوله: {إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ} [ص: ١٤].وأبعد منه قول من قال: الجواب: {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)} [ص: ٥٤].وأبعد منه قول من قال(٣): الجواب قوله: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)} [ص: ٦٤].وأقرب ما قيل في الجواب لفظًا(٤)، وإن كان بعيدًا معنىً ما ذكر عن قتادة وغيره: إنَّه في قوله تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)}(٥)(١) في (ن): يلتقي.(٢) حكاه الأخفش في "معاني القرآن" (٢/ ٤٥٣) بصيغة التضعيف: "يزعمون. . .".قال ابن الأنباري: "وهذا قبيحٌ؛ لأنَّ الكلام قد طال فيما بينهما، وكثُرت الآيات والقصص"، نقله عنه القرطبي في "الجامع" (١٥/ ١٤٤).(٣) هذا قول الكوفيين - غير الفرَّاء -، واختاره: الكسائي - كما نقله الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٧٦) -، والزجَّاج في "معاني القرآن" (٤/ ٣١٩).واستبعده كثير من الأئمة، وشنَّعوا عليه؛ لأنَّ بين القسم وجوابه ثلاثًا وستين آية! فممَّن زَيَّفَهُ: الفرَّاء في "معاني القرآن" (٢/ ٣٩٧)، والنحَّاس في "معانيه" (٦/ ٧٦)، وابن الأنباري - كما في "الجامع" (١٥/ ١٤٤) -، وابن الشجري في "أماليه" (٢/ ١١٨)، وابن هشام في "مغني اللبيب" (٦/ ٥١٨)، وغيرهم كثير.(٤) من (ح) و (م)، وسقطت من باقي النسخ.(٥) وهذا القول اختاره: الأخفش في "معاني القرآن" (١/ ٢١)، وابن قتيبة - كما ذكر القرطبي في "الجامع" (١٥/ ١٤٤) -، وابن جرير الطبري في "تفسيره" =