نقض الدارمي على المريسي - ت الألمعي (عثمان بن سعيد الدارمي) القسم: العقيدة الكتاب: نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله عز وجل من التوحيد المؤلف: أبو سعيد عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد الدارمي السجستاني (ت ٢٨٠هـ) الناشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيعالمحقق: رشيد بن حسن الألمعي الطبعة: الطبعة الأولى ١٤١٨هـ - ١٩٩٨معدد الأجزاء: ٢[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
المجلد الأولمُقَدمَات:مُقَدّمَة المشرف على التَّحْقِيق:إِن الْحَمد لله نحمده، ونستعينه، وَنَسْتَغْفِرهُ، ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا، من يهده الله فَلَا مضل لَهُ، وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ، وَأشْهد أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شريك لَهُ، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، سيد الْأَوَّلين والآخرين، قدوتنا وإمامنا صلى الله وَسلم وَبَارك عَلَيْهِ وعَلى آله وَأَصْحَابه وَأَتْبَاعه وأعوانه.أما بعد:فَإِن الله تَعَالَى تولى حفظ كِتَابه بِنَفسِهِ الْكَرِيمَة، فَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} وَلم يكل ذَلِك إِلَى غَيره، فَهُوَ مَحْفُوظ بحفط الله تَعَالَى.وَحفظ الله تَعَالَى لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم حفظ لهَذَا الدَّين، الَّذِي أَصله وأساسه الْإِيمَان بِاللَّه وبربوبيته وأسمائه وَصِفَاته وأفعاله، وتوحيد الله وإخلاص الدَّين لَهُ، وَصرف الْعباد بِجَمِيعِ أَنْوَاعهَا لله، وَالْإِيمَان بِالْيَوْمِ الآخر والبعث بعد الْمَوْت، والحساب وَالْجَزَاء وَالْجنَّة وَالنَّار، والايمان بِقدر الله خَيره وشره.وَمن حفظ الله تَعَالَى لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم حفظه للسّنة المطهرة، فَإِن السّنة
الْوَحْي الثَّانِي.. {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى} حَيْثُ أَمر الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن الْكَرِيم بِالْأَخْذِ بِالسنةِ، فَقَالَ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواُ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَاّ الْبَلاغُ الْمُبِين} ، وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم} .فَالله تَعَالَى حفظ دينه بِحِفْظ كِتَابه وَسنة نبيه مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَهَيَّأَ الله الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم وقيضهم ووفقهم وهداهم لنصر دين الله، فحفظوا كتاب الله وَسنة نبيه، وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله لإعلاء كلمة الله، ففتحوا الْبلدَانِ، وكسروا ملك كسْرَى، وَقصرُوا ملك قَيْصر، ثمَّ نزحوا إِلَى الْبِلَاد الْمَفْتُوحَة، وانتقلوا إِلَيْهَا فَعَلمُوا النَّاس دين الله، ونشروا الْإِسْلَام فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا، ثمَّ تَبِعَهُمْ على ذَلِك التابعون وأتباعهم، وَمن بعدهمْ من الْأَئِمَّة وَالْعُلَمَاء، يحيون مَا اندثر من الْإِسْلَام، ويجدون لهَذِهِ الْأمة دينهَا، وينصرون النَّاس بِالْحَقِّ، ويردون الْبدع والشبه والضلالات، ويكشفون للنَّاس زيفها وزيغها ولبسها الْحق بِالْبَاطِلِ.كَمَا قَالَ الإِمَام أَحْمد رحمه الله فِي خطْبَة كِتَابه الرَّد على الْجَهْمِية والزنادقة: "الْحَمد لله الَّذِي جعل فِي كل زمَان فَتْرَة من الرُّسُل بقايا من أهل الْعلم، يدعونَ من ضل إِلَى الْهدى، ويصبرون مِنْهُم على الْأَذَى، يحيون بِكِتَاب الله الْمَوْتَى، ويبصرون بِنور الله أهل الْعَمى، فكم من قَتِيل لإبليس قد أحيوه، وَكم من ضال تائه قد هدوه، فَمَا أحسن أَثَرهم على
النَّاس، وأقبح النَّاس عَلَيْهِم، ينفون عَن كتاب الله تَحْرِيف الغالين، وانتحال المبطلين، وَتَأْويل الْجَاهِلين، الَّذين عقدوا ألوية الْبدع، وأطلقوا عقال الْفِتْنَة، فهم مُخْتَلفُونَ فِي الْكتاب، مخالفون للْكتاب، مجمعون على مُقَارنَة الْكتاب، يَقُول على الله وَفِي الله وَفِي كتاب الله بِغَيْر علم، يَتَكَلَّمُونَ بالمتشابه من الْكَلَام، ويخدعون جهال النَّاس بِمَا يشبهون عَلَيْهِم، فنعوذ بِاللَّه من فتن الضَّالّين" ا. هـ.وَمن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة وَالْعُلَمَاء الأفذاذ الَّذين حفظ الله بهم العقيدة السلفية المستمدة من الْكتاب وَالسّنة الإِمَام الْحَافِظ النَّاقِد، وَأحد الْأَعْلَام الثِّقَات الْأَثْبَات: أَبُو سعيد عُثْمَان بن سعيد التَّمِيمِي الدَّارمِيّ السجسْتانِي: من عُلَمَاء الْقرن الثَّالِث الهجري، قَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ: "كَانَ لهجًا بِالسنةِ بَصيرًا بالمناظرة جذعًا فِي أعين المبتدعة" ا. هـ.وَكتابه هَذَا -الَّذِي بَين أَيْدِينَا- الْمُسَمّى: بِالرَّدِّ على بشر المريسي، أَو نَقْضُ الْإِمَامِ أَبِي سَعِيدٍ، عُثْمَانَ بن سعيد، على المريسي الجهمي العنيد، فِيمَا افترى عَلَى اللَّهِ عز وجل مَنْ التَّوْحِيد- يعْتَبر هَذَا الْكتاب بأجزائه الثَّلَاثَة من أهم الْكتب المصنفة فِي العقيدة على مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، فَهُوَ يسْتَدلّ بِالْآيَاتِ القرآنية، وبالأحاديث النَّبَوِيَّة، وبالآثار السلفية، وبالآدلة الْعَقْلِيَّة فِي بَيَان المعتقد الْحق، وَفِي رد شبه المبتدعة، ودحض أباطيلهم.وَيعْتَبر هَذ الْكتاب من الْكتب الحديثية، بِالْإِضَافَة إِلَى بَيَان العقيدة السلفية، حَيْثُ إِن الْمُؤلف يروي الاحاديث والْآثَار بِالْأَسَانِيدِ.وَهَذَا الْكتاب يرد فِيهِ الْمُؤلف على بشر المريسي، وعَلى ابْن الثَّلْجِي، وعَلى الْمعَارض الَّذِي ينْقل أَقْوَاله المبتدعة، وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة جهمية،
فالكتاب رد على الْجَهْمِية والمبتدعة، مثل كِتَابه الآخر: الرَّد على الْجَهْمِية، وَقد أثنى الْعلمَاء على هذَيْن الْكِتَابَيْنِ، ونقلوا عَنْهُمَا، واستشهدوا بِمَا فيهمَا، كَمَا قَالَ الْعَلامَة ابْن قيم الجوزية رَحمَه الله تَعَالَى: "كتابا الدَّارمِيّ: النَّقْض على بشر المريسي، وَالرَّدّ عَليّ الْجَهْمِية، من أجل الْكتب المصنفة فِي السّنة وعلومها، وَيَنْبَغِي لكل طَالب سنة مُرَاده الْوُقُوف على مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة والتابعون وَالْأَئِمَّة أَن يقْرَأ الْكِتَابَيْنِ كِتَابيه، وَكَانَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية رحمه الله يُوصي بِهَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ أَشد الْوَصِيَّة، ويعظمهما جدًّا، وفيهَا من تَقْرِير التَّوْحِيد والأسماء وَالصِّفَات بِالْعقلِ وَالنَّقْل مَا لَيْسَ فِي غَيرهمَا" ا. هـ.وَكَانَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية رحمه الله ينْقل من هَذَا الْكتاب الصفحات فِي مؤلفات وردوده، كَمَا فِي كِتَابه الَّذِي لَا نَظِير لَهُ فِي بَاب: "اجْتِمَاع الْعقل وَالنَّقْل"، وكما نقل عَنهُ الْعَلامَة ابْن الْقيم فِي كِتَابه: "اجْتِمَاع الجيوش الإسلامية على غَزْو المعطلة والجهمية"، وكما نقل غيرههما من أهل الْعلم.وَقد قَامَ الباحث: الشَّيْخ الدكتور/ رشيد بن حسن بن مُحَمَّد الألمعي/ بتحقيق هَذَا الْكتاب تَحْقِيقا علميًّا، نَالَ بِهِ دَرَجَة علمية من كُلية أصُول الدَّين بالرياض التابعة لجامعة الإِمَام مُحَمَّد بن سعود الإسلامية.وَقد بذل الباحث فِي هَذَا الْكتاب جهدًا يشْكر عَلَيْهِ، حَيْثُ حقق نَص الْكتاب، وَذَلِكَ بِمُقَابلَة مخطوطات الْكتاب ومطبوعاته، وعلق على من يحْتَاج إِلَى تَعْلِيق، وَترْجم للرواة والأعلام، ومعظمهم من رجال الْكتب السِّتَّة؛ لِأَن الْمُؤلف يروي الْأَحَادِيث بِالْأَسَانِيدِ- وَخرج الْأَحَادِيث،
وَعَزاهَا إِلَى مصادرها، وَنقل حكم الْعلمَاء عَلَيْهَا، وَإِذا لم يجد حكما للْعُلَمَاء، فَإِنَّهُ يدرس السَّنَد والمتن، ويتبعه بالشواهد والمتابعات، ثمَّ على الحَدِيث بِبَيَان دَرَجَته بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِسْنَاده وَمَتنه، وَقَامَ بِوَضْع خَاتِمَة موجزة ضمنهَا بعض الاقتراحات والملحوظات، ثمَّ فِي النِّهَايَة ختم الْكتاب بفهارس عديدة.وَهَذَا الْكتاب كتاب عَظِيم، وطلاب الْعلم بحاجة ماسة إِلَيْهِ، وَقد نفد من الْأَسْوَاق، وَكثر السُّؤَال عَنهُ من كثير من طلبة الْعلم، وَهُوَ الْآن بطبع لأوّل مرّة محققًا تَحْقِيقا علميًّا، فأسال الله أَن ينفع بِهِ، وَأَن يُبَارك فِي الجهود، وَأَن يَجْعَل الْأَعْمَال خَالِصَة لوجهه الْكَرِيم، وَأَن يرزقنا الْعلم النافع وَالْعَمَل الصَّالح، وَالْإِخْلَاص فِي الْعَمَل، والصدق فِي القَوْل، وَأَن يخْتم لنا بِخَير، وَأَن يجعلنا هداة مهتدين، إِنَّه ولي ذَلِك والقادر عَلَيْهِ، وَصلى الله وَسلم على عَبده وَرَسُوله نَبينَا مُحَمَّد وعَلى آله وَأَصْحَابه وَأَتْبَاعه بِإِحْسَان.المشرف على تَحْقِيق الْكتابعبد الْعَزِيز بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الراجحيعُضْو هَيْئَة التدريس بجامعة الإِمَام مُحَمَّد بن سعود الإسلامية١٩/ ٦/ ١٤١٨هـ
بسم الله الرحمن الرحيممُقَدّمَة الْكتاب:وَإِن الْحَمد لله، نحمده، ونستعينه، وَنَسْتَغْفِرهُ ونستهديه، ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا من يهده الله فَلَا مضل لَهُ وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ، وَبعد:لقد كَانَ من فضل الله وتوفيقه أَن حظيت بِالْقبُولِ لمواصلة الدراسات الْعليا بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة فِي كُلية أصُول الدَّين وأنهيت المرحلة التمهيدية بنجاح وَللَّه الْحَمد، وَكَانَ عَليّ بعد هَذَا أَن أتقدم بمخطط لرسالة أستكمل بهَا الْجُزْء المتبقي من هَذِه المرحلة.وجال فِي ذهني جملَة من الموضوعات الْمُخْتَلفَة الَّتِي تعالج جَوَانِب العقيدة والمذاهب المعاصرة لَعَلَّ من أبرزها "القبوريون عقيدتهم وَحكم الْإِسْلَام فيهم" فَلَقَد أردْت أَن أَقف من خلال هَذَا الْمَوْضُوع على ضلال هَذِه الطوائف وشبهاتهم وَمَا يتعلقون بِهِ من أَوْهَام، وَمَا يعتقدونه من خرافات ضَالَّة مَا زَالَت حَتَّى يَوْمنَا هَذَا فِي كثير من الْبلدَانِ الإسلامية.كَمَا بدا لي أَن أطرق مَوْضُوع "الحكم بِغَيْر مَا أنزل الله"؛ لأقف على مدى مَا يتْركهُ هَذَا الْمنْهَج السائد فِي كثير من الدول الإسلامية وَغير الإسلامية من أثر سيئ. كَمَا جال فِي ذهني غير هَذَا وَذَاكَ مِمَّا لَهُ صلَة بالعقيدة والمذاهب المعاصرة.
وتجولت فِي جنبات المكتبات الجامعية وَغير الجامعية، وتأملت كثيرا مَا المخطوطات الَّتِي تزخر بهَا جامعاتنا وَللَّه الْحَمد، ووقفت على عدد من الْمَشَايِخ الأفاضل فِي الجامعة وَدَار الْإِفْتَاء لاستشارتهم والإفادة من توجيهاتهم، وَكَانَ لرحابة الصَّدْر لَدَى كثير مِنْهُم أثر جلي أَجِدهُ فِي نَفسِي وَلَا أنساه.وَمن جملَة مَا حظيت بِهِ من توجيهات وآراء عقدت الْعَزْم على أَن يكون مَوْضُوع رسالتي تَحْقِيقا لمخطوط أعيش من خلاله على جهد علم من أَعْلَام الْمُسلمين الجهابذة، وَهُوَ ينافح عَن معتقده وَدينه فِي مُوَاجهَة المبتدعة.وَلَا شكّ أَن إحْيَاء التراث الإسلامي الَّذِي يتَضَمَّن الْفَهم الصَّحِيح للعقيدة الإسلامية ضَرُورَة ملحة وخاصة فِي وقتنا هَذَا الَّذِي نلمس فِيهِ -وَللَّه الْحَمد- معالم يقظة إسلامية فِي شَتَّى أنحاء الْبِلَاد الإسلامية.وَعَلِيهِ فَلَا بُد لهَذِهِ الْأمة من مفاهيم سليمَة ومعالم صَحِيحَة فِي طَرِيق عودتها إِلَى الله تبين لَهَا الْمنْهَج السَّلِيم فِي فهم الأَصْل الَّذِي تنبي عَلَيْهِ جَمِيع الْأَعْمَال وَالْقَاعِدَة الأساسية لبِنَاء الْمُجْتَمع الإسلامي السَّلِيم أَلا وَهِي العقيدة الصَّحِيحَة.وَنحن نعتقد اعتقادًا جَازِمًا أَن الْمنْهَج السَّلِيم والاعتقاد الصَّحِيح الَّذِي يجب أَن نقدمه للْأمة، هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة من الِاعْتِقَاد الصَّحِيح المستمد من الْفَهم الصَّحِيح لكتاب الله وَسنة رَسُوله.ونعتقد أَيْضا أَنه لم ينل هَذِه الْأمة مَا نالها إِلَّا نتيجة انحرافها وعدولها عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ سلف هَذِه الْأمة من طَهَارَة الْقلب ونقاء السريرة وَصفاء الِاعْتِقَاد.
فَلَقَد كَانَ للمخلفات الوثنية والمناهج الفلسفية، وانضواء عدد من المغرضين الَّذين اندسوا فِي صُفُوف الْمُسلمين وَالْإِسْلَام مِنْهُم برَاء، كَانَ لهَذَا وَلغيره الْأَثر الْبَالِغ على الآمة الإسلامية مُنْذُ فجر التَّارِيخ الإسلامي.وَقد قيض الله الْأمة على فترات من الزَّمن من أبنائها المخلصين من يذود عَن حمى الْإِسْلَام وحرماته جهادًا بِالسَّيْفِ والقلم وَاللِّسَان مُنْذُ فجر الْإِسْلَام إِلَى الْيَوْم وَإِلَى أَن تقوم السَّاعَة بِمَشِيئَة الله.وَقد كَانَ الإِمَام عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارَمِيُّ رحمه الله أحد هَؤُلَاءِ الأفذاذ الَّذين حفظ الله بهم عقيدة هَذِه الْأمة، وَكتابه هَذَا يعد فِي أَوَائِل المصنفات الَّتِي صنفت فِي بَيَان حَقِيقَة مَا كَانَ عَلَيْهِ سلف هَذِه الْأمة من سَلامَة الِاعْتِقَاد، مَعَ مَا اشْتَمَل من الْآيَات القرآنية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة الشَّرِيفَة وآثار السّلف مُضَافا إِلَيْهِ الا ستدالال الْعقلِيّ فِي رد شبه الْمُخَالفين لأهل السّنة وَالْجَمَاعَة ودحض أباطيلهم، وَلِهَذَا كَانَ على قدر كَبِير من الأهمية والنفع اللَّذين شهد بهما لَهُ المنصفون.وَقد وَقع اخْتِيَاري على هَذَا الْكتاب لأَقوم بتحقيقه وَالتَّعْلِيق عَلَيْهِ بأجزائه الثَّلَاثَة ليَكُون مَوْضُوعا لرسالتي لنيل دَرَجَة التخصص فِي العقيدة" الماجستير" فِي كُلية أصُول الدَّين بالرياض.وَقد قسمت الْعَمَل فِي تَحْقِيق هَذَا الْكتاب إِلَى قسمَيْنِ:الْقسم الأول: وَقد اشْتَمَل على بَابَيْنِ:الْبَاب الأول: عرفت فِيهِ بالمؤلف وخصميه المريسي وَابْن الثَّلْجِي:وَيَقَع فِي ثَلَاثَة فُصُول:الْفَصْل الأول: عرفت فِيهِ بالمؤلف فِي مبحثين:
المبحث الأول: عصره السياسي والعملي.المبحث الثَّانِي: حَيَاته:تناولت فِيهِ التَّعْرِيف باسم الْمُؤلف وكنيته، وَنسبه ومولده، وَطَلَبه للْعلم، وشيوخه، وتلاميذه، وَمَا نقل عَنهُ من الْفَوَائِد والغرائب، واعتزازه بمكانته فِي الْعلم، والعلوم الَّتِي برز فِيهَا، وثناء الْعلمَاء عَلَيْهِ، وموقفه من المبتدعة، ثمَّ وَفَاته، وآثاره.الْفَصْل الثَّانِي: عرفت فِيهِ بالمريسي فِي مبحثين:المبحث الأول: عصر المريسي السياسي والعلمي.المبحث الثَّانِي: حَيَاته:تناولت فِيهِ التَّعْرِيف باسمه، وَنسبه، وكنيته، ومولده، ونشأته، وَصفته، وَطَلَبه للْعلم، وشيوخه، ومناظراته، وعقيدته، وموقف الْعلمَاء مِنْهُ، ووفاته واستبشار النَّاس بِمَوْتِهِ، وآثاره،الْفَصْل الثَّالِث: عرفت فِيهِ بِابْن الثَّلْجِي فِي مبحثين:المبحث الأول: عصر ابْن الثَّلْجِي السياسي والعملي.المبحث الثَّانِي: حَيَاته:وتناولت فِيهِ التَّعْرِيف باسمه، وكنيته، وَنسبه، ومولده، وَطَلَبه للْعلم وشيوخه، وتلاميذه، وَبَعض مَا نسب إِلَيْهِ من الرِّوَايَات، وعقيدته، وموقفه من الْعلمَاء، ثمَّ فَاتَهُ وآثاره.الْبَاب الثَّانِي: عرفت فِيهِ بِالْكتاب المخطوطة فِي فصلين:الْفَصْل الأول: التَّعْرِيف بِالْكتاب:
وَقد تضمن: اسْم الْكتاب، ونسبته إِلَى الْمُؤلف، وموضوعه، وَسبب التَّأْلِيف، وتاريخ تأليفه، ومنهج الْمُؤلف فِي هَذَا الْكتاب، وَقِيمَته العلمية.الْفَصْل الثَّانِي: التَّعْرِيف بالمخطوطة:ويتضمن: عدد نسخ المخطوطة، والتعريف بالنسخ، وتاريخ النّسخ وَالنُّسْخَة الأَصْل وَسبب اخْتِيَارهَا، والسماعات على النّسخ، ونماذج من المخطوطات.الْقسم الثَّانِي: "الْكتاب محققًا".والمنهج الَّذِي اتبعته فِي تَحْقِيقه وَالتَّعْلِيق عَلَيْهِ مَا يَلِي:١- عزو الْآيَات إِلَى موَاضعهَا فِي كتاب الله الْكَرِيم.٢- تَخْرِيج الْأَحَادِيث والْآثَار:فقد أورد الْمُؤلف كثيرا مِنْهُ فِي كِتَابه هَذَا بأسانيدها، وَلم يذكر مخرجيها مِمَّا اضطرني إِلَى الْبَحْث عَنْهَا فِي مظان وجودهَا وَقد وقفت على أَكْثَرهَا وَللَّه الْحَمد وَاتَّبَعت فِي تخريخها وَالْحكم عَلَيْهَا مَا يَلِي:أ- إِذا كَانَ الحَدِيث مخرجا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا اكتفيت بالعزو إِلَيْهِ فِي مَكَان وجوده مُبينًا اللَّفْظ الَّذِي ورد بِهِ إِن كَانَ فِيهِ اخْتِلَاف وَلَا أطيل بعد هَذَا فِي الْإِشَارَة إِلَى أَمَاكِن وجوده فِي غَيرهمَا.ب- إِذا كَانَ فِي غَيرهمَا فِي كتب الصِّحَاح وَالْمَسَانِيد والجوامع والمستدركات وَنَحْوهَا، فَإِنِّي أُشير إِلَى مَكَان وجوده فِيهَا مستفيدًا من ذكر الحكم عَلَيْهِ من بعض الْمُحدثين كالترمذي وَالْحَاكِم وَغَيرهمَا.
ج- إِذا لم أَقف لأحد من الْمُحدثين على حكم الحَدِيث أَو الْأَثر فَإِنِّي أبين دَرَجَته بِالنّظرِ إِلَى إِسْنَاده وَمَتنه، ثمَّ أتبعه بِمَا أَقف عَلَيْهِ من الشواهد والمتابعات الَّتِي تعضده وتقوي مَعْنَاهُ إِن وجدت.٣- شرح الْكَلِمَات الغريبة وَبَيَان مدلولاتها من خلال كتب اللُّغَة.٤- التَّعْرِيف بالأماكن والبلدان الْوَارِدَة فِي الْكتاب.٥- تَرْجَمَة الْأَعْلَام.فقد أورد الْمُؤلف فِي كِتَابه هَذَا مئات الْأَشْخَاص ترجمت للكثرة الكاثرة مِنْهُم، وَلم يفتني إِلَّا النزر الْيَسِير جدًّا، وَلَا أَدعِي أَنِّي قد أصبت فِي كل الَّذين ترجمت لَهُم وحسبي أَنِّي بذلت الْجهد فِي ذَلِك.وَلما كَانَ مُعظم المترجم لَهُم فِي هَذَا الْكتاب فِي تعريفهم عَمَدت إِلَى تقريب السِّتَّة، وَكنت بحاجة إِلَى الِاخْتِصَار فِي تعريفهم عَمَدت إِلَى تقريب التَّهْذِيب لِابْنِ حجر كمصدر أساسي للتَّرْجَمَة، إِذْ هُوَ من أَجود المختصرات النافعة فِي تراجم الرِّجَال خَاصَّة، وَهُوَ يُعْطي المراجع عصارة الْأَقْوَال فِي الشَّخْص المترجم لَهُ من حَيْثُ الْجرْح وَالتَّعْدِيل.وَقد سرت على الِاصْطِلَاح الَّذِي اتبعهُ ابْن حجر فِي كِتَابه التَّقْرِيب من اسْتِعْمَال الرموز الدَّالَّة على الْأَلْفَاظ، وَهِي:"خَ" للْبُخَارِيّ، فَإِن كَانَ الحَدِيث عِنْده مُعَلّقا"خت"، وللبخاري فِي الْأَدَب الْمُفْرد"بخ"، وَفِي خلق أَفعَال الْعباد"عخ" وَفِي جُزْء الْقِرَاءَة "ز"، فِي رفع الْيَدَيْنِ "ي"، وَلمُسلم "م"، وَلأبي دَاوُد "د"، وَفِي الْمَرَاسِيل "مد"، وَفِي فَضَائِل الْأَنْصَار "صد" وَفِي النَّاسِخ "خد"، وَفِي الْقدر
"قد"، وَفِي التفرد "ف"، وَفِي الْمسَائِل "ل"، وَفِي مُسْند مَالك "كد"، وللترمذي "ت"، وَفِي الشَّمَائِل لَهُ "تمّ"، وللنسائي "س"، وَفِي مُسْند عَليّ لَهُ "عس" وَفِي التَّفْسِير لَهُ "فق ".كَمَا أَنه اسْتعْمل الرَّمْز "ع"‘ إِذا أخرج لَهُ أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة، وَالرَّمْز "ع" إِذا أخرج لَهُ الْأَرْبَعَة، وَلما كَانَ هَذَا الرَّمْز كِتَابَته بالآلة الكاتبة فقد صرحت فِيهِ بِذكر لفظ "الْأَرْبَعَة".ثمَّ قَالَ: وَمن لَيست لَهُ عِنْدهم رِوَايَة مرقوم عَلَيْهِ "تَمْيِيز".كَمَا أَنه سَار فِي الطَّبَقَات على اعْتِبَار أَن من كَانَ من الأولى وَالثَّانيَِة فهم قبل الْمِائَة، وَإِن كَانَ من الثَّالِثَة إِلَى آخر الثَّامِنَة فهم بعد الْمِائَة، وَإِن كَانَ من التَّاسِعَة إِلَى آخر الطَّبَقَات فهم بعد الْمِائَتَيْنِ وَمن ندر عَن ذَلِك بَينه.وَقد سرت فِي تَحْدِيد الْوَفَاة لأغلب التراجم على اصْطِلَاح ابْن حجر هَذَا وَرُبمَا أثبت أَحْيَانًا سنة الْوَفَاة حسب مَدْلُول الِاصْطِلَاح.وَلم أقتصر على تقريب ابْن حجر، فكثيرًا مَا أستعين بالمطولات فِي بَابه وبغيرها من كتب التراجم الْمُخْتَلفَة.وَإِذا ترجمت لشخص أَو عرفت براو، وتكرر اسْمه مرّة أخري، أَشرت إِلَى مَوضِع تَقْدِيمه فِي الْكتاب.٦- تناولت بالتعريف الْملَل والنحل وَالْفرق والأديان الَّتِي وَردت فِي الْكتاب.٧- الْمُقَابلَة: وَاتَّبَعت فِيهَا مَا يَلِي:أ- اعتمدت إِحْدَى النّسخ أصلا وَذكرت الفروق الَّتِي فِي النّسخ
الْأُخْرَى فِي الْحَاشِيَة، وَإِذا كَانَ مَا فِي النّسخ الْأُخْرَى هُوَ الْأَقْرَب للصَّوَاب أَو بِهِ يَتَّضِح الْمَعْنى ذكرت ذَلِك.ب- إِذا كَانَ مَا فِي الأَصْل مِمَّا لَا يحْتَمل الصَّوَاب كَمَا لَو كَانَ خطأ فِي أَيَّة قرآنية أَو خطأ نحويًّا أَو نَحْو ذَلِك، فَإِنِّي أثبت الصَّوَاب وأشير إِلَى خطأ نُسْخَة الأَصْل فِي الْحَاشِيَة، وَإِن كَانَ مِمَّا يحْتَمل التَّوْجِيه أثْبته فِي الأَصْل وَذكرت تَوْجِيه ذَلِك فِي الْحَاشِيَة، وَقد أترك التَّوْجِيه فِي بعض الفروق لفظته الْقَارئ.ج- عمد نَاسخ الأَصْل إِلَى اصْطِلَاحَات الْخط الْقَدِيم فِي كِتَابَته فَهُوَ يغْفل الْهمزَة فِي نَحْو لفظ الرُّؤْيَة وَقَائِل وَشَيْء وَنَحْو ذَلِك، وَيتْرك ألف الْمَدّ فِي نَحْو مُعَاوِيَة وَإِسْحَاق، وَيتْرك الإعجام لبَعض الْحُرُوف الْمُعْجَمَة إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يعرف مُرَاده بِهِ خلال السِّيَاق وَتَأمل النّسخ الْأُخْرَى، وَكتب التراجم، وَقد طوعت الْخط الْقَدِيم الَّذِي كتبه نَاسخ الأَصْل إِلَى اصْطِلَاحَات الْإِمْلَاء الحديثة من غير أَن أذكر فروق الأَصْل لِئَلَّا تطول بذلك الْحَوَاشِي.٨- قُمْت بِوَضْع خَاتِمَة موجزة ضمنتها بعض الاقتراحات والملاحظات.٩- قُمْت بِعَمَل فهارس اشْتَمَلت على مَا يَلِي:أ- فهرس الْآيَات القرآنية.ب- فهرس الْأَحَادِيث والْآثَار.ج- فهرس الْفرق والأديان.د- فهرس الْكَلِمَات الغريبة.
هـ- فهرس المصطلحات.وفهرس الْأَشْعَار والأمثال، والقبائل، والبلدان واللغات وَنَحْوهَا.ز- فهرس أَسمَاء الْكتب.ح- فهرس الْأَعْلَام.ط- فهرس المراجع.ي- فهرس الموضوعات.وَبعد: فَالْحق أَن مثلي يقصر بَاعه دون الْوُصُول إِلَى مَا يتطلع إِلَيْهِ ذَوُو النهم العلمي وَأَصْحَاب الهمم الْعَالِيَة، وحسبي أَنِّي قد بذلت الْجهد فَإِن أصبت فَمن الله، وَإِن أَخْطَأت فَمن نَفسِي وَمن الشَّيْطَان، وَالله وَرَسُوله بريئان مِنْهُ.وَلَعَلَّ من أبرز مَا واجهته من صعوبات حصولي على النُّسْخَة المخطوطة الَّتِي اعْتمد عَلَيْهَا الشَّيْخ مُحَمَّد حَامِد الفقي فِي طبعه لهَذَا الْكتاب، وأحسب أَنَّهَا ضمن ممتلكات أحفاده فِي مصر، وَكنت قد بذلت مَا أمكنني للحصول عَلَيْهَا من بعض أحفاده واستعنت بِبَعْض من لَهُم بهم وجاهة وصلَة، إِلَّا أَن ذَلِك لم يجد بِشَيْء، وَقد أغناني عَن الْمَزِيد من الاستجداء أَن المطبوعة الَّتِي قَامَ بطبعها حَامِد الفقي مُقَابلَة عَلَيْهَا فاكتفيت بهَا مستعينًا بطبعة أُخْرَى قَامَ بطبعها ضمن مَجْمُوع عقائد السّلف كل من الأستاذين عَليّ سامي النشار وعمار الطَّالِبِيُّ.كَمَا أَن من الصعوبات الَّتِي واجهتها هُوَ ذَلِك الْجهد الَّذِي كنت أبذله.