نونية ابن القيم الكافية الشافية - ط عطاءات العلم (ابن القيم) القسم: العقيدة الكتاب: الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٨)]المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)تحقيق وتعليق: محمد بن عبد الرحمن العريفي، ناصر بن يحيى الحنيني، عبد الله بن عبد الرحمن الهذيل، فهد بن علي المساعدتنسيق: محمد أجمل الإصلاحيراجعه: محمد عزير شمس - سعود بن عبد العزيز العريفي الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت) الطبعة: الرابعة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)عدد الأجزاء: ٣ (متسلسلة الترقيم)قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
آثار الإمام ابن القيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٨) الكافية الشافية في الانتظار للفرقة الناجية تأليفالإمام أبي عبد الله محمد أبي بكر بن أيوب بن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١) تحقيق وتعليقمحمد بن عبد الرحمن العريفي - ناصر بن يحيى الحنيني - عبد الله بن عبد الرحمن الهذيل - فهد بن علي المساعد تنسيقمحمد أجمل الإصلاحي إشرافبكر بن عبد الله أبو زيد دار عطاءات العلم - دار ابن حزم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي شهدتْ له بالربوبيةِ(١) جميعُ مخلوقاته. وأقرَّتْ له بالعبوديةِ جميعُ مصنوعاتِه. وأدّت له الشهادةَ جميعُ الكائنات أنّه الله الذي لا إله إلّا هو بما أودعها مِن لطيفِ صُنْعِه وبديع آياته. وسبحان الله وبحمده عددَ خلقِه، ورضا نفسِه، وزِنةَ عرشِه(٢)، ومِدادَ كلماتِه(٣)(٤). ولا إله إلَّا الله، الأحد(١) في د (بخط غير خط الأصل)، طع: "بربوبيته". وفي ف (بخط حديث غير خط الأصل) وغيرها: "شهدت بربوبيته".(٢) "زنة عرشه" أي أسبحه وأحمده بثقل عرشه أو بمقدار عرشه. عون المعبود شرح سنن أبي داود ٤/ ٣٦٩.(٣) مداد كلماته: المداد مصدر مثل المدد وهو الزيادة والكثرة أي بمقدار ما يساويها في الكثرة، وكلماته تعالى لا تعد ولا تحصر وهي كلامه وهو صفته، فإن المراد مبالغة في الكثرة لأنه ذكر أولًا ما يحصره العدد الكثير من عدد الخلق ثم ارتقى إلى ما هو أعظم منه أي ما لا يحصيه عد كما لا تحصى كلمات الله. عون المعبود ٤/ ٣٦٩ - ٣٧٠، صحيح مسلم بشرح النوويّ ج ١٧/ ٤٤ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - باب التسبيح أول النهار وعند النوم -.(٤) هذا اقتباس من حديث ابن عباس رضي الله عنه عن جويرية أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها، ثم رجع بعدما أضحى وهي جالسة فقال: مازلت على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه =
الصمد(١)، الذي لا شريك له في ربوبيته، ولا شبيه له في أفعالِه ولا في صفاتِه، ولا في ذاته. والله أكبر، عددَ ما أحاط به علمُه، وجرى به قلمُه، ونفذ فيه حكمُه من جميع بريّاته(٢). ولا حول ولا قوة إلا بالله، تفويضَ(٣) عبدٍ لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا، ولا حياةً، ولا نشورًا، بل هو بالله(٤) وإلى الله(٥) في مبادئِ أمره ونهاياتِه. وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له(٦)، ولا صاحبة له(٧)، ولا ولد له، ولا= ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته". رواه مسلم (١٧/ ٤٤) نووي - كتاب الذكر والدعاء - باب التسبيح أول النهار وعند النوم.(١) الصمد: اسم من أسماء الله تعالى، قال ابن القيم رحمه الله: "الصمد من تصمد نحوه القلوب بالرغبة والرهبة وذلك لكثرة خصال الخير فيه لهذا قال جمهور السلف منهم ابن عباس: الصمد الذي كمل سؤدده وهو العالم الذي كمل علمه، القادر الذي كملت قدرته، الحليم الذي كمل حلمه، الرحيم الذي كملت رحمته، الجواد الذي كمل جوده". مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن قيم الجوزية ج ١/ ١٥٨، وانظر تفسير الطبري مجلد ١٥/ ج ٣٠/ ٣٤٢، مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢/ ٣١٦، اشتقاق الأسماء للزجاج ص ٢٥٢.(٢) برياته: مخلوقاته، جمع البريّة يقال: برأ الله الخلق أي خلقهم. اللسان ١/ ٣١.(٣) تفويض: من فوّض أمره إليه إذا ردّه إليه وجعله الحاكم فيه. اللسان ٧/ ٢١٠.(٤) بالله: أي معتصم به لاجئ إليه متقوٍّ بنصره.(٥) إلى الله: عائد إليه، واقف في منتهاه بين يديه.(٦) "له": سقطت من ب.(٧) "له": سقطت من ب.
كفؤ له، الذي هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه أحدٌ مِن جميع بريّاتِه.وأشهد أنّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأمينُه على وحيه، وخِيرتُه من بريّته، وسفيرُه بينه وبين عباده، وحجّتُه على خلقِه. أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة(١) بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا(٢). أرسله على حينِ فَترةٍ(٣) من الرّسُل، وطُموسٍ(٤) من السّبُل، ودُروسٍ(٥) من الكتب. والكفرُ قد اضْطَرَمت(٦) نارُه، وتطايرَ في الآفاق شرارُه. وقد استوجبَ أهلُ الأرضِ أن يَحِلَّ بهم العقابُ، وقد نظر الجبّارُ تبارك وتعالى إليهم فمَقَتَهم عربَهم وعجمَهم إلّا بقايا من أهل الكتاب(٧). وقد استند كلُّ قوم إلى ظُلَم آرائِهم، وحكموا على(١) مبعثه صلى الله عليه وسلم من علامات قرب الساعة كما جاء في حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: "بُعثت أنا والساعة كهاتين، ويشير بأصبعيه فيمدهما".رواه البخاري ١١/ ٣٤٧ - فتح.(٢) يشير إلى قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦].(٣) الفترة: ما بين كل رسولين من رسل الله عز وجل من الزمان الذي انقطعت فيه الرسالة، اللسان ٥/ ٤٤.(٤) الطموس: مصدر طمسَ الطريقُ يطمُس: درَس وامّحَى أثره. اللسان ٦/ ١٢٦.(٥) الدروس: مصدر درس الشيءُ يدرُس، أي عفا وامحى. اللسان ٦/ ٧٩.(٦) اضطرمت: اشتعلت والتهبت. اللسان ١٢/ ٣٥٤.(٧) هذا اقتباس من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: =
اللهِ سبحانه بمقالاتهم الباطلة وأهوائهم. وليلُ الكفرِ مُدْلَهِمٌّ(١) ظلامُه، شديدٌ قتامُه(٢). وسبيلُ(٣) الحقِّ عافيةٌ آثارُه، مطموسةٌ أعلامُه(٤). ففلَقَ اللهُ سبحانه بمحمّد صلى الله عليه وسلم صبحَ الإيمان، فأضاء حتى ملأ الآفاقَ نورًا، وأطلع به شمسَ الرسالة في حَنادِسِ(٥) الظُّلَمِ سراجًا منيرًا، فهدَى(٦) به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة، وبصَّرَ به من العمَى، وأرشدَ به من الغيّ، وكثَّرَ به بعد القلّة، وأعزَّ به بعد الذلّة، وأغنَى به بعد العَيْلة(٧)، واستنقذ به من الهَلَكة، وفتح به أعيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفا(٨).= " … وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب". رواه مسلم ١٧/ ٢٠٣، نووي، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها.(١) المدلهم: الأسود، ادلهم الليل والظلام: كثف سواده، وليلة مدلهمة: مظلمة، وأسود مدلهم: مبالغ به، اللسان ١٢/ ٢٠٦.(٢) القتام: هو الغبار. اللسان ١٢/ ٤٦١.(٣) ط: "سبل … آثارها … أعلامها".(٤) أعلامه: جمع العلَم، وهو ما ينصب في الطريق ليهتدى به، القاموس ص ١٤٧٢.(٥) الحِنْدِس: الظلمة وليل حندس: مظلم، وأسود حندس: شديد السواد، والحنادس: ثلاث ليال من الشهر لظلمتهن. اللسان ٦/ ٥٨.(٦) ط: "فهدى الله".(٧) العَيلة والعالة: الفاقة، ومنه قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)} [التوبة: ٢٨] اللسان ١١/ ٤٨٨.(٨) غُلْفا أي مغلفة، يقال: قلب أغلَف بيّن الغُلفة، كأنه غشي بغلاف فهو لا=
فبلّغَ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصَحَ الأمّة(١) وجاهدَ في الله حقَّ جهاده، وعَبَد اللهَ حتى أتاه اليقين من ربّه(٢). وشرح الله له(٣) صدرَه، ورفع له ذكرَه، ووضع عنه وِزرَه(٤)، وجعل الذلّةَ والصَّغارَ على من خالف أمرَه(٥).وأقسم بحياته(٦) في كتابه المبين. وقرَنَ اسمَه باسمِه، فإذا ذُكِر ذُكِر معه، كما في الخطب والتشهد والتأذين. فلا يصحّ لأحد خطبةٌ ولا تشهدٌ ولا أذانٌ ولا صلاةٌ(٧)، حتى يشهد أنه عبده ورسوله شهادة اليقين. فصلّى اللهُ وملائكتُه وأنبياؤه ورسلُه وجميعُ خلقِه عليه، كما= يعي شيئًا، ومنه قوله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوُبُنَا غُلْفُ} [البقرة/ ٨٨] اللسان ٩/ ٢٧١.(١) في ح، ط زيادة: "وكشف الغمة".(٢) فكان صلى الله عليه وسلم مطيعًا لأمر الله تعالى له {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)} [الحجر: ٩٩] واليقين: الموت.(٣) في ب: وشرح له.(٤) كما قال تعالى ممتنًّا على رسوله صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)} [الشرح: ١ - ٤].(٥) كما قال صلى الله عليه وسلم: "جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري". رواه البخاري عن ابن عمر معلقًا ٦/ ٩٨ فتح، كتاب الجهاد باب ٨٨ ما قيل في الرماح، والإمام أحمد ٤/ ٢٩.(٦) كما قال تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)} [الحجر: ٧٢] وإقسام الله تعالى به تشريف له صلى الله عليه وسلم وتكريم.(٧) يعني أن الأمور المذكورة لا تصح إلا بالجمع بين الشهادتين، فلا تكفي شهادة التوحيد حتى يقرن بها شهادة الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم.
عرّفنا بالله وهدانا إليه، وسلّم تسليمًا كثيرًا.أما بعد:فإنّ الله جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه إذا أراد أن يكرم عبده بمعرفته، ويجمع قلبه على محبته، شرح صدره لقبول صفاته العلا، وتلقيها من مِشكاة الوحي(١). فإذا ورد عليه شيء منها قابله بالقبول، وتلقّاه بالرضا والتسليم، وأذعن له بالانقياد. فاستنار به قلبه، واتسع له صدره، وامتلأ به سرورًا ومحبة. وعَلِم(٢) أنه تعريف من تعريفات الله تعالى، تعرَّفَ به إليه على لسان رسوله، فأنزل تلك الصفة من قلبه منزلةَ الغذاء أعظمَ ما كان إليه فاقة(٣)، ومنزلةَ الشفاء أشدَّ ما كان إليه حاجة. فاشتدّ بها فرحُه، وعظم بها غناه(٤)، وقويت بها معرفته، واطمأنّت إليها نفسه، وسكن إليها قلبه. فجال من المعرفة في ميادينها، وأسام(٥) عينَ(١) المشكاة: كل كوة غير نافذة، ومنه قوله تعالى: {كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} [النور: ٣٥] والمشكاة أيضًا قصبة الزجاجة التي يستصبح فيها، وهي موضع الفتيلة. اللسان ١٤/ ٤٤١، القاموس ١٦٧. ومراد المؤلف بالمشكاة نور الوحي من الكتاب والسنة.(٢) ط: "فعلم".(٣) الفاقة: الفقر والحاجة.(٤) في ح، ط: "غناؤه".(٥) أسام: من سامت الماشية تسوم سومًا: رعت حيث شاءت، وأسامها إذا أخرجها إلى الرعي وخلّاها ترعى. اللسان ١٢/ ٣١١، ومراد المصنف رحمه الله: أن هذا الناظر أرعى عين بصيرته في هذه الرياض والبساتين حتى استفاد منها واقتبس معرفة وعلمًا.
بصيرتِه بين(١) رياضها وبساتينها، لِتيقّنه بأنّ شرفَ العلم تابعٌ لِشرفِ معلومِه(٢)، ولا معلومَ أعظمُ وأجلُّ(٣) ممّن هذه صفتُه، وهو ذو الأسماء الحسنى والصفات العلا؛ وأنَّ(٤) شرَفه أيضًا بحسب الحاجة إليه، وليست حاجةُ الأرواح قطُّ إلى شيء أعظمَ منها إلى معرفة بارئها(٥) وفاطرها، ومحبته، وذكره، والابتهاج به، وطلب الوسيلة إليه، والزلْفى(٦) عنده. ولا سبيل إلى هذا إلّا بمعرفةَ أوصافه وأسمائه، فكلّما كان العبد بها أعلَم كان بالله أعرَف، وله أطلَب، وإليه أقرَب. وكلّما كان لها أنكَر كان بالله أجهَل، وإليه أكرَه، ومنه أبعَد. والله تعالى يُنْزِل العبد من نفسه حيث يُنزِله العبدُ من نفسه.فمن كان لذكر أسمائه وصفاته مبغضًا، وعنها مُعرضًا(٧) نافرًا ومنفِّرًا، فالله له أشدُّ بغضًا، وعنه أعظمُ إعراضًا، وله أكبرُ مقتًا، حتى تعود القلوب على(٨) قلبين:(١) في ح، ط: "في رياضها".(٢) في د، ظ (الحاشية) زيادة بعد (معلومه): "فكلما كان المعلوم أشرف كان العلم به أشرف".(٣) ب: "أجلّ وأعظم".(٤) في ب، د: "وكذلك".(٥) في س: "ربها".(٦) الزلفى: القربة والدرجة والمنزلة، قال تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى} [سبأ: ٣٧].(٧) كلمة (معرضًا) في الأصل وحده، وفوقها: خ صح.(٨) ط: "إلى".
قلبٌ(١) ذكرُ الأسماءِ والصفاتِ(٢) قوتُه وحياتُه، ونعيمُه وقُرّةُ عينِه، لو فارقه ذكرُها(٣) ومحبّتُها ساعةً(٤) لاستغاث: يا مقلِّبَ القلوب ثبِّت قلبي على دينك. فلسان حاله يقول:يُرادُ مِن القلبِ نسيانُكم … وتأبَى الطباعُ على الناقل(٥)ويقول:وإذا تقاضيتُ الفؤادَ تناسِيًا … ألفيتُ أحشائي بذاك شِحاحًا(٦)ويقول(٧):إذا مرِضنا تداوَينا بذكركم … فنتركُ الذكرَ أحيانًا فننتكِسُ(٨)(١) كذا ضبط في الأصل بالضم، ويجوز بالكسر (ص).(٢) ب، د، ظ: "الصفات والأسماء".(٣) طع: "ذكرها طرفة عين".(٤) في ب، د، ظ: "ذكرها ومحبتها لاستغاث". وفي طت: "ومحبتها لحظًا".وفي ح، ف، طه: "لحظة". وفي طع: "لحظات".(٥) البيت لأبي الطيب المتنبي ومعناه أن قلبي مطبوع على حبكم فلا يستطيع الاستجابة للعاذل. انظر ديوان المتنبي ٢/ ١٧.(٦) البيت لابن الفارض، وصدره في ديوانه (ص ١٢٥): وإذا دُعيتُ إلى تناسي عهدكم (ص). ومعناه أنّي إذا طلبت من القلب أن ينساك أيها الحبيب أبى ذلك علي أشد الإباء، بل إن حبك قد خالط أحشائي فهي لا تستطيع أن تفارقه.(٧) في الأصل: "ويقول الآخر".(٨) البيت لم أقف على قائله، ومعناه أن القلب يمرض ويغطيه الران وتحيط به القسوة فنذكركم فيذهب ما به، فإذا غفلنا عن ذكركم به انتكس القلب ورجع إلى حاله =
ومن المحال أن يذكر القلب مَن هو محاربٌ لصفاته، نافرٌ من(١) سماعها، معرضٌ بكلّيته عنها، زاعمٌ أنّ السلامة في ذلك(٢). كلّا والله، إنْ هو إلّا الجهالة والخِذْلان(٣)، والإعراض عن العزيز الرحيم، فليس القلب الصحيح قطُّ إلى شيء أشوقَ منه إلى معرفة ربه(٤) تعالى، وصفاته وأفعاله وأسمائه، ولا أفرحَ بشيء قطُّ كفرحه بذلك. وكفى بالعبد(٥) خِذلانًا أن يُضرَبَ على قلبه سُرادِقُ(٦) الإعراضِ عنها والنَّفرةِ والتنفيرِ(٧)، والاشتغالِ بما لو كان حقًّا لم ينفع إلا بعد معرفة الله تعالى والإيمان به وبصفاته وأسمائه.والقلب الثاني: قلبٌ مضروبٌ بسِياط الجهالة، فهو عن معرفة ربه ومحبّته مصدود، وطريقُ معرفةِ أسمائه وصفاته كما أُنزِلتْ عليه= الأول من المرض والقسوة، لذلك لا ينبغي أن نغفل عن ذكركم طرفة عين.(١) في ح: "عن".(٢) المراد أنه يستحيل أن يكون القلب ذاكرًا لله، وهو منكر لصفاته معرض عنها.(٣) يقال خذَله وخذَل عنه يخذُله خَذْلا وخِذلانًا: ترك نصرته وعونه، وخِذلان الله العبد أن لا يعصمه من الشبه فيقع فيها، نعوذ بالله من ذلك. اللسان ١١/ ٢٠٢.(٤) في د: "تبارك وتعالى".(٥) في ط: "عمى وخذلانًا".(٦) السرادق بضم السين وكسر الدال: كل ما أحاط بالشيء من حائط أو مضرب أو خباء، والجمع سرادقات. اللسان ١٠/ ١٥٧.(٧) النفرة: التفرق، ويقال نفر الظبي أي شرد، والتنفير عن الشيء: التشريد والتفريق عنه، اللسان ٥/ ٢٢٥. القاموس ٦٢٤.
مسدود، قد(١) قَمَشَ شُبَهًا من الكلام الباطل، وارتوَى من ماءٍ آجن(٢) غير طائل، تَعُجُّ منه آياتُ الصّفاتِ وأحاديثُها إلى الله عجيجًا(٣)، وتضِجُّ منه إلى مُنْزِلها(٤) ضجيجًا(٥)، مما يسومها تحريفًا(٦) وتعطيلًا(٧)،(١) في طع: "وقد". ومعنى القمش: جمع الشيء الردئ الوضيع من ههنا وههنا. اللسان ٦/ ٣٣٨.(٢) آجن: هو الماء المتغير الطعم واللون. اللسان ١٣/ ٨.(٣) عجَّ يعُجّ عَجًّا وعَجيجًا: رفع صوته وصاح، وقيده في التهذيب فقال: بالدعاء والاستغاثة. اللسان ٢/ ٣١٨.(٤) منزلها: بضم الميم وهو الله عز وجل.(٥) ضجَّ: يضِجُّ ضجيجًا إذا فزِع من شيء وغُلب وصاح مستغيثًا. اللسان ٢/ ٣١٢.(٦) التحريف في اللغة من حرّف الشيء: أماله. وفي الاصطلاح العدول بالكلام عن وجهه وصوابه إلى غيره. وهو نوعان: تحريف لفظه وتحريف معناه، والنوعان مأخوذان في الأصل عن اليهود فهم الراسخون فيهما وهم شيوخ المحرفين وسلفهم، فإنهم حرفوا كثيرًا من ألفاظ التوراة وما غلبوا عن تحريف لفظه حرّفوا معناه. ودرج على آثارهم الرافضة فهم أشبه بهم من القذة بالقذة، والجهمية فإنهم سلكوا في تحريف النصوص الواردة في الصفات مسالك إخوانهم من اليهود، ولما لم يتمكنوا من تحريف نصوص القرآن حرّفوا معانيه. الصواعق المرسلة لابن القيم ١/ ٢١٥ - ٢١٦.(٧) التعطيل: مأخوذ من العطل الذي هو الخلو والفراغ والترك، والمراد به هنا نفي الصفات الإلهية وإنكار قيامها بذاته تعالى. والفرق بين التحريف والتعطيل أنّ التعطيل نفي للمعنى الحق الذي دلّ عليه الكتاب والسنة، أما التحريف فهو تفسير النصوص بالمعاني الباطلة التي لا تدل عليها. والنسبة بينهما العموم والخصوص المطلق، فإنّ التعطيل أعمّ مطلقًا من التحريف =
ويُولي(١) معانيها تغييرًا وتبديلًا. قد أعدّ لدفعها أنواعًا من العُدَد، وهيّأ لردّها ضروبًا من القوانين، وإذا دُعي إلى تحكيمها أبى واستكبر، وقال: تلك أدلّة لفظية لا تفيد شيئًا من اليقين(٢). قد اتّخذ(٣) التأويلَ(٤)= بمعنى أنه كلما وجد التحريف وجد التعطيل دون العكس، وبذلك يوجدان معًا فيمن أثبت المعنى الباطل ونفى المعنى الحق، ويوجد التعطيل بدون التحريف فيمن نفى الصفات الواردة في الكتاب والسنة وزعم أنّ ظاهرها غير مراد، ولكنه لم يعيّن لها معنى آخر وهو ما يسمونه بالتفويض. انظر درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٤ وما بعدها، التنبيهات اللطيفة على العقيدة الواسطية للسعدي ص ١٧، شرح العقيدة الواسطية لمحمد خليل هراس ص ٢٠ - ٢١، الكواشف الجلية عن معاني الواسطية للسلمان ص ٨٩ - ٩٠.(١) ط:: يؤول".(٢) قوله: "تلك أدلة لفظية لا تفيد شيئًا من اليقين" قائل هذه العبارة هو المعطل نافي الصفات الذي لا يثبت من الصفات إلا ما ثبت عنده بالعقل ويعتبره ثبوتًا يقينيًّا. أما ما دلّ عليه النقل فلا يثبته ويعتبره ظنيًّا. وإن تعارض -فيما يظهر له- عقل ونقل قدّم العقل على النقل. انظر درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية ج ١/ ٤، أساس التقديس للرازي ص ٢٢٠.(٣) في سائر النسخ وط: أعدّ، وقد أشار إلى ذلك في حاشية الأصل.(٤) التأويل في اللغة: أصله من الأول أي الرجوع، وأوّل إليه الشيءَ: رجعه.أمّا في الاصطلاح فله ثلاثة معان:الأول في كلام الله ورسوله: حقيقة الأمر الذي يؤول إليه اللفظ. الثاني في اصطلاح المفسرين: التفسير والبيان. الثالث في اصطلاح المتكلمين: صرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه وما يخالف ظاهره. انظر =
جُنّةً(١) يَتترَّسُ(٢) بها من مواقع سهام السنّة والقرآن، وجعل إثباتَ صفاتِ ذي الجلال تجسيمًا(٣) وتشبيهًا يَصُدُّ به القلوبَ عن طريق= اللسان ١١/ ٣٢، الصواعق المرسلة لابن القيم ١/ ١٧٧ - ١٧٨، التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية ص ٩١، النونية بشرح ابن عيسى ٢/ ٣. ومراد الناظم هنا التأويل المذموم وهو الذي يتبعه المتكلمون لنفي صفات الله تعالى عنه، وسيأتي في كلام الناظم مزيد بيان عن معنى التأويل وخطره في فصل في جناية التأويل على ما جاء به الرسول والفرق بين المردود والمقبول.(١) الجُنّة: ما واراك من السلاح واستترتَ به منه. اللسان ١٣/ ٩٤.(٢) والتترّس: التستّر بالتُّرْس وهو ما يُتوفَّى به من السلاح. اللسان ٦/ ٣٢.(٣) التجسيم: هو القول بأن الله تعالى جسم من الأجسام، وهو والتشبيه شيء واحد على قول كثير من أهل العلم، والمشبهة هم الذين شبهوا الله تعالى بخلقه فقالوا: له يد كيد المخلوق ورجل كرجل المخلوق. تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. والمشبهة صنفان:صنف منهم يشبه ذاته بغيره من الذوات، وصنف: يشبه صفاته بصفات غيره، وأول من أفرط في التشبيه من هذه الأمة هم السبئية من الروافض الذين قالوا بإلاهية علي رضي الله عنه، ومن رؤوس المشبهة هشام بن سالم الجواليقي، وداود الجواربي الذي كان يثبت لمعبوده جميع أعضاء الإنسان ويقول: أعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عما وراء ذلك، وغيرهما، وعامتهم من رؤوس الروافض. وقد جاء ذم التشبيه والتحذير منه عن جمع من أهل العلم كالإمام نعيم بن حماد (ت ٢٢٨ هـ) حيث قال: من شبّه الله بخلقه فقد كفر ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله، تشبيه. وقال الإمام إسحاق بن راهويه (ت ٢٣٨ هـ): إنما التشبيه إذا قال: يد كيد أو مثل يد أو سمع كسمع أو مثل سمع. وسئل الإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ) من المشبهة؟ فقال: من قال: بصر كبصري ويد كيدي وقدم كقدمي، فقد =
العلم والإيمان. مزْجَى(١) البضاعة من العلم النافع الموروث عن خاتمِ الرسل والأنبياء، لكنه مليء بالشكوك والشُّبَه والجدال والمِراء. خلع عليه الكلامُ الباطلُ خِلعةَ(٢) الجهلِ والتجهيل، فهو يتعثرّ في(٣) أذيالِ التكفير لأهل الحديث والتبديع لهم والتضليل. قد طاف على أبواب الآراء والمذاهب، يتكفّفُ(٤) أربابَها، فانثنى(٥) بأخسِّ المواهِب(٦) والمطالِب. عَدَلَ(٧) عن الأبواب العالية الكفيلة بنهاية(٨) المراد وغاية الإحسان، فابتلي بالوقوف على الأبواب السافلة المليئة(٩) بالخيبة والحرمان. قد(١٠) لبس حُلّةً= شبّه الله بخلقه. انظر الملل والنحل للشهرستاني ١/ ٩٢، الفرق بين الفرق للبغدادي ص ٢٣٧، التبصير في الدين للإسفرائيني ص ١٠٧، درء تعارض العقل والنقل ٢/ ٣٢، العلو للذهبي ص ١٢٦.(١) المزجى: القليل، وبضاعة مزجاة: قليلة أو لم يتم صلاحها. ومنه قوله تعالى: {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ} [يوسف: ٨٨]، القاموس ١٦٦٦.(٢) الخلعة من الثياب: ما خلعتَه فطرحتَه على آخر أو لم تطرحه، اللسان ٨/ ٧٦.(٣) في ط: "بأذيال".(٤) يتكفف: يمدّ كفّه يسأل الناس. اللسان ٩/ ٣٠٣.(٥) انثنى: رجع. القاموس ١٦٣٦.(٦) المواهب: جمع الموهَبة، وهي العطية. القاموس ١٨٣.(٧) عدَل عنه يعدِل عُدولًا: حاد. القاموس ١٣٣٢.(٨) في ب "لنهاية".(٩) طت، طه: "الملآنة".(١٠) ط: "وقد".