تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (أبو السعود)القسم: التفسيرالكتاب: تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريمالمؤلف: أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (ت ٩٨٢هـ)الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
سورة آل عمران مدنية وهي مائتا آية ١ ٢ آل عمران {بسم الله الرحمن الرحيم}
مقدمة سبحان من أرسل رسوله بالهدى ودين الحق وبين له من الشعائر الشرائع كلِّ ما جلَّ ودقَّ أنزل عليه أظهر بينات وأبهر حجج قرآنا عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِى عِوَجٍ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتاب ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ناطقاً بكلِّ أمرٍ رشيدٍ هاديا إلى الصراط العزيز الحميد آمرا بعبادة الصمد المعبود كتابا متشابها مثاني تقشعر منه الجلود تكاد الرواسي لهيبته تمور ويذوب منه الحديد ويميع صم الصخور حقيقا بأن يسير به الجبال وييسر به كل صعب محال معجزا أفحم كل مصقع من مهرة قحطان وبكت كل مفلق من سحرة البيان بحيث لو اجتمعتِ الإنسُ والجن على معارضته ومباراته لعجزُوا عن الإتيان بمثل آيه من آياته نزل عليه على فترة من الرسل ليرشد الأمة إلى أقوم السبل فهداهم إلى الحق وهم في ضلال مبين فاضمحل دجى الباطل وسطع نور اليقين فمن أتبع هداه فقد فاز بمناه وأما من عانده وعصاه وإتخذ إلهه هواه فقد هام في موامي الردى وتردى في مهاوي الزور وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله له نورا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ صلى الله عليه وعلى آله الأخيار وصحبه الأبرار ما تناوبت الأنواء وتعاقبت الظلم والأضواء وعلى من تبعهم بإحسان مدى الدهور والأزمانوبعد فيقول العبد الفقير إلى رحمة ربه الهادي أبو السعود محمد بن محمد العمادي إن الغاية القصوى من تحرير نسخة العالم وما كان حرف منها مسطورا والحكمة الكبرى في تخمير طينة آدم ولم يكن شيئا مذكورا ليست إلا معرفة الصانع المجيد وعبادة البارئ المبدئ المعيد ولا سبيل إلى ذاك المطلب الجليل سوى الوقوف على مواقف التنزيل فإنه عز سلطانه وبهر برهانه وإن سطر آيات قدرته في صحائف الأكوان ونصب رايات وحدته في صفائح الأعراض والأعيان وجعل كلُّ ذرةٍ من ذرات العالم وكل قطرة من قطرات العلم وكل نقطة جرى عليها قلم الإبداع وكل حرف رقم في لوح الإختراع مرآة لمشاهدة جماله ومطالعة صفات كماله حجَّةٌ نيِّرةٌ واضحة المكنونِ وآيةٌ بيِّنة لقومٍ يعقلون برهانا جليا لاريب فيه ومنهاجا سويا لا يضِلّ من ينتحيه بل ناطقا يتلو آيات ربه فهل من سامع واعٍ ومجيب صادق فهل له من داعٍ يكلم الناسَ على قدر عقولِهم ويرُدّ جوابَهم بحسب مقولِهم يحاور تارة بأوضح عبارةٍ ويلوّح أخرى
بألطف إشارة لكن الإستدلال بتلك الآيات والدلائل والإستشهاد بتلك الأمارات والمخايل والتنبيه لتلك الإشارات السرية والتفطن لمعاني تلك العبارات العبقرية وما في تضاعيفها من رموز أسرار القضاء والقدر وكنوز آثار التعاجيب والعبر مما لا يطيق به عقول البشر إلا بتوفيق خلاق القوى والقدر فإذن مدار المراد ليس إلا كلام رب العباد إذ هو المظهر لتفاصيل الشعائر الدينية والمفسر لمشكلات الآيات التكوينية والكاشف عن خفايا حظائر القدس والمطلع على خبايا سرائر الأنس وبه تكتسب الملكات الفاخرة وبه يتوصل إلى سعادةِ الدُّنيا والآخرةِ كما وأنه أيضا من علو الشأنِ وسموِّ المكان ونهاية الغموض والإعضال وصعوبة المأخذ وعزة المنال في غايةُ الغاياتِ القاصيةِ ونهايةُ النهايات النائية أعز من بَيْض الأَنُوق وأبعدُ من مَناط العَيُّوق لا يتسنى العروج إلى معارجه الرفيعة ولا يتأتى الرقى إلى مدارجه المنيعة كيف لا وأنه مع كونه متضمنا لدقائق العلوم النظرية والعملية ومنطوبا على دقائق الفنون الخفية والجلية حاويا لتفاصيل الأحكام الشرعية ومحيطا بمناط الدلائل الأصلية والفرعية منبئا عن أسرار الحقائق والنعوت مخبرا بأطوار الملك والملكوت عليه يدور فلك الأوامر والنواهي وإليه يستند معرفة الأشياء كما هي قد نسج على أغرب منوال وأبدع طراز واحتجبت طلعته بسبحات الإعجاز طويت حقائقه الأبية عن العقول وزويت دقائقه الخفية عن أذهان الفحول يرد عيون العقول سبحانه ويخطف أبصار البصائر بريقه ولمعانهولقد تصدى لتفسير غوامض مشكلاته أساطين أئمة التفسير في كل عصر من الأعصار وتولى لتيسير عويصات معضلاته سلاطين أسرة التقرير والتحرير في كل قطر من الأقطار فغاصوا في لججه وخاضوا في ثبجه فنظموا فرائده في سلك التحرير وأبرزوا فوائده في معرض التقرير وصنفوا كتبا جليلة الأقدار وألفوا زبرا جميلة الآثارأما المتقدمون المحققون فاقتصروا على تمهيد المعاني وتشييد المباني وتبيين المرام وترتيب الأحكام حسبما بلغهم من سيد الأنام عليه شرائف التحية والسلاموأما المتأخرون المدققون فراموا مع ذلك إظهار مزاياه الرائقة وإبداء خباياه الفائقة ليعاين الناس دلائل إعجازه ويشاهدوا شواهد فضله وامتيازه عن سائر الكتب الكريمة الربانية والزبر العظيمة السبحانية فدونوا أسفارا بارعة جامعة لفنون المحاسن الرائعة يتضمن كل منها فوائد شريفة تقر بها عيون الأعيان وعوائد لطيفة يتشنف بها آذان الأذهان لا سيما الكشاف وأنوار التنزيل المتفردان بالشأن الجليل والنعت الجميل فإن كلا منهما قد أحرز قصب السبق أي إحراز كأنه مرآة لا جتلاء وجه الإعجاز صحائفهما مرايا المزايا الحسان وسطورهما عقود الجمان وقلائد العقبان ولقد كان في سوابق الأيام وسوالف الدهور والأعوام أوأن اشتغالي بمطالعتهما وممارستهما وزمان انتصابي لمفاوضتهما ومدارستهما يدور في خلدي على استمرار آناء الليل وأطراف النهاران أنظم درر فوائدهما في سمط دقيق وأرتب غرر فرائدهما على ترتيب أنيق وأضيف إليها ما ألفيته في تضاعيف الكتب الفاخرة من جواهر الحقائق وصادفته في أصداف العيالم الزاخرة من زواهر الدقائق وأسلك خلالها بطريق الترصيع على نسق أنيق وأسلوب بديع حسبما يقتضية جلالة شأن التنزيل ويستدعيه جزالة نظمه الجليل ما سنح الفكر العليل بالعناية الربانية وسمح به
النظر الكليل بالهداية السبحانية من عوارف معارف يمتد إليها أعناق الهمم من كل ماهر لبيب وغرائب رغائب ترنوا إليها أحداق الأمم من كل نحرير أريب وتحقيقات رصينة تقيل عثرات الأفهام في مداحض الإقدام وتدقيقات متينة تزيل خطرات الأوهام من خواطر الأنام في معارك أفكار يشتبه فيها الشؤن ومدارك أنظار يختلط فيها الظنون وأبرز من وراء أستارِ الكمُون من دقائق السر المخزون في خزائن الكتاب المكنون ما تطمئن إليه النفوس وتقر به العيون من خفايا الرموز وخبايا الكنوز وأهديها إلى الخزانة العامرة الغامرة للبحار الزاخرة لجناب من خصه الله تعالى بخلافة الأرض واصطفاه سلطنتها في الطول والعرض ألا وهو السلطان الأسعد الأعظم والخاقان الأمجد الأفخم مالك الإمامة العظمى والسلطان الباهر وارث الخلافة الكبرى كابرا عن كابر رافع رايات الدين الأزهر موضح آيات الشرع الأنور مرغم أنوف الفراعنة والجبابرة معفر جباه القياصره والأكاسرة فاتح بلاد المشارق والمغارب بنصر الله العزيز وجنده الغالب الهمام الذي شرق عزمه المنير فانتهى إلى المشرق الأسنى وغرب حتى بلغ مغرب الشمس أو دنا بخميس عرمرم متزاحم الأفواج وعسكر كخضم متلاطم الأمواج فأصبح ما بين أفقى الطلوع والغروب وما بين نقطتى الشمال والجنوب منتظما في سلك ولاياته الواسعة ومندرجا تحت ظلال راياته الرائعة فأصبحت منابر الربع المسكون مشرفة بذكر اسمه الميمون فياله من ملك استوعب ملكه البر البسيط واستعرق فلكه وجه البحر المحيط فكأنه فضاء ضربت فيه خيامه او نصبت عليه ألويته وأعلامه مالك ممالك العالم ظل الله الظليل على كافة الأمم قاصم القياصرة وقاهر القروم سلطان العرب والعجم والروم وسلطان المشرقين وخاقان الخافقين الإمام المقتدر بالقدرة الربانية والخليفة المعتز بالعزة السبحانيه المفتخر بخدمة الحرمين الجليلين المعظمين وحماية المقامين الجميلين المفخمين ناشر القوانين السلطانية عاشر الخواقين العثمانية السلطان ابن السلطان السلطان سليمان خان بن السلطان المظفر المنصور والخاقان الموقر المشهور صاحب المغازي المشهورة في أقطار الأمصار والفتوحات المذكورة في صحائف الأسفار السلطان سليم خان بن السلطان السعيد والخاقان المجيد السلطان بايزيد خان لا زالت سلسلة سلطنته متسلسلة إلى إنتهاء سلسلة الزمان وأرواح أسلافه العظام متنزهة في روضة الرضوانوكنت أتردد في ذلك بين إقدام وإحجام لقصور شأني وعزة المرام أين الحضيض من الذرى شتان بين الثريا والثرى وهيهات اصطياد العنقاء بالشباك واقتياد الجوزاء من بروج الأفلاكفمضت عليه الدهور والسنون وتغيرت الأطوار وتدلت الشئون فابتليت بتدبير مصالح العباد برهة في قضاء البلاد وأخرى في قضاء العساكر والأجناد فحال بيني وبين ما كنت أخال تراكم المهمات وتزاحم الأشغال وجموم العوارض والعلائق وهجوم الصوارف والعوائق والتردد إلى المغازي والأسفار والتنقل من دار إلى دار وكنت في تضاعيف هاتيك الأمور أقدر في نفسي أن أنتهز نهزة من الدهور ويتسنى لي القرار وتطمئن بي الدار وأظفر حينئذ بوقت خال أتبتل فيه إلى جناب ذي العظمة والجلال وأوجه إليه وجهتي وأسلم له سرى وعلانيتي وأنظر إلى كل شيء بعين الشهود وأتعرف سرِّ الحقِّ في كل موجود تلافيا لما قد فات واستعدادا لما هو آت وأتصدى لتحصيل ما عزمت عليه وأتولى لتكميل ما توجهت إليه برفاهة وأطمئنان وحضور
قلب وفراغ جنان فبينما أنا في هذا الخيال إذ بدا لي ما لم يخطر بالبال تحولت الأحوال والدهر حول فوقعت في أمر أشق من الأول أمرت بحل مشكلات الأنام فيما شجَرَ بينهم من النزاع والخصام فلقيت معضلة طويلة الذيول وصرت كالهارب من المطر إلى السيول فبلغ السيل الزبى وغمرني أي غمر غوارب ما جرى بين زيد وعمرو فأضحيت في ضيق المجال وسعة الأشغال أشهر ممن يضرب بها الأمثال فجعلت اتمثل بقول من قاللقد كنت أشكوك الحوادث برهةوأستمرض الأيام وهي صحائح … إلى أن تغشتني وقيت حوادثتحقق أن السالفات منائح فلما أنصرمت عرى الآمال عن الفوز بفراغ البال ورأيت أن الفرصة على جناح الفوات وشمل الأسباب في شرف الشتات وقد مسنى الكبر وتضاءلت القوى والقدر ودنا الأجل من الحلول وأشرفت شمس الحياة على الأفول عزمت على إنشاء ما كنت أنويه وتوجهت إلى إملاء ما ظلت أبتغيه ناويا أن أسميه عند تمامه بتوفيق الله تعالى وإنعامه إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم فشرعت فيه مع تفاقم المكاره على وتزاحم المشادة بين يدى متضرعا إلى رب العظمة والجبروت خلاق عالم الملك والملكوت في أن يعصمني عن الزيغ والزلل ويقيني مصارع السوء في القول والعمل ويوفقني لتحصيل ما أرومه وأرجوه ويهديني إلى تكميله على أحسن الوجوه ويجعله خير عدة وعتاد أتمتع به يوم المعاد فيامن توجهت وجوه الذل والإبتهال نحو بابه المنيع ورفعت أيدى الضراعة والسؤال إلى جنابه الرفيع أفض علينا شوارق أنوار التوفيق وأطلعنا على دقائق أسرار التحقيق وثبت أقدامنا على مناهج هداك وأنطقنا بما فيه أمرك ورضاك ولا تكلنا إلى أنفسنا في لحظة ولا آن وخذ بناصيتنا إلى الخير حيث كان جئناك على جباه الإستكانة ضارعين ولأبواب فيضك قارعين أنت الملاذ في كل أمر هم وانت المعاذ في كل خطب مُلم لا رب وغيرك ولا خير إلا خيرك بيدك مقاليد الأمور لك الخلق والأمر وإليك النشور
سورة الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيمالفاتحة (٧ - ١)سورة فاتحة الكتاب وهي سبع آياتالفاتحة في الأصل أولُ ما مِن شأنه أن يُفتح كالكتاب والثوب أُطلقت عليه لكونه واسطةً في فتحِ الكل ثم أُطلقت على أول كلِّ شيء فيه تدريجٌ بوجه من الوجوه كالكلام التدريجي حصولاً والسطور والأوراق التدريجية قراءةً وعداً والتاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية أو هي مصدر بمعنى الفتح أطلقت عليه تسميةً للمفعول باسم المصدر إشعاراً بأصالته كأنه نفس الفتح فإن تعلقه به بالذات وبالباقي بواسطته لكنْ لا على مَعْنى أنه واسطة في تعلقه بالباقي ثانياً حتى يرد أنه لا يتسنى في الخاتمة لما أن خَتْم الشيء عبارة عن بلوغ آخره وذلك إنما يتحقق بعد انقطاع الملابسة عن أجزائه الأُوَل بل على مَعْنى أنَّ الفتح المتعلق بالأول فتح له أولاً وبالذات وهو بعينه فتح للجموع بواسطته لكونه جزأ منه وكذا الكلامُ في الخاتمةفإن بلوغَ آخِرِ الشئ يعرِضُ للآخر أولاً وبالذات وللكل بواسطته على الوجه الذي تحقَّقْتَه والمراد بالأول ما يعُم الإضافيَّ فلا حاجة إلى الإعتذار بأن إطلاقَ الفاتحة على السورة الكريمة بتمامها باعتبار جزئها الأول والمرادُ بالكتاب هو المجموع الشخصي لا القدر المشترك بينه وبين أجزائه على ما عليه اصطلاحُ أهل الأصول ولا ضيرَ في اشتهار السورة الكريمة بهذا الاسم في أوائل عهد النبوة قبل تحصل المجموع بنزول الكل لما أن التسمية من جهةِ الله عزَّ اسمه أو من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم بالإذن فيكفي فيها تحصُّلُهُ باعتبار تحققه في علمه عز وجل أو في اللَّوحِ أو باعتبار أنه أُنزل جُملةً إلى السماءِ الدُّنيا وأملاهُ جبريل على السَفَرة ثُمَّ كانَ يُنزِله على النبيِّ صلى الله عليه وسلم نجو ما في ثلاثٍ وعشرينَ سنةٍ كما هو المشهور والإضافة بمعنى اللام كما في جزء الشئ لا بمعنى مِنْ كما في خاتم فضة لما عرفت أن المضاف جزء من المضاف إليه لا جزئي له ومدار التسمية كونه مبدأً للكتاب على الترتيب المعهود لا في القراءة في الصلاة ولا في التعليم ولا في
النزول كما قيل أما الأول فبيِّنٌ إذ ليس المرادُ بالكتاب القدرَ المشترك الصادقَ على ما يقرأ في الصلاة حتى تُعتبرَ في التسمية مبدئيتَها له وأما الأخيران فلأن اعتبار المبدئية من حيث التعليمُ أو من حيث النزولُ يستدعي مراعاةَ الترتيب في بقية أجزاء الكتاب من تينك الحيثيتين ولا ريب في أن الترتيب التعليمي والترتيب النزولي ليسا على نسق الترتيب المعهود وتسمى أمَّ القرآن لكونها أصلاً ومنشأً له إما لمبدئيتها له وإما لا شتمالها على ما فيه من الثناء على الله عز وجل والتعبُّدِ بأمره ونهيه وبيانِ وعدِه ووعيده أو على جملة معاينه من الحِكَم النظرية والأحكام العملية التي هي سلوكُ الصراط المستقيم والاطلاعُ على معارج السعداء ومنازلِ الأشقياء والمرادُ بالقرآن هو المراد بالكتاب وتسمى أمَّ الكتاب أيضاً كما يسمَّى بها اللوحُ المحفوظ لكونِهِ أصلاً لكل الكائنات والآياتُ الواضحةُ الدالة على معانيها لكونها بينةً تُحْمل عليها المتشابهاتُ ومناطُ التسمية ما ذُكر في أم القرآن لا ما أورده الإمامُ البخاري في صحيحه من أنه يُبدأ بقراءتها في الصلاة فإنه مما لا تعلُّقَ له بالتسمية كما أشير إليه وتسمى سورةَ الكنز لقوله صلى الله عليه وسلم إنَّها أُنْزِلَتْ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ أو لِمَا ذكر في أم القرآن كما أنه الوجهُ في تسميتها الأساسَ والكافية والوافية وتسمى سورةَ الحمد والشكر والدعاء وتعليم المسئلة لاشتمالها عليها وسورةَ الصلاة لوجوب قراءتها فيها وسورةَ الشفاء والشافية لقوله صلى الله عليه وسلم هي شفاءٌ من كُلِّ داءٍ والسبع المثاني لأنها سبعُ آيات تُثَنَّى في الصلاة أو لتكرّر نزولِها على ما رُوي أنها نزلت مرة بمكَّة حين فرضت الصلاة وبالمدينة أخرى حين حُوِّلت القبلة وقد صح أنها مكيةٌ لقوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المثاني وهو مكي بالنص
متردد فقيل بين أن يكون قرآنا أولا وقيل بين أن يكون آيه تامة اولا قال الإمام الغزالي والصحيح من الشافعي هو التردد الثاني وعن أحمدَ بنِ حنبلٍ في كونها آيةً كاملة وفي كونها من الفاتحة روايتان ذكرهما ابن الجوزي ونقل أنه مع مالك وغيره مما يقول أنها ليست من القرآن هذا والمشهور من هذه الأقاويل هي الثلاث الأُول والاتفاقُ على إثباتها في المصاحف مع الإجماع على أنَّ مَا بُينَ الدفتين كلام الله عز وجل يقضي وبنفي القول الأول وثبوت القدر المشترك بين الأخيرين من غير دلالة على خصوصية أحدهما فإن كونها جزأ من القرآن لا يستدعي كونها حزا من كل سورة منه كما لا يستدعي كونها آية منفردة منه وأمَّا ما رُوي عن ابنِ عباس رضي الله عنهما من أن مَنْ تركها فقد ترك مائة وأربعَ عشرةً آيةً من كتاب الله تعالى وما روي عن أبي هريرة من أنه صلى الله عليه وسلم قال فاتحةُ الكتاب سبعُ آيات اولا هن بسم الله الرحمن الرحيم وما روي عن أم سلمة من انه صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الفاتحة وعدَّ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد للَّهِ رَبّ العالمين آية وإن دل كلُ واحد منها على نفي القول الثاني فليس شيء منها نصاً في إثبات القولِ الثالث أما الأول فلأنه لا يدل إلا على كونها آياتٍ من كتاب الله تعالى متعددةً بعدد السور المصدرة بها لا على ما هو المطلوبُ من كونها آية تامة من كل واحدة منها إلا أن يُلْتجأ إلى أن يقال أن كونها آيةً متعددةً بعدد السور المصدرة بها من غير أن تكون جزأ منها قولٌ لم يقل به أحد وأما الثاني فساكت عن التعرض لحالها في بقية السور وأما الثالثُ فناطقٌ بخلافه مع مشاركته للثاني في السكوت المذكور والباء فيها متعلقةٌ بمضمر ينبئ عنه الفعلُ المصدَّرُ بها كما أنها كذلك في تسمية المسافر عند الحلول والارتحال وتسمية كل فاعل عند مباشرة الأفعال ومعناها الإستعانةُ أو الملابسةُ تبركاً أي باسم الله أقرأ أو أتلو وتقديم المعمول للإعتناء به والقصد إلى التخصيص كما في إياك نعبد وتقديرُ أبدأ لاقتضائه اقتصارَ التبرك على البداية مُخلّ بما هو المقصودُ أعني شمولَ البركة للكل وادعاءُ أن فيه امتثالاً بالحديث الشريف من جهة اللفظ والمعنى معاً وفي تقدير أقرأُ من جهة المعنى فقط ليس بشيء فإن مدارَ الامتثالِ هو البدءُ بالتسمية لا تقديرُ فعله إذ لم يقل في الحديث الكريم كلُّ أمرٍ ذي بال لم يُقَل فيه أو لم يُضْمَر فيه أَبدأُ وهذا إلى آخرِ السُّورةِ الكريمةِ مقولٌ على ألسنة العباد تلقيناً لهم وإرشاداً إلى كيفية التبرك باسمه تعالى وهدايةً إلى منهاج الحمد وسؤالِ الفضل ولذلك سُميت السورةُ الكريمة بما ذكر من تعليم المسألة وإنما كُسرت ومن حق الحروف المفردة أن تُفتَحَ لاختصاصها بلزوم الحرفية والجركما كسرت لامُ الأمر ولامُ الإضافة داخلةً على المُظْهَر للفصل بينهما وبين لام الابتداء والاسم عند البصريين من الأسماء المحذوفة الأعْجَاز المبنية الأوائل على السكون قد أُدخلت عليها عند الابتداء همزة لأن مِنْ دأبهم البدءَ بالمتحرِّك والوقفَ على الساكن ويشهد له تصريفُهم على أسماء وسُمَيٌّ وسمَّيتُ وسُميً كهُدىً لغة فيه قال واللَّه أسماكَ سُمى مباركا آثرك اللَّهُ به إيثاركا والقلبُ بعيدٌ غير مطرد واشتقاقه من السُمو لأنه رفعٌ للمُسمَّى وتنويهٌ له وعند الكوفيين من السِّمة وأصله وَسَمَ حذفت الواو وعوضت منها همزةُ الوصل ليقِلَّ إعلالُها ورد عليه لأن الهمزة لم تُعهَدْ داخلةً على ما حُذف صدرُه في كلامهم ومن لغاتهم سِمٌ وسُمٌ قال باسمِ الذي في كلِّ سورةٍ سِمُهْ وإنما لم يقل باللَّهِ للفرق بين اليمين والتيمُّن أو لتحقيق ما هو المقصود بالإستعانة ههنا فإنها تكون تارة بذاته تعالى وحقيقتها طلبُ المعونة على إيقاع
الفعل وإحداثه أي إفاضةُ القدرةِ المفسرةِ عند الأصوليين من أصحابنا بما يتمكن به العبدُ من أداء مالزِمه المنقسمةِ إلى ممكِنة وميسِّرة وهي المطلوبة بإياك نستعين وتارة أخرى باسمه عز وعلا وحقيقتها طلبُ المعونة في كون الفعل معتداً به شرعاً فإنه ما لم يُصَدَّر باسمهِ تعالى يكون بمنزلةِ المعدوم ولما كانت كل واحدة من الإستعانتين واقعةً وجب تعيينُ المراد بذكر الاسم وإلا فالمتبادَرُ من قولنا بالله عند الإطلاق لا سيما عند الوصف بالرحمن الرحيم هي الإستعانة الأولى إن قيل فليُحمل الباء على التبرك وليستَغْنَ عن ذكر الاسم لما أن التبرك لا يكون إلا به قلنا ذاك فرعُ كون المراد بالله هو الاسم وهل التشاجرُ إلا فيه فلا بد من ذكر الاسم لينقطعَ احتمالُ إرادة المسمَّى ويتَعَينُ حمل الباء على الإستعانة الثانية أو التبرك وإنما لم يكتب الألف لكثرة الإستعمال قالوا وطُوِّلتِ الباءُ عوضاً عنهاو {الله} أصله الإله فحذفت همزته على غير قياس كما يُنْبِىءُ عنه وجوب الإدغام وتعويض الألف واللام عنها حيث لزماه وجردا عن معنى التعريف ولذلك قيل يالله بالقطع فإن المحذوف القياسيَّ في حكم الثابت فلا يحتاج إلى التدارك بما ذُكِرَ من الإدغام والتعويض وقيل على قياس تخفيف الهمزة فيكون الإدغام والتعويض من خواص الاسم الجليل ليمتاز بذلك عما عداه امتياز مسمّاه عما سواه بمالا يوجد فيه من نعوت الكمال والإله في الأصل اسمُ جنسٍ يقع على كل معبود بحقٍ أو باطل أي مع قطع النظرِ عن وصف الحقية والبطلان لا مع اعتبارِ احدهما لا بعينه ثم غلب على المعبود بالحق كالنجم والصَّعِقْ وأما الله بحذف الهمزة فعلمٌ مختصٌّ بالمعبود بالحقِّ لم يطلق على غيره أصلاً واشتقاقه من الإلاهة والأُلوهَة والأُلوهِية بمعنى العبادة حسبما نص عليه الجوهري على أنه اسمٌ منها بمعنى المألوه كالكتاب لا على أنه صفة منها بدليل أنه يوصف ولا يوصف به حيث يُقال إله واحد ولا يُقال شيء إلهٌ كما يُقال كتاب مرقوم ولا يقال شيء كتاب والفرق بينهما أن الموضوع له في الصفة هو الذاتُ المبهمةُ باعتبار اتصافِها بمعنىً معيّنٍ وقيامِهِ بها فمدلولها مركبٌ من ذاتٍ مُبهمةٍ لم يُلاحظ معها خصوصية أصلاً ومِن معنىً معينٍ قائمٍ بها على أن مَلاك الأمرِ تلك الخصوصية فبأيِّ ذاتٍ يقومُ ذلك المعنى يصحّ إطلاقُ الصفة عليها كما في الأفعال ولذلك تَعْمَلُ عملها كاسمي الفاعلِ والمفعول والموضوع له في الاسم المذكور هو الذاتُ المعينة والمعنى الخاص فمدلوله مركب من ذَيْنِكَ المعنيين من غيرِ رجحانٍ للمنى على الذات كما في الصفة ولذلك لم يعمل عملها وقيل اشتقاقه من إلِهَ بمعنى تحير لأنه سبحانه يحارُ في شأنه العقول والأفهام وأما أَلَهَ كعَبَدَ وزناً ومعنىً فمشتق من الإلَه المشتق من إلِهَ بالكسر وكذا تألَّه واستَأْلَه اشتقاق استنوق واستحجر من الناقة والحَجَر وقيل من أَلِهَ إلى فلان أي سكن إليه لاطمئنان القلوب بذكره تعالى وسكون الأرواح إلى معرفته وقيل من أَلِهَ إذا فزِع من أمرٍ نزل به وآلَهَهُ غيرُه إذا أجاره إذ العائذُ به تعالى يفزَع إليه وهو يُجيره حقيقة أو في زعمه وقيل أصله لاهٌ على أنه مصدرٌ من لاهَ يَلِيهُ بمعنى احتجب وارتفع أطلق على الفاعل مبالغة وقيل هو اسمُ علمٍ للذات الجليل ابتداء وعليه مدار أمر التوحيد في قولنا لا إله إلَاّ الله ولا يخفى أن اختصاصَ الاسم الجليل بذاته سبحانه بحيث لا يمكن إطلاقُه على غيره أصلاً كافٍ في ذلك ولا يقدَح فيه كونُ ذلك الاختصاصِ بطريق الغَلَبة بعد أن كان اسمَ جنسٍ في الأصل وقيل هو وصف الأصل لكنه لما
غلب عليه بحيث لا يطلق على غيره أصلا صار كالعلم ويردّه امتناعُ الوصف به وأعلم أن المراد بالمنَكَّر في كلمة التوحيد هو المعبودُ بالحق فمعناها لافرادَ من أفراد المعبود بالحق إلا ذلك المعبودُ بالحق وقيل أصلُه لَاهَا بالسريانية فعُرِّب بحذف الألف الثانية وإدخال الألف واللام عليه وتفخيم لامه إذا لم ينكسر ما قبله سنة وقيل مطلقاً وحذفُ ألفِه لحنٌ تفسد به الصلاة ولا ينعقد به صريحُ اليمين وقد جاء لضرورة الشعر في قوله ألا لا بارك اللَّهُ في سُهيل إذا ما اللَّهُ باركَ في الرجال{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} صفتان مبنيتان من رَحِمَ بعد جعله لازماً بمنزلة الغرائز بنقله إلى رَحُمَ بالضمِّ كما هُوَ المشهورُ وقد قيل إن الرحيم ليس بصفة مشبَّهة بل هي صيغة مبالغة نص عليه سِيبَويه في قولهم هو رحيمٌ فلاناً والرحمة في اللغة رقة القلب والانعطاف ومنه الرَّحِمُ لانعطافها على ما فيها والمراد ههنا التفضل والإحسان وإرادتهما بطريق إطلاقِ اسمِ السبب بالنسبة إلينا على مسَبّبِهِ البعيد أو القريب فإنَّ أسماء الله تعالى تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادىء التي هي انفعالات والأولُ من الصفات الغالبة حيث لم يطلق على غيره تعالى وإنما امتنع صرفُه إلحاقاً له بالأغلب في بابه من غير نظر الى الاختصاص العارض فإنه كما حظِر وجود فعلى حُظِر وجود فعلانة فاعتبارُه يوجب اجتماعَ الصرف وعدمَه فلزم الرجوع إلى أصل هذه الكلمة قبل الاختصاص بأن تقاس إلى نظائرها من باب فعل يفعل فإذا كان كلها ممنوعة من الصرف لتحقق وجود فَعْلى فيها علم أن هذه الكلمة أيضاً في أصلها مما تحقق فيها وجود فعلى فتُمنع من الصرف وفيه من المبالغة ما ليس في الرحيم ولذلك قيل يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا وتقديمه مع كون القياسِ تأخيرَه رعايةً لأسلوب الترقي إلى الأعلى كما في قولهم فلانٌ عالمٌ نِحْرير وشجاعٌ باسل وجَوَادٌ فيَّاض لأنه باختصاصه به عز وجل صار حقيقاً بأن يكون قريناً للاسم الجليل الخاص به تعالى ولأن ما يدل على جلائل النعم وعظائمها وأصولها أحقُّ بالتقديم مما يدل على دقائقها وفروعها وإفراد الوصفين الشريفين بالذكر لتحريك سلسلة الرحمة
من قبيل التعلق بواسطة الجارّ المناسب له فإن قولَكَ أعنتُه مشعرٌ بانتهاء الإعانةِ إليه وقولك استعنتُه بابتدائها منه وقد يكون لفعلٍ واحدٍ مفعولان يتعلق بأحدهما على الكيفية الأولى وبالآخَرِ على الثانية أو الثالثة كما في قولك حدثني الحديث وسألني المالَ فإن التحديثَ مع كونه فعلاً واحداً قد تعلّقَ بك على الكيفية الثانية وبالحديث على الأولى وكذا السؤال فإنه فعل واحد وقد تعلّق بك على الكيفية الثالثة وبالمال على الأولى ولا ريب في أن اختلافَ هذه الكيفيات الثلاثِ وتبايُنَها واختصاصَ كلَ من المفاعيلِ المذكورةِ بما نُسِبَ إليه منها مما لا يُتصور فيه تردُّدٌ ولا نَكيرٌ وإن كان لا يتضحُ حقَّ الاتضاح إلا عند الترجمة والتفسير وإن مدارَ ذلك الاختلاف ليس إلا اختلافَ الفعل أو اختلاف المفعول وإذ لاختلاف في مفعول الحمد والمدح تَعَيَّنَ أن اختلافهما في كيفيةِ التعلق لاختلافهما في المعنى قطعاً هذا وقد قيلَ المدحُ مطلقٌ عن قيدِ الإختيار يُقال مدحتُ زيداً على حُسْنِهِ ورشاقةِ قَدِّهِ وأيًّاما كان فليس بينهما ترادفٌ بل أُخوّةٌ من جهةِ الاشتقاق الكبير وتناسبٌ تام في المعنى كالنصر والتأييد فإنهما متناسبان معنىً من غير ترادفٍ لما ترى بينهما من الاختلاف في كيفية التعلق بالمفعول وإنما مرادفُ النصر الإعانة ومرادف التأييد التقوية فتدبر ثم أن ما ذُكِرَ من التفسير هو المشهورُ من معنى الحمد واللائق بالإدارة في مقام التعظيم وأما ما ذُكِرَ في كُتُبِ اللغةِ من معنى الرضى مطلقاً كما في قوله تعالى عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا وفي قولهم لهذا الأمر عاقبةٌ حميدةٌ وفي قول الأطباء بُحْرَانٌ محمود مما لا يختص بالفاعل فضلاً عن الإختيار فبمعزل عن استحقاق الإرادة ههنا استقلالاً أو استتباعاً بحملِ الحمدِ على ما يعم المعنيين إذ ليس في إثباته له عز وجل فائدةٌ يُعْتَدُ بها وأما الشكْرُ فهو مقابلة النعمة بالثناء وآداب الجوارح وعقدُ القلبِ على وصفِ المنعم بنعت الكمال كما قال من قال أفادتكم النَّعْمَاءُ مني ثلاثة يدي ولساني والضميرَ المُحجبا فإذن هو أعمُّ منهما من جهة وأخص من أخرى ونقيضُهُ الكفران ولما كان الحمد من بين شُعَبِ الشكر أَدْخَلَ في إشاعةِ النعمةِ والاعتدادِ بشأنِها وأدلَّ على مكانها لِما في عمل القلب من الخفاء وفي أعمال الجوارحِ من الاحتمال جُعِلَ الحمدُ رأسَ الشكر ومِلاكاً لأمره في قوله صلى الله عليه وسلم الحمدُ رأسُ الشُّكرِ ما شكر الله عبده لم يحمدْهُ وارتفاعُهُ بالابتداء وخبرُه الظرف وأصلُه النَصْبُ كما هو شأن المصادر المنصوبة بأفعالها المُضمرة التي لا تكاد تُستعمل معها نحو شُكراً وعجباً كأنه قيل نحمد الله حمداً بنون الحكاية ليوافق ما في قوله تعالى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لاتحاد الفاعل في الكل وأما ما قيل من أنه بيانٌ لحمدِهم له تعالى كأنَّهُ قيل كيف تحمَدون فقيل إياكَ نعبد فمع أنه لا حاجة إليه مما لا صحةَ له في نفسِهِ فإنَّ السؤالَ المقدرَ لا بدَّ أنْ يكون بحيثُ يقتضيهِ انتظامُ الكلامِ وينساقُ إليه الأذهانُ والأفهام ولاريب في أن الحامد بعد ما ساق حمده تعالى على تلك الكيفيةِ اللائقةِ لا يخطر ببال أحد أن يسألَ عن كيفيتهِ على أنَّ ما قُدِرَ من السؤال غيرُ مطابقٍ للجواب فإنه مسوقٌ لتعيين المعبود لا لبيان العبادة حتى يُتَوَهم كونُه بياناً لكيفية حمدهم والاعتذارُ بأن المعنى نخصك بالعبادة وبه يتبين كيفيةُ الحمد تعكيسٌ للأمرِ وتَمَحّلٌ لتوفيق المُنَّزَل المقرَّرِ بالموهومِ المُقدّر وبعدَ اللينا والتي أنْ فُرِضَ السؤال من جهته عز وجل فأتَتْ نُكْتَت الإلتفاتِ التي أجمع عليها السلف والخلف وإن فُرِضَ من جهةِ الغيرِ يختلُ النظام لابتناءِ الجوابِ على خطابِهِ تعالى
وبهذا يتضحُ فسادَ ما قيل أنه استئنافٌ جواباً لسؤال يقتضيه إجراءُ تلك الصفات العظامِ على الموصوف بها فكأنه قيل ما شأنُكم معه وكيف توجُّهكم إليه فأجيب بحصْر العبادة والاستعانة فيه فإن تناسِيَ جانبِ السائل بالكلية وبناءَ الجواب على خِطابه عز وعلا مما يجب تنزيهُ ساحةِ التنزيلِ عن أمثاله والحقُّ الذي لا محيدَ عنه أنَّهُ استئنافٌ صدرَ عن الحامد بمحضِ ملاحظةِ اتصافِهِ تعالى بما ذُكِرَ من النعوتِ الجليلةِ الموجبة للإقبال الكليّ عليه من غير أن يتوسط هناك شيء آخرُ كما ستحيطُ به خبرا أو إيثار الرفعِ على النصب الذي هو الأصلُ للإيذان بأن ثبوتَ الحمد له تعالى لذاته لا لإثبات مُثبت وأن ذلك أمرٌ دائمٌ مستمرٌ لا حادثٌ متجددٌ كما تفيده قراءةُ النصب وهو السر في كون تحية الخليل للملائكة عليهم التحيةُ والسَّلامُ أحسنَ منْ تحيتهم له في قولِه تعالَى قَالُواْ سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ وتعريفُه للجنس ومعناه الإشارةُ إلى الحقيقة من حيث هي حاضرةٌ في ذهن السامع والمراد تخصيصُ حقيقةِ الحمدِ به تعالى المستدعي لتخصيص جميعِ أفرادِها به سبحانه على الطريق البرهاني لكنْ لا بناءً عَلى أن أفعال العبادِ مخلوقةٌ له تعالى فتكونَ الأفرادُ الواقعة بمقابلة ما صدرَ عنهُم من الأفعال الجميلة راجعةً إليه تعالى بل بناءً على تنزيل تلك الأفراد ودواعيها في المقام الخطابيّ منزلةَ العدم كيفاً وكماً وقد قيل للإستغراق الحاصل بالقصد إلى الحقيقة من حيث تحققُها في ضمن جميع أفرادها حسبما يقتضيه المقام وقرئ الحمدُ لُلَّهِ بكسر الدال إتباعاً لها باللام وبضم اللام إتباعاً لها بالدال بناء على تنزيل الكلمتين لكثرة استعمالهما مقترنتين منزلة كلمةٍ واحدة مثل المِغِيرة ومُنْحَدُرُ الجبل{رَبّ العالمين} بالجر على أنه صفةٌ لله فإن إضافته حقيقيةً مفيدةٌ للتعريف على كل حال ضرورةَ تعيُّن إرادة الاستمرار وقرئ منصوباً على المدح أو بما دلَّ عليهِ الجملةُ السابقة كأنه قيل نحمد الله ربَّ العالمين ولا مساغَ لنصبه بالحمد لقلة أعمال المصدر المُحلى باللام وللزوم الفصل بين العامل والمعمول بالخبر والرب في الأصل مصدرٌ بمعنى التربية وهي تبليغُ الشئ إلى كمالِه شيئاً فشيئاً وُصف به الفاعل مبالغة كالعدل وقيل صفة مشبهة من ربَّه يرُبُّه مثل نمَّه يُنمُّه بعد جعله لازماً بنقله إلى فعُل بالضمِّ كما هو المشهور سُمّي به المالكُ لأنه يحفظ ما يملِكه ويربيه ولا يطلق على غيره تعالى إلا مقيد كربُّ الدار وربُّ الدابة ومنه قوله تعالى فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وقوله تعالى ارْجِعْ إِلَى رَبّكَ وما في الصحيحين من أنه صلى الله عليه وسلم قال لا يَقُل أحدُكم أطعم ربك وضئ ربَّك ولا يَقُلْ أحدُكم ربِّي ولْيَقُل سَيّدي ومولاي فقد قيل إن النهيَ فيه للتنزيه وأما الأ رباب فحيث لم يكن إطلاقُه على الله سبحانه جاز في إطلاقه الإطلاق والتقييد كما في قوله تعالى أأرباب متفرقون خير الآية والعالم اسمٌ لما يُعْلَم به كالخاتَم والقالَب غلب فيما يُعْلَم به الصانعُ تعالى من المصنوعات أي في القَدْرِ المشترك بين أجناسها وبين مجموعِها فإنه كما يُطلق على كل جنسٍ جنسٌ منها في قولهم عالم الأفلاك وعالمُ العناصر وعالمُ النبات وعالم الحيوان إلى غير ذلك يطلق على المجموع أيضاً كما في قولنا العالم بجميع أجزائه مُحْدَث وقيل هو اسم لأولي العلم من الملائكة والثقلين وتناولُه لما سواهم بطريق الاستتباع وقيل أريد به الناسُ فقط فإنَّ كلَّ واحدٍ منهم من حيث اشتمالُه على نظائِر ما في العالم الكبير من الجواهر والأعراض يُعلم بها الصانع كما يعلم بما فيه عالَم على حِيالِه ولذلك أمُر بالنظر في الأنفس كالنظر في الآفاق فقيل وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ والأول هو الأحق الأظهر وإيثارُ صيغة الجمع لبيان شمول ربوبيته تعالى لجميع
الأجناس والتعريفُ لاستغراق أفراد كلَ منها بأسرها إذ لو أفرد لربما تُوهِّم أن المقصود بالتعريف هو الحقيقة من حيث هي أو استغراقُ أفرادِ جنسٍ واحد على الوجه الذي أشير إليه في تعريف الحمد وحيث صح ذلك بمساعدة التعريف نُزِّلَ العالم وإن لم ينطلق على آحاد مدلوله منزلة الجمع حتى قيل إنه جمع لا واحد له من لفظه فكما أن الجمعَ المعَرَّفَ يستغرق آحادَ مُفرَدِه وإن لم يصدُقْ عليها كما في مثلِ قولِه تعالى وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ أي كلَّ محسن كذلك العالمُ يشملُ أفرادَ الجنسِ المسمَّى به وإن لم ينطلق عليها كأنها آحادُ مفردِه التقديريّ ومن قضية هذا التنزيلِ تنزيلُ جمعِه منزلةَ جمعِ الجمع فكما أن الأقاويل يتناول كلَّ واحد من آحادِ الأقوال يتناول لفظُ العالمين كلَّ واحد من آحادِ الجناس التي لا تكاد تُحصى روي عن وهْب ابن منبه أنه قال لله تعالى ثمانيةَ عشرَ ألفَ عالَم والدنيا عالم منها وإنما جُمِع بالواو والنون مع اختصاصِ ذلك بصفاتِ العُقلاء وما في حكمها من الأعلام لدلالته على معنى العَلَم مع اعتبار تغليبِ العقلاء على غيرهم واعلم ان عدم انطلاق اسم العالَم على كل واحدٍ من تلك الآحادِ ليس الاباعتبار الغلبة والاصطلاح واما باعتبارالاصل فلا ريب في صحة الاطلاق قطعا لتحقيق المصداقِ حتماً فإنه كما يُستدل على الله سبحانه بمجموع ما سواه وبكل جنسٍ من أجناسِه يُستدل عليه تعالى بكل جزءٍ من أجزاءِ ذلكَ المجموع وبكل فردٍ من أفراد تلك الأجناس لتحقّق الحاجةِ إلى المؤثِّر الواجب لذاته في الكُلِّ فإنَّ كل ما ظهرَ في المظاهر مما عزو هان وحضَرَ في هذه المحاضر كائناً ما كان دليلٌ لائحٌ على الصانع المجيد وسبيلٌ واضحٌ إلى عالم التوحيد وأما شمولُ ربوبيته عز وجل للكل فما لا حاجةَ إلى بيانه إذ لا شيءَ مما أحدق به نطاقُ الإمكان والوجود من العُلويات والسُفليات والمجرّدات والماديات والروحانيات والجسمانيات إلا وهو في حدّ ذاته بحيث لو فُرض انقطاعُ آثارِ التربية عنه آناً واحداً لما استقر له القَرار ولا اطمأنت به الدار إلا في مطمورة العدم ومهاوي البوار لكن يُفيضُ عليه من الجناب الأقدس تعالى شأنُه وتقدّس في كل زمانٍ يمضي وكل آنٍ يمرّ وينقضي من فنون الفيوضِ المتعلقةِ بذاته ووجودِه وصفاتِه وكمالاته ما لا يحيطُ به فَلَكُ التعبير ولا يعلمُه إلا العليمُ الخبيرُ ضرورةَ أنه كما لا يستحق شيءٌ من الممكنات بذاتِه الوجودَ ابتداءً لا يستحقه بقاءً وإنما ذلك من جناب المُبدأ الأول عز وعلا فكما لا يُتصور وجودُه ابتداءً ما لم ينسدَّ عليه جميعُ أنحاءِ عدمِه الأصلي لا يتصور بقاؤُه على الوجود بعد تحققِه بعِلَّته ما لم ينسدَّ عليه جميعُ أنحاءِ عدمِه الطارىء لما أن الدوام من خصائص الوجودِ الواجبي وظاهرٌ أن ما يتوقف عليه وجودُه من الأمور الوجودية التي هي عِلَلُهُ وشرائِطُه وإن كانت متناهيةً لوجوب تناهي ما دخلَ تحتَ الوجود لكنِ الأمورُ العدميةُ التي لها دخلٌ في وجوده وهي المعبَّر عنها بارتفاع الموانع ليست كذلك إذْ لا استحالةَ في أن يكون لشيءٍ واحدٍ موانعُ غيرُ متناهية يتوقف وجودُه أو بقاؤه على ارتفاعها أي بقائها على العدم مع إمكان وجودها في نفسها فإبقاءُ تلك الموانِع التي لا تتناهى على العدم تربيةٌ لذلك الشيءِ من وجوهٍ غيرِ متناهية وبالجملة فآثار تربيته عز وجل الفائضةُ على كلَّ فردٍ من أفراد الموجودات في كلِّ آنٍ من آنات الوجود غيرُ متناهية فسبحانه سبحانه ما اعظم سلطانه لا تلاحظه العيونُ بأنظارها ولا تطالعُه العقولُ بأفكارها شأنُه لا يُضاهى وإحسانُه لا يتناهى ونحن في معرفته حائِرون وفي إقامة مراسمِ شكرِه قاصرون نسألك اللهم الهدايةَ
إلى مناهج معرفتِك والتوفيقَ لأداء حقوقِ نعمتك لا نُحصي ثناءً عليك لا إله إلا أنت نستغفرُك ونتوب إليك