البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر - قسم ١ - ت الأندونوسي (الجلال السيوطي)القسم: علوم الحديثالكتاب: البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثرالمؤلف: الحافظ جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (٨٤٩ - ٩١١ هـ)تحقيق ودراسة: أبي أنس أنيس بن أحمد بن طاهر الأندونوسيأصل هذا الكتاب: رسالة ماجستير بالجامعة الإسلاميةالناشر: مكتبة الغرباء الأثرية، المملكة العربية السعوديةعدد الأجزاء: ٤ (متسلسلة الترقيم، والرابع فهارس)تنبيه: لم يُكمِل السيوطي هذا الكتاب، لكن هذه الطبعة تُشكل الشطر الأول فقط مما ترَكَه السيوطي، وأما الشطر الثاني فحققه د. (عبدالباري بن حماد الأنصاري) في رسالتِه للماجستير بالجامعة الإسلامية أيضًا عام ١٤١٦ هـ ولم تُطبع حتى عام ١٤٤٣ هـ، ثم طُبع الموجود من الكتاب كاملا بتحقيق (شعبان العودة) عن دار الذخائر والمكتبة العمرية بالقاهرة ١٤٤٣ هـ= ٢٠٢٢ م في ٣ مجلدات[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر - قسم ١ - ت الأندونوسي - جـ ١البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر تأليفالحافظ جلال الدين أبي الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي(٨٤٩ هـ - ٩١١ هـ) تحقيق ودراسةأبي أنس أنيس بن أحمد بن طاهر الأندونوسيأستاذ مساعد بكلية الحديث بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية [الجزء الأول]
بسم الله الرحمن الرحيم خطة البحثكلمة حمد، وشكر، وتقدير.ثم قمت بتقسيم البحث إلى قسمين:أ- قسم الدراسة.ب- قسم التحقيق.أ- قسم الدراسة: ويشتمل على ما يلي:أولًا: مقدمة وتتضمن ما يلي:- السنة. مكانتها. وحجيتها.- بيان أهمية علم مصطلح الحديث.- نشاة علم المصطلح.- أسباب اختيار الموضوع.ثانيًا: ترجمة للسيوطي وتشتمل على التالي:- اسمه، ونسبه.- مولده، ونشأته، ودراسته.- رحلاته.
- شيوخه وتلاميذه.- عقيدته.- تصديه للفتيا.- خصوم السيوطي.- المناصب التي تولاها.- موقفه من الحكام والسلاطين.- دعواه الاجتهاد.- اعتزاله، وهروبه من الحياة، ووفاته.- المؤلفون في السيوطي من المتقدمين والمعاصرين.ثالثًا:- جهود السيوطي في علوم الحديث عمومًا.- وجهوده في المصطلح خصوصًا.- دراسة كتبه -الموجود منها- في المصطلح.رابعًا:- دراسة كتابه (البحر الذي زخر)، ويشتمل على مبحثين:المبحث الأول: موضوع الكتاب، وأهميته.المبحث الثاني: منهج السيوطي في الكتاب.
خامسًا:شروح ألفية السيوطي.سادسًا:موازنة بين البحر والتدريب.سابعًا:ميزات ألفية السيوطي على ألفية العراقي.ب- قسم التحقيق:ويشتمل على التالي:١ - اسم الكتاب وتوثيق نسبته إلى السيوطي.٢ - وصف نسخ الكتاب.٣ - وصف نسخ الألفية المخطوطة والمطبوعة.٤ - منهجي في تحقيق الكتاب.* * *
كلمة حمد وشكر وتقديرأحمد اللَّه عز وجل حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يجب ربنا ويرضى، وأشكره أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا على أن هداني ووفقني، وحبب إليّ سنة نبيه الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وشرفني بالاشتغال بعلوم السنة الغراء. {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} (١)، وأسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يحشرني في زمرة الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن يجعل نيل هذه الدرجة نيل أعلى درجات الجنة برحمته التي وسعت كل شيء.ثم أتقدم بالشكر الجزيل لشيخي الفاضل الدكتور/ سعدي مهدي الهاشمي المشرف على الرسالة على حسن إرشاده وتوجيهه وتعليمه لي في سنوات الإشراف على الرسالة، كما أتقدم بخالص الدعاء والتقدير لشيخيّ الكريمين الشيخ/ حماد بن محمد الأنصاري رحمه اللَّه تعالى على ما أولاني به من رعاية أبوية علمية، ولشيخي الدكتور/ محمود ميره على حسن تعليمه وإرشاده وتوجيهه لي من كلية الحديث إلى أن أشار علي بأخذ هذا الموضوع بالدراسات العليا.وأشكر لجميع مشايخي حسن تعليمهم، وإرشادهم لي.(١) سورة الأعراف: ٤٣.
هذا وأبتهل إلى اللَّه جلّ في علاه، داعيًا من أعماق قلبي للمسئولين بالجامعة الإسلامية على اختلاف مرافقها، وبالدراسات العليا على وجه الخصوص أن يثيبهم ويجزيهم خيرًا، على ما يقدمونه من خدمة للعلم وطلابه، ورزقني اللَّه وإياهم الصلاح والسداد والإخلاص في جميع الأقوال والأعمال.جزى اللَّه الجميع خير الجزاء، وأحسن لهم المئوبة والأجر، بفضله ومنّه، وآخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين واللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.* * *
أولًا: السنة مكانتها وحجيتها
بسم الله الرحمن الرحيمإن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (١).{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (٢).{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} (٣).(١) سورة آل عمران: الآية ١٠٢.(٢) سورة النساء: آية ١(٣) سورة الأحزاب: الآية ٧٠ - ٧١.
أما بعد (١):فإنّ اللَّه عز وجل أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأنزل عليه كتابه الكريم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، وأمره بتبليغه للناس وبيانه فقال عز وجل:{يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} (٢).وقال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (٣).وقال سبحانه: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (٤).(١) هذه خطبة الحاجة التي علمها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أصحابه، وهي سنة: يبتدأ بها في النكاح وغيره.رواها: أبو داود (كتاب النكاح - باب في خطبة النكاح ٢/ ٥٩١) والترمذي - (كتاب النكاح - باب في خطبة النكاح ٣/ ٤٠٤) وقال: حديث حسن، والنسائي (كتاب النكاح - باب ما يستحب من الكلام عند النكاح ٦/ ٨٩) وغيرهم عن جمع من الصحابة، وهو حديث صحيح، وللألباني فيها كتاب سماه "خطبة الحاجة".(٢) سورة المائدة: ٦٧.(٣) سورة النحل: ٤٤.(٤) سورة النحل: ٦٤.
ثم أوجب اللَّه علينا طاعته، وامتثال أوامره، والانتهاء عن نواهيه فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} (١).وقال سبحانه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (٢).ومما لا شك فه أنّ الكتاب والسنة أصلان أصيلان لا ينفك أحدهما عن الآخر، ومنبعان للتشريع متعاضدان.قال صلى الله عليه وسلم: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه. . " (٣).وقال أيضًا: "تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب اللَّه، وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض" (٤).ولقد تكفل اللَّه عز وجل بحفظ شريعة الإسلام كتابًا وسنة،(١) سورة الأنفال: ٢٠.(٢) سورة الحشر: ٧.(٣) حديث صحيح رواه احمد (٢/ ٣٧٧)، وأبو داود (كتاب السنة باب لزوم السنة - ٥/ ١٠)، والترمذي (كتاب العلم - باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ٥/ ٣٧) وقال: حسن صحيح، وابن ماجة (المقدمة - باب تعظيم حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ١/ ٦) وغيرهم.(٤) حديث صحيح رواه الحاكم (١/ ٩٣)، وعنه البيهقي (١٠/ ١١٤)، ومالك (٢/ ٨٩٩) بلاغًا. صحيح الجامع (٣/ ٣٩)، والصحيحة (٤/ ٣٦١).
لأنها هي الشريعة التي ارتضاها، وكتب لها الخلود والبقاء إلى يوم القمامة، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (١).وقال سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (٢).والسنة لها مكانة عالية وكبيرة في الإسلام، فهي الأصل الثاني بعد كتاب اللَّه عز وجل المعتمد في التشريع، وقد جاءت السنة مفسرة لمبهم القرآن، مفصلة لمجمله، مقيدة لمطلقه، مخصصة لعمومه، شارحة لأحكامه وأهدافه ومراميه، وجاءت بأحكام زائدة مستقلة لم ينص عليها القرآن، ولما كان للسنة هذا القدر العظيم في الإسلام فقد اتفق علماء السنة قاطبة على حجيتها.قال الإمام الشافعي رحمه الله:"قد وضع اللَّه رسوله صلى الله عليه وسلم من دينه وفرضه وكتابه الموضع الذي أبان -جل ثناؤه- أنه جعله علمًا لدينه بما افترض من طاعته، وحرَّم من معصيته، وأبان من فضيلته، بما قرن بين رسوله مع الإيمان به، فقال تبارك وتعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ. . .} (٣).(١) سورة الحجر: ٩.(٢) سورة المائدة: ٣.(٣) سورة النساء: ١٧١.
وقال عز وجل:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ. . .} (١).فجعل كمال ابتداء الإيمان الذي ما سواه تبع له الإيمان باللَّه ثم برسوله معه" (٢).وقال الإمام الشوكاني:"إنّ ثبوت حجية السنة المطهرة، واستقلالها تشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في الإسلام" (٣).ومن هذا المنطلق نجد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يحث أمته على التمسك بسنته، والعناية بها، ويبين لها أنّ التمسك بسنته نجاة من الضلال، وأنّ الوجه إليها بعد الفتور هداية ورشاد (٤)،(١) سورة النور: ٦٢.(٢) الرسالة: (ص ٧٣ - ٧٥).(٣) إرشاد الفحول: (ص ٢٩).(٤) دليل ذلك حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: "إن لكل عمل شِرَّة. . . . الحديث".صحيح على شرط الشيخين رواه الطحاوي في مشكل الآثار (٢/ ٨٨)، وأحمد (٢/ ١٨٨)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٨).
وأن المتمسك بها عند وقوع الفتن له أجر خمسين من الصحابة (١) وأنها من مرجحات الإمامة في الصلاة (٢)، وفي أمور أخرى، ويبرأ صلى الله عليه وآله وسلم ممن رغب عنها (٣)، ولقد حفظت السنة في أماكن أمينة ومكينة؛ حفظت في صدور رجال صدقوا ما عاهدوا اللَّه عليه من صحابة فتابعين فأتباعهم، فمن بعدهم من علماء هذه الأمة الأفذاذ الذين تشبعت قلوبهم بحب رسولهم فحفظوا السنة ووعوها وعملوا بها، وتفيئوا ظلالها الوارفة، ثم أخرجوا لنا علمًا أصيلًا منها استخرجوه، وعليها بنوه، وحفاظًا لها أصّلوه وهو ما يسمى (بعلم مصطلح الحديث).(١) حديث صحيح رواه المروزي في السنة (ص ٩)، وأبو داود (كتاب الملاحم -باب الأمر والنهي- ٤/ ٥١٢)، والترمذي (كتاب التفسير - باب ومن سورة المائدة - ٥/ ٢٥٧)، وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجة (كتاب الفتن - باب قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} - ٢/ ١٣٣٠) وغيرهم.(٢) دليل ذلك حديث ". . فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة. . الحديث". رواه مسلم (كتاب المساجد - باب من أحق بالإمامة - ١/ ٤٦٥)(٣) الحديث في ذلك رواه البخاري (كتاب النكاح - باب الترغيب في النكاح ٩/ ١٠٥)