تفسير ابن رجب الحنبلي (ابن رجب الحنبلي)القسم: التفسيرالكتاب: روائع التفسير (الجامع لتفسير الإمام ابن رجب الحنبلي)المؤلف: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (ت ٧٩٥هـ)جمع وترتيب: أبي معاذ طارق بن عوض الله بن محمدالناشر: دار العاصمة - المملكة العربية السعوديةالطبعة: الأولى ١٤٢٢ - ٢٠٠١ معدد الأجزاء: ٢[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
سُورَةُ المؤمِنُونَقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)قد مدح اللَّه الخاشعينَ في صلاتِهِم، فقال: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) .وقال: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) .رُوي عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، قال: هو الخشوعُ في القلبِ، وأن تلينَكنفكَ للمسلم، وأن لا تلتفتَ في صلاتِك.وعنه قال: الخشوعُ خُشُوعُ القلبِ، وأن لا تلتفتَ يمينًا ولا شمالا.وعن ابنِ عباسٍ قال: (خاشعون) : خائفونَ ساكنون.وعنِ الحسنِ قال: كان الخشوعُ في قلوبِهِم، فغضُّوا له البصرَ، وخفضُواله الجناح.وعن مجاهدٍ قال: هو الخشوعُ في القلبِ، والسكونُ في الصلاةِ.وعنه قال: هو خفضُ الجناح وغضُّ البصرِ، وكان المسلمون إذا قامَ أحدُهُمفي الصلاةِ خافَ ربَّه أن يلتفتَ عن يمينِهِ أو شمالِهِ.
وعنه قالَ: العلماءُ إذا قامَ أحدُهم في الصلاةِ هابَ الرحمنَ عز وجل أنيشذ نظرُهُ، أو يلتفتَ، أو يقلِّب الحصى، أو يعبثَ بشيء، أو يحدثَ نفسَهُبشيءٍ من الدنيا، إلا ناسيًا، ما دامَ في صلاتِهِ.وعن الزهريِّ قال: هو سكونُ العبدِ في صلاتِهِ.وعن سعيدِ بن جبير، قال: يعني: متواضعينَ، لا يعرفُ مَن عن يمينِهِ.ولا مَن عنْ شمالِهِ ولا يلتفتُ من الخشوعُ للَّه عز وجل.ورُوي عن حذيفةَ أنه رأى رجلاً يعبثُ في صلاتِهِ، فقالَ: لو خشعُ قلبُهذا لخشعتْ جوارحُهُ.ورُوي عن ابنِ المسيبِ.ورُوي مرسلا.فأصلُ الخشوع: هو خشوعُ القلبِ، وهو انكسارُهُ للَّه، وخضوعة وسكونُهُعن التفاتِهِ إلى غيرِ مَنْ هو بينَ يديهِ، فإذا خشعَ القلبُ خشعتِ الجوارحُ كلُّهاتبعًا لخشوعِهِ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقولُ في ركوعِهِ: "خشع لك سمعي، وبصري، ومخّي، وعظامي، وما استقل به قدَمِي ".ومن جملةِ خشوع الجوارح: خشوعُ البصرِ أن يلتفتَ عن يمينِهِ أويسارِهِ.
وقال ابنُ سيرين: كان رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يلتفتُ في الصلاةِ عن يمينِهِ وعن يساره، فأنزلَ اللَّه تعالى: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) ، فخشعَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولم يكنْ يلتفتْ يمنةً ولا يسرةً.وخرَّجهُ الطبرانيُّ من روايةِ ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرة.والمرسلُ أصحُّ.* * *إنَّ اللَّه سبحانه وتعالى مدحَ في كتابِهِ المخبتينَ لَهُ، والمُنْكَسِرِينَ لَعظَمتِهِ.والخاضعينَ.فقالَ تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) .وقالَ تعالى: (وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ) إلى قوله: (أَعَدَّ اللَهُ لَهُم مَغْفرَةً وَأَجرًاعَظِيمًا) .ووصفَ المؤمنينَ بالخشوع لهُ في أشرفِ عباداتهِم التَّي هُم علَيْهَا يحافظونَ.فقال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) .ووصفَ الذين أُوتوا العلمَ بالخشوع، حيثُ يكونُ كلامُه لهم مسموعًا.فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩) .
وأصلُ الخشوع هو: لينُ القلبِ ورِقَتُه وسكونُه وخشوعُه وانكسارُهوحرقتُه، فإذا خشعَ القلبُ تبعهُ خشوعُ جميع الجوارح والأعضاءِ لأنَّها تابعةله، كما قال صلى الله عليه وسلم:"ألا إنَّ في الجسد مُضْغَة، إذا صلحتْ صلحَ الجسدُ كلُّه، وإذافسدتْ فسدَ الجسدُ كلّه، ألا وهي القلبُ ".فإذا خشعَ القلبُ، خشعَ السمعُ والبصرُ والرأسُ والوجهُ وسائرُ الأعضاءِوما ينشأُ مِنْها حتى الكلامِ.ولهذا كانُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقولُ في ركوعِه في الصلاة:"خشعَ لك سمعِي وبصرِي ومُخي وعظامِي ".وفي روايةٍ: "وما استقل به قدَمي ".ورأى بعضُ السَّلَفِ رجلاً يعبثُ بيده في صلاتِه فقالَ: لو خشعَ قلبُ هذالخشعتْ جوارِحُه.ورُويَ ذلك عن حُذيفة رضي الله عنه وسعيدِ بنِ المسيِّبِ.ويُروى مرفوعًابإسنادٍ لا يصح.قال المسعوديُّ عن أبي سناد عمَّن حدَّثه عن علي بنِ أبي طالمب رضي الله عنه في قولِهِ تعالى: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) .قال: هوَ الخشوعُ في القلبِ وأن تُلينَ كنفكَ للمرءِ المسلم وأن لا تلتفتَ في صلاتكِ.
وقال عطاءُ بنُ السائبِ عن رجلٍ عن عليٍّ رضي الله عنه:"الخشوع: خشوعُ القلبِ، وأن لا يلتفتَ يمينًا وشمالاً".وقال: عن علي بنِ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما في قوله تعالى::(الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشعُونَ) .قال: خائفونَ ساكِنون.وقال ابنُ شَوْذب عن الحسنِ - رحمه اللَّه تعالى -:"كان الخشوعُ في قلوبِهِم فغضوا له البصرَ وخفضوا له الجَناحَ ".وقال منصور عن مجاهدٍ: هو الخشوعُ في القلبِ، والسكونُ فيالصلاة.وقال ليث عن مجاهدٍ: من ذلك: خفضُ الجناح، وغضُّ البصرِ، وكانَالمسلمونَ إذا قامَ أحدُهم إلى الصلاةِ خافَ ربه أن يلتفتَ عن يمينهِ أوشماله.وقال عطاءٌ الخراسانيُّ: الخشوعُ: خشوعُ القلبِ والطَّرْفِ.وقال الزهريُّ: هو سكونُ العبدِ في صلاتهِ.وعن قتادةَ قال: الخشوعُ في القلبِ هو الخوفُ وغضُّ البصرِ في الصلاةِ.وقال ابنُ أبي نَجيح عن مجاهدٍ - رحمه اللَّه تعالى - في قولهِ تعالى:(وَكانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) قال: متواضِعينَ.
وقد وصَف اللَّهُ تعالى في كتابِهِ الأرضَ بالخشوع فقالَ: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) ، فاهتزازُهَاوربوُّها - وهو ارتفاعُها - مُزيلٌ لخشوعِهَا، فدَلَّ على أنَّ الخشوعَ الذي كانتْ عليه هو سكونُها وانخفاضُها.وكذلك القلبُ إذا خَشَعَ فإنَّه يَسْكُنُ خواطرُهُ وإرادتُه الرديئةُ التي تنشأُ عناتِّباع الهَوى، وينكسرُ ويخضعُ للَّه عز وجل، فيزول بذلك ما كانَ فيه منالبَأْوِ والترفع والتعاظُم والتكبُّرِ، ومتى سكَنَ ذلكَ في القلبِ خشعتِالأعضاءُ والجوارحُ والحركاتُ كلُّها حتى الصَّوتُ.وقد وصفَ اللَّهُ تعالَى الأصواتَ بالخشوع في قوله: (وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُلِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَاّ هَمْسًا) ، فخشوعُ الأصواتِ هو سكونُهاوانخفاضُها بعد ارتفاعِهَا.وكذلكَ وصفَ وجوهَ الكُفارِ وأبصارَهم في يومِ القيامةِ بالخشوع، فدلذلك على دخولِ الخشوع في هذه الأعضاءِ كلِّها.ومتى تكلَّف الإنسانُ تعَاطي الخشوع في جوارحِهِ وأطرافِه مع فراغ قلبهِ منالخشوع وخُلوه منه كانَ ذلك خشوعَ نفاقٍ، وهو الذي كانَ السلف يستعيذونَ منه، كما قالَ بعضُهم: استعيذوا باللَّهِ من خشوع النفاقِ.قالوا: وما خشوعُ النفاقِ؟قال: أن يُرى الجسَدُ خاشعًا والقلبُ ليس بخاشع.ونظر عمُر رضي الله عنه إلى شابٍّ قد نكسَ رأسَه، فقالَ له: يا هذا، ارفعْ
رأسكَ، فإنَّ الخشوعَ لا يزيدُ على ما في القلبِ.فمن أظهَر للناسِ خشوعًا فوقَ ما في قلبِهِ فإنَّما هو نفاقٌ على نفاقٍ.وأصلُ الخشوع الحاصلُ في القلبِ، إنَّما هوَ من معرفةِ اللَّه، ومعرفةِعظمتِهِ وجلاِلهِ وكمالِهِ، فمن كانَ باللَّه أعرفَ كانَ له أخشعَ.وتتفاوتُ القلوبُ في الخشوع بحَسبِ تفاوُتِ معرفَتِهَا لمن خشعت.وبحسبِ تفاوتِ مشاهدةِ القلوبِ للصفاتِ المقتضيةِ للخشوع، فمِنْ خاشعلقوةِ مُطالعتهِ قُربَ اللَّهِ من عبدِهِ واطَلاعِهِ على سِرِّه وضميرِه المقتضيللاستحياءِ من اللَّهِ تعالى ومراقبتهِ في الحركاتِ والسكناتِ، ومن خاشعلمطالعتِه لجلالِ اللَّه وعظمتهِ وكبريائهِ المقتضي لهيبتهِ، ومن خاشعِ لمطالعتهِلكمالهِ وجمالهِ المقتضِي للاستغراقِ في محبتهِ والشوقِ إلى لقائهِ ورويتهِ، ومنخاشع لمُطالعتهِ شدَّةَ بطشِه وانتقامِه وعقابِه المقتضِي للخوفِ منهُ.وهو سبحانه وتعالى جابِرُ القلوبِ المنكسرةِ لأجلِه فهو سبحانه وتعالىيتقرّبُ من القلوبِ الخاشعةِ له كما يتقربُ ممن يناجيهِ في الصلاةِ، وممَّن يعفِّرُله وَجْهَهُ في الترابِ بالسجودِ.وكما يتقربُ من وفدِهِ وزوارِ بيتهِ الواقفينَ بين يديه المتضرعينَ إليه فيالوقوفِ بعرفةَ ويدنُو ويباهِي بهم الملائكةَ.وكما يتقربُ من عبادِهِ الدائبينَ له، السائليَن له، المستغفريَن من ذنوبهِمبالأسحارِ، ويجيبُ دعاءَهم ويعطِيهم سؤالَهم.ولا جبَر لانكسارِ العبدِ أعظمُ من القربِ والإجابةِ.
روى الإمامُ أحمدُ - رحمه اللَّه تعالى - في كتابِ "الزهد" بإسنادِهِ عنعمرانَ القصير قال: "قال موسى بنُ عمرانَ عليه السلام:أي ربِّ أين أبغيكَ؟قال: ابغِني عندَ المنكسرةِ قلوبُهم، إنَّي أدنو منهُم كل يومٍ باعًا، ولولاذلكَ لانهدمُوا".وروى إبراهيمُ بن الجُنَيد - رحمه اللَّه تعالى - في كتابِ "المحبةِ": عنجعفر بنِ سليمانَ قال: سمعتُ مالكَ بنَ دينار يقول: "قال موسى - عليهالسلام -: إلهي أين أبغيكَ؟ فأوحَى اللَّهُ عز وجل إليه: أن يا موسى ابغنيعند المنكسرةِ قلوبُهم، فإني أدنُو منهم في كلِّ يومٍ وليلةٍ باعًا ولولا ذلكلانهدمُوا، قال جعفر: فقلتُ لمالكِ بن دينار: كيف المنكسرةُ قلوبُهم؟فقال: سألتُ الذي قرأ في الكتب فقال: سألتُ الذي سألَ عبد الله بن سلامفقال: سألت عبدَ اللَّهِ بنَ سلامِ عن المنكسرةِ قلوبُهم ما يعني؟قال: المنكسرةُ قلوبُهم بحبِّ اللهِ عز وجل عن حبِّ غيرهِ ".وقد جاءَ في السنةِ الصحيحةِ ما يشهدُ لقربِ اللَّهِ من القلبِ المنكسرِ ببلائِهِالصابِرِ على قضائِهِ أو الراضِي بذلكَ، كما في "صحيح مسلم " عن أبيهريرةَ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:"يقولُ اللَّه عز وجل يومَ القيامةِ: يا ابنَ آدمَ مرضتُ فلمتَعُدْني، قال: يا رب كيف أعودُك وأنتَ رب العالمينَ؟قال: أمَا علمتَ أن عبدي فُلانًا مرضَ فلم تَعُدْه، أما عِلمْت أنَّكَ لو عُدتَهُ لوجَدْتني عندَهُ ".وروى - أبو نُعيمٍ من طريقِ ضمرةَ عن ابن شَوْذب قال: "أوحى اللَّهُ تعالى
إلى موسَى عليه السلام: أتدرِي لأيِّ شيءٍ اصطفيتُكَ على الناسِبرسالاتِي وبكلامِي؟قال: لا يا ربِّ! قال: لأنه لم يتواضع لي أحد تواضُعَكَ ".وهذا الخشوعُ هو العلمُ النافعُ، وهو أولُ ما يُرفعُ من العلم.خرَّج النَّسائيُّ من حديثِ جُبَيرِ بن نفيرٍ رضي الله عنه عن عَوْفِ بن مالكٍ رضي الله عنه عن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نظرَ إلى السماءِ يومًا وقال: "هذا أوانُ يرفعُ العلمُ " فقال رجلمن الأنصارِ - يُقالُ له: زيادُ بن لَبيد -: يا رسولَ اللَّه: ويُرْفَعُ العلم وقد أُثبتَ وَوَعَتْهُ القُلوبُ؟فقال له رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم:"إنْ كنتُ لأحسبكَ من أفقهِ أهلِ المدينةِ"وذكرَ ضلالةَ اليهودِ والنصارَى على ما في أيديهم من كتابِ اللَّهِ عز وجل.قال: فلقيتُ شدَّاد بنَ أوسٍ فحدثتُه بحديثِ عوفِ بن مالكٍ، فقال: صدقَعوف، ألا أخبرُكَ بأولِ ذلك يُرفع؟قلتُ: بلى، قالَ: الخشوعُ، حتَّى لا ترى خاشعًا.وخَرَّجه الترمذيُّ من حديثِ جبيرِ بن نفيرٍ عن أبي الدرداءَ عن النبيصلى الله عليه وسلم بنحوِه، وفي آخره: قال جبير: فلقيتُ عبادةَ بنَ الصامتِ، فقلتُ: ألا تسمعُ ما يقولُ أخوك أبو الدرداء - فأخبرتُه بالذي قال؟قال: صدقَ أبو الدرداء، لو شئتَ لحدثتك بأول علم يُرفع من الناسِ: الخشوعُ، يوشكُ أن تدخلَ مسجدَ الجامع فلا تَرى فيه رجُلاً خاشِعًا.
وقد قيل: إن روايةَ النسائيَ أرجحُ.وقد روى سعيدُ بنُ بشيرٍ عن قتادةَ عن الحسنِ - رحمه اللَّه تعالى - عنشدَّادِ بنِ أوسٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أولُ ما يرفعُ من الناسِ الخشوعُ " فذكره.ورواه أبو بكرِ بنِ أبي مريمَ عن ضمرةَ بنِ حبيبٍ مُرسلاً.ورُوي نحوه عن حذيفةَ من قولهِ.فالعلمُ النافعُ هو ما باشرَ القلوبَ فأوجبَ لها السكينةَ والخشية والإخباتَللَّه والتواضعَ والانكسارَ له، وإذا لم يباشر القلبَ ذلك من العلم؛ وإنما كانَعلى اللسانِ فهو حُجَّةُ اللَّهِ على ابنِ آدمَ يقومُ على صاحبهِ وغيرهِ، كما قالابنُ مسعود رضي الله عنه: "إنَّ أقوامًا يقرأونَ القرآنَ لا يُجاوزُ تراقيهِم، ولكن إذا وقعَ في القلبِ فَرَسَخ فيه نَفَع " خرَّجه مسلم.وقالَ الحسنُ - رحمه اللَّه تعالى -: العلمُ عِلمانِ: علمٌ باللسان وعلمبالقلبِ، فعلمُ القلبِ: هو العلمُ النافعُ، وعلمُ اللسانِ: هو حجة اللًّهِ علىابنِ آدمَ.ورُويَ عن الحسنِ - رحمه اللَّه تعالى - مرسلاً عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ورويَ عنه عن جابرٍ رضي الله عنه مرفوعًا، وعنه عن أنسٍ رضي الله عنه مرفوعًا، ولا يصحُّ وصلُه.فأخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن العلمَ عندَ أهلِ الكتابَينِ من قَبلنا موجودٌ بأيديهم ولا ينتفعونَ بشيءٍ منُه لمَّا فقدُوا المقصودَ منهُ، وهو وصولُه إلى قلوبهِم، حتى يجدُوا حلاوةَ الإيمانِ به ومنفعتَه بحصول الخشيةِ والإنابةِ لقلوبهِم، وإنما هُوَ علَى ألسنتهِم تقومُ به الحُجَّةُ عليهِم.
ولهَذا المعنى وَصَفَ اللَّهُ تعالَى في كتابِهِ العلماءَ بالخشيةِ كَمَا قالَ اللَّهتعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) .وقال تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) .ووصفَ العُلماءَ من أهلِ الكتابِ قبلَنا بالخشوع؛ كَما قالَ اللَّهُ تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩) .فقولُهُ تبارك وتعالى في وصفِ هؤلاءِ الذينَ أوتُوا العلم:(وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) .مدحٌ لمن أوجبَ له سماعُ كتابِ اللَّهِالخُشُوعَ في قلبهِ، وقالَ تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) .ولينُ القلوبِ هو زوالُ قسوتِهَا بحدوثِ الخُشوع فيها والرقةِ.وقد وبَّخ اللَّهُ من لا يخشعُ قلبُه لسماع كلامِه وتدبُّرِه، قالَ سبحانه:(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) .قالَ ابنُ مسْعودٍ رضي الله عنه: "ما كانَ بين إسلامِنا وبينَ أنْ عوتبْنا بهذهِ الآيةِ إلا أربعَ سنينَ ".خرَّجه مسلم، وخرَّجه غيُره وزادَ فيه:"فجعلَ المسلمونَ يعاتبُ بعضُهم بعضًا".
وخرَّجَ ابنُ ماجةَ من حديثِ ابنِ الربيرِ رضي الله عنه قال:" لم يكنْ بينَ إسلامِهم وبينَ أن نزلَتْ هذه الآيُةُ يعاتبهُمُ اللَّهُ بها، إلا أربعَ سنينَ ".وقد سمعَ كثيرٌ من الصالحينَ هذه الآيةَ تُتلى، فأثَّرتْ فيهم آثارًا متعددةًفمنهُم من ماتَ عند ذلكَ لانصداع قلبهِ بها، ومنهُم من تابَ عند ذلكَ وخرجَ عما كانَ فيه.وقد ذكرنا أخبارَهم في كتابِ "الاستغناءِ بالقرآنِ ".وقال تعالى: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) .قال أبو عمرانَ الجونيّ: واللَّه؛ لقدْ صرفَ إلينا ربُّنا في هذا القرآن ما لوصرفَهُ إلى الجبال لحتَّها وجَبَاها َ.وكان مالكُ بنُ دينار رحمه الله يقرأُ هذه الآيةَ ثمَّ يقول: أقسمُ لكم.لا يؤمنُ عبدٌ بهذا القرآنِ إلا صُدعِّ قلبُه.ورُويَ عن الحسنِ - رحمه اللَّه تعالى - قال: يا ابنَ آدمَ، إذا وسوسَ لكالشيطانُ بخطيئةٍ أو حدَّثت بها نفسَكَ، فاذكرْ عندَ ذلكَ ما حَملَكَ اللَّهُ منكتابِهِ مما لو حملتْهُ الجبال الرواسي لخشعتْ وتصدَّعتْ أمَا سمعتَه يقولُ:(لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) .
فإنما ضرب لكَ الأمثالَ لتتفكرَ فيها وتعتبرَ بِها وتزدجرَ عن معاصِي اللهِ عزوجل، وأنتَ يا ابنَ آدمَ أحقُّ أن تخشعَ لذكرِ اللَّهِ وما حَمَّلكَ من كتابِهِ وآتاكَ من حكمِهِ، لأنَّ عليكَ الحسابَ ولكَ الجنةُ أو النارُ.وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يستعيذُ باللَّهِ من قلبٍ لا يخشعُ، كما في "صحيح مسلم " عن زيدِ بنِ أرقمَ: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يقولُ:"اللهمَّ إني أعوذُ بكَ من علمٍ لا ينفعُ، ومن قلبٍ لا يخشعُ، ومن نفسٍ لا تشبعُ، ومن دعوة لا يُستجابُ لَها".وقد رُويَ نحوُه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم من وجوهٍ متعددةٍويُروى عن كعبٍ الأحبار قالَ: مكتوبٌ في الإنجيلٍ:"يا عيسى، قلبٌ لا يخشعُ عملُه لا ينفعُ، وصوتُه لا يُسمعُ، ودعاؤُه لا يُرفعُ ".قال أسدُ بنُ موسى في كتابِ "الورع ": حدثنا مُباركُ بنُ فَضالةَ قالَ: كانالحسنُ - رحمه اللَّه تعالى - يقولُ: إن المؤمنينَ لَمَّا جاءتْهُم هذه الدعوةُ مناللَّه صدَّقوا بها وأفْضَى يقينُها إلى قلوبِهِم خشعتْ لذلكَ قلوبُهم وأبدانُهموأبصارُهم، كنتَ واللَّهِ إذا رأيتَهم رأيتَ قومًا كأنَّهم رَأيُ عينٍ، فواللهِ؛ ماكانُوا بأهلِ جدلٍ ولا باطلٍ، ولا اطمأنُّوا إلا إلى كتابِ اللَّه، ولا أظهُروا ماليسَ في قلوبِهم، ولكنْ جاءَهُم عن اللَّهِ أمرٌ فصدَّقوا به، فَنَعَتهُم اللَّهُ تعالىفي القرآنِ أحسنَ نعتٍ فقال:(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) .قال الحسنُ: الهونُ في كلامِ العربِ، اللينُ والسكينةُ والوقارُ.قال: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا) .قال: حلماءُ لا يجهلونُ، وإذا جُهلَ عليهِم حَلموا، يُصاحبونَ عبادَ الله