فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (السخاوي)القسم: علوم الحديثالكتاب: فتح المغيث بشرح الفية الحديث للعراقيالمؤلف: شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي (ت ٩٠٢هـ)المحقق: علي حسين عليالناشر: مكتبة السنة - مصرالطبعة: الأولى، ١٤٢٤هـ / ٢٠٠٣معدد الأجزاء:٤[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
[مَعْرِفَةُ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَمَنْ تُرَدُّ][من هو مقبول الرواية]بسم الله الرحمن الرحيممَعْرِفَةُ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَمَنْ تُرَدُّ٢٥٧ - أَجْمَعَ جُمْهُورُ أَئِمَّةِ الْأَثَرْ … وَالْفِقْهِ فِي قَبُولِ نَاقِلِ الْخَبَرْ٢٥٨ - بِأَنْ يَكُونَ ضَابِطًا مُعَدَّلًا … أَيْ يَقِظًا وَلَمْ يَكُنْ مُغَفَّلًا٢٥٩ - يَحْفَظُ إِنْ حَدَّثَ حِفْظًا يَحْوِي … كِتَابَهُ إِنْ كَانَ مِنْهُ يَرْوِي٢٦٠ - يَعْلَمُ مَا فِي اللَّفْظِ مِنْ إِحَالَهْ … إِنْ يَرْوِ بِالْمَعْنَى وَفِي الْعَدَالَهْ٢٦١ - بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا ذَا عَقْلِ … قَدْ بَلَغَ الْحُلْمَ سَلِيمَ الْفِعْلِ٢٦٢ - مِنْ فِسْقٍ أَوْ خَرْمِ مُرُوءَةٍ وَمَنْ … زَكَّاهُ عَدْلَانِ فَعَدْلٌ مُؤْتَمَنْ(مَعْرِفَةُ) صِفَةُ (مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ) مِنْ نَقَلَةِ الْأَخْبَارِ (وَمَنْ تُرَدُّ) ، وَمَا الْتَحَقَ بِذَلِكَ [سِوَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَبُولِ الضَّعِيفِ إِذَا اعْتُضِدَ، وَالْمُدَلِّسِ إِذَا صَرَّحَ، وَمَا سَيَأْتِي مِنْ قَبُولِ الْمُتَحَمِّلِ فِي حَالِ كُفْرِهِ أَوْ فِسْقِهِ، وَالْأَعْمَى وَنَحْوِهِ، وَالْمُخْتَلِطِ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ] ، وَذِكْرُهُ بَعْدَ مَبَاحِثِ الْمَتْنِ وَمَا الْتَحَقَ بِهِ مُنَاسِبٌ، وَفِيهِ فُصُولٌ:[مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ] : الْأَوَّلُ: (أَجْمَعَ جُمْهُورُ أَئِمَّةِ الْأَثَرْ) أَيِ: الْحَدِيثِ (وَالْفِقْهِ) وَالْأُصُولِ (فِي) أَيْ: عَلَى (قَبُولِ نَاقِلِ الْخَبَرْ) أَيِ: الْحَدِيثِ الْمُحْتَجِّ بِهِ بِانْفِرَادِهِ ; لِيَخْرُجَ الْحَسَنُ لِغَيْرِهِ، بِشَرْطِ (أَنْ يَكُونَ ضَابِطًا مُعَدَّلًا) أَيْ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا شُرُوطٌ: [شُرُوطُ الضَّبْطِ][شُرُوطُ الضَّبْطِ] : فَأَمَّا شُرُوطُ أَوَّلِهِمَا الَّذِي تَنْكِيرُهُ شَمِلَ التَّامَّ وَالْقَاصِرَ، فَهِيَ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي (يَقِظًا) بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِهَا (وَ) ذَلِكَ بِأَنْ (لَمْ يَكُنْ مُغَفَّلًا) لَا يُمَيِّزُ الصَّوَابَ مِنَ الْخَطَأِ ; كَالنَّائِمِ وَالسَّاهِي ; إِذِ الْمُتَّصِفُ بِهَا لَا يَحْصُلُ الرُّكُونُ إِلَيْهِ، وَلَا تَمِيلُ النَّفْسُ إِلَى الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ (يَحْفَظُ) أَيْ: يُثْبِتُ مَا سَمِعَهُ فِي
حِفْظِهِ بِحَيْثُ يَبْعُدُ زَوَالُهُ عَنِ الْقُوَّةِ الْحَافِظَةِ، وَيَتَمَكَّنُ مِنَ اسْتِحْضَارِهِ مَتَى شَاءَ.(إِنْ حَدَّثَ حِفْظًا) أَيْ: مِنْ حِفْظِهِ (وَيَحْوِي كِتَابَهُ) أَيْ: يَحْتَوِي عَلَيْهِ [بِنَفْسِهِ أَوْ بِثِقَةٍ] ، وَيَصُونُهُ عَنْ تَطَرُّقِ التَّزْوِيرِ وَالتَّغْيِيرِ إِلَيْهِ، مِنْ حِينِ سَمِعَ فِيهِ إِلَى أَنْ يُؤَدِّيَ (إِنْ كَانَ مِنْهُ يَرْوِي) ، وَأَنْ يَكُونَ (يَعْلَمُ مَا فِي اللَّفْظِ مِنْ إِحَالَهْ) ، بِحَيْثُ يُؤْمَنُ مِنْ تَغْيِيرِ مَا يَرْوِيهِ (إِنْ يَرْوِ بِالْمَعْنَى) وَلَمْ يُؤَدِّ الْحَدِيثَ كَمَا سَمِعَهُ بِحُرُوفِهِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.وَهَذِهِ الشُّرُوطُ مَوْجُودَةٌ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الرِّسَالَةِ صَرِيحًا إِلَّا الْأَوَّلَ، فَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: " أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا لِمَا يُحَدِّثُ بِهِ " لِقَوْلِ ابْنِ حِبَّانَ: " هُوَ أَنْ يَعْقِلَ مِنْ صِنَاعَةِ الْحَدِيثِ مَا لَا يَرْفَعُ مَوْقُوفًا، وَلَا يَصِلُ مُرْسَلًا، أَوْ يُصَحِّفُ اسْمًا، فَهَذَا كِنَايَةٌ عَنِ الْيَقَظَةِ ".وَقَدْ ضَبَطَ ابْنُ الْأَثِيرِ الضَّبْطَ فِي مُقَدِّمَةِ جَامِعِهِ [بِمَا لَمْ يَتَقَيَّدُوا بِهِ] فَقَالَ: " هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ احْتِيَاطٍ فِي بَابِ الْعِلْمِ، وَلَهُ طَرَفَانِ: الْعِلْمُ عِنْدَ السَّمَاعِ، وَالْحِفْظُ بَعْدَ الْعِلْمِ عِنْدَ التَّكَلُّمِ، حَتَّى إِذَا سَمِعَ وَلَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا، كَمَا لَوْ سَمِعَ صِيَاحًا لَا مَعْنَى لَهُ، وَإِذَا لَمْ يَفْهَمِ اللَّفْظَ بِمَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ ضَبْطًا، وَإِذَا شَكَّ فِي حِفْظِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ وَالسَّمَاعِ لَمْ يَكُنْ ضَبْطًا ". [نَوْعَا الضَّبْطِ][نَوْعَا الضَّبْطِ] قَالَ: " ثُمَّ الضَّبْطُ نَوْعَانِ: ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ، فَالظَّاهِرُ ضَبْطُ مَعْنَاهُ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ، وَالْبَاطِنُ ضَبْطُ مَعْنَاهُ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِهِ، وَهُوَ الْفِقْهُ، وَمُطْلَقُ الضَّبْطِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي الرَّاوِي هُوَ الضَّبْطُ ظَاهِرًا عِنْدَ الْأَكْثَرِ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ
نَقْلُ الْخَبَرِ بِالْمَعْنَى، فَيَلْحَقُهُ تُهْمَةُ تَبْدِيلِ الْمَعْنَى بِرِوَايَتِهِ قَبْلَ الْحِفْظِ، أَوْ قَبْلَ الْعِلْمِ حِينَ سَمِعَ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَلَّتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ ; لِتَعَذُّرِ هَذَا الْمَعْنَى ". قَالَ: " وَهَذَا الشَّرْطُ وَإِنْ كَانَ عَلَى مَا بَيَّنَّا، فَإِنَّ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ قَلَّمَا يَعْتَبِرُونَهُ فِي حَقِّ الطِّفْلِ دُونَ الْمُغَفَّلِ ; فَإِنَّهُ مَتَى صَحَّ عِنْدَهُمْ سَمَاعُ الطِّفْلِ أَوْ حُضُورُهُ أَجَازُوا رِوَايَتَهُ. وَالْأَوَّلُ أَحْوَطُ لِلدِّينِ وَأَوْلَى " انْتَهَى.[وَحَاصِلُهُ اشْتِرَاطُ كَوْنِ سَمَاعِهِ عِنْدَ التَّحَمُّلِ تَامًّا] ، فَيَخْرُجُ مَنْ سَمِعَ صَوْتَ غَفْلٍ، وَكَوْنُهُ حِينَ التَّأْدِيَةِ عَارِفًا بِمَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ، وَلَا انْحِصَارَ لَهُ فِي الثَّانِي عِنْدَ الْجُمْهُورِ ; لِاكْتِفَائِهِمْ بِضَبْطِ كِتَابِهِ، وَلَا فِي الْأَوَّلِ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ خَاصَّةً ; لِاعْتِدَادِهِمْ بِسَمَاعِ مَنْ لَا يَفْهَمُ الْعَرَبِيَّ أَصْلًا كَمَا سَيَأْتِي كُلُّ ذَلِكَ.وَقَوْلُهُ: " لِتَعَذُّرِ هَذَا الْمَعْنَى " ; أَيْ: عِنْدَ ذَاكَ الصَّحَابِيِّ نَفْسِهِ ; لِخَوْفِهِ مِنْ عَدَمِ حِفْظِهِ وَعَدَمِ تَمَكُّنِهِ فِي الْإِتْيَانِ بِكُلِّ الْمَعْنَى، وَهَذَا مِنْهُمْ رضي الله عنهم تَوَرُّعٌ وَاحْتِيَاطٌ، وَلَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ تَأْخُذُهُ الرَّعْدَةُ إِذَا رَوَى، وَيَقُولُ: وَنَحْوَ ذَا أَوْ قَرِيبٌ مِنْ ذَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ] . [شُرُوطُ الْعَدَالَةِ][شُرُوطُ الْعَدَالَةِ] (وَ) أَمَّا الشُّرُوطُ (فِي الْعَدَالَةِ) [الْمُتَّصِفُ بِهَا الْمُعَدَّلُ] ، وَضَابِطُهَا إِجْمَالًا أَنَّهَا مَلَكَةٌ تَحْمِلُ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى وَالْمُرُوءَةِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّقْوَى اجْتِنَابُ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ مِنْ شِرْكٍ أَوْ فِسْقٍ أَوْ بِدْعَةٍ، فَهِيَ خَمْسَةٌ (بِأَنْ) أَيْ: أَنْ (يَكُونَ مُسْلِمًا) بِالْإِجْمَاعِ (ذَا عَقْلٍ) ، فَلَا يَكُونُ مَجْنُونًا، سَوَاءٌ الْمُطْبِقُ وَالْمُتَقَطِّعُ إِذَا أَثَّرَ فِي الْإِفَاقَةِ.(قَدْ بَلَغَ الْحُلْمَ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ ; أَيِ: الْإِنْزَالَ فِي النَّوْمِ، وَالْمُرَادُ الْبُلُوغُ بِهِ أَوْ بِنَحْوِهِ كَالْحَيْضِ، أَوْ بِاسْتِكْمَالِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ; إِذْ هُوَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ (سَلِيمَ الْفِعْلِ مِنْ فِسْقٍ) ، وَهُوَ ارْتِكَابُ كَبِيرَةٍ أَوْ إِصْرَارٌ عَلَى صَغِيرَةٍ (أَوْ) أَيْ: وَسَلِيمَ الْفِعْلِ مِنْ (خَرْمِ مُرُوَءَةٍ) ، عَلَى أَنَّهُ قَدِ اعْتُرِضَ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ فِي
إِدْرَاجِهِ آخِرَهَا فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَشْرُطْهَا، فِيمَا ذَكَرَ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ، سِوَى الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، لَكِنَّهُ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْعَدَالَةَ لَا تَتِمُّ عِنْدَ كُلِّ مَنْ شَرَطَهَا - وَهُمْ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ - بِدُونِهَا، بَلْ مَنْ لَمْ يَشْرُطْ مَزِيدًا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَاكْتَفَى بِعَدَمِ ثُبُوتِ مَا يُنَافِي الْعَدَالَةَ، وَأَنَّ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ مَا يُنَافِيهَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ وَلَا رِوَايَتُهُ، قَدْ لَا يُنَافِيهِ.نَعَمْ قَدْ حَقَّقَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ الَّذِي تَجَنَّبَهُ مِنْهَا شَرْطٌ فِي الْعَدَالَةِ، وَارْتِكَابُهُ مُفْضٍ إِلَى الْفِسْقِ: مَا سَخُفَ مِنَ الْكَلَامِ الْمُؤْذِي وَالضَّحِكِ، وَمَا قَبُحَ مِنَ الْفِعْلِ الَّذِي يَلْهُو بِهِ وَيُسْتَقْبَحُ بِمَعَرَّتِهِ، كَنَتْفِ اللِّحْيَةِ وَخِضَابِهَا بِالسَّوَادِ، وَكَذَا الْبَوْلُ قَائِمًا، يَعْنِي فِي الطَّرِيقِ، وَبِحَيْثُ يَرَاهُ النَّاسُ، وَفِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ، وَكَشْفُ الْعَوْرَةِ إِذَا خَلَا، وَالتَّحَدُّثُ بِمَسَاوِئِ النَّاسِ.وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فَكَعَدَمِ الْإِفْضَالِ بِالْمَاءِ وَالطَّعَامِ، وَالْمُسَاعَدَةِ بِالنَّفْسِ وَالْجَاهِ، وَكَذَا الْأَكْلُ فِي الطَّرِيقِ، وَكَشْفُ الرَّأْسِ بَيْنَ النَّاسِ، وَالْمَشْيُ حَافِيًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَنْشَأَ الِاخْتِلَافِ، وَلَكِنْ فِي بَعْضِ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الشِّقَّيْنِ نَظَرٌ.وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الزِّنْجَانِيِّ فِي شَرْحِ (الْوَجِيزِ) : " الْمُرُوءَةُ يُرْجَعُ فِي مَعْرِفَتِهَا إِلَى
الْعُرْفِ، فَلَا تَتَعَلَّقُ بِمُجَرَّدِ الشَّرْعِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْأُمُورَ الْعُرْفِيَّةَ قَلَّمَا تُضْبَطُ، بَلْ هِيَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْبُلْدَانِ، فَكَمْ مِنْ بَلَدٍ جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِهِ بِمُبَاشَرَةِ أُمُورٍ لَوْ بَاشَرَهَا غَيْرُهُمْ لَعُدَّ خَرْمًا لِلْمُرُوءَةِ.وَفِي الْجُمْلَةِ رِعَايَةُ مَنَاهِجِ الشَّرْعِ وَآدَابِهِ، وَالِاهْتِدَاءُ بِالسَّلَفِ، وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ أَمْرٌ وَاجِبُ الرِّعَايَةِ ".قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: " وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ سِيرَةَ مُطْلَقِ النَّاسِ، بَلِ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ "، وَهُوَ كَمَا قَالَ، ثُمَّ إِنَّ اشْتِرَاطَ الْبُلُوغِ مِنَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَإِلَّا فَقَدْ قَبِلَ بَعْضُهُمْ رِوَايَةَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ الْمَوْثُوقِ بِهِ، وَلِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ، قَيَّدَهُمَا الرَّافِعِيُّ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ بِالْمُرَاهِقِ، مَعَ وَصْفِ النَّوَوِيِّ لِلْقَبُولِ بِالشُّذُوذِ.وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: " وَفِي الصَّبِيِّ بَعْدَ التَّمْيِيزِ وَجْهَانِ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَخْبَارِ الرَّسُولِ، وَاخْتَصَرَهُ النَّوَوِيُّ بِالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ، وَلَا تَنَاقُضَ، فَمَنْ قَيَّدَ
بِالْمُرَاهِقِ عَنَى الْمُمَيِّزَ، وَالصَّحِيحُ عَدَمُ قَبُولِ غَيْرِ الْبَالِغِ، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الْأَكْثَرِينَ.وَحَكَى فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ تَبَعًا لِلْمُتَوَلِّي عَنِ الْجُمْهُورِ - قَبُولَ أَخْبَارِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِيمَا طَرِيقُهُ الْمُشَاهَدَةُ، بِخِلَافِ مَا طَرِيقُهُ النَّقْلُ ; كَالْإِفْتَاءِ وَرِوَايَةِ الْأَخْبَارِ وَنَحْوِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ شَيْخُنَا بِقَوْلِهِ: " وَقَبِلَ الْجُمْهُورُ أَخْبَارَهُمْ إِذَا انْضَمَّتْ إِلَيْهَا قَرِينَةٌ " انْتَهَى.أَمَّا غَيْرُ الْمُمَيِّزِ فَلَا يُقْبَلُ قَطْعًا، وَكَذَا لَمْ يَشْتَرِطُوا فِي عَدْلِ الرِّوَايَةِ الْحُرِّيَّةَ، بَلْ أَجْمَعُوا - كَمَا حَكَاهُ الْخَطِيبُ - عَلَى قَبُولِ رِوَايَةِ الْعَبْدِ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَجَازَ شَهَادَتَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى خِلَافِهِ، وَهُوَ مِمَّا افْتَرَقَا فِيهِ كَمَا افْتَرَقَا فِي مَسْأَلَةِ التَّزْكِيَةِ الْآتِيَةِ بَعْدُ، وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ شَيْخُنَا فَقَالَ:الْعَدْلُ مِنْ شَرْطِهِ الْمُرُوءَةُ وَالْ … إِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ مَعًايُجَانِبُ الْفِسْقَ رَاوِيًا وَمَتَى … يَشْهَدُ فَحُرِّيَّةٌ تُضَفْ تَبَعَاوَلَا الذُّكُورَةُ، خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: وَاسْتَثْنَى أَخْبَارَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَأَمَّا مَنْ شَرَطَ فِي الرِّوَايَةِ الْعَدَدَ كَالشَّهَادَةِ، فَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَكَمَا أَسْلَفْتُهُ فِي مَرَاتِبِ الصَّحِيحِ، بَلْ
تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْوَاحِدِ إِذَا جَمَعَ أَوْصَافَ الْقَبُولِ، وَأَدِلَّةُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ.أَوْ كَوْنُ الرَّاوِي فَقِيهًا عَالِمًا كَأَبِي حَنِيفَةَ ; حَيْثُ شَرَطَ فِقْهَ الرَّاوِي إِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ وَغَيْرَهُ، حَيْثُ قَصَرَهُ عَلَى الْغَرِيبِ.فَكُلُّهُ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الْحُجُرَاتِ: ٦] الْآيَةَ، فَمُقْتَضَاهُ أَنْ لَا يُتَثَبَّتَ فِي غَيْرِ خَبَرِ الْفَاسِقِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا.وَفِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: (( «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا» )) الْحَدِيثَ، أَقْوَى دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُفَرِّقْ، بَلْ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ: (( «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» )) .وَكَذَا مَنْ شَرَطَ عَدَمَ عَمَاهُ، أَوْ كَوْنَهُ مَشْهُورًا بِسَمَاعِ الْحَدِيثِ، أَوْ مَعْرُوفَ النَّسَبِ، أَوْ أَنْ لَا يُنْكِرَ رَاوِي الْأَصْلِ رِوَايَةَ الْفَرْعِ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ النِّسْيَانِ أَيْضًا. [مَا تُعْرَفُ بِهِ الْعَدَالَةُ][مَا تُعْرَفُ بِهِ الْعَدَالَةُ] : الثَّانِي: فِيمَا تُعْرَفُ بِهِ الْعَدَالَةُ مِنْ تَزْكِيَةٍ وَغَيْرِهَا (وَمَنْ زَكَّاهُ) أَيْ: عَدَّلَهُ فِي رِوَايَتِهِ (عَدْلَانِ فَهُوَ عَدْلٌ مُؤْتَمَنٌ) بِفَتْحِ الْمِيمِ ; أَيِ: اتِّفَاقًا. [الاستفاضة والشهرة في العدالة]٢٦٣ - وَصُحِّحَ اكْتِفَاؤُهُمْ بِالْوَاحِدِ … جَرْحًا وَتَعْدِيلًا خِلَافَ الشَّاهِدِ٢٦٤ - وَصَحَّحُوا اسْتِغْنَاءَ ذِي الشُّهْرَةِ عَنْ … تَزْكِيَةٍ كَمَالِكٍ نَجْمِ السُّنَنْ٢٦٥ - وَلِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ كُلُّ مَنْ عُنِيَ … بِحَمْلِهِ الْعِلْمَ وَلَمْ يُوَهَّنِ٢٦٦ - فَإِنَّهُ عَدْلٌ بِقَوْلِ الْمُصْطَفَى … " يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ " لَكِنْ خُولِفَا
(وَصُحِّحَ اكْتِفَاؤُهُمْ) أَيْ: أَئِمَّةُ الْأَثَرِ فِيهَا (بِ) قَوْلِ الْعَدْلِ (الْوَاحِدِ جَرْحًا وَتَعْدِيلًا) أَيْ: مِنْ جِهَةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ (خِلَافَ) أَيْ: بِخِلَافِ (الشَّاهِدِ) ، فَالصَّحِيحُ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِهِ فِيهِ بِدُونِ اثْنَيْنِ ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُزَكِّي لِلرَّاوِي نَاقِلًا عَنْ غَيْرِهِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَخْبَارِ، أَوْ كَانَ اجْتِهَادًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحَاكِمِ، وَفِي الْحَالَيْنِ لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ضَيِّقٌ: الْأَمْرُ فِي الشَّهَادَةِ ; لِكَوْنِهَا فِي الْحُقُوقِ الْخَاصَّةِ الَّتِي يُمْكِنُ التَّرَافُعُ فِيهَا، وَهِيَ مَحَلُّ الْأَغْرَاضِ بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ ; فَإِنَّهَا فِي شَيْءٍ عَامٍّ لِلنَّاسِ غَالِبًا لَا تَرَافُعَ فِيهِ.وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: " الْغَالِبُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَهَابَةُ الْكَذِبِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، بِخِلَافِ شَهَادَةِ الزُّورِ "، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَنْفَرِدُ بِالْحَدِيثِ وَاحِدٌ، فَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ لَفَاتَتِ الْمَصْلَحَةُ، بِخِلَافِ فَوَاتِ حَقٍّ وَاحِدٍ فِي الْمُحَاكَمَاتِ ; وَلِأَنَّ بَيْنَ النَّاسِ إِحَنًا وَعَدَاوَاتٍ تَحْمِلُهُمْ عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ.وَالْقَوْلُ الثَّانِي: اشْتِرَاطُ اثْنَيْنِ فِي الرِّوَايَةِ أَيْضًا، حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ ; لِأَنَّ التَّزْكِيَةَ صِفَةٌ، فَتَحْتَاجُ فِي ثُبُوتِهَا إِلَى عَدْلَيْنِ كَالرُّشْدِ وَالْكَفَاءَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَقِياسًا عَلَى الشَّاهِدِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا هُوَ الْمُرَجَّحُ فِيهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، بَلْ هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَإِلَّا فَأَبُو عُبَيْدٍ لَا يَقْبَلُ فِي التَّزْكِيَةِ فِيهَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ مَتَمَسِّكًا بِحَدِيثِ قَبِيصَةَ فِيمَنْ تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ: (( «حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا فَيَشْهَدُونَ لَهُ» )) . قَالَ: وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ الْحَاجَةِ فَغَيْرُهَا أَوْلَى، وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ الْأَوَّلُ،
وَالْحَدِيثُ فَمَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فِيمَنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ قَبْلُ.وَمِمَّنْ رَجَّحَ الْحُكْمَ كَذَلِكَ فِي الْبَابَيْنِ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ، وَالسَّيْفُ الْآمِدِيُّ، وَنَقَلَهُ هُوَ وَابْنُ الْحَاجِبِ عَنِ الْأَكْثَرِينَ، وَلَا تُنَافِيهِ الْحِكَايَةُ الْمَاضِيَةُ لِلتَّسْوِيَةِ عَنِ الْأَكْثَرِينَ ; لِتَقْيِيدِهَا هُنَاكَ بِالْفُقَهَاءِ.وَمِمَّنِ اخْتَارَ التَّفْرِقَةَ أَيْضًا الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ، وَكَذَا اخْتَارَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ حِكَايَةِ مَا تَقَدَّمَ الِاكْتِفَاءَ بِوَاحِدٍ، لَكِنْ فِي الْبَابَيْنِ مَعًا، كَمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي الشَّاهِدِ خَاصَّةً، وَعِبَارَتُهُ: وَالَّذِي يُوجِبُهُ الْقِيَاسُ وُجُوبُ قَبُولِ تَزْكِيَةِ كُلِّ عَدْلٍ مَرْضِيٍّ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، لِشَاهِدٍ وَمُخْبِرٍ ; أَيْ: عَارِفٍ بِمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ، وَمَا بِهِ يَحْصُلُ الْجَرْحُ، كَمَا اقْتَضَاهُ أَوَّلُ كَلَامِهِ الَّذِي حَكَاهُ الْخَطِيبُ عَنْهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاسْتَثْنَى تَزْكِيَةَ الْمَرْأَةِ فِي الْحُكْمِ الَّذِي لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهَا فِيهِ، كُلُّ ذَلِكَ بَعْدَ حِكَايَتِهِ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ عَدَمَ قَبُولِ تَزْكِيَةِ النِّسَاءِ مُطْلَقًا فِي الْبَابَيْنِ.وَكَذَا أَشَارَ لِتَخْصِيصِ تَزْكِيَةِ الْعَبْدِ بِالرِّوَايَةِ لِقَبُولِهِ فِيهَا دُونَ الشَّهَادَةِ، وَلَكُنَّ
التَّعْمِيمَ فِي قَبُولِ تَزْكِيَةِ كُلِّ عَدْلٍ ; لِأَنَّهَا - كَمَا قَالَ الطَّحَاوِيُّ - خَبَرٌ وَلَيْسَتْ شَهَادَةً، صَرَّحَ بِهِ أَيْضًا صَاحِبٌ (الْمَحْصُولِ) وَغَيْرُهُ مِنْ تَقْيِيدٍ.وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي التَّقْرِيبِ: يُقْبَلُ - أَيْ: فِي الرِّوَايَةِ - تَعْدِيلُ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ الْعَارِفَيْنِ، وَلَمْ يَحْكِ غَيْرَهُ.قَالَ الْخَطِيبُ فِي الْكِفَايَةِ: الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ سُؤَالُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ بَرِيرَةَ عَنْ حَالِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها، وَجَوَابُهَا لَهُ، يَعْنِي الَّذِي تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: تَعْدِيلُ النِّسَاءِ بَعْضِهِنَّ بَعْضًا.وَلَا تُقْبَلُ تَزْكِيَةُ الصَّبِيِّ الْمُرَاهِقِ، وَلَا الْغُلَامِ الضَّابِطِ جَزْمًا، وَإِنِ اخْتُلِفَ فِي رِوَايَتِهِمَا ; لِأَنَّ الْغُلَامَ وَإِنْ كَانَتْ حَالُهُ ضَبْطَ مَا سَمِعَهُ، وَالتَّعْبِيرَ عَنْهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَهُوَ غَيْرُ عَارِفٍ بِأَحْكَامِ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، وَمَا بِهِ مِنْهَا يَكُونُ الْعَدْلُ عَدْلًا، وَالْفَاسِقُ فَاسِقًا، فَذَلِكَ إِنَّمَا يَكْمُلُ لَهُ الْمُكَلَّفُ، وَأَيْضًا فَلِكَوْنِهِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ تَفْسِيقُ الْعَدْلِ وَتَعْدِيلُ الْفَاسِقِ، وَلَا كَذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ، فَافْتَرَقَ الْأَمْرُ فِيهِمَا، قَالَهُ الْخَطِيبُ.(وَصَحَّحُوا) كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَمَشَى عَلَيْهِ الْخَطِيبُ، مِمَّا تَثْبُتُ بِهِ الْعَدَالَةُ أَيْضًا (اسْتِغْنَاءِ ذِي الشُّهْرِةِ)
وَنَبَاهَةِ الذِّكْرِ بِالِاسْتِقَامَةِ وَالصِّدْقِ، مَعَ الْبَصِيرَةِ وَالْفَهْمِ، وَهُوَ الِاسْتِقَامَةُ (عَنْ تَزْكِيَةٍ) صَرِيحَةٍ (كَمَالِكٍ) ، هُوَ ابْنُ أَنَسٍ (نَجْمِ السُّنَنْ) كَمَا وَصَفَهُ بِهِ إِمَامُنَا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَكَشُعْبَةَ وَوَكِيعٍ وَأَحْمَدَ وَابْنِ مَعِينٍ، وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ، فَهَؤُلَاءِ وَأَمْثَالُهُمْ كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ - وَقَدْ عَقَدَ بَابًا لِذَلِكَ فِي كِفَايَتِهِ - لَا يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ، وَإِنَّمَا يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَةِ مَنْ كَانَ فِي عِدَادِ الْمَجْهُولِينَ، أَوْ أُشْكِلَ أَمْرُهُ عَلَى الطَّالِبِينَ.وَسَاقَ بِسَنَدِهِ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، فَقَالَ: مِثْلُ إِسْحَاقَ يُسْأَلُ عَنْهُ؟ إِسْحَاقُ عِنْدَنَا إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَنَّ ابْنَ مَعِينٍ سُئِلَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، فَقَالَ: مِثْلِي يُسْأَلُ عَنْهُ؟ هُوَ يُسْأَلُ عَنِ النَّاسِ. وَعَنِ ابْنِ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُؤْخَذُ الْعِلْمُ إِلَّا مِمَّنْ شُهِدَ لَهُ بِالطَّلَبِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ مُسْهِرٍ: إِلَّا عَنْ جَلِيسِ الْعَالِمِ ; فَإِنَّ ذَلِكَ طَلَبُهُ.قَالَ الْخَطِيبُ: أَرَادَ أَنَّ مَنْ عُرِفَتْ مُجَالَسَتُهُ لِلْعُلَمَاءِ أَوْ أَخْذُهُ عَنْهُمْ أَغْنَى ظُهُورُ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِهِ عَنْ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ حَالِهِ. وَعَنِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْبَاقِلَّانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الشَّاهِدُ وَالْمُخْبِرُ إِنَّمَا يَحْتَاجَانِ إِلَى التَّزْكِيَةِ مَتَى لَمْ يَكُونَا مَشْهُورَيْنِ بِالْعَدَالَةِ وَالرِّضَى، وَكَانَ أَمْرُهُمَا مُشْكِلًا مُلْتَبِسًا، وَمُجَوَّزًا فِيهِ الْعَدَالَةَ وَغَيْرَهَا.
قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْعِلْمَ بِظُهُورِ سِتْرِهِمَا ; أَيِ: الْمَسْتُورِ مِنْ أَمْرِهِمَا، وَاشْتِهَارِ عَدَالَتِهِمَا أَقْوَى فِي النُّفُوسِ مِنْ تَعْدِيلِ وَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ يَجُوزُ عَلَيْهِمَا الْكَذِبُ وَالْمُحَابَاةُ فِي تَعْدِيلِهِ، وَأَغْرَاضٌ دَاعِيَةٌ لَهُمَا إِلَى وَصْفِهِ بِغَيْرِ صِفَتِهِ، وَبِالرُّجُوعِ إِلَى النُّفُوسِ يُعْلَمُ أَنَّ ظُهُورَ ذَلِكَ مِنْ حَالِهِ أَقْوَى فِي النَّفْسِ مِنْ تَزْكِيَةِ الْمُعَدِّلِ لَهُمَا، فَصَحَّ بِذَلِكَ مَا قُلْنَاهُ، قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ نِهَايَةَ حَالَةِ تَزْكِيَةِ الْمُعَدِّلِ أَنْ تَبْلُغَ مَبْلَغَ ظُهُورِ سِتْرِهِ، وَهِيَ لَا تَبْلُغُ ذَلِكَ أَبَدًا، فَإِذَا ظَهَرَ ذَلِكَ فَمَا الْحَاجَةُ إِلَى التَّعْدِيلِ؟ - انْتَهَى.وَمِنْ هُنَا لَمَّا شَهِدَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ عِنْدَ الْقَاضِي بَكَّارِ بْنِ قُتَيْبَةَ، رحمهم الله، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ قَبْلَهَا، فَقَالَ: تُقَامُ الْبَيِّنَةُ عِنْدِي بِذَلِكَ فَقَطْ.وَكَذَا يَثْبُتُ الْجَرْحُ بِالِاسْتِفَاضَةِ أَيْضًا، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ مِمَّا يَثْبُتُ بِهِ الْعَدَالَةُ رِوَايَةُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْجُلَّةِ عَنِ الرَّاوِي، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْبَزَّارِ فِي مُسْنَدِهِ، وَجَنَحَ إِلَيْهَا ابْنُ الْقَطَّانِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ قَطْعِ السِّدْرِ مِنْ كِتَابِهِ: الْوَهْمِ
[مُقَدِّمَةُ الْمُؤَلِّفِ]بسم الله الرحمن الرحيمرَبِّ زِدْنِي عِلْمًا وَفَهْمًا، وَاخْتِمْ لِي وَلِلْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ.قَالَ سَيِّدُنَا وَشَيْخُنَا، الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَامِلُ الْعَلَّامَةُ، الْبَحْرُ الْحَبْرُ الْفَهَّامَةُ، الْمُحَقِّقُ الْمُدَقِّقُ، نَاصِرُ السُّنَّةِ حَافِظُ عَصْرِهِ، وَوَحِيدُ دَهْرِهِ، شَمْسُ الدِّينِ سُلْطَانُ الْحُفَّاظِ وَالْمُحَدِّثِينَ، أَبُو الْخَيْرِ مُحَمَّدٌ السَّخَاوِيُّ الشَّافِعِيُّ: [خُطْبَةُ الْمُؤَلِّفِ] الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْعِلْمَ بِفُنُونِ الْخَبَرِ مَعَ الْعَمَلِ الْمُعْتَبَرِ بِهَا إِلَيْهِ أَتَمَّ وَسِيلَةً، وَوَصَلَ مَنْ أَسْنَدَ فِي بَابِهِ وَانْقَطَعَ إِلَيْهِ فَأَدْرَجَهُ فِي سِلْسِلَةِ الْمُقَرَّبِينَ لَدَيْهِ، وَأَوْضَحَ لَهُ الْمُشْكِلَ الْغَرِيبَ وَتَعْلِيلَهُ.وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الْفَرْدُ الصَّمَدُ، أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ وَعَلَّمَهُ تَأْوِيلَهُ.وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدٌ الْمُرْسَلُ بِالْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ، وَالْمُعْجِزَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَالْمَخْصُوصُ بِكُلِّ شَرَفٍ وَفَضِيلَةٍ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَأَنْصَارِهِ وَحِزْبِهِ، الَّذِينَ صَارَ الدِّينُ بِهِمْ عَزِيزًا، بَعْدَ فُشُوِّ كُلِّ شَاذٍّ وَمُنْكَرٍ وَرَذِيلَةٍ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ أَتْبَاعِهِمُ الْمُعَوَّلِ عَلَى إِجْمَاعِهِمْ مِمَّنِ اقْتَفَى أَثَرَهُ وَسَلَكَ سَبِيلَهُ، صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ غَيْرَ مُضْطَرِبَيْنِ يَنَالُ بِهِمَا الْعَبْدُ فِي الدَّارَيْنِ تَأْمِيلَهُ.[مُقَدِّمَةُ الْمُؤَلِّفِ] وَبَعْدُ: فَهَذَا تَنْقِيحٌ لَطِيفٌ، وَتَلْقِيحٌ لِلْفَهْمِ الْمُنِيفِ، شَرَحْتُ فِيهِ أَلْفِيَّةَ الْحَدِيثِ، وَأَوْضَحْتُ بِهِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ، فَفَتَحَ مِنْ كُنُوزِهَا الْمُحَصَّنَةِ الْأَقْفَالِ كُلَّ مُرْتَجٍ، وَطَرَحَ عَنْ رُمُوزِهَا الْإِشْكَالَ بِأَبْيَنِ الْحُجَجِ، سَابِكًا لَهَا فِيهِ ; بِحَيْثُ لَا تَتَخَلَّصُ مِنْهُ إِلَّا بِالتَّمْيِيزِ ; لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي إِظْهَارِهِ الْمَعْنَى.تَارِكًا لِمَنْ لَا يَرَى حُسْنَ ذَلِكَ فِي خُصُوصِ النَّظْمِ وَالتَّرْجِيزِ ; لِكَوْنِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَنِّتًا لَمْ يَذُقِ الَّذِي هُوَ أَهْنَى، مُرَاعِيًا فِيهِ الِاعْتِنَاءَ بِالنَّاظِمِ رَجَاءَ بَرَكَتِهِ، سَاعِيًا فِي إِفَادَةِ مَا لَا غِنًى عَنْهُ لِأَئِمَّةِ الشَّأْنِ وَطَلَبَتِهِ، غَيْرَ طَوِيلٍ مُمِلٍّ، وَلَا قَصِيرٍ مُخِلٍّ، اسْتِغْنَاءً عَنْ
تَطْوِيلِهِ بِتَصْنِيفِي الْمَبْسُوطِ الْمُقَرَّرِ الْمَضْبُوطِ، الَّذِي جَعَلْتُهُ كَالنُّكَتِ عَلَيْهَا وَعَلَى شَرْحِهَا لِلْمُؤَلِّفِ.وَعِلْمًا بِنَقْصِ هِمَمِ أَمَاثِلِ الْوَقْتِ فَضْلًا عَنِ الْمُتَعَرِّفِ، إِجَابَةً لِمَنْ سَأَلَنِي فِيهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ ذَوِي الْوَجَاهَةِ وَالتَّوْجِيهِ، مِمَّنْ خَاضَ مَعِي فِي الشَّرْحِ وَأَصْلِهِ، وَارْتَاضَ فِكْرُهُ بِمَا يَرْتَقِي بِهِ عَنْ أَقْرَانِهِ وَأَهْلِهِ.نَفَعَنِي اللَّهُ وَإِيَّاهُ وَالْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ، وَيَسَّرَ لَنَا إِلَى كُلِّ خَيْرٍ أَقْرَبَ الْمَسَالِكِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.قَالَ رحمه الله:١ - يَقُولُ رَاجِي رَبِّهِ الْمُقْتَدِرِ … عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَثَرِي٢ - مِنْ بَعْدِ حَمْدِ اللَّهِ ذِي الْآلَاءِ … عَلَى امْتِنَانٍ جَلَّ عَنْ إِحْصَاءِ٣ - ثُمَّ صَلَاةٍ وَسَلَامٍ دَائِمِ … عَلَى نَبِيِّ الْخَيْرِ ذِي الْمَرَاحِمِ٤ - فَهَذِهِ الْمَقَاصِدُ الْمُهِمَّهْ … تُوَضِّحُ مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ رَسْمَهْ٥ - نَظَمْتُهَا تَبْصِرَةً لِلْمُبْتَدِي … تَذْكِرَةً لِلْمُنْتَهِي وَالْمُسْنَدِ٦ - لَخَّصْتُ فِيهَا ابْنَ الصَّلَاحِ أَجْمَعَهْ … وَزِدْتُهَا عِلْمًا تَرَاهُ مَوْضِعَهْ٧ - فَحَيْثُ جَاءَ الْفِعْلُ وَالضَّمِيرُ … لِوَاحِدٍ وَمَنْ لَهُ مَسْتُورُ٨ - كَـ " قَالَ " أَوْ أَطْلَقْتُ لَفْظَ " الشَّيْخِ " مَا … أُرِيدُ إِلَّا ابْنَ الصَّلَاحِ مُبْهَمَا٩ - وَإِنْ يَكُنْ لِاثْنَيْنِ نَحْوَ " الْتَزَمَا " فَمُسْلِمٌ … مَعَ الْبُخَارِيِّ هُمَا١٠ - وَاللَّهَ أَرْجُو فِي أُمُورِي كُلِّهَا … مُعْتَصِمًا فِي صَعْبِهَا وَسَهْلِهَا.(يَقُولُ) مِنَ الْقَوْلِ، وَهُوَ لَفْظٌ دَالٌّ عَلَى مَعْنًى مُفِيدٍ كَمَا هُنَا، أَوْ غَيْرِ مُفِيدٍ، (رَاجِي) اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ " الرَّجَاءِ " ضِدُّ الْخَوْفِ ; وَهُوَ تَوَقُّعُ مُمْكِنٍ يَقْتَضِي حُصُولَ مَا فِيهِ مَسَرَّةٌ، (رَبِّهِ) أَيْ: مَالِكِهِ الْإِلَهِ الَّذِي لَا تُطْلَقُ الرُّبُوبِيَّةُ عَلَى سِوَاهُ.(الْمُقْتَدِرِ) عَلَى مَا أَرَادَ، وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ، وَلِذَا كَانَ أَبْلَغَ فِي قُوَّةِ الرَّجَاءِ ; إِذْ