التوضيح لشرح الجامع الصحيح (ابن الملقن)القسم: شروح الحديثالكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيحالمؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)المحقق: دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث بإشراف خالد الرباط، جمعة فتحيتقديم: أحمد معبد عبد الكريم، أستاذ الحديث بجامعة الأزهرالناشر: دار النوادر، دمشق - سورياالطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ معدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
التوضيح لشرح الجامع الصحيح تصنيفسراج الدين أبي حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعيالمعروف بابن المُلقّن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) تحقيق: دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراثبإشراف: خالد الرباط - جمعة فتحيتقديم: فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد معبد عبد الكريمأستاذ الحديث بجامعة الأزهر إصداراتوزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميةإدارة الشؤون الإسلامية - دولة قطر
فريق العمل في تحقيق وإخراج كتاب التوضيحفي دار الفلاح - الفَيُّومبإشراف: خالد محمود الرباط جمعه فتحى عبد الحليمالتحقيق والمقابلة والتعليقوائل إمام عبد الفتاحأحمد فوزي إبراهيمحسام كمال توفيقخالد مصطفى توفيقعصام حمدي محمدعبد الله أحمد فؤادربيع محمد عوض اللهأحمد روبي عبد العظيمأحمد عويس جنيدهاني رمضان هاشممحمد زكريا يوسف - سامح محمد عيد - سعيد عزت عيدعادل أحمد محمود - طه مصطفى أمين - عماد مصطفى أمينمحمد عبد الفتاح علي - محمد أحمد عبد التواب - مصطفى عبد الحميد الإصلابي
تقدير وعرفانإلي سعادة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطرالسيد فيصل بن عبد الله بن زايد آل محمودوفضيلة الشيخ الدكتورأحمد معبد عبد الكريمأستاذ الحديث بجامعة الأزهرعلى توجيهاته النافعة وما أولاه من اهتمام لهذا الكتاب دار الفلاح
باب {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: ٩]فَسَمَّاهُمُ الْمُؤْمِنِينَ. ٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِى أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ. قَالَ: ارْجِعْ، فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: "إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ". [٦٨٧٥، ٧٠٨٣ - مسلم: ٢٨٨٨ - فتح: ١/ ٨٤]ثنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ، ثنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، ثنَا أَيُّوبُ وُيونُسُ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هذا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هذا الرَّجُلَ. قَالَ: ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هذا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: "إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ".نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْب نا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنِ المَعْرُورِ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ".هكذا وقع في أكثر النسخ بعد الآية الثانية، حديث الأحنف عن أبي
إهداء* إلى روح والديالشيخ محمود علي الرباطرحمه الله* وإلى فضيله الشيخعبد العزيز بن إبراهيم بن قاسمحفظه اللهسائلا المولى أن يجزيهما عنا خير الجزاءخالد محمود الرباط
وأَحْصُرُ مقصودَ الكلام في عشرة أقسام:أحدها: في دقائق إسناده، ولطائفه.ثانيها: في ضبط ما يشكل من رجاله، وألفاظِ متونِهِ ولغتِهِ، وغريبِهِ.ثالثها: في بيان أسماء ذوي الكنى، وأسماء ذوي الآباء والأمهات.رابعها: فيما يختلف منها ويأتلف.خامسها: في التعريف بحال صحابته، وتابعيهم، وأتباعهم، وضبط أنسابهم، ومولدهم، ووفاتهم. وإن وقع في التابعين أو أتباعهم قدح يسير بينته، وأجبت عنه. كل ذَلِكَ عَلَى سبيل الاختصار، حذرًا من الملالة والإكثار.سادسها: في إيضاحِ ما فيه من المرسل، والمنقطعِ، والمقطوعِ، والمُعْضل، والغريب، والمتواتر، والآحاد، والمدرج، والمعلل، والجواب عَمّن تكلمَ عَلَى أحاديثَ فيه بسبب الإرسال، أو الوقف، أو غير ذَلِكَ.سابعها: في بيان غامض فقهِهِ، واستنباطه، وتراجم أبوابه؛ فإنّ فيه مواضع يتحيرُ الناظرُ فيها، كالإحالة عَلَى أَصْل الحديث ومخرجه، وغير ذَلِكَ مما ستراه.ثامنها: في إسناد تعاليقه، ومرسلاته، ومقاطعه.تاسعها: في بيان مبهماته، وأماكنه الواقعة فيه.عاشرها: في الإشارة إلى بعض ما يستنبط منه من الأصول، والفروع، والآداب، والزهد، وغيرها، والجمع بين مختلفها، وبيان الناسخ والمنسوخ منها، والعام والخاص، والمجمل والمبين، وتبيين المذاهب الواقعة فيه. وأذكر إن شاء الله تعالى وجهها، وما يظهر منها
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مقدمةسعادة وزير الأوقاف والشؤون الإسلاميةإن الحمد لله نحمده سبحانه وتعالى ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ونصلى ونسلم على صفوته من خلقه وخاتم رسله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.وبعد:فإن الأمم الواعيه هى التي تعرف قيمه تراث أسلافها وتدرك أن حاضرها لا يمكن أن ينهض إلا على أساس من مخزون ثقافتها وفكر أئمتها.ومن أجل هذا تعمل وزاره الأوقاف والشؤون الإسلاميه جهدها على المشاركه في إحياء هذا التراث وتقديمه إلى العلماء وإتاحته للباحثين.والحمد لله على توفيقه فقد وقع ما قدمته الوزاره من ذخائر وما أخرجته من أمهات المراجع والمصادر، وقع موقع الرضا والإكبار من أهل الشأن والإختصاص وذوى الرأى من كبار العلماء والمفتين. وهذا من فضل الله علينا وحسن توفيقه.واليوم نقدم هذا الكتاب الجليل الكبير:(التوضيح لشرح الجامع الصحيح) لسراج الدين بن الملقن.وهو كتاب كبير بحجمه الذي بلغ ستهً وثلاثين مجلدًا وكبير بمؤلفه ومنزلته ومكانته وإمامته في فنه وكبير بموضوعه فهو شرح لصحيح البخاري أصح كتاب بعد كتاب الله.ونحن تقدم هذا الكتاب نسأل الله سبحانه أن ينال من الرضا والقبول ما نالته أعمالنا السابقه وإليه -جلّ وعلا - نضرع أن يجعل عملنا خالصًا لوجهه الكريم وأن يديم توفيقنا وأن يهبنا من حوله وقوته فإنه لا حول ولا قوه إلا بالله العلي العظيموأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمينفيصل بن عبد الله آل محمودوزير الأوقاف والشؤون الإسلاميهرئيس مجلس إداره الهيئه القطريه للأوقافدوله قطر
فصل أقدمه قبلَ الشروعِ في المقدماتِوهو: معرفة نسب النبي صلى الله عليه وسلم ومولده ووفاته مختصرًا؛ ليشرف الكتاب به، ولمعرفته فوائد أُخر لا تُحصى ومنها:أن من نذكره في هذا الكتاب إِذَا التقى نسبُه نسبَه أقتصر عليه استغناء بمعرفة تمامه من نسبه صلى الله عليه وسلم.هو: أبو القاسم وأبو الأرامل وأبو إبراهيم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة ابن مدركة بن إلياس بن مُضَرَ بن نِزَار بن مَعَد بن عدنان(١) ويأتي في(١) روى ابن سعد في "الطبقات الكبرى" ١/ ٥٥ - ٥٦ قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب بن بشر الكلبي قال: علمني أبي وأنا غلام نسب النبي صلى الله عليه وسلم … ثم ساقه.وذكره ابن حبان في "السيرة النبوية" ص ٤٥ إلى عدنان أيضًا، وكذا ابن حزم في "جامع السيرة" ص ٢، وابن عبد البر في "الاستيعاب" ١/ ١٣٣، وابن الأثير في "أسد الغابة" ١/ ٢٠، والمزي في "تهذيب الكمال" ١/ ١٧٤، والذهبي في "تاريخ الإسلام" ١/ ١٧، وابن كثير في "الفصول في سيرة الرسول" ص ١٨ - ١٩.وروى الحاكم في "علوم الحديث" ص ١٧٠ - ١٧١، والبيهقي في "دلائل النبوة" ١/ ١٣٦، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٣/ ٤٨ من طريق مالك بن أنس، عن الزهري، عن أنس بن مالك قال: بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن رجالًا من كندة يزعمون أنه منهم، فقال: "إنما كان يقول ذلك العباس وأبو سفيان بن حرب إذا قدما اليمن =
لجنة إحياء التراث الإسلاميإدارة الشؤون الإسلاميةبسم الله الرحمن الرحيمكلمة لجنة إحياء التراث الإسلاميالحمد لله وكفى وسلام على رسوله الذي اصطفى وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسانإلى يوم الدينأما بعد:فإن كتاب (التوضيح شرح الجامع الصحيح) لابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) جاء حافلًا بالفوائد والفرائد وبخاصة في النصف الأول منه.والكتاب يطبع لأول مرة حيث تولي الوزارة اهتمامًا كبيرًا بالمخطوطات وتحقيقها سعيًا لاستكمال المكتبة الإسلامية ولا تخفى أهمية شروح الحديث النبوي الشريف في توضيح المعاني واستنباط الأحكام وإزالة للإشكال ورفع اللَّبس وقد قام خبراء الوزارة بفحص الكتاب والثناء على عمل المحققين وتوجيه النصح حيثما لزم.وقد أشرف على تحقيقة الدكتور أحمد معبد عبد الكريم أستاذ الحديث بالأزهر فأجاد وأفاد فله الشكر منّا والأجر من الله تعالى.وكلنا أمل أن يحظى الكتاب بما يستحق من عناية العلماء والباحثين وطلبة العلم وأن يرفدوا الوزارة بآرائهم واقتراحاتهم للمضيّ قُدمًا في مشروع إحياء التراث الإسلامي والله من وراء المقصد. لجنة إحياء التراث الإسلامي
وعبد مناف اسمه: المغيرة، وكان يقال له: قمر البطحان. وقصي لقب، واسمه: زيد، وهو تصغير قَصِي، أي: بعيد؛ لأنه بَعُدَ عن عشيرته في بلاد قضاعة حين احتملته أمه فاطمة(١).ولؤي، بالهمز عند الأكثرين، وقيل: بتركه.والنضر هو: أبو قريش في قول الجمهور، فمن كان من ولده فقرشي، وإلا فلا، وقيل: أبوهم فهر، قاله مصعب الزبيري(٢)، وابن الكلبي(٣)، وغيرهما(٤)، وقيل: إلياس، وقيل: هم ولد مضر. وإلياس:(١) انظر: "الروض الأنف" ١/ ٨.(٢) "نسب قريش" لمصعب الزبيري ص ١٢، وهو: مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، أبو عبد الله الزبيرىِ المدني، عم الزبير بن بكار، سكن بغداد، قال الزبير بن بكار: أمه أمةُ الجبار بنت إبراهيم بن جعفر بن مصعب بن الزبير، قال أبو بكر بن أبي خيثمة: كتب عنه أبي، ويحيى بن معين. وقال أحمد بن حنبل: مصعب الزبيري مستثبت، وقال يحيى بن معين: ثقة. وكذلك قال الدارقطني. قال الزبير: وتوفي مصعب بن عبد الله ليومين خلوا من شوال سنة ست وثلاثين ومائتين، وهو ابن ثمانين سنة.انظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" ٥/ ٤٣٩، "الجرح والتعديل" ٨/ ٣٠٩ (١٤٢٩)، "الثقات" ٩/ ١٧٥، "تاريخ بغداد" ١٣/ ١١٢، "تهذيب الكمال" ٢٨/ ٣٤ (٥٩٨٧).(٣) هو هشام بن محمد بن السائب، أبو المنذر، المعروف، والده بالكلبي، الأخباري النسابة العلامة. قال أحمد بن حنبل: إنما كان صاحب سمر ونسب، ما ظننت أن أحدًا يحدث عنه. وقال الدارقطني وغيره: متروك، وقال ابن عساكر: رافضي، ليس بثقة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: كان صاحب أنساب وسمر، وهو أحب إليَّ من أبيه. وقال ابن حبان: يروي عن أبيه العجائب والأخبار التي لا أصول لها، وكان غاليًا في التشيع، أخباره في الأغلوطات أشهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفها. انظر ترجمته في: "الضعفاء الكبير" ٤/ ٣٣٩ (١٩٤٥)، "الجرح والتعديل" ٩/ ٦٩ (٢٦٣)، "المجروحين" ٣/ ٩١، "ميزان الاعتدال" ٥/ ٤٢٩ - ٤٣٠ (٩٢٣٧)، "لسان الميزان" ٧/ ٢٦٩ - ٢٧٠ (٩٠١٣).(٤) نَصَرَ هذا القول أيضًا أبو محمد علي بن حزم في: "جمهرة أنساب العرب" ص ١٢.
تقديمبقلم أ. د/ أحمد معبد عبد الكريمالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعد:فإن من يستعرض الشروح لكتب الحديث المسندة في مظانها من كتب التراجم، أو مصادر بيان المؤلفات الحديثية ومصادر فهرسة المخطوطات والمطبوعات فسيجد أن شروح صحيح البخاري تعد أكثر من شروح أي كتابٍ آخر من كتب الحديث المسندة، وقد قام أحد الباحثين المعاصرين وهو الشيخ محمد عصام عرار الحسيني بجمع ما تيسر له من الشروح والتعليقات على صحيح البخاري فبلغ ما ذكره (٣٧٥) مؤلفا، وذلك في كتاب له بعنوان "إتحاف القاري بمعرفة جهود وأعمال العلماء على صحيح البخاري" (طبع للمرة الأولى سنة ١٤٠٧ هـ ط دار اليمامة للطبع والنشر- لبنان- بيروت).ومن يستعرض ما طُبع من هذِه الشروح والتعليقات فسيجد عددا غير
قليل، لكن سيجد أن ما طُبعَ محققا تحقيقا علميا موثقا يُعد نادِرًا، ولهذا فإنه عندما عرض عليَّ الأخ الأستاذ خالد الرباط نماذج من تحقيقه هو وزملائه لهذا الشرح، أرشدته إلى بعض الأمور التي ينبغي أن يُعتنى بها، ثم أتموا تحقيقه والتعليق عليه، فسررتُ بذلك؛ لأنه يُعد إضافة جديدة تدعم هذا العدد النادر من شروح هذا الجامع الصحيح المطبوعة بعد تحقيقها تحقيقًا علميا موثقًا. وأعني بالتحقيق العلمي الموثق باختصار: أنه الذي يعتمد فيه على أكبر قدر ممكن من النسخ الخطية الموثقة للكتاب، مع الإعتناء بتوثيق نصوصه بالعزو إلى المصادر الأصلية لتلك النصوص أو المصادر الوسيطة عند افتقاد الأصلية، ثم التعليق المفيد على ما يحتاج إلى توضيح أو تصويب.كما يُعتنى فيه بالفهارس المتعددة التي ترشد القارئ إلى أكبر قدر ممكن من محتويات الكتاب.وقد طلب مني الأخ خالد الرباط كتابة تقديم لهذا الشرح، مع ما يعرفه من ضيق وقتي وشواغلي، مما جعله يصبر عليَّ فترة ليست قصيرة، فيسَّر الله تعالى لي بعض الوقت لكتابة هذِه السطور المتواضعة، بعد أن نظرتُ في عدد من أجزاء الكتاب، واطلعتُ على عملهم فيه.وقد كنتُ أعلم أن الكتاب وُزِّعَ تحقيقه على عدد من الرسائل الجامعية بقسم الكتاب والسُّنَّة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، ونُشرت فعلا إحدى الرسائل في مجلد عام ١٤١٨ هـ، دراسة وتحقيق أحمد حاج محمد عثمان، طبع المكتبة المكية ومؤسسة الريان- بيروت- لبنان.أما بقية الرسائل فلم تُطبع حتى الآن حسب علمي، والاطلاع عليها
محدود، وغير متيسر إلا بمكةَ، وفي مكتبة الدراسات العليا، كما هو معلوم.وعندما راجعت القسم المطبوع المشار إليه، وقارنتُ بينه وبين الأجزاء التي قدمها لي الأخ خالد، لاحظتُ أنَّ العمل لا يقل عنه تحقيقا وتوثيقًا، وبالجملة فإنَّ عملَهم لا يقل عن مستوى الرسائل الجامعية، وأحب أن أشير أنني وجدتُ أن أحد النسخ الخطية للكتاب وهي نسخة حلب التي نُقلت حاليا إلى مكتبة الأسد بدمشق، لم يعتمد عليها الأخ أحمد حاج في القسم الذي حققه، كما صرَّح بذلك في مقدمة بحثه، في حين ذكر لي الأخ خالد الرباط أنه رغم صعوبة هذِه النسخة فإنهم اعتبروها الأصل لما لها من مميزات عن غيرها، واعتنوا بها في المواضع المشتركة مع باقي النسخ، لكنني مع ذلك أشرتُ عليه ببعض جوانب يسيرة في الأجزاء التي اطلعتُ عليها سواءً في تحرير النص، أو توثيقه بالتخريج.أما بالنسبة للكتاب، فسبحان الله؛ فإن ما عده الحافظ ابن حجر مغمزًا في هذا الشرح في وقته، أصبحنا الآن في وقتنا نراه ميزةً مهمة، فقد ذكر ابن حجر رحمه الله أن شيخه المؤلف اعتمد في هذا الشرح على شيخيه القطب الحلبي ومغلطاي، وزاد فيه قليلًا، وقال أيضًا: إنه جمع النصف الأول من عدة شروح، وأما النصف الثاني، فلم يتجاوز النقل من شرحي ابن بطال وابن التين، والمعنيون بفهارس المخطوطات في العالم حتى اليوم يعلمون أن شرحي قطب الدين عبد الكريم بن عبد النور الحلبي ومغلطاي بن قليج، لصحيح البخاري لا يوجد منهما في تلك الفهارس إلا بعض القطع اليسيرة، أما شرح ابن التين فلا يُعرف وجود شيء من نسخه كليةً.وبالتالي يصبح ما حفظه الإمام ابن الملقن من نقول عن هذِه
الشروح الثلاثة ثروة علمية لا تُقدَّر، ويستحق عليها الثناء والترحم عليه.ورحم الله الحافظ ابن حجر فقد كان توافر النُّسخ الخطيَّة لهذِه الشروح وغيرها في مكتبات مصر في أيامه، وعدم تصوره لما تعرضت له خزائن تلك المكتبات من التشتت والضياع والإحراق والنهب بعد ذلك، كل ذلك جعله ينتقد صنيع شيخه في كثرة تلك النقول، بل إنه سجل بنفسه في ترجمة شيخه المؤلف أنه كان له مكتبة خاصة ضخمة وأنه احترق جلها في أواخر حياته، فتغير عقله حزنًا عليها.فلذلك يُعد ما حفظه هذا الشرح من نقول من هذِه الشروح أو من غيرها ميزةً له الآن لا مَغمزًا، بل إن ابن الملقن نفسه عدَّ نقوله هذِه مَفْخرة حرص على تقريرها كما سيأتي.ومما ذكره من مصادره أو عز إليه أثناء الشرح ويُعد الآن مفقودًا جلُّه أو كله: "تاريخ نيسابور" للحاكم، و"سنن أبي علي بن السكن"، و"المختلف فيهم" لابن شاهين، و"الكنى" للنسائي، و"المراسيل" لابن بدر الموصلي، و"الصحابة" للعسكري، و "الأطراف" لأبي مسعود الدمشقي، و"أمالي ابن السمعاني"، و"الناسخ والمنسوخ" للأثرم، و"المبهمات" لابن بشكوال، وشرح كل من القزاز والمهلب بن أبي صفرة للبخاري، و"تاريخ حران" لأبي الثناء حماد، و"الإكليل" للحاكم، و"السيرة" لأحمد بن أبي عاصم النبيل، و"تفسير سُنيد"، و"تفسير ابن مردويه"، و"تفسير عبد بن حميد"، و"تهذيب الآثار" للطبري، و"صحيح الإسماعيلي"، و"مسند أحمد بن منيع"، وغير ذلك.وقد أشار ابن الملقن بنفسه في خاتمة كتابه إلى اعتماده على تلك المصادر بما فيها شرح كل من شيخيه القطب الحلبي ومغلطاي،