العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (ابن الوزير) القسم: العقيدة الكتاب: العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم المؤلف: ابن الوزير، محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني القاسمي، أبو عبد الله، عز الدين، من آل الوزير (ت ٨٤٠ هـ)حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه، وعلّق عليه: شعيب الأرنؤوط [ت ١٤٣٨ هـ]الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت الطبعة: الثالثة، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ معدد الأجزاء: ٩[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم - جـ ١ـ[العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم]ـ المؤلف: الإمام العلامة النظار المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير اليماني المتوفى سنة ٨٤٠ هـحققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه، وعلّق عليه: شعيب الأرنؤوط الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت الطبعة: الثالثة، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ معدد الأجزاء: ٩[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
العواصم والقواصمفيالذب عن سنة أبي القاسم١
جميع الحقوق محفوظَةلمؤسسَة الرسَالةولا يحق لأية جهة أن تطبع أو تعطي حق الطبع لأحد.سَواء كان مؤسسَة رسميّة أو أفراداً.الطبعة الثالثة١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيعمؤسسة الرسالة بَيْروت - شارع سُوريا - بناية صَمَدي وَصالحةهاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - ص. ب: ٧٤٦٠ برقياً، بيوشران
قالوا في «العواصم» ومصنفه:١ - «كان مقبلاً على الاشتغال بالحديث، شديد الميل إلى السُّنَّة». الحافظ ابن حجر «إنباء الغمر» ٧/ ٣٧٢٢ - «إن العواصم والقواصم يشتمل على فوائد في أنواع من العلوم، لا توجد في شيء من الكتب، ولو خرج هذا الكتاب إلى غير الديار اليمنية لكان من مفاخر اليمن وأهله». الشوكاني «البدر الطالع» ٢/ ٩١٣ - «والذي يغلب على الظن أنّ شيوخه لو جمعوا جميعاً في ذاتٍ واحدةٍ لم يبلغ علمهم إلى مقدار علمه، وناهيك بهذا، ولو قلت: إن اليمن لم تنجب مثله، لم أبعد عن الصواب». الشوكاني «البدر الطالع» ٢/ ٩٢٤ - «كان فريد العصر، ونادرة الدهر، خاتمة النُّقاد، وحامل لواء الإسناد، وبقية أهل الاجتهاد، بلا خلاف وعناد، رأساً في المعقول والمنقول، إماماً في الفروع والأصول». صدّيق حسن خان «أبجد العلوم» ٣/ ١٩٠
" الروضة "؟ أم من " المنهاجِ "؟ أم من " فتح العَزِيزِ "؟ أم من كتاب " الأمِّ "؟ أم من كتاب " المحصولِ " للرازيِّ، أم " المستصفي " للغزاليِّ؟ أم " البُرهانِ " للجُويني؟ أم من أيِّ مصنفاتِهِ؟ فهي منتشرةٌ في البلاد، سائرةٌ في الأغوارِ والأنجادِ.وقد شدَّد السَّيِّد في نِسبة الصِّحاحِ المسموعةِ إلى أربابِها مع عِنايةِ أهلِ هذا الشأنِ بها، فكيف بِنسْبَةِ هذا المذهبِ الغريبِ إلى هذا الإمامِ الجليلِ؟!.الثاني: أنَّ المنقولَ في كتبِ الشافعيةِ نقيضُ ما ذكرتَه من غيرِ ذكرٍ لخلافٍ فيه، لا عن الشافعيِّ، ولا عن سِواهُ، فهذا إمامُ الشافعية تاجُ الدِّين أبو نصرٍ السُّبْكيُّ (١) في كتابهِ " جَمْعِ الجَوامعِ " في الكِتَاب السابعِ= عشر مجلداً، وكان مما من الله علي وعلى زميلي الفاضل الشيخ عبد القادر الأرنؤوط أن تولينا تحقيقه وضبطه ومقابلته على ثلاثة أصول خطية جيدة، منها اثنتان في دار الكتب الظاهرية بدمشق.و" المنهاج " هو للإمام النووي أيضاً، وهو كتاب لطيف الحجم يكثر تداوله بين العلماء والطلبة، وهو عمدة الشافعية في معرفة المذهب، اختصره وزاد عليه تصحيحات واختيارات من كتاب " المحرر " للإمام الرافعي، وقد طبع أكثر من مرة، وشرحه غير واحد من أهل العلم.وأما كتاب " فتح العزيز" واسمه الكامل " فتح العزيز على كتاب الوجيز " - فهو للإمام أبي القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل القزويني المتوفى سنة ٦٢٣ هـ شرح فيه كتاب " الوجبز" للإمام الغزالي، وهو شرح كبير حافل ينبىء عن كون صاحبه متبحراً في مذهب الإمام الشافعي، وفي علوم كثيرة يقع في بضعة عشر مجلداً طبع قسم منه بهامش " المجموع " للإمام النووي، وهذا الشرح هو الذي اختصره الإمام النووي في كتابه " روضة الطالبيين " الذي تقدم وصفه.(١) هو الإمام العلامة تاج الدين أبو النصر عبد الوهَّاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، ولد بمصر سنة تسع وعشرين وسبع مئة، ولازم الاشتغالَ بالفنون على أبيه وغيره حتى مهر، وهو شاب، وصنف كتباً نفيسه، وانتشرت في حياته، وبعد موته: توفي سنة ٧٧١ هـ. وكتابه " جمع الجوامع " في أصول الفقه جمعه من زهاء مئة مصنف شتمل على زبدة ما في شرحيه على مختصر ابن الحاجب، والمنهاج للبيضاوي مع زيادات وبلاغة في الاختصار، ورتب على =
الإمام محمد بن إبراهيم الوزيروكتابه العواصم والقواصمبقلمالقاضي الفاضل الأستاذ إسماعيل الأكوعرئيس الهيئة العامة للآثار ودور الكتب باليمن الشمالي
إلى الاحتجاج بالمنظومِ والمنثورِ.قالَ: وكيفَ يكونُ حالُ هذا المجتهدِ الذي يَحْتاجُ إلى كُتُبِهِ في عيونِ المسائلِ إذا اغْتُصِبَتْ كُتُبُه، أو سُرِقَتْ: هل يَبْطُلُ إجتهادُه، أو يقال: سُرِقَ عِلْمُهُ أو اغتُصِبَ ومُنِعَ منه ونُهِبَ؟!.أقول: هذه الحجةُ الثالثةُ مِن حُجَجِ السيِّدِ -أيَّده اللهُ- في هذه المسألةِ، وما هي إلَاّ قَعْقَعَةٌ في العِبارةِ، وتهويلٌ لَيْسَ تحتَه مِن العِلْمِ أَثَارَةٌ، ولستُ بحمدِ اللهِ مِمَّن تَهُولُهُ القَعْقَعَةُ، ولا تَسْتَغْلِطُهُ الألْفاظُ المسَجَّعَةُ، وَمَا أنَا مِن جِمَالِ بني أقَيْشٍ يُقَعْقَع خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنٍّ (١) وبيانٌ ما ذكرتُهُ يَظْهَرُ بالكلامِ في عَشْرةِ أنظارٍ: معارضَاتٍ وتحقيقاتٍ:النظرُ الأوَّلُ: مِن قَبِيلِ المعارضاتِ وهو أن نقولَ: إيرادُ مثلِ هذا الكلامِ مُمْكِنٌ في المجتهد والمقلد والقارىء في أيِّ فنٍّ مِن الفنونِ السَّمعيَّةِ، والمعتمدِ على الكتبِ في جميعِ المعارفِ النَّقْلِيَّةِ، فَيَلْزَمُ السَّيِّدَ -أيَّده الله- أن يُوجِبَ على نفسهِ وعلى غيرهِ من المقلِّدينَ لأمواتِ العلماءَ(١) اقتباس من قول النابغة الذُّبياني:كأنك مِن جِمالِ بني أُقيش … يُقعْقَعُ خلفَ رِجَليْهِ بشَنِّوهو البيتُ العاشر من قصيدة في ديوانه ٢٤٦ مطلعها:غشِيتُ منازِلاً بعُرَيْتِنَاتٍ … فأعلى الجزعِ للحي المِبَنٌّوقوله كأنك من جمال - هذا خطاب لعيبنة بن حصن الفزاري، وبنو أقيش: فخذ من أشجع، وقيل: حي من اليمن، وإبلهم غيرُ عتاق يضرب بنفارها المثل، ويقعقع بالبناء للمفعول، والقعقعة: تحريك الشيء اليابس الصلب، والشن: القِربة البالية، وتقعقعها يكون بوضع الحصى فيها وتحريكها، فيسمع منها صوت، وهذا مما يزيد في نفورها. جعل عيينة كالجمل النافر لجبنه وخفته عند الفزع. والبيت استشهد به سيبويه ٢/ ٣٤٥ على حذف الاسم الموصوف لدلالة الصفة عليه، والتقدير: كأنك جمل من جمال بني أقيش. وهو في " شرح المفصل " لابن يعيش ١/ ٦١ و٣/ ٥٩، و" خزانة الأدب " ٢/ ٣١٣، و" شواهد العيني " ٤/ ٦٧، والأشموني ٣/ ٧١.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمدُ لله نحمُده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ باللهِ من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهدِ الله، فهو المهتدي، ومن يُضلِل، فلا هادِيَ له ونصلي ونسلِّم على رسول الله الهادي إلى أقوم طريق، وأوضح سبيل، وعلى آله وصحبه أجمعين.أما بعد، فإني لا أجد -وأنا أتحدثُ عن الإمام الجليل محمد بن إبراهيم الوزير، رحمه الله عبارةً تصفُ علماء السنة المجتهدين في اليمن وهو في مقدمتهم أدق وأشمل من كلمة شيخ الإسلام الشوكاني رحمه الله وهو يترجم للإمام تفسه في كتابه " البدر الطالع " مشيراً إلى جهل علماء المسلميين خارج اليمن بمكانة علماء السنة في اليمن، وعُلُوِّ منازلهم، وطول باعهم، ورسوخ أقدامهم في ميادين الاجتهاد وهذا نصُّها:"ولا ريب أن علماء الطوائف لا يُكثرُون العناية بأهل هذه الديار (اليمن) لاعتقادهم في الزيدية ما لا مقتضى له إلا مجرد التقليد لمن لم يطَّلِع على الأحوال، فإن في ديار الزيدية من أئمة الكتاب والسنة عدداً
يُجاوِز الوصف، يتقيِّدونَ بالعمل بنصوص الأدلة، ويعتمدون على ما صحَّ في الأمهات الحديثية، وما يلتحق بها مِن دواوين الإسلام المشتملة على سنة سيد الأنام، ولا يرفعون إلى التقليد رأساً، لا يشوبون دينَهم بشيء من البدع التي لا يخلو أهلُ مذهب من المذاهب من شيء منها. بل هُم على نمط السلف الصالح في العمل بما يدل عليه كتابُ الله، وما صحَّ من سنة رسول الله مع كثرة اشتغالهم بالعلوم التي هي آلات علم الكتاب والسنة من نحوٍ وصرفٍ وبيانٍ وأصولٍ ولغةٍ، وعدم إخلالهم بما عدا ذلك من العلوم العقلية. ولو لم يكن لهم مِن المزية إلا التقيدُ بنصوصِ الكتاب والسنة، وطرح التقليد، فإن هذه خصيصة خصَّ اللهُ بها أهل هذه الديار في هذه الأزمنة الأخيرة، ولا تُوجد في غيرهم إلا نادراً" (١).أما سببُ تفرد اليمن بظهور علماء مجتهدين ملتزمين بالعملِ بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم غير ميِّالين إلى أيِّ مذهب من المذاهب الإسلامية المعروفة، فيرجِعُ إلى أن المذهب الزيدي في أصل عقيدته يدعو إلى الاجتهاد، فلم يَحجُرْ على أتباعه حريةَ التفكير، ولا قيَّدهم بالتزام نصوصه وآرائه، ولكنه أطلق لهم العِنَانَ، وترك لهم الخِيار بعد أن جعل بات الاجتهاد مفتوحاً لمن حذق علومه واستوفى شروطه؛ فكان هذا حافزاً لمن وهبه اللهُ ذكاءً وفِطنة، ورزقه فهماً وبصيرة أن يعملَ بما أوصله إليه اجتهادُه من أدلة الكتاب والسنة، فكان الإمام محمد بن إبراهيم الوزير أبرزَ منْ بلغ أقصى درجاتِ الاجتهاد المطلق، وكذلك الحسن بن أحمد الجلال (١٠١٤ - ١٠٨٤) وصالح بن مهدي المَقْبلي (١٠٣٨ - ١١٠٨) ومحمد بن إسماعيل الأمير (١٠٩٩ - ١١٨٢) ومحمد(١) البدر الطالع ٢/ ٨٣.
ابن علي الشوكاني (١١٧٣ - ١٢٥٠)، رحمهم الله جميعاً على تفاوتٍ فيما بينهم.ولم أخص هؤلاء بالذكر إلا لأنهم نَعَوْا على العلماء المقلدين جمودَهم، وحثُّوا المسلمين على العمل بالكتاب والسنة، فهذا شيخ الإسلام الشوكاني يستطردُ في ترجمته للإمام الوزير استنكاره على العلماء المقلدين، فيقول: " وإني لأكثر التعجب من جماعة من أكابر العلماء المتأخرين الموجودين في القرن الرابع وما بَعده، كيف يقفونَ على تقليد عالم من العلماء، ويُقدمونه على كتاب الله وسنة رسوله مع كونهم قد عرفوا من علم اللسان ما يكفي فيم فهم الكتاب والسنة بعضه؟ فإن الرجل إذا عرف من لغة العرب ما يكون به فاهماً لما يسمعه منها، صار كأحد الصحابة الذين كانوا في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم، ومن صار كذلك، وجب علبه التمسكُ بما جاء به رسولُ الله ععلى الله عليه وآله وسلم، وترك التعويل على محض الآراء. فكيف بمنْ وقف على دقائق اللغة وجلائلها إفراداً وتركيباً وإعراباً وبناء؟، وصار في الدقائق النحوية والصرفية والأسرار البيانية، والحقائق الأصولية بمقام لا يخفى عليه مِن لسان العرب خافية، ولا يَشذُّ عنه منها شاذة ولا فاذة، وصار عارفاً بما صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تفسير كتاب الله، وما صحَّ عن علماء الصحابة والتابعين، ومنْ بعدهم إلى زمنه، وأتعب نفسه في سماع دواوين السنة التي صنفتها أئمة هذا الشأن في قديم الأزمان وفيما بعده فمن كان بهذه المثابة فكيف يسوغ له أن يعدل عن آية صريحةٍ، أو حديث صحيحٍ إلى رأي رآه أحدُ المجتهدين؟ حتى كأنه أحدُ الأغتام الذين لا يعرفون من رسوم الشريعة رسماً. فيالله العجب، إذا كانت نهايةُ العالم كبدايته؛ وآخر أمره كأوله، فقل لي: أيُّ فائدةٍ لتضييع الأوقات في المعارف العلمية؟ فإن قول
إمامه الذي يُقلِّده هو ما كان يفهمه قبل أن يشتغل بشيء من العلوم سواه كما نُشاهده في المقتصرين على علم الفقه، فإنهم يفهمونه، بل يصيرون فيه من التحقيق إلى غاية لا يخفى عليه منه شيء، ويدرسون فيه، ويُفتون به وهم لا يعرفون سواه، بل لا يُميزون بينَ الفاعل والمفعول (١).ثم خَلَصَ شيخ الإسلام إلى هذه النصيحة: " والذي أدينُ الله به أنه لا رُخصةَ لمن علِمَ من لغة العرب ما يفهم به كتاب الله بعد أن يُقيم لسانه بشيء من علم النحو والصرف وشطرٍ من مهمات كليات أصول الفقه في ترك العمل بما يفهمه من آيات الكتاب العزيز، ثم إذا انضم إلى ذلك الاطلاعُ على كتب السنة المطهرة التي جمعها الأئمة المعتبرون، وعملَ بها المتقدمون والمتأخرون، كالصحيحين وما يلتحقُ بهما مما التزم فيه مصنفوه الصحة، أو جمعوا فيه بينَ الصحيح وغيره مع البيانِ لما هو صحيح، ولما هو حسن، ولما هو ضعيف، وجب العملُ بما كان كذلك من السنة، ولا يَحِل التمسكُ بما يُخالفه من الرأي، سواء كان قائله واحداً أو جماعة أو الجمهور، فلم يأت في هذه الشريعة الغراء ما يدل على وجوب التمسك بالآراء المتجردة عن معارضة الكتاب والسنة فكيف بما كان منها كذلك، بل الذي جاءنا في كتاب الله على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا". إلى آخر ما أورده في الحث على العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وحدهما (٢) ". مولد الإمام الوزير:وُلِدَ على المشهور الصحيح في رجب سنة ٧٧٥ بهجرة الظَهْرَاوين(١) المصدر نفسه ٢/ ٨٤.(٢) المصدر نفسه ٢/ ٨٥.
من شَظب (١) بيد أن المؤرخ عبد الوهاب بن عبد الرحمن البُرَيهي ذكر في تاريخه -وهو يترجم له- ما لفظه: " قلت: قرأتُ تاريخ مولده منقولاً من خطه، قال: مولدي سنة ست وسبعين وسبعمائة " وبمثل هذا روى الإمام شرف الدين في شرح مقدمة كتابه "الأثمار في فقه الأئمة الأطهار" حينما تعرض لذكر محمد بن إبراهيم الوزير استطراداً (٢) فقال: " ورأيتُ لابن أخيه وأنا أدركتُ آخر مدته في أول وقت طلبي، رأيت له ترجمة لهذا بخطِّه؛ قال فيها: ولِدَ رحمه الله في شهر رجب الفرد -كما وجدته بخطه- في سنة ست وسبعين وسبعمائة بهجرة الظهْرَاويْن بشَظَب، وهو جبل عالٍ باليمن ".قلت: وإذا كانت هذه الترجمة التي اعتمد عليها الإمامُ شرف الدين هي التي بين أيدينا اليوم، فهي ليست لابن أخيه؛ وإنما هي لابن ابن أخيه محمد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم الوزير وقد ورد فيها ما لفظه: " مولده رضي الله عنه ورحمه- في شهر رجب الأصب مِن سنة خمس وسبعين وسبعمائة بهجرة الظَهْرَاوين من شَظَب، وهو جبل عالٍ باليمن، هكذا نقلتُه من خطه رضي الله عنه، وحفظتُه من غيره من الأهل ".(١) شظب: جبل من بلد بني حجاج من ناحية السُودَة شمال غرب صنعاء على مسافة (١٠٠) كيلو متر تقديراً وقد خربت هجرة الظهراوين ولم يبق إلا اطلالُها، وانظر في ذلك كتابنا "هجر العلم ومعاقله في اليمن".(٢) ذكره الإمام شرف الدين بعد أن ذكر أبا محمد الحسن بن أحمد الهَمْداني صاحب "الإكليل" ونشوان بن سعيد الحميرى صاحب "شمس العلوم" وشنع عليهم فقدح فيهم للتحذير من الانخداع بكلامهم، وعدم الالتفات إلى ما يدعون إليه، ونسب إلى الإمام محمد بن إبراهيم الوزير أشياء لم يذكرها سواه من علماء اليمن حتى خصومه الذين اختلفوا معه، وانتقدوه، واعترضوا عليه. والسبب في ذلك أنه كان -كأخيه العلامة الهادي بن ابراهيم- مؤيداً للإمام المنصور علي ابن الإمام صلاح الدين الذي تغلب على الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى جد الإمام شرف الدين، وألف فيه كتاباً أسماه " الحسام المشهور في الذب عن سيرة الإمام المنصور ".
أما ما ذكره السخاوي في " الضوء اللامع " بأنه وُلدَ تقريباً سنة ٧٦٥ فلا صحةَ لذلك، وقد فَنَّد هذا الوهم شيخ الإسلام الإمام الشوكاني في " البدر الطالع " في ترجمته حيث قال: " وهذا التقريب بعيد والصواب الأول " (أي سنة ٧٧٥). نشأته ودراسته وشيوخه:نشأ في هجرة الظهراوين بين أهله الذين آثروا طلبَ العلم على ما سواه، وانقطعوا له، واشتغلوا به درساً وتدريساً وتأليفاً، فأخذ يسيرُ على منهجهم، ويقتفي أثرَ من سبقه منهم، متبعاً خطاهم، وملتزماً بمسلكهم، فحفظ القرآن الكريم وجوده واستظهره، وحقظ متون كتب الطلب من نحوٍ وصرفٍ ومعانٍ وبيان وفقه وأصول، ثم أخذ في قراءة شروَحها المختصرة، ورحل إلى صعدة.فأخذ عن أخيه الأكبر العلامة الهادي بن إبراهيم الوزير في جميع الفنون تحقيقاً، واستفاد منه كثيراً حتى في علم الأدب.وأخذ عن القاضي العلامة محمد بن حمزة بن مظفر، وكان المشارَ إليه في علوم العربية واللغة والتفسير.وقرأ علم الأصول على القاضي العلامة عبد الله بن حسن الدَّوَّاري.ثم رحل إلى صنعاء، فأخذ عن القاضي علي بن أبي الخير " شرح الأصول " وهو معتمد الزيدية في اليمن، " والخلاصة " للرصاص، "والغياصة الجامعة لمعاني الخلاصة" للقاضي محمد بن يحيى بن حنش، وتذكرة الشيخ ابن متَّويه، وسمع عليه " مختصر المنتهى " في علم الأصول لابن الحاجب، كما قرأ هذا المختصر على السيد جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم، ولما سمِعَه عليه، بهَرَهُ ما رأى من صفاء ذهنه، وحُسن نظره وألمعيته وبلاغته وفطنته وبراعته، وكان يُطنِبُ في الثناء عليه، ويرشد طلبة العلم إليه.