إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (ابن دقيق العيد)القسم: شروح الحديثالكتاب: إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكامالمؤلف: تقي الدين ابن دقيق العيد (٦٢٥ - ٧٠٢ هـ)الناشر: دار عالم الكتب بيروت - بالاتفاق مع دار الكتب السلفية بالقاهرةعام النشر: ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ معدد الأجزاء: ٢وهذه الطبعة: إعادةُ صَفّ لنشرة مطبعة السنة المحمدية، بحرف جديد وترقيم صفحات مختلفوالتي هي بتحقيق وتعليق: محمد حامد الفقي [ت ١٣٧٨ هـ]وشاركه في تحقيقها ومراجتها وكتب مُقدّمتَها: أحمد محمد شاكر [ت ١٣٧٧ هـ؛ انظر ص ٩ و ١٥ - ١٧ من المقدمة][تنبيه]:نُسِب هذا التحقيق في بعض المطبوعات للشيخ أحمد شاكر (منفرِدًا)! وفيه نظَر كما سبق، بل إن الشيخ شاكر نفسه قد صَرّح بنسبته أصالةً للشيخ الفقي في تعليقه على مسند أحمد[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيم١٧٨ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «لَا تُقَدِّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ، أَوْ يَوْمَيْنِ إلَّا رَجُلًا كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» .ـــــــــــــــــــــــــــــ [كِتَابُ الصِّيَامِ] [حَدِيثُ لَا تُقَدِّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ]الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ:أَحَدُهَا: فِيهِ صَرِيحُ الرَّدِّ عَلَى الرَّوَافِضِ، الَّذِينَ يَرَوْنَ تَقْدِيمَ الصَّوْمِ عَلَى الرُّؤْيَةِ؛ لِأَنَّ " رَمَضَانَ " اسْمٌ لِمَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ. فَإِذَا صَامَ قَبْلَهُ بِيَوْمٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ.الثَّانِي: فِيهِ تَبْيِينٌ لِمَعْنَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ، الَّذِي فِي «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَبَيَانُ أَنَّ اللَّامَ لِلتَّأْقِيتِ، لَا لِلتَّعْلِيلِ، كَمَا زَعَمَتْ الرَّوَافِضُ. وَلَوْ كَانَتْ لِلتَّعْلِيلِ لَمْ يَلْزَمْ تَقْدِيمُ الصَّوْمِ عَلَى الرُّؤْيَةِ أَيْضًا، كَمَا تَقُولُ: أَكْرِمْ زَيْدًا لِدُخُولِهِ. فَلَا يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْإِكْرَامِ عَلَى الدُّخُولِ. وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ. وَحَمْلُهُ عَلَى التَّأْقِيتِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ احْتِمَالِ تَجَوُّزٍ، وَخُرُوجٍ عَنْ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الرُّؤْيَةِ - وَهُوَ اللَّيْلُ - لَا يَكُونُ مَحِلًّا لِلصَّوْمِ.١ -الثَّالِثُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ الْمُعْتَادَ إذَا وَافَقَتْ الْعَادَةُ فِيهِ مَا قَبْلَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ بِيَوْمَيْنِ: أَنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُهُ. وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْعَادَةُ بِنَذْرٍ أَوْ بِسَرْدٍ عَنْ غَيْرِ نَذْرٍ فَإِنَّهُمَا يَدْخُلَانِ تَحْتَ قَوْلِهِ «إلَّا رَجُلًا كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» .١ -
١٧٩ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ «إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا. وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا. فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» .ـــــــــــــــــــــــــــــ الرَّابِعُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهِيَةِ إنْشَاءِ الصَّوْمِ قَبْلَ الشَّهْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ بِالتَّطَوُّعِ. فَإِنَّهُ خَارِجٌ عَمَّا رَخَّصَ فِيهِ. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَهُ النَّذْرُ الْمَخْصُوصُ بِالْيَوْمِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ. وَلَكِنَّهُ تُعَارِضُهُ الدَّلَائِلُ الدَّالَّةُ عَلَى الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ. [حَدِيثُ إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا]الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ:أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالرُّؤْيَةِ. وَلَا يُرَادُ بِذَلِكَ: رُؤْيَةُ كُلِّ فَرْدٍ، بَلْ مُطْلَقُ الرُّؤْيَةِ. وَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عَدَمِ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالْحِسَابِ الَّذِي يَرَاهُ الْمُنَجِّمُونَ. وَعَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ: أَنَّهُ رَأَى الْعَمَلَ بِهِ. وَرَكَنَ إلَيْهِ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ. وَقَالَ بِهِ بَعْضُ أَكَابِرِ الشَّافِعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى صَاحِبِ الْحِسَابِ. وَقَدْ اُسْتُشْنِعَ هَذَا، لِمَا حُكِيَ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْتَهُ لَمْ يَقُلْهُ. وَاَلَّذِي أَقُولُ بِهِ: إنَّ الْحِسَابَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي الصَّوْمِ، لِمُفَارَقَةِ الْقَمَرِ لِلشَّمْسِ، عَلَى مَا يَرَاهُ الْمُنَجِّمُونَ، مِنْ تَقَدُّمِ الشَّهْرِ بِالْحِسَابِ عَلَى الشَّهْرِ بِالرُّؤْيَةِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ. فَإِنَّ ذَلِكَ إحْدَاثٌ لِسَبَبٍ لَمْ يُشَرِّعْهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا إذَا دَلَّ الْحِسَابُ عَلَى أَنَّ الْهِلَالَ قَدْ طَلَعَ مِنْ الْأُفُقِ عَلَى وَجْهٍ يُرَى، لَوْلَا وُجُودُ الْمَانِعِ - كَالْغَيْمِ مِثْلًا فَهَذَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، لِوُجُودِ السَّبَبِ الشَّرْعِيِّ. وَلَيْسَ حَقِيقَةُ الرُّؤْيَةِ بِشَرْطٍ مِنْ اللُّزُومِ؛ لِأَنَّ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْمَحْبُوسَ فِي الْمَطْمُورَةِ إذَا عُلِمَ بِإِكْمَالِ الْعِدَّةِ، أَوْ بِالِاجْتِهَادِ بِالْأَمَارَاتِ: أَنَّ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ، وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُوَإِنْ لَمْ يَرَ الْهِلَالَ. وَلَا أَخْبَرَهُ مَنْ رَآهُ.١ -الثَّانِي: يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى الْمُنْفَرِدِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ، وَعَلَى الْإِفْطَارِ عَلَى الْمُنْفَرِدِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ، وَلَقَدْ أَبْعَدَ مَنْ قَالَ: بِأَنَّهُ لَا يُفْطِرُ إذَا انْفَرَدَ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ. وَلَكِنْ قَالُوا: يُفْطِرُ سِرًّا.١ -
١٨٠ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» .ـــــــــــــــــــــــــــــ الثَّالِثُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ حُكْمَ الرُّؤْيَةِ بِبَلَدٍ: هَلْ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهَا مِمَّا لَمْ يُرَ فِيهِ؟ . وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ تَعَدِّي الْحُكْمِ إلَى الْبَلَدِ الْآخَرِ. كَمَا إذَا فَرَضْنَا: أَنَّهُ رُئِيَ الْهِلَالُ بِبَلَدٍ فِي لَيْلَةٍ، وَلَمْ يُرَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِآخَرَ. فَتَكَمَّلَتْ ثَلَاثُونَ يَوْمًا بِالرُّؤْيَةِ الْأُولَى. وَلَمْ يُرَ فِي الْبَلَدِ الْآخَرِ: هَلْ يُفْطِرُونَ أَمْ لَا فَمَنْ قَالَ بِتَعَدِّي الْحُكْمِ، قَالَ بِالْإِفْطَارِ. وَقَدْ وَقَعَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي زَمَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ «لَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ، أَوْ نَرَاهُ وَقَالَ هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم» وَيُمْكِنُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ هَذَا الْحَدِيثَ الْعَامَّ، لَا حَدِيثًا خَاصًّا بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَهُوَ الْأَقْرَبُ عِنْدِي. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.الرَّابِعُ: اُسْتُدِلَّ لِمَنْ قَالَ بِالْعَمَلِ بِالْحِسَابِ فِي الصَّوْمِ بِقَوْلِهِ " فَاقْدُرُوا لَهُ " فَإِنَّهُ أَمْرٌ يَقْتَضِي التَّقْدِيرَ. وَتَأَوَّلَهُ غَيْرُهُمْ بِأَنَّ الْمُرَادَ: إكْمَالُ الْعِدَّةِ ثَلَاثِينَ. وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ " فَاقْدُرُوا لَهُ " عَلَى هَذَا الْمَعْنَى - أَعْنِي إكْمَالَ الْعِدَّةِ ثَلَاثِينَ - مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مُبَيَّنًا فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ ". وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ عليه السلام " غُمَّ عَلَيْكُمْ " اسْتَتَرَ أَمْرُ الْهِلَالِ وَغُمَّ أَمْرُهُ. وَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِ رِوَايَاتٌ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصِّيغَةِ. [حَدِيثُ تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً]فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ السُّحُورِ لِلصَّائِمِ. وَتَعْلِيلُ ذَلِكَ بِأَنَّ فِيهِ بَرَكَةً. وَهَذِهِ الْبَرَكَةُ: يَجُوزُ أَنْ تَعُودَ إلَى الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ. فَإِنَّ إقَامَةَ السُّنَّةِ تُوجِبُ الْأَجْرَ وَزِيَادَتَهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَعُودَ إلَى الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِقُوَّةِ الْبَدَنِ عَلَى الصَّوْمِ، وَتَيْسِيرِهِ مِنْ غَيْرِ إجْحَافٍ بِهِ. وَ " السَّحُورُ " بِفَتْحِ السِّينِ: مَا يُتَسَحَّرُ بِهِ. وَبِضَمِّهَا الْفِعْلُ. هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ.وَ " الْبَرَكَةُ " مُحْتَمَلَةٌ لَأَنْ تُضَافَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلِ وَالْمُتَسَحَّرِ بِهِ مَعًا.وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ حَمْلِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. بَلْ مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ فِي لَفْظِ " فِي " وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: فَإِنَّ فِي السَّحُورِ -
١٨١ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنهما قَالَ «تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. ثُمَّ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ. قَالَ أَنَسٌ: قُلْت لِزَيْدٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً» .١٨٢ - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ» .ـــــــــــــــــــــــــــــ بِفَتْحِ السِّينِ - وَهُوَ الْأَكْثَرُ. وَفِي السُّحُورِ بِضَمِّهَا. وَمِمَّا عُلِّلَ بِهِ اسْتِحْبَابُ السُّحُورِ: الْمُخَالَفَةُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ عِنْدَهُمْ السُّحُورُ. وَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلزِّيَادَةِ فِي الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ. [حَدِيثُ تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ]فِيهِ دَلِيلُ اسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِ السَّحُورِ، وَتَقْرِيبِهِ مِنْ الْفَجْرِ. وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَذَانِ هَهُنَا: الْأَذَانُ الثَّانِي. وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ حِفْظِ الْقُوَى، وَلِلْمُتَصَوِّفَةِ وَأَرْبَابِ الْبَاطِنِ فِي هَذَا كَلَامٌ تَشَوَّفُوا فِيهِ إلَى اعْتِبَارِ مَعْنَى الصَّوْمِ وَحِكْمَتِهِ وَهُوَ كَسْرُ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ، وَقَالُوا: إنَّ مَنْ لَمْ تَتَغَيَّرْ عَلَيْهِ عَادَتُهُ فِي مِقْدَارِ أَكْلِهِ لَا يَحْصُلُ لَهُ الْمَقْصُودُ مِنْ الصَّوْمِ، وَهُوَ كَسْرُ الشَّهْوَتَيْنِ.وَالصَّوَابُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - أَنَّ مَا زَادَ فِي الْمِقْدَارِ، حَتَّى تُعْدَمَ هَذِهِ الْحِكْمَةُ بِالْكُلِّيَّةِ لَا يُسْتَحَبُّ، كَعَادَةِ الْمُتْرَفِينَ فِي التَّأَنُّقِ فِي الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ. وَكَثْرَةِ الِاسْتِعْدَادِ فِيهَا، وَمَا لَا يَنْتَهِي إلَى ذَلِكَ، فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عَلَى وَجْهِ الْإِطْلَاقِ. وَقَدْ تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُ هَذَا الِاسْتِحْبَابِ بِاخْتِلَافِ مَقَاصِدِ النَّاسِ وَأَحْوَالِهِمْ، وَاخْتِلَافِ مِقْدَارِ مَا يَسْتَعْمِلُونَ.
١٨٣ - الْحَدِيثُ السَّادِسُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ. فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ. فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» .ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ]كَانَ قَدْ وَقَعَ خِلَافٌ فِي هَذَا. فَرَوَى فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثًا «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ» إلَى أَنْ رُوجِعَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَتْ بِمَا ذُكِرَ مِنْ كَوْنِهِ صلى الله عليه وسلم «كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا ثُمَّ يَصُومُ» وَصَحَّ أَيْضًا " أَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ " وَأَبُو هُرَيْرَةَ أَحَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ. وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الْعَمَلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَصَارَ ذَلِكَ إجْمَاعًا أَوْ كَالْإِجْمَاعِ.وَقَوْلُهَا " مِنْ أَهْلِهِ " فِيهِ إزَالَةٌ لِاحْتِمَالٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِصِحَّةِ الصَّوْمِفَإِنَّ الِاحْتِلَامَ فِي الْمَنَامِ آتٍ عَلَى غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْ الْجُنُبِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلرُّخْصَةِ. فَبَيَّنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ هَذَا كَانَ مِنْ جِمَاعٍ لِيَزُولَ هَذَا الِاحْتِمَالُ. وَلَمْ يَقَعْ خِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ الْمَشْهُورِينَ فِي مِثْلِ هَذَا، إلَّا فِي الْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ وَطَلَعَ عَلَيْهَا الْفَجْرُ قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ. فَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ - أَعْنِي فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ - وَقَدْ يَدُلُّ كِتَابُ اللَّهِ أَيْضًا عَلَى صِحَّةِ صَوْمِ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا. فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى () {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: ١٨٧] يَقْتَضِي إبَاحَةَ الْوَطْءِ فِي لَيْلَةِ الصَّوْمِ مُطْلَقًا. وَمِنْ جُمْلَتِهِ.الْوَقْتُ الْمُقَارِبُ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ، بِحَيْثُ لَا يَسَعُ الْغُسْلَ. فَتَقْتَضِي الْآيَةُ الْإِبَاحَةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَمِنْ ضَرُورَتِهِ: الْإِصْبَاحُ جُنُبًا. وَالْإِبَاحَةُ لِسَبَبِ الشَّيْءِ إبَاحَةٌ لِلشَّيْءِ. وَقَوْلُهَا " مِنْ أَهْلِهِ " فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ، أَيْ مِنْ جِمَاعِ أَهْلِهِ. [حَدِيثُ مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ]اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَكْلِ النَّاسِي لِلصَّوْمِ، هَلْ يُوجِبُ الْفَسَادَ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: إلَى أَنَّهُ لَا يُوجِبُ. وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى إيجَابِ الْقَضَاءِ. وَهُوَ الْقِيَاسُ. فَإِنَّ الصَّوْمَ قَدْ فَاتَ رُكْنُهُ. وَهُوَ مِنْ بَابِ الْمَأْمُورَاتِ. وَالْقَاعِدَةُ تَقْتَضِي: أَنَّ النِّسْيَانَ لَا يُؤَثِّرُ فِي طَلَبِ الْمَأْمُورَاتِ. وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُوجِبْ الْقَضَاءَ: هَذَا الْحَدِيثُ
١٨٤ - الْحَدِيثُ السَّابِعُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْتُ. قَالَ: مَا أَهْلَكَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي، وَأَنَا صَائِمٌ - وَفِي رِوَايَةٍ: أَصَبْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَمَكَثَـــــــــــــــــــــــــــــ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، أَوْ مَا يُقَارِبُهُ. فَإِنَّهُ أَمْرٌ بِالْإِتْمَامِ. وَسُمِّيَ الَّذِي يُتِمُّ " صَوْمًا " وَظَاهِرُهُ: حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَإِذَا كَانَ صَوْمًا وَقَعَ مُجْزِئًا. وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ: عَدَمُ وُجُوبِ الْقَضَاءِ. وَالْمُخَالِفُ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ: إتْمَامُ صُورَةِ الصَّوْمِ. وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيُجَابُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَمْلِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَإِذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ حَمْلِهِ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ. كَانَ حَمْلُهُ عَلَى الشَّرْعِيِّ أَوْلَى. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَّ دَلِيلٌ خَارِجٌ يُقَوِّي بِهِ هَذَا التَّأْوِيلَ الْمَرْجُوحَ فَيُعْمَلُ بِهِ. وَقَوْلُهُ «فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ الصَّوْمِ. فَإِنَّ فِيهِ إشْعَارًا بِأَنَّ الْفِعْلَ الصَّادِرَ مِنْهُ مَسْلُوبُ الْإِضَافَةِ إلَيْهِ. وَالْحُكْمُ بِالْفِطْرِ يَلْزَمُهُ الْإِضَافَةُ إلَيْهِ. وَاَلَّذِينَ قَالُوا بِالْإِفْطَارِ حَمَلُوا ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْإِخْبَارُ بِرَفْعِ الْإِثْمِ عَنْهُ، وَعَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ. وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لَا يَقْتَضِي مِنْ حَيْثُ هُوَ مُخَالَفَةٌ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِاللَّقَبِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ، أَوْ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْغَالِبِ. فَإِنَّ نِسْيَانَ الْجِمَاعِ نَادِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ. وَالتَّخْصِيصُ بِالْغَالِبِ لَا يَقْتَضِي مَفْهُومًا.١ -وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جِمَاعِ النَّاسِي، هَلْ يُوجِبُ الْفَسَادَ عَلَى قَوْلِنَا: إنْ أَكَلَ النَّاسِي لَا يُوجِبُهُ؟ وَاخْتَلَفَ أَيْضًا الْقَائِلُونَ بِالْفَسَادِ: هَلْ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ؟ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ أَكْلَ النَّاسِي لَا يُوجِبُهَا، وَمَدَارُ الْكُلِّ عَلَى قُصُورِ حَالَةِ الْمُجَامِعِ نَاسِيًا عَنْ حَالَةِ الْأَكْلِ نَاسِيًا، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعُذْرِ وَالنِّسْيَانِ.وَمَنْ أَرَادَ إلْحَاقَ الْجِمَاعِ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَإِنَّمَا طَرِيقُهُ الْقِيَاسُ، وَالْقِيَاسُ مَعَ الْفَارِقِ مُتَعَذَّرٌ، إلَّا إذَا بَيَّنَ الْقَائِسُ أَنَّ الْوَصْفَ الْفَارِقَ مُلْغًى.
النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ - وَالْعَرَقُ: الْمِكْتَلُ - قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ قَالَ: أَنَا. قَالَ: خُذْ هَذَا، فَتَصَدَّقَ بِهِ. فَقَالَ الرَّجُلُ: عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاَللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا - يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ - أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ. ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» .ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ]" الْحَرَّةُ " أَرْضٌ تَرْكَبُهَا حِجَارَةٌ سُودٌ. يَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثِ مَسَائِلُ.الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً لَا حَدَّ فِيهَا. وَجَاءَ مُسْتَفْتِيًا: أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ، مَعَ اعْتِرَافِهِ بِالْمَعْصِيَةِ. وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى: أَنَّ مَجِيئَهُ مُسْتَفْتِيًا يَقْتَضِي النَّدَمَ وَالتَّوْبَةَ، وَالتَّعْزِيرُاسْتِصْلَاحٌ. وَلَا اسْتِصْلَاحَ مَعَ الصَّلَاحِ، وَلِأَنَّ مُعَاقَبَةَ الْمُسْتَفْتِي تَكُونُ سَبَبًا لِتَرْكِ الِاسْتِفْتَاءِ مِنْ النَّاسِ عِنْدَ وُقُوعِهِمْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَهَذِهِ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ يَجِبُ دَفْعُهَا. [مَسْأَلَةُ إيجَابِ الْكَفَّارَةِ بِإِفْطَارِ الْمُجَامِعِ عَامِدًا فِي رَمَضَان] ١الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: جُمْهُورُ الْأُمَّةِ عَلَى إيجَابِ الْكَفَّارَةِ بِإِفْطَارِ الْمُجَامِعِ عَامِدًا، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ، وَهُوَ شَاذٌّ جِدًّا. وَتَقْرِيرُهُ - عَلَى شُذُوذِهِ - أَنْ يُقَالَ: لَوْ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِالْجِمَاعِ، لِمَا سَقَطَتْ عِنْدَ مُقَارَنَةِ الْإِعْسَارِ لَهُ، لَكِنْ سَقَطَتْ. فَلَا تَجِبُ. أَمَّا بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: فَلِأَنَّ الْقِيَاسَ وَالْأَصْلَ: أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْمَالِ إذَا وُجِدَ لَمْ يَسْقُطْ بِالْإِعْسَارِ. فَإِنَّ الْأَسْبَابَ تَعْمَلُ إلَّا مَعَ مَا يُعَارِضُهَا مِمَّا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا. وَالْإِعْسَارُ إنَّمَا يُعَارِضُ وُجُوبَ الْإِخْرَاجِ فِي الْحَالِ؛ لِاسْتِحَالَتِهِ، أَوْ مَشَقَّتِهِ فَيُقَدَّمُ عَلَى السَّبَبِ فِي وُجُوبِ الْإِخْرَاجِ فِي الْحَالِ. أَمَّا تَرَتُّبُهُ فِي الذِّمَّةِ إلَى وَقْتِ الْقُدْرَةِ: فَلَا يُعَارِضُهُ الْإِعْسَارُ فِي وَقْتِ السَّبَبِ. فَالْقَوْلُ بِرَفْعِ مُقْتَضَى السَّبَبِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .ـــــــــــــــــــــــــــــ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ: غَيْرُ سَائِغٍ. وَأَمَّا أَنَّهَا سَقَطَتْ بِمُقَارَنَةِ الْإِعْسَارِ: فَلِأَنَّهَا لَمْ تُؤَدَّ، وَلَا أَعْلَمَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا مُرَتَّبَةٌ فِي الذِّمَّةِ. وَلَوْ تَرَتَّبَتْ لَأَعْلَمَهُ.وَجَوَابُ هَذَا: إمَّا بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّهَا تَسْقُطُ بِمُقَارَنَةِ الْإِعْسَارِ. وَيُجِيبُ عَنْ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ، وَإِمَّا بِأَنْ يُسَلِّمَ بِالْمُلَازَمَةِ، وَيَمْنَعَ كَوْنَ الْكَفَّارَةِ لَمْ تُؤَدَّ وَيُعْتَذَرُ عَنْ قَوْلِهِ عليه السلام " كُلْهُ وَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ " وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: بِأَنَّهَا لَمْ تُؤَدَّ، وَيُعْتَذَرَ عَنْ السُّكُوتِ عَنْ بَيَانِ ذَلِكَ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ هَذِهِ الِاعْتِذَارَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [مَسْأَلَةُ الثَّالِثَة جِمَاعِ النَّاسِي فِي نَهَار رَمَضَان] ١الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِي جِمَاعِ النَّاسِي، هَلْ يَقْتَضِي الْكَفَّارَةَ؟ وَلِأَصْحَابِ مَالِكٍ قَوْلَانِ. وَيَحْتَجُّ مَنْ يُوجِبُهَا بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَوْجَبَهَا عِنْدَ السُّؤَالِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ بَيْنَ كَوْنِ الْجِمَاعِ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ أَوْ النِّسْيَانِ، وَالْحُكْمُ مِنْ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم إذَا وَرَدَ عَقِيبَ ذِكْرِ وَاقِعَةٍ مُحْتَمِلَةٍ لِأَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةِ الْحُكْمِ، مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ: يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ حَالَةَ النِّسْيَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجِمَاعِ، وَمُحَاوَلَةِ مُقَدِّمَاتِهِ، وَطُولِ زَمَانِهِ، وَعَدَمِ اعْتِبَارِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ: مِمَّا يَبْعُدُ جَرَيَانُهُ فِي حَالَةِ النِّسْيَانِ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِفْصَالِ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ " هَلَكْتُ " فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِتَعَمُّدِهِ ظَاهِرًا، وَمَعْرِفَتِهِ بِالتَّحْرِيمِ. [مَسْأَلَةُ كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ]الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَرَيَانِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ فِي كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ. أَعْنِي: الْعِتْقَ، وَالصَّوْمَ، وَالْإِطْعَامَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي كِتَابِ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ " وَلَا يَعْرِفُ مَالِكٌ غَيْرَ الْإِطْعَامِ " فَإِنْ أُخِذَ عَلَى ظَاهِرِهِ - مِنْ عَدَمِ جَرَيَانِ الْعِتْقِ وَالصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الْمُفْطِرِ - فَهِيَ مُعْضِلَةٌ زَبَّاءُ ذَاتُ وَبَرٍ. لَا يُهْتَدَى إلَى تَوْجِيهِهَا، مَعَ مُخَالَفَةِ الْحَدِيثِ، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ حَمَلَ هَذَا اللَّفْظَ. وَتَأَوَّلَهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فِي تَقْدِيمِ الْإِطْعَامِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْخِصَالِوَذَكَرُوا وُجُوهًا فِي تَرْجِيحِ الطَّعَامِ عَلَى غَيْرِهِ:مِنْهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَهُ فِي الْقُرْآنِ رُخْصَةً لِلْقَادِرِ. وَنَسْخُ هَذَا الْحُكْمِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَسْخُ الْفَضِيلَةِ بِالذِّكْرِ وَالتَّعْيِينِ لِلْإِطْعَامِ؛ لِاخْتِيَارِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ فِي حَقِّ الْمُفْطِرِ:وَمِنْهَا: بَقَاءُ حُكْمِهِ فِي حَقِّ الْمُفْطِرِ لِلْعُذْرِ، كَالْكِبَرِ وَالْحَمْلِ وَالْإِرْضَاعِ:وَمِنْهَا: جَرَيَانُ حُكْمِهِ فِي حَقِّ مَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ، حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ ثَانٍ.وَمِنْهَا: مُنَاسَبَةُ إيجَابِ الْإِطْعَامِ لِجَبْرِ فَوَاتِ الصَّوْمِ الَّذِي هُوَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .ـــــــــــــــــــــــــــــ إمْسَاكٌ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. وَهَذِهِ الْوُجُوهُ لَا تُقَاوِمُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ مِنْ الْبُدَاءَةِ بِالْعِتْقِ، ثُمَّ بِالصَّوْمِ، ثُمَّ بِالْإِطْعَامِ. فَإِنَّ هَذِهِ الْبُدَاءَةَ إنْ لَمْ تَقْتَضِ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تَقْتَضِيَ اسْتِحْبَابَهُ. وَقَدْ وَافَقَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّرْتِيبِ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ. وَبَعْضُهُمْ قَالَ: إنَّ الْكَفَّارَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ. فَفِي وَقْتِ الشَّدَائِدِ تَكُونُ بِالْإِطْعَامِ. وَبَعْضُهُمْ فَرَّقَ بَيْنَ الْإِفْطَارِ بِالْجِمَاعِ، وَالْإِفْطَارِ بِغَيْرِهِ. وَجَعَلَ الْإِفْطَارَ بِغَيْرِهِ: يُكَفَّرُ بِالْإِطْعَامِ لَا غَيْرُ. وَهَذَا أَقْرَبُ فِي مُخَالَفَةِ النَّصِّ مِنْ الْأَوَّلِ. [مَسْأَلَةُ خِصَالِ كَفَّارَةِ الصِّيَامَ هَلْ هِيَ عَلَى التَّرْتِيبِ أَوْ عَلَى التَّخْيِيرِ] ١الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: إذَا ثَبَتَ جَرَيَانُ الْخِصَالِ الثَّلَاثَةِ - أَعْنِي الْعِتْقَ وَالصِّيَامَ وَالْإِطْعَامَ فِي هَذِهِ الْكَفَّارَةِ - فَهَلْ هِيَ عَلَى التَّرْتِيبِ، أَوْ عَلَى التَّخْيِيرِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَمَذْهَبُ مَالِكٍ: أَنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ. وَهُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ. وَاسْتُدِلَّ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي الْوُجُوبِ بِالتَّرْتِيبِ فِي السُّؤَالِ، وَقَوْلُهُ أَوَّلًا " هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ " ثُمَّ رَتَّبَ الصَّوْمَ بَعْدَ الْعِتْقِ، ثُمَّ الْإِطْعَامَ بَعْدَ الصَّوْمِ، وَنَازَعَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي ظُهُورِ دَلَالَةِ التَّرْتِيبِ فِي السُّؤَالِ عَلَى ذَلِكَوَقَالَ: إنَّ مِثْلَ هَذَا السُّؤَالِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا هُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ، هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ وَجَعَلَهُ يَدُلُّ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ مَعَ التَّخْيِيرِ. وَمِمَّا يُقَوِّي هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي: مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «أَتَجِدُ شَاةً؟ فَقَالَ: لَا. قَالَ: فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ» وَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَ الشَّاةِ وَالصَّوْمِ وَالْإِطْعَامِ، وَالتَّخْيِيرُ فِي الْفِدْيَةِ ثَابِتٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ. [مَسْأَلَةُ إعْتَاقَ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ فِي الْكَفَّارَةِ] ١الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَوْلُهُ " هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ " يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يُجِيزُ إعْتَاقَ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ فِي الْكَفَّارَةِ، لِأَجْلِ الْإِطْلَاقِ. وَمَنْ يَشْتَرِطُ الْإِيمَانَ: يُقَيِّدُ الْإِطْلَاقَ هَهُنَا بِالتَّقْيِيدِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِوَهُوَ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ السَّبَبَ إذَا اخْتَلَفَ وَاتَّحَدَ الْحُكْمُ، هَلْ يُقَيَّدُ الْمُطْلَقُ أَمْ لَا؟ وَإِذَا قُيِّدَ، فَهَلْ هُوَ بِالْقِيَاسِ أَمْ لَا؟ وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. وَالْأَقْرَبُ: أَنَّهُ إنْ قُيِّدَ فَبِالْقِيَاسِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةُ الِانْتِقَالِ مِنْ الصَّوْمِ إلَى الْإِطْعَام فِي كَفَّارَة الْجِمَاع فِي رَمَضَان]الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَوْلُهُ " فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا " لَا إشْكَالَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ الصَّوْمِ إلَى الْإِطْعَامِ؛ لِأَنَّ الْأَعْرَابِيَّ نَفَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .ـــــــــــــــــــــــــــــ الِاسْتِطَاعَةَ. وَعِنْدَ عَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ يُنْتَقَلُ إلَى الصَّوْمِ. لَكِنْ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ قَالَ " وَهَلْ أَتَيْتُ إلَّا مِنْ الصَّوْمِ؟ " فَاقْتَضَى ذَلِكَ عَدَمَ اسْتِطَاعَتِهِ، بِسَبَبِ شِدَّةِ الشَّبَقِ وَعَدَمِ الصَّبْرِ فِي الصَّوْمِ عَنْ الْوِقَاعِ: فَنَشَأَ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ نَظَرٌ فِي أَنَّ هَذَا: هَلْ يَكُونُ عُذْرًا مُرَخِّصًا فِي الِانْتِقَالِ إلَى الْإِطْعَامِ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ، أَعْنِي شَدِيدَ الشَّبَقِ؟ قَالَ بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ. [مَسْأَلَةُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا فِي كَفَّارَة الْجِمَاع فِي رَمَضَان] ١الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: قَوْلُهُ " فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ " يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ إطْعَامِ هَذَا الْعَدَدِ. وَمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْوَاجِبَ إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَضَافَ " الْإِطْعَامَ " الَّذِي هُوَ مَصْدَرٌ " أَطْعَمَ " إلَى سِتِّينَ. وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِي حَقِّ مَنْ أَطْعَمَ عِشْرِينَ مِسْكِينًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ بِإِجْزَاءِ ذَلِكَ عَمَلٌ بِعِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ تَعُودُ عَلَى ظَاهِرِ النَّصِّ بِالْإِبْطَالِ وَقَدْ عُرِفَ مَا فِي ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. [مَسْأَلَةُ الْعَرَقُ معناه ومقداره] ١الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: " الْعَرَقُ " بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ مَعًا: الْمِكْتَلُ مِنْ الْخُوصِ. وَاحِدُهُ " عَرَقَةٌ " وَهِيَ ضَفِيرَةٌ تُجْمَعُ إلَى غَيْرِهَا. فَيَكُونُ مِكْتَلًا. وَقَدْ رُوِيَ " عَرْقٌ " بِإِسْكَانِ الرَّاءِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْعَرَقَ يَسَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا فَأُخِذَ مِنْ ذَلِكَ: أَنَّ إطْعَامَ كُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ؛ لِأَنَّ الصَّاعَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ. وَقَدْ صُرِفَتْ هَذِهِ الْخَمْسَةُ عَشَرَ صَاعًا إلَى سِتِّينَ مُدًّا. وَقِسْمَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ إلَى سِتِّينَ بِرُبْعٍ. فَلِكُلِّ مِسْكِينٍ رُبْعُ صَاعٍ. وَهُوَ مُدٌّ. [مَسْأَلَةُ حكمة ضَحِكِ النَّبِيّ ممن جَامِع فِي نَهَار رَمَضَان]الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: " اللَّابَةُ " الْحَرَّةُ. وَالْمَدِينَةُ تَكْتَنِفُهَا حَرَّتَانِ. وَالْحَرَّةُ حِجَارَةٌ سُودٌ.وَقِيلَ فِي ضَحِكِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِتَبَايُنِ حَالِ الْأَعْرَابِيِّ، حَيْثُ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ مُتَحَرِّقًا مُتَلَهِّفًا حَاكِمًا عَلَى نَفْسِهِ بِالْهَلَاكِ. ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى طَلَبِ الطَّعَامِ لِنَفْسِهِ. وَقِيلَ: وَقَدْ يَكُونُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَوْسِعَتِهِ عَلَيْهِ، وَإِطْعَامِهِ لَهُ هَذَا الطَّعَامَ، وَإِحْلَالِهِ لَهُ بَعْدَ أَنْ كُلِّفَ إخْرَاجَهُ. . [مَسْأَلَةُ المذاهب فِي قَوْلُ النَّبِيّ للمكفر عَنْ جماعه أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ] ١الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَ: قَوْلُهُ عليه السلام " أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ " تَبَايَنَتْ الْمَذَاهِبُ فِيهِ.فَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ: هُوَ دَلِيلٌ عَلَى إسْقَاطِ الْكَفَّارَةِ عَنْهُ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَصْرِفَ كَفَّارَتَهُ إلَى أَهْلِهِ وَنَفْسِهِ. وَإِذَا تَعَذَّرَ أَنْ تَقَعَ كَفَّارَةٌ، وَلَمْ يُبَيِّنْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَهُ اسْتِقْرَارَ الْكَفَّارَةِ فِي ذِمَّتِهِ إلَى حِينِ الْيَسَارِ: لَزِمَ مِنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ سُقُوطُ الْكَفَّارَةِ بِالْإِعْسَارِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .ـــــــــــــــــــــــــــــ الْمُقَارِنِ لِسَبَبِ وُجُوبِهَا وَرُبَّمَا قُرِّرَ ذَلِكَ بِالِاسْتِشْهَادِ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ، حَيْثُ تَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ الْمُقَارِنِ لِاسْتِهْلَالِ الْهِلَالِ. وَهَذَا قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ، أَعْنِي سُقُوطَ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ بِهَذَا الْإِعْسَارِ الْمُقَارِنِ. وَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ: لَا تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ بِالْإِعْسَارِ الْمُقَارِنِ.وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ. وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا. وَبَعْدَ الْقَوْلِ بِهَذَا الْمَذْهَبِ فَهَهُنَا طَرِيقَانِ:أَحَدُهُمَا: مَنْعُ أَنْ لَا تَكُونَ الْكَفَّارَةُ أُخْرِجَتْ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ.وَأَمَّا قَوْلُهُ عليه السلام " أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ " فَفِيهِ وُجُوهٌ:مِنْهَا: ادِّعَاءُ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ خَاصٌّ بِهَذَا الرَّجُلِ، أَيْ يُجْزِئُهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ صَدَقَةِ نَفْسِهِ لِفَقْرِهِ. فَسَوَّغَهَا لَهُ النَّبِيُّ.وَمِنْهَا: ادِّعَاءُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ. وَهَذَانِ ضَعِيفَانِ. إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى التَّخْصِيصِ وَلَا عَلَى النَّسْخِ.وَمِنْهَا: أَنْ تَكُونَ صُرِفَتْ إلَى أَهْلِهِ؛ لِأَنَّهُ فَقِيرٌ عَاجِزٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ لِعُسْرِهِ. وَهُمْ فُقَرَاءُ أَيْضًا. فَجَازَ إعْطَاءُ الْكَفَّارَةِ عَنْ نَفْسِهِ لَهُمْ. وَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لِمَنْ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ مَعَ الْفَقْرِ أَنْ يَصْرِفَهَا إلَى أَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ. وَهَذَا لَا يَتِمُّ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى " كُلْهُ وَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ ".وَمِنْهَا: مَا حَكَاهُ الْقَاضِي أَنَّهُ قِيلَ: لَمَّا مَلَّكَهُ إيَّاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُحْتَاجٌ جَازَ لَهُ أَكْلُهَا وَإِطْعَامُهَا أَهْلَهُ لِلْحَاجَةِ. وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ تَخْصِيصٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ جُعِلَ عَامًّا فَلَيْسَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ. وَإِنْ جُعِلَ خَاصًّا فَهُوَ الْقَوْلُ الْمَحْكِيُّ أَوَّلًا.الطَّرِيقُ الثَّانِي: وَهُوَ - الْأَقْرَبُ - أَنْ يُجْعَلَ إعْطَاؤُهُ إيَّاهَا لَا عَنْ جِهَةِ الْكَفَّارَةِ. وَتَكُونُ الْكَفَّارَةُ مُرَتَّبَةً فِي الذِّمَّةِ لِمَا ثَبَتَ وُجُوبُهَا فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ. وَالسُّكُوتُ لِتَقَدُّمِ الْعِلْمِ بِالْوُجُوبِ. فَإِمَّا أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مَعَ اسْتِقْرَارِ أَنَّ مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ يَتَأَخَّرُ لِلْإِعْسَارِ، وَلَا يَسْقُطُ، لِلْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ وَالنَّظَائِرِ، أَوْ يُؤْخَذُ الِاسْتِقْرَارُ مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَقْوَى مِنْ السُّكُوتِ. . [مَسْأَلَةُ الْقَضَاءِ عَلَى مُفْسِدِ الصَّوْمِ بِالْجِمَاعِ] ١الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَ: جُمْهُورُ الْأُمَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مُفْسِدِ الصَّوْمِ بِالْجِمَاعِ.وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ، لِسُكُوتِهِ عليه السلام عَنْ ذِكْرِهِ. وَبَعْضُهُمْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ إنْ كَفَّرَ بِالصِّيَامِ أَجْزَأَهُ الشَّهْرَانِ. وَإِنْ كَفَّرَ بِغَيْرِهِ قَضَى يَوْمًا. وَالصَّحِيحُ: وُجُوبُ الْقَضَاءِ.وَالسُّكُوتُ عَنْهُ لِتَقَرُّرِهِ وَظُهُورِهِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ ذُكِرَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ. وَفِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ - أَعْنِي الْقَضَاءَ - وَالْخِلَافُ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ مَوْجُودٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَلِأَصْحَابِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. وَهِيَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .ـــــــــــــــــــــــــــــ الْمَذَاهِبُ الَّتِي حَكَيْنَاهَا. وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الرَّجُلِ. فَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ عِنْدَهُمْ، إذْ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةَ. [مَسْأَلَةُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا مَكَّنَتْ طَائِعَةً فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ فِي نَهَار رَمَضَان]الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا مَكَّنَتْ طَائِعَةً فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ: هَلْ تَجِبُ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ أَمْ لَا؟ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ:أَحَدُهُمَا: الْوُجُوبُ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَأَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ.الثَّانِي: عَدَمُ الْوُجُوبِ عَلَيْهَا. وَاخْتِصَاصُ الزَّوْجِ بِلُزُومِ الْكَفَّارَةِ. وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مِنْ قَوْلَيْهِ.ثُمَّ اخْتَلَفُوا: هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الزَّوْجِ لَا تُلَاقِي الْمَرْأَةَ، أَوْ هِيَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ تَقُومُ عَنْهُمَا جَمِيعًا؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ مُخَرَّجَانِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ. وَاحْتَجَّ الَّذِينَ لَمْ يُوجِبُوا عَلَيْهَا الْكَفَّارَةَ بِأُمُورٍ:مِنْهَا: مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثِ. فَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى ذِكْرِهِ.وَاَلَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثِ مِنْ اسْتِدْلَالِهِمْ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُعْلِمْ الْمَرْأَةَ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا، مَعَ الْحَاجَةِ إلَى الْإِعْلَامِ. وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ. «وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ أُنَيْسًا أَنْ يَغْدُوَ عَلَى امْرَأَةِ صَاحِبِ الْعَسِيفِ. فَإِنْ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا» .فَلَوْ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمَرْأَةِ لَأَعْلَمَهَا النَّبِيُّ بِذَلِكَ، كَمَا فِي حَدِيثِ أُنَيْسٍ. وَاَلَّذِينَ أَوْجَبُوا الْكَفَّارَةَ أَجَابُوا بِوُجُوهٍ:أَحَدُهَا: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ الْحَاجَةَ إلَى إعْلَامِهَا. فَإِنَّهَا لَمْ تَعْتَرِفْ بِسَبَبِ الْكَفَّارَةِ. وَإِقْرَارُ الرَّجُلِ عَلَيْهَا لَا يُوجِبُ عَلَيْهَا حُكْمًا. وَإِنَّمَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى إعْلَامِهَا إذَا ثَبَتَ الْوُجُوبُ فِي حَقِّهَا وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.وَثَانِيهَا: أَنَّهَا قَضِيَّةُ حَالٍ. يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ. وَلَا عُمُومَ لَهَا. وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ يَجُوزُ أَنْ لَا تَكُونَ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ بِهَذَا الْوَطْءِ: إمَّا لِصِغَرِهَا، أَوْ جُنُونِهَا، أَوْ كُفْرِهَا، أَوْ حَيْضِهَا، أَوْ طَهَارَتِهَا مِنْ الْحَيْضِ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ.وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِأَنَّ عِلْمَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِحَيْضِ امْرَأَةِ أَعْرَابِيٍّ لَمْ يَعْلَمْ عُسْرَهُ حَتَّى أَخْبَرَهُ بِهِ مُسْتَحِيلٌ. وَأَمَّا الْعُذْرُ بِالصِّغَرِ وَالْجُنُونِ وَالْكُفْرِ وَالطَّهَارَةِ مِنْ الْحَيْضِ: فَكُلُّهَا أَعْذَارٌ تُنَافِي التَّحْرِيمَ عَلَى الْمَرْأَةِ. وَيُنَافِيهَا قَوْلُهُ فِيمَا رَوَوْهُ " هَلَكْتُ وَأَهْلَكْتُ " وَجَوْدَةُ هَذَا الِاعْتِرَاضِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
١٨٥ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها «أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ - وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ -ـــــــــــــــــــــــــــــ وَثَالِثُهَا: لَا نُسَلِّمُ بِعَدَمِ بَيَانِ الْحُكْمِ. فَإِنَّ بَيَانَهُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ بَيَانٌ لَهُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ. لِاسْتِوَائِهِمَا فِي تَحْرِيمِ الْفِطْرِ، وَانْتِهَاكِ حُرْمَةِ الصَّوْمِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ سَبَبَ إيجَابِ الْكَفَّارَةِ هُوَ ذَاكَ. وَالتَّنْصِيصُ عَلَى الْحُكْمِ فِي بَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ: كَافٍ عَنْ ذِكْرِهِ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ. وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ عليه السلام لَمْ يَذْكُرْ إيجَابَ الْكَفَّارَةِ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ غَيْرَ الْأَعْرَابِيِّ، لِعِلْمِهِمْ بِالِاسْتِوَاءِ فِي الْحُكْمِ. وَهَذَا وَجْهٌ قَوِيٌّ.وَإِنَّمَا حَاوَلُوا التَّعْلِيلَ عَلَيْهِ بِأَنْ بَيَّنُوا فِي الْمَرْأَةِ مَعْنًى يُمْكِنُ أَنْ يُظَنَّ بِسَبَبِهِ اخْتِلَافُ حُكْمِهَا مَعَ حُكْمِ الرَّجُلِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْأَعْرَابِيِّ مِنْ النَّاسِ. فَإِنَّهُ لَا مَعْنًى يُوجِبُ اخْتِلَافَ حُكْمِهِمْ مَعَ حُكْمِهِ. وَذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي أَبْدُوهُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ: هُوَ أَنَّ مُؤَنَ النِّكَاحِ لَازِمَةٌ لِلزَّوْجِ، كَالْمَهْرِ وَثَمَنِ مَاءِ الْغُسْلِ عَنْ جِمَاعِهِ. فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْهُ.وَأَيْضًا: فَجَعَلُوا الزَّوْجَ فِي الْوَطْءِ هُوَ الْفَاعِلُ الْمَنْسُوبُ إلَيْهِ الْفِعْلُ. وَالْمَرْأَةُ مَحِلٌّ. فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْحُكْمُ مُضَافٌ إلَى مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ الْفِعْلُ. فَيُقَالُ وَاطِئٌ وَمُوَاقِعٌ. وَلَا يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ هَذَانِ بِقَوِيَّيْنِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا التَّمْكِينُ، وَتَأْثَمُ بِهِ إثْمَ مُرْتَكِبِ الْكَبَائِرِ، كَمَا فِي الرَّجُلِ. وَقَدْ أُضِيفَ اسْمُ الزِّنَا إلَيْهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. وَمَدَارُ إيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى.١ -الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: دَلَّ الْحَدِيثُ بِنَصِّهِ عَلَى إيجَابِ التَّتَابُعِ فِي صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ. وَعَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ: أَنَّهُ خَالَفَ فِيهِ. [مَسْأَلَةُ التَّتَابُع فِي صِيَام الشَّهْرَيْنِ] ١الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِغَيْرِ هَذِهِ الْخِصَالِ فِي هَذِهِ الْكَفَّارَةِ. وَعَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ: أَنَّهُ أَدْخَلَ الْبَدَنَةَ فِيهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ الرَّقَبَةِ وَوَرَدَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنْ سَعِيدٍ. وَقِيلَ: إنَّ سَعِيدًا أَنْكَرَ رِوَايَتَهُ عَنْهُ. بَابُ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ.
فَقَالَ: إنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ» .١٨٦ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: «كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ. وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ» .١٨٧ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ. وَمَا فِينَا صَائِمٌ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» .ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ]وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ.وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ صَوْمُ رَمَضَانَ. وَرُبَّمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يُجِيزُ صَوْمَ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ فَمَنَعُوا الدَّلَالَةَ مِنْ حَيْثُ مَا ذَكَرْنَاهُ، مِنْ عَدَمِ الدَّلَالَةِ عَلَى كَوْنِهِ صَوْمَ رَمَضَانَ. [حَدِيثُ كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ]وَهَذَا أَقْرَبُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى جَوَازِ صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَعَلَ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ بِعَرْضِ كَوْنِهِ يُعَابُ عَلَى عَدَمِهِ، بِقَوْلِهِ " فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ " وَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ الصَّوْمُ الْوَاجِبُ. وَأَمَّا الصَّوْمُ الْمُرْسَلُ: فَلَا يُنَاسِبُ أَنْ يُعَابَ. وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نَفْيِ هَذَا الْوَهْمِ فِيهِ.