إكمال المعلم بفوائد مسلم (القاضي عياض)القسم: شروح الحديثالكتاب: شَرْحُ صَحِيح مُسْلِمِ لِلقَاضِى عِيَاض المُسَمَّى إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِمالمؤلف: عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (ت ٥٤٤هـ)المحقق: الدكتور يحْيَى إِسْمَاعِيلالناشر: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، مصرالطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ معدد الأجزاء: ٨[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
شَرْحُ صَحِيح مُسْلِمِ لِلقَاضِى عِيَاضالمُسَمَّىإِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِملِلإِمَام الحَافظ أبى الفضل عيَاض بن مُوسَى بن عيَاض اليَحْصَبِىت ٥٤٤ هـتحْقِيقالدكتور يحْيَى إِسْمَاعِيلالجزءُ الأوّلُ
حقوق الطبع محفوظة للناشرالطبعة الأولى١٤١٩هـ - ١٩٩٨مدار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - ج. م. ع - المنصورةالإدارة: ش الإمام محمد عبده المواجه لكلية الآداب ص. ب ٢٣٠ت: ٣٤٢٧٢١/ ٣٥٦٢٢٠/ ٣٥٦٢٣٠ فاكس ٣٥٩٧٧٨المكتبة: أمام كلية الطب ت ٣٤٧٤٢٣
شَرْحُ صَحِيح مُسْلِم لِلقَاضِى عِيَاضالمُسَمَّىإِكْمَال المُعلِم بِفَوَائِدِ مُسْلِم
الإهداء* إلى "جبهة علماء الأزهر" فى عهدها الجديد ..* جدّد الله له بها العافية ..* وحقق له وللأمة بها الرجاء ..* وردّ بها عن الجميع كل عادية ..آمين آمين والأقطار أجمعها … مرددات معى آمين آمين
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .ــالوجه الثانى: أن يكون معنى " شطر الإيمان ": أَنَّ الإيمان يجُبُّ ما قبلَه من الآثام، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن الوضوء - أيضاً - تذهب من (١) الإنسان الخطايا، إِلَّا أنه قد قام الدليل أن الوضوءَ لا يَصح الانتفاع به إِلَّا مع مُضامَّة الإيمان لَه، فكأنَّه لم يحصل به رفع الإثم إِلَّا مع شىءٍ ثانٍ، ولما كان الإيمان يمحُو الآثام المتقدمة عليه بانفرادِه، صار الطُّهورُ فى التشبيه كأنه على الشطر منه.وفى هذا الحديثِ أيضاً حجةٌ على من يرى [أن] (٢) الوضوء لا يفتقر إلى نيَّةٍ (٣). وهذه المسألة مما اختلف الناس فيها على ثلاث مقالاتٍ، فقال الأوزاعى وغيره: الوضوء والتيمم جميعاً لا يفتقر إلى نية، وقال مالك فى المشهور عنه: إنهما يفتقران إلى نيَّةٍ (٤). وروى عن مالك قوله تارة (٥) أن الوضوء يُجزئ بغير نيَّةٍ (٦)، وقال أبو حنيفة: أما التيمُّم فلا بد فيه من نيةٍ، وأما الوضوء فلا (٧). فأما الأوزاعى ومن وافقه فيحتج بالأوامر التى وقعت بالوضوء ولم تُذكر فيها النية، ويحتج أيضاً بأن الوضوء ليس من العبادات كالصلاة وشبهها، وإنما وجب لغيره، وكان شرطاً (٨) فى صحته، فَحَلَّ مَحل غسل النجاسة وستر العورة، وشبه ذلك من شروط الصلاة المجزئة بغير نيةٍ، ويحتج مالك عليه بحديث: " الأعمال بالنيات " (٩) وبهذا الحديث المتقدم، وأنه لو لم يكن من أكبر العبادات لم يجعَلْه شطر الإيمان، فإذا أوجب ذلك كونه عبادةً افتقر إلى نيةٍ عند المخالف وعندنا، وعليه من الحجاج كثير، وأما تفرقة أبى حنيفة بين الوضوء والتيمم فضعيفةٌ؛ لأن البدل إذا افتقر إلى نيةٍ فأحرى أن يفتقر المبدلُ منه (١٠)، وأشبه ما وجه له به قول الله(١) فى المعلم: " عن ".(٢) من المعلم.(٣) يعنى بهم الأحناف، حيث ذهبوا إلى أن الماء مطهر بذاته؛ مستدلين لذلك بقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: ٤٨].(٤) قال ابن القاسم: لا يكون الوضوء عند مالك إِلَّا بالنية. راجع: المدونة الكبرى ١/ ٣٢.(٥) فى المعلم: شاذة.(٦) هذا فى النافلة - المدونة ١/ ٣٢.(٧) لأن التيمم ليس بطهارة حقيقية، وإنما جعل طهارة عند الحاجة، والحاجة إنما تعرف بالنية بخلاف الوضوء؛ لأنه طهارة حقيقية فلا يشترط له الحاجة ليصبر طهارة، فلا يشترط له النية. وذكر الجصاص أنه لا يجب فى التيمم نية التطهير، لىانما يجب نيَّة التمييز، وهو أن ينوى الحدث أو الجنابة؛ لأن التيمم لهما يقع على صفة واحدة، فلا بد من التمييز بالنية كما فى صلاة الفرض أنه لابد فيها من نية الفرض؛ لأن الفرض والنفل يتأديان على هيئة واحدة. راجع: بدائع الصنائع ١/ ١٩٦.(٨) هو ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. وذلك كحولان الحول فى الزكاة، فإنه يلزم من عدمه عدم وجوب الزكاة، ولا يلزم من وجوده وجوبها لاحتمال عدم النصاب، ولا عدم وجوبها لاحتمال وجود النصاب عند حولان الحول. انظر: شرح تنقيح الفصول ٨٢، جمع الجوامع ٢/ ٢٠.(٩) جزء حديث متفق عليه، أخرجه البخارى فى أكثر من موضع، منها: ك بدء الوحى (١) وك الإيمان (٥٤)، ومسلم، ك الإمارة، ب إنما الأعمال بالنية (١٥٥)، والنسائى فى الطهارة، ب النية فى الوضوء ١/ ٥١، وفى الطلاق، وأخرجه ابن ماجة فى الزهد، ب النية ٢/ ١٤١٣.(١٠) ليس بلازم، وإنما افتقر البدل عندهم إلى نية لضعفه كما قدمنا.
كلهم حاولوا الدواء ولكن … ما أتى بالشفا إلا عياض
أَوْ تَمْلأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، والصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ. كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا، أَوْ مُوبِقُهَا ".ــوقوله: " الصلاة نور ": يحتمل أن المراد أن يكون أجرُها نوراً لصاحبها يوم القيامة، أو أَنَّ الصلاة سببٌ لإشراق أنوار المعارف، وانشراح القلب، ومكاشفات الحقائق لتفرغ القلب فيها، والإقبال بالجسم والقلب على الله وشغل الجوارح بها عما سواه؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: " وجعلت قرة عينى فى الصلاة " (١)، وهو مثل قوله فى هذا الحديث: " والصوم ضياء "، وهى رواية بعض الشيوخ (٢)، وروايتنا فيه عن أكثرهم: " والصبر ضياء "، وقد يكون قوله: " والصلاة نور " على وجهه إشارة إلى الغُرَّةِ كما ورد فى حديث عبد الله بن بُسْرٍ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أمتى يوم القيامة غرٌّ من السجود مُحَجَّلون من الوضوء " (٣)، ويكون بمعنى قوله: " من صلى بالليل ضاء وجهه بالنهار " وإن كان لم يصح حديثاً فقد صح معنى، وذلك أن من لم يُصلِّ الصبح ولا توضأ للصلاة أصبح شَعِث الشعر، أقذى العينين، غير نظيف الأنف والفم، وإذا توضأ تنظف، وزال عنه الشعث، وأضاء وجهه بالنظافة.وقوله: "والصَّدقةُ برهان " مثل قوله: " والقرآن حجة "، وقد يحتمل أن يكون برهان الصدقة على إيمان المؤمنين، ودليلٌ على الفرق بينهم وبين المنافقين الذين يلمزون (٤) المطوعين من المؤمنين فى الصدقات، إِلَّا ترى ما كان ممن ضعُفَ إيمانه فى الردة من منعها.وقوله: " كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو مُوبقها ": يحتمل أن يكون بائع نفسه هنا بمعنى مُشترٍ وبمعنى بائع، فجاء بلفظٍ مشترك بين المعنيين؛ لأن اللفظة فى اللغة تقع على المعنيين، ثم جاء بالجواب على المعنيين جميعاً، أى من اشتراها أَعتقها، ومن باعها أوبقها، أى أهلكها، ومثل هذا قول ابن مسعود: " الناس غاديان، فبائع نفسه فموبقُها، أو مفاديها فمعتقها " (٥)، وهذا نوع من الإيجاز بديع عند أهل البلاغة، ويحتمل أن يكون البيع على الوجه (٦) المعروف وحده، أى فبائع (٧) نفسه من الله، فأعتقها كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّة} (٨)، أو باعها من غيره فأوبقها، كما قال فى السحرة: {وَلَبِئْسَ مَا شَروْا بِهِ أَنفُسَهُمْ} (٩). وهذا(١) النسائى، ك عشرة النساء، ب حب النساء ٧/ ٦١، وأحمد فى المسند ٣/ ١٩٩، والحاكم فى المستدرك ٢/ ١٦٠، وهو جزء حديث عن أنس.(٢) سبق تخريجها.(٣) الترمذى فى الصلاة، ب ما ذكر فى سيما هذه الأمة يوم القيامة من آثار السجود والطهور ٢/ ٥٠٥.(٤) اللمز: العيب فى الوجه، وأصله الإشارة بالعين والرأس والشفة مع كلام خفى، وقيل: الاغتياب، وقيل: العيب. لسان العرب، مادة " لمز ".(٥) جزء حديث، أخرجه الطبرانى، وقال فيه الهيثمى: إسناده جيد. مجمع ١٠/ ٢٣٦.(٦) فى الأصل: جهة.(٧) فى الأصل. فباع.(٨) التوبة: ١١١.(٩) البقرة: ١٠٢.
مقدمة الطبعة الأولىكتاب (إكمال المُعْلِم بفوائد مسلم) واحدٌ من كتب الدراية الفريدة التى سارت بها الرُّكبان -كما شهد بذلك أهل هذا الشأن وأئمته (١) ثم هو واحدٌ من مصنفات القاضى عياض الكثيرة المفيدة- على وفق قول الإمام ابن كثير (٢).وصاحب الكتاب أرفع من أن يُجهَل، وأجَلّ من أن يصاب ذِكْره بخمول، فهو - كما ذكر ابن خلِّكان: " إمام الحديث فى وقته، وأعرف الناس بعلومه، وبالنحو، واللغة، وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم" (٣).لا يُدرَك -كما قال الحافظ القضاعى (٤) - شأوه، ولا يبلغ مداه فى العناية بالحديث، والآثار، وخدمة العلم، فكان جمال العصر، ومفخرة الأفق، وينبوع المعرفة، ومعدن الإفادة، وإذا عدت رجالات المغرب - فضلاً عن الأندلس - حسب فيهم صدرا (٥).ومع هذا لم يَحْظَ كتابٌ بحظ وافر من الغمط مثلما حظى هذا الكتاب مع أخيه المعلم!!، إنك لا تكاد تطالع كتاباً من كتب أئمة الرواية والدراية لكل من أتى بعده، إلا وتجد لعياض بكتابه الإكمال فيه ذكراً منشوراً، وراية خفاقة، يأرزون إليها فيما أُشْكِل، ويعتمدون على ضبطه فيما أُبْهِم، بل كان أحياناً أصلاً من أصول كتب ذاعت بسببه واشتهرت - كالمنهاج للنووى، وإكمال الإكمال وتكملته للأبى والسنوسى (٦).كل واحد منهم لزم ظله، ووضع يده حيث كان يرفع قدمه.ثم هذا ابن حجر فى " الفتح "، والعينى فى " العمدة "، يلزم كل منهما ضبطه، وينسج فى الكثير من مباحثه على نوله (٧).(١) سير ٢٠/ ٢١٢، ٢١٥، طبقات الحفاظ ٤٦.(٢) البداية والنهاية ١٢/ ٢٤١.(٣) وفيات الأعيان ٣/ ٤٨٣.(٤) هو الحافظ محمد بن عبد الله بن أبى بكر، القضاعى، المعروف بابن الأبار، توفى سنة ٦٥٨، ومن مؤلفاته التى نقل عنها ما قيدناه " معجم أصحاب الصدفى ".(٥) فهرس الفهارس ٢/ ١٨٤.(٦) راجع فى ذلك على سبيل المثال موقف النووى من شرحه لحديث: " من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة " فى كتاب الإيمان حيث يقول: وأما معنى الحديث وما أشبهه فقد جمع فيه القاضى عياض- رحمه الله كلاماً حسناً، جمع فيه نفائس، فأنا أنقل كلامه مختصراً ثم أضم بعده إليه ما حضرنى من زيادة. نووى ١/ ١٨٤. والأبى هو محمد بن خلف، لزم ابن عرفة زماناً، وتولى قضاء الجزيرة، توفى سنة ٨٢٨. أعلام المحدثين، وكتابه إكمال الإكمال وبهامشه مكمل الإكمال، طبع بدار السعادة بالقاهرة.(٧) لمجرد التمثيل فقط انظر: الفتح ٩/ ١١٩، ١٦٤ وعمدة القارى ٢/ ١٦٩، ٩/ ١٨٩.
(٢) باب وجوب الطهارة للصلاة(٢٢٤) حدَّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ - وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى ابْنِ عَامِرٍ يَعُودُهُ وَهُوَ مَرِيضٌ. فَقَالَ: أَلا تَدْعُو اللهَ لِى يَا ابْنَ عُمَرَ؟ قَالَ: إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " لا تُقْبَلُ صَلاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ "ــوقوله: " لا يقبل الله صلاةً بغير طهورٍ، ولا صدقةٍ من غلول ": الغلولُ: الخيانة.وهذا الحديث نصٌّ وأصلٌ فى وجوب الطهارة من السنة مع أمثاله من الآثار (١)، وهذا مما لا خلاف فيه بين الأمة، وأن الصلاة من شرطها الطهارة بإيجاب الله تعالى فى كتابه، وعلى لسان نبيه، وإجماع أهل القبلة على ذلك.واختلف متى فُرضت الطهارة للصلاة، وهل كانت فى أوّل الإسلام فرضاً أو سنةً؟ وهل هى فرض على كل قائم للصلاة أو على كل محدث؟ وفى الوضوء لغير الفرائض هل هو فرض أو له حكم ما تُوضِّئ من أجله؟ فقال ابن الجهم: إن الوضوء أولاً كان سُنةً، وإن فرضه نزل فى آيةِ التيمم، وقال غيره: إن قوله تعالى: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى} (٢) غير مشترط فيه طهارة، وأنَّ آيةَ الوضوء ناسخةً لذلك (٣)، وقال غيره - وهو قول الجمهور -: بل كان قبل فرضاً، ولا تُسْتباحُ الصلاة إِلَّا بطهارةٍ من الوضوء والغسل، قال بعضهم: وذلك بسنة النبى صلى الله عليه وسلم وأمره (٤) وآية الوضوء (٥) إنما نزلت بحكم التيمم،(١) اعترض على هذا بأن الحديث إنما فيه أن الطهارة شرط فى القبول، والقبُول أخصّ من الصحة، وشرط الأخص لا يلزم أن يكون شرطاً فى الأعم، وكان القبولُ أخصَّ لأنه حصول الثواب على الفعل، والصحة وقوع الفعل مطابقاً للأمر، فكل متقبَّل صحيحٌ دون عكس، وعلى هذا فالذى ينتفى بانتفاء الشرط الذى هو الطهارة القبولُ لا الصحة، وإذا لم تنتف الصحةُ لم يتم الاستدلال بالحديث. الأبى ٢/ ٧.(٢) النساء: ٤٣.(٣) قال ابن العربى: أما هذه الآية فلا يصح نسخُها بحال، لأن التكليف مقرون بصحة العقل، والصلاة من أجَلِّ وظائف التكليف، فلا يمكن إقامتها إِلَّا مع وجود العقل الذى يرتبط مع الأقوال والأفعال، وينعقد بالنيات والمقاصد، ومن أصابه أقل من ذلك مما يشغل البال ومما يذهب التحصيل، كالغثيان - اضطراب النفس حتى تكاد تتقيأ - والقرقرة - صوت الأمعاء فى البطن - والحقنة - وجع البطن باحتباس البول - لم تجز الصلاة معه، فكيف بما يذهب أصل التحصيل؟ … قال: وكان هذا إبان حلَّت الخمر فلما حُرِّمت بقى النهى عليها فى هذه الآية، فالآيه على ذلك حديث عن تاريخ التشريع. الناسخ والمنسوخ فى القرآن الكريم ٢/ ١٧٣.(٤) لأن هذه الآية - آية المائدة - مدنية بلا خلاف؛ لأنها نزلت فى قصة عائشة، كما أنه لا خلاف أن الوضوء كان مفعولاً قبل نزولها غير متلوٍّ.(٥) فى الأصل: التيمم.
الدراسةوتشمل:١ - ترجمة للقاضى عياض وللإمام المازرى صاحب المعلم٢ - الحديث عن نسخ الكتابين وبيان قيمتهما العلمية٣ - أسانيد القاضى عياض إلى صحيح مسلم
وَكُنْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ.(…) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِىٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَوَكِيعٌ: عَنْ إِسْرَائِيلَ، كُلُّهُمْ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ، عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم، بِمِثْلِهِ.٢ - (٢٢٥) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَخِى وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " لا تُقْبَلُ صَلاةُ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ، حَتَّى يَتَوَضَّأَ ".ــوذكر ابن عمَر لابن عامر وقد قال له: " ادعُ لى " هذا الحديث على طريق الوعظ والتذكرة له بقوله: " ولا صدقة من غلول "، وجاء بذكر الفصل الثانى كما سمعه - والله أعلم. وفيه حجةٌ لرواية الأحاديث على نصِّها، وحجةٌ لمن لا يرى الحديث يُفصَل من الحديث دون جملته - وقد تقدم الكلام فيه (١). أو يكون المعنى: كيف تطمع فى الدعاء وأنت لم تتنصَّل من تبعات العباد، ويكون ذكره للحديث كله على وجه التمثيل والاستشهاد بأنه لا يصح شىء إِلَّا مع وجود شرطه، فكما لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول، كذلك لا يُرَجى قبول دعاءٍ بغير توبةٍ وإقلاع (٢).[واحتج بصيغة الحديث من يجيز لمن عدم الماء والتيمم إِلَّا صلاة عليه، وهو قول مالك، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يقبل الله صلاةً بغير طهور "، وفى المسألة لنا ولغيرنا خلافٌ نذكره فى التيمم إن شاء الله تعالى] (٣).وقوله: " وكنت على البصْرَة ": أى أميراً، يُعرِّض له بالغَلولِ لمال الله، ويُعرِّفه ما عليه فيه، ليخافَ ذنبه ولا يغترّ.وقال فى سند محمد بن مثنى لهذا الحديث بعدُ: قال أبو بكر: وثنا وكيع، كذا للسمرقندى، ولغيره: قال أبو بكر ووكيع عن إسرائيل، وهما بمعنى، أى وثنا وكيع عن إسرائيل.(١) راجع المقدمة.(٢) ولعله مذهب لابن عمر، وهو أنه لا يدعى للمتلبِّس بالمخالفة، إذ أنه - رضى الله عنه - ممن عرف بالشدة فى دين الله، والجمهور على أن الدعاء لمثله جائز.(٣) قيدت بهامش ت مشاراً إليها بسهم.
عصر القاضى عياض ونسبهيُعدُّ القاضى عياض أحد أئمة الرواية والدراية الذين نبتوا بأرض المغرب، وذاع صيتهم بالحق فى أرجاء المعمورة، وثبَّت الله بعلمهم وعملهم أمر الإسلام فى أوطانهم.لقد شهد عصره مولد أشر فتنةٍ حلت بأرض الإسلام بالمغرب، على يد قرينه ابن تومرت (١)، كلاهما ولد فى عصر واحد، وفى وطن واحد، ونشأ نشأة واحدة، هى نشأة الطلب، لكن الثانى كان له غاية غير غاية صاحبه، هى نوال الرياسة (٢)، فدخل فى الدماء وشغف بالمؤامرات، حتى سهل لأعداء الأمة اصطياده، وتسخير مواهبه لتحقيق مأربه ومأرب عدو دينه وأمته، فتجهز لذلك بالحيل، حتى إنه طلب من أحد الفقهاء الذين خدعوا به - وهو عبد الله الونشريسى - أن يخفى علمه وفصاحته، ويتظاهر بالجهل واللكن مُدَّة، ليجعل من إظهار نفسه أمام الأغرار معجزة.قال الذهبى: " فلما كان عام تسعة وخمسمائة خرج يوماً فقال: تعلمون أن البشير - يريد الوَنشريسى - رجُلٌ أمى، ولا يثبت على دابة، فقد جعله الله مُبشِّراً لكم، مطلعاً على أسراركم، وهو آية لكم، فقد حفظ القرآن، وتعلم الركوب، وقال: اقرأ، فقرأ الختمة فى أربعة أيَّام، وركب حصاناً وساقه، فبُهتوا، وعدوها آية لغباوتهم، فقام خطيباً وتلا: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} (٣) وتلا: {مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} (٤) - فهذا البشير مطلع على الأنفس، مُلهم، ونبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: " إن فى هذه الأمة محدَّثين، وإن عمر منهم " (٥)، وقد صحبنا أقوامٌ أطلعه الله على سِرِّهم، ولابد من النظر فى أمرهم، وتيمُّم العدل فيهم، ثم نودى فى جبال المُصامدَة: من كان مطيعاً للإمام فليأت، فأقبلوا يُهرَعون، فكانوا يُعرضون على البشير، فيُخرجُ قوماً على يمينه، ويَعُدُّهم من أهل الجنة، وقوماً على يساره فيقول: هؤلاء شاكُّون فى الأمر، وكان يُؤتى بالرجُل منهم فيقولُ: هذا تائبٌ رُدوهُ على(١) أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت البربرى المصمودى الهرغى، نسبة إلى قبيلة كبيرة من المصامدة فى جبل السوس فى أقصى المغرب، الخارج بالمغرب، المدَّعى أنه علوى حسنى، وأنه الإمام المعصوم المهدى، وقد لقبته أمه تومرت، وسبب ذلك- فيما ذكر صاحب المقتبس من الأنساب- أن أمه فرحت به وسرت، فقالت باللسان الغربى: " آتومرت اينويسك أبيوى "، ومعناه: يا فرحتى بك يا بنى، فكانت تكثر من ذلك، وكانت أيضاً إذا سئلت عن ابنها وهو صغير تقول باللسان الغربى: " بك تومرت " معناه: صار فرحاً مسروراً، فغلب عليه لذلك اسم تومرت. المقتبس من الأنساب: ٣١.(٢) سير ١٩/ ٥٤١.(٣) الأنفال: ٣٧.(٤) آل عمران: ١١٠.(٥) البخارى فى الصحيح، كتاب فضائل أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم، باب مناقب عمر ٧/ ٤٢.
اليمين، تاب البارحة، فيعترف بما قال.واتفقت له فيهم عجائب، حتى كان يُطلق أهل اليسار وهم يعلمون أن مآلهم إلى القتل، فلا يَفرُّ منهم أحد، وإذا تجمَّع منهم عدة قتلهم قراباتهم حتى يقتل الأخ أخاه (١).قال فيما نقله عن اليسع من تاريخه: " وكل ما أذكره من حال المصامدة فقد شاهدته، أو أخذته متواتراً، وكان فى وصيته إلى قومه إذا ظفروا بمُرابطٍ أو تلمسانى أن يحرقوه " (٢).قال: " فالذى صحَّ عندى أنهم قُتِل منهم سبعون ألفاً على هذه الصفة، ويُسمُّونه التمييز " (٣).وقال ابن خلكان: " وقد بلغنى أن ابن تومرت أخفى رجالاً فى قبورٍ دَوارِس، وجاء فى جماعةٍ ليريهم آيةً، فصاح: أيُها الموتى، أجيبوا، فأجابوه: أنت المهدى المعصُوم، وأنت وأنت، ثم إنه خاف من انتشار الحيلة فخسَف فوقهم القبور فماتوا " (٤).وبهذه الحيل جمع حوله الكثير من أغرار قومه لينقضَّ بهم على إمام المسلمين بالمغرب وحامل راية الجهاد فيها ضد الصليبية المتربصة، يوسف بن تاشفين (٥)، وغرَّه به حبُّه للعفو وميله إلى العلماء، فكان أن عمد إلى حيلة أخرى معه، بأن ذهب قبل الفجر وجلس حيث يجلس يوسف بن تاشفين للصلاة، فلما حضر الأمير، تمسك بحقه المزعوم بالمكان لأنه السابق إليه، ثم بدأ يوجه له اللوم فى تقصيره تجاه حق الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، كل ذلك ليلفت الأنظار إليه، ويكسب ما يمكن كسبه من أنصارٍ منه.حتى إذا غادر يوسف مراكش إلى إسبانيا ليصد عادية الفونس الأرجونى على(١) سير ١٩/ ٥٤٥.(٢) نفسه.(٣) السابق ١٩/ ٥٤٦.(٤) وفيات الأعيان ٥/ ٥٤، سير ١٩/ ٥٥١.(٥) أمير المسلمين، صاحب المغرب، يوسف بن تاشفين اللمتونى البربرى، ويعرف أيضاً بأمير المرابطين، وهو الذى بنى مراكش وصيرها دار ملكه، وكان ذلك سنة (٤٦٥)، ثم عبر إلى الأندلس لينجد الإسلام، فطحن العدو فى معركة الزلاقة، كان حليماً ديناً خيراً، يحب أهل العلم والدين. قال ابن خلكان: بلغنى أن الإمام أبا حامد الغزالى لما سمع ما هو عليه من الأوصاف الحميدة عزم على التوجه إليه، فوصل الإسكندرية فوصله خبر وفاته بها، فرجع عن ذلك. مات فى أول سنة خمسمائة، وله بضع وثمانون سنة. الكامل ١٠/ ٤١٧، وفيات الأعيان ٧/ ١١٢، سير ١٩/ ٢٥٢.