تشنيف المسامع بجمع الجوامع (بدر الدين الزركشي) القسم: أصول الفقه الكتاب: تشنيف المسامع بجمع الجوامع لتاج الدين السبكي المؤلف: بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر بن عبد الله الزركشي (ت ٧٩٤ هـ)دراسة وتحقيق: د سيد عبد العزيز - د عبد الله ربيع، المدرسان بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر الناشر: مكتبة قرطبة للبحث العلمي وإحياء التراث - توزيع المكتبة المكية الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ معدد الأجزاء: ٤[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
تَشْنِيفُ المَسَامِعِبِجَمْعِ الجَوَامِعِ لِتَاجِ الدِّينِ السُّبْكِيِّالمُتَوَفَّى ٧٧١ هِجْرِيَّةً تأليفُالإمامِ بَدْرِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بنِ بَهَادِرَ بنِ عبدِ اللهِ الزَّرْكَشِيِّ(المُتَوَفَّى ٧٩٤ هـ)
الفَصْلُ السَّادِسُفيالمَصالِحِ المُرسَلَةِ
تَمْهيدٌخلَقَ اللَّهُ الإنسانَ وتكفَّلَ بحِفْظِهِ ورِعايَتِهِ، ومهَّدَ له السَّبيلَ لِلحُصولِ على ما يَحتاجُ إليه في مَعاشِه ومَعادِه، وأَرسلَ الرُّسُلَ لِهِدايتِه، وشَرَعَ الأحكامَ لِتنظيمِ حَياتِه وسُلوكِه، فجاءتِ الشَّرائعُ شَريعةً بعدَ شَريعةٍ بِأحكامٍ تُلائِمُ الظُّروفَ والأَحْوالَ والزَّمانَ والمكانَ، وقدِ ارْتَبَطَتِ الأحكامُ بالمَصالِحِ، بَل الشَّرائِعُ نفْسُها قَصَدَتْ إلى تحقيقِ المصلحةِ لِلْخَلْقِ ودفعِ الضَّرَرِ عنهم، والدَّليلُ على ذلكَ حُدوثُ التَّغْييرِ في الشَّرائِعِ ووُقوعُ النَّسْخِ فيها حتَّى كانتْ رِسالةُ سيِّدِنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم خاتَمةَ الرِّسالاتِ، وشَريعَتُه خاتَمَةَ الشَّرائِعِ، وقدْ بيَّنَ سبحانه وتعالى أنَّ شَريعَةَ الإِسلامِ هيَ شَريعةٌ كاملةٌ، بما اشْتَملَتْ عليهِ مِن قواعدَ وأصولٍ يُعرَفُ بها الحُكْمُ مِنَ الدَّليلِ، وعنْ طَريقِها يَستنبِطُ المُجتهدُ الأحكامَ مِنَ النُّصوصِ، فالتَّشريعُ للَّهِ وَحْدَهُ {إِنِ الْحُكْمُ إِلَاّ لِلَّهِ} وقدْ نصَّ على بعضِ الأحكامِ صَراحةً، ونبَّهَ علَى البَعْضِ بِطريقِ الإشارةِ والتَّنبِيهِ، كما أشارَ إلَى العِلَلِ والمَعانِي في كَثيرٍ مِن النُّصوصِ الَّتي ارْتَبَطتِ الأحكامُ بها وشُرِعَتْ مِن أجْلِها، فما شَرَعَهُ اللَّهُ مِن أُمورٍ تعبُّديَّةٍ خالِصَةٍ لهُ تعالَى، خصَّها بِنُصوصٍ مُحْكَمَةٍ لا يصِحُّ الخُروجُ عنْها بِالتَّاوِيلِ؛ لِئَلَاّ يكونَ ذلكَ ذَرِيعَةً لِلابْتِداعِ في الدِّينِ، وأمَّا تَشْريعُه تعالَى في المُعامَلاتِ فقدْ قَصَدَ منْه ما يُصْلِحُ النَّاسَ في دُنْياهمْ وأُخْراهمْ، فوَضعَ الحُدُودَ، وقيَّدَ المُعاملاتِ أوْ أَطْلقَها، وخَصَّ بعضَها بِالذِّكْرِ اتِّباعاً أوِ اجْتِناباً وسَكَتَ عنْ أُمورٍ، أوْ وَكَلَ أمْرَها لِلْقائِمينَ علَى شُؤُونِ المسلِمِينَ، وأوْحَى إِلَى رسولِه صَلَّىاللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يُبيِّنَ لهمْ طريقَ الاجتِهادِ في اسْتِنباطِ الأَحْكامِ، فأبانَهُ بِنورِ الحقِّ سبحانه وتعالى، لِيَقِفوا مِن خِلالِه علَى ما يُصْلِحُ حالَهمْ في الدُّنيا والآخرةِ، وبذلكَ تكونُ المصالحُ مِن حيثُ اعتِبارُ الشَّارعِ الحكيمِ لها وعَدَمِهِ ثلاثةَ أنواعٍ:نوعٌ اعتبَرَه، ونوعٌ ألغاهُ، ونوعٌ سَكَتَ عنه فلمْ يَنُصَّ علَى اعْتِبارِه أوْ إلغائِه.وقَبلَ بيانِ هذهِ الأنْواعِ نُعَرِّفُ أوَّلاً المصلحةَ في اللُّغَةِ والاصطِلاحِ.
تعريفُ المَصلحةِ:تُطْلَقُ المصلحةُ في اللُّغةِ بِعِدَّةِ إطْلاقاتٍ:الأوَّلُ: أنَّ المَصلحةَ مَصدرٌ بِمعنَى الصَّلاحِ، كالمنْفَعةِ بِمعنَى النَّفْعِ، والصَّلاحُ: كونُ الشَّيءِ علَى هيئَةٍ كاِملةٍ بِحَسَبِ ما يُرادُ ذلكَ الشَّيءُ لهُ، كالقَلَمِ يكونُ علَى هيئَتِه الصَّالِحَةِ لِلْكِتابَةِ بِه، والسَّيفِ علَى هيئَتِه الصَّالِحَةِ لِلضَّربِ. كَما تُطْلقُ المصلحةُ علَى الواحِدَةِ مِنَ المَصالِحِ، فهيَ بهذا اسْمٌ كالمنفعةِ واحِدَةُ المَنافِعِ، وعلَى هذا تكونُ المَصْلَحةُ بِهذا الإِطْلاقِ لغةً: واحِدَةُ الْمَصالِحِ، وهيَ إمَّا مَصدرٌ بمعنَى الصَّلاحِ، أوِ المَنفعةِ بمعنَى النَّفْعِ، وإمَّا اسمٌ لِلْواحِدَةِ مِنَ المَصالِحِ؛ كالمَنْفعةِ اسْمٌ لِلواحِدَةِ مِن المنافعِ.الثَّاني: أنَّ المصلحةَ وسيلةُ الشَّيءِ، كالعَمَلِ الَّذي يَبذُلُه الإنسانُ لِيَتَوصَّلَ بِه إلَى ما يَطلُبُه، وفي ذلكَ يقولُ صاحبُ (الْمِصْبَاحِ): وفِي الأمْرِ مَصلحَةٌ؛ أي: خيرٌ، وقالَ فِي مَوضِعٍ آخرَ: والنَّفْعُ: الخَيرُ وهو ما يَتَوصَّلُ بِه الإنسانُ إلَى مَطلوبِه، فإذَنِ
المصلحةُ خيرٌ، والخيرُ ما يُتَوصَّلُ بهِ إلَى المَطْلوبِ، فالمصلحةُ ما يُتَوصَّلُ بِه إلَى المَطْلوبِ.ومِن اسْتِعْمالِها فِي هذا المَعْنَى قولُ الشَّيخَينِ أَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رضي الله عنهما: (هوَ واللَّهِ خيرٌ) في شأنِ جَمْعِ القُرآنِ الكرِيمِ في المُصْحَفِ حِينَما اسْتَحَرَّ القتلُ بالقُرَّاءِ يومَ اليَمامَةِ، فالضَّميرُ في َقولِهما: (هُوَ) يعودُ إلًى جَمْعِ القرآنِ، ولا شكَّ في أنَّ جَمْعَ القرآنِ مُؤَدٍ إِلى مَطْلوبٍ لهما، بَلْ إلى مَطْلوبٍ عامٍّ وهوَ حِفْظُ القرآنِ الكريمِ مِن أنْ يَضيعَ.الثَّالِثُ: تُطلَقُ المصلحةُ علَى ذاتِ الفِعْلِ الجالِبِ لِلنَّفْعِ والدَّافِعِ لِلضَّررِ، فإطْلاقُ المصلحةِ علَى الفِعلِ إطْلاقٌ مَجازِيٌّ، مِن بابِ إطْلاقِ المُسَبَّبِ علَى السَّبَبِ، وعَلاقَتُه السَّبَبِيَّةُ والمُسَبَّبِيَّةُ، فأُطْلِقَ لفظُ المصلحةِ الَّتي هي حاصلةٌ بسببِ الفِعلِ علَى الفِعلِ الَّذي هوَ سببٌ لها، فيُقالُ: التِّجارَةُ مَصلَحةٌ؛ أي: َسببٌ لِلمَنافِعِ المادِّيَّةِ، وطَلبُ العِلْمِ مَصلحةٌ، بمعنَى أنَّه سببٌ لِلمَنافِعِ المَعْنَوِيَّةِ، فالمَصلحةُ ضِدُّ المَفْسدَةِ فهُما نَقيضانِ لا يَجتمِعانِ ولا يَرتفِعانِ، كما أنَّ النَّفْعَ ضِدُّ الضَّررِ، وعلى هذا يكونُ دفْعُ المَضرَّةِ مَصْلحةً.قالَ صاحبُ (لِسَانِ العَرَبِ): الصَّلاحُ ضِدُّ الفَسادِ، وأصْلَحَه ضِدُّ أفْسَدَه، والإصْلاحُ نقيضُ الإِفْسادِ، والمصْلحةُ واحدةُ المَصالِحِ، والاسْتِصْلاحُ نَقيضُ الاسْتِفْسادِ. اهـ.والمصلحةُ بِمعْناها الأَعمِّ كَما يَتصَوَّرُها الإنسانُ: كلُّ ما فيه نفْعٌ له سَواءٌ أكانَ بالجَلْبِ والتَّحْصيلِ كتَحْصيلِ الفَوائِدِ واللَّّّّّّذائذِ، أوْ بالدَّفْعِ والارْتِقاءِ كاسْتِبْعادِ المَضارِّ والآلَامِ، فكُلُّ ما فيهِ نَفْعٌ جدِيرٌ بأنْ يُسمَّى مَصلَحةً.وقدْ عرَّفَها الأُصُولِيُونَ في مَوضِعَينِ:الأوَّلُ: عندَ الكَلامِ على المُناسِبِ المُرْسَلِ، فقالوا: هو الوَصْفُ الظَّاهِرُ المُنضَبِطُ
الَّذي يترتَّبُ على شَرْعِ الحُكْمِ عندَه جَلْبُ مصْلحةٍ مقصُودَةٍ للشَّارعِ أو دفْعُ مضرَّةٍ.وهذا إذا اعتبرْناهُ تعْريفاً للْمَصْلَحةِ، يكونُ تعرِيفاً لها بالفِعْلِ الَّذي اشْتملَ عليها، فهوَ مِن بابِ إِطلاقِ السَّببِ وإرادةِ المُسَبَّبِ، ومِنه تعْريفُ الإمامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ المصْلحةَ بالفِعْلِ الَّذي يجْلِبُ مَنفعَةً راجِحَةً ولمْ يرِدْ في الشَّرْعِ ما ينفِيهِ.المَوضُوعُ= الثَّانِي: عندَ الكَلامِ عنها بِاعتِبارِها دليلاً شرْعيًّا فقالوا: المصْلَحةُ في الأصْلِ عِبارةٌ عن جلْبِ منفَعَةٍ أوْ دفْعِ مَضرَّةٍ.فالمصْلَحةُ تُطلَقُ على المَنفَعَةِ أوْ دفْعِ المَضرَّة كما تُطلَقُ على المُناسِبِ، كما أشارَ إلى ذلكَ الغَزَالِيُّ في تعريفِه، قالَ: ونَعْنِي بها ـ أي المصْلحةِ ـ المُناسِبَ المُخَيَّلَّ، وهذا مواِفقٌ لمَعْناها في اللُّغَةِ، فقدْ سبَقَ أنَّ المَصْلحةَ تُطلَقُ على المَنفَعةِ حقيقَةً وعلى السَّبَبِ المُؤَدِّي لها مَجازاً، ولمَّا كانتِ المصلحةُ نقِيضَ المَفْسدَةِ كان دفْعُ المَفْسَدةِ مصْلَحةً أيضاً، ولِهذا جاءَ في تعْريفِها: جلْبُ منْفَعةٍ أوْ دفْعُ مضَرَّةٍ.وقدْ قسَّموا المَصْلحةَ والمَفْسدَةَ إلى: نفْسِيٍّ، وبدَنِيٍّ، ودُنْيَوِيٍّ، وأُخْرَوِيٍّ، ومثَّلُوا لِلْمصلَحةِ بالمَلَذَّاتِ وأسْبابِها، ولِلمَفْسدَةِ بالآلَامِ وأسْبابِها.قالَ العِزُّ بنُ عَبْدِ السَّلَامِ: المَصالِحُ أرْبعَةُ أنْواعٍ: اللَّذَّاتُ وأسْبابُها، والأَفْراحُ وأسْبابُها، والمَفاسِدُ أرْبعَةُ أنْواعٍ: الآلَامُ وأسْبابُها، والغُمُومُ وأسْبابُها، وهي مُنقسِمَةٌ إلى دُنْيَوِيَّةٍ وأُخْرَوِيَّةٍ، فأمَّا لذَّاتُ الدُّنيا وأسْبابُها، وأفْراحُها وأسبابُها، وآلامُها وأسبابُها، وغُمومُها وأسبابُها، فمَعْلومَةٌ بالعاداتِ، ومِن أفْضَلِ لذَّاتِ الدُّنْيا لذَّاتُ المَعارِفِ، وأمَّا لذَّاتُ الآخِرَةِ وأسْبابُها، وأفْراحُها وأسْبابُها وآلامُها وأسْبابُها، وغُمومُها وأسبابُها، فقدْ دَلَّ عليه الوَعِيدُ والزَّجْرُ والتَّهديدُ، وأمَّا اللَّذَّاتُ فمِثْلَ قوْلِه
تعالَى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ} وأمَّا الأفْراحُ ففي مِثْلِ قوْلِه تعالَى: {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} وأمَّا الآلَامُ ففي مِثْلِ قولِه تعالَى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وأمَّا الغُمومُ ففي مِثْلِ قولِه تعالَى: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا}.فصارَتِ المصالِحُ ضرْبَينِ، أحدُهمَا: حقِيقيٌّ، وهو اللَّذَّاتُ والأفْراحُ.والثَّاني: مَجازِيٌّ، وهو أسْبابُها، وصارتِ المَفسَدةُ كذلكَ.ورُبَّما تكونُ أسبابُ المصالحِ مَفاسِدَ فيُؤمَرُ بها أو تُباحُ لا لِكَونِها مَفاسِدَ بَلْ لِكَونِها مُؤَدِّيَةً إلى المَصالِحِ، وذلكَ كقَطْعِ الأيْدي المُتآكِلةِ، فإنَّ القَطْعَ مَفْسدَةٌ لكِنْ لمَّا كانَ إبْقاؤُها يُؤدِّي إلى ضرَرٍ أصْبحَ القَطْعُ سَبباً لِمَصلَحةٍ هي: حِفْظُ النُّفُوسِ، وكذلكَ الجِهادُ؛ فإنَّ فيه مُخاطرَةً بالنَّفْسِ، فإنَّ هلاكَ النَّفسِ مَفسدَةٌ، لكِنْ شُرِعَ معَ هذه المُخاطَرَةِ لِمصلحةٍ هي: المُحافظةُ على بَقاءِ كِيانِ الأُمَّةِ وإعْلاءِ كَلِمةِ اللَّهِ، وكذلك العقوباتُ مِن قَتْلٍ ورَجْمٍ وجَلْدٍ هي مَضارٌ ومَفاسِدٌ واقِعةٌ على الأشخاصِ الَّتي هي مَحَلُ تلكَ العُقوباتِ، لكنَّها مَصالِحُ اعتَبَرَها الشارِعُ بالنَّظرِ لِما يترَتَّبُ عَليها مِن مَصالِحَ مَقصودَةٍ للشَّارِعِ.والمصلحةُ أُمورٌ اعْتِبارِيَّةٌ تخْتَلِفُ حَسَبَ اخْتِلافِ مَشاعرِ النَّاسِ وعاداتِهمْ وأخْلاقِهمْ، وليسَ هذا هو المَقْصودُ هُنا، ولَكنَّ المَقصودَ بالمصلحةِ هنا: المُحافظةُ على مَقصودِ الشَّارعِ مِن المَصالِحِ النَّافِعةِ، الَّتي وَضَعَها وحدَّدَ حُدودَها، لَا على مُقتَضى أهْواءِ النَّاسِ وشَهَواتِهمْ، لأِنَّه لا شَكَّ أنَّ المصالحَ المَبْنِيَّةَ على أهْواءِ النَّاسِ وشَهَوَاتِهمْ
هي مَفاسدُ في نَظرِ الشَّرْعِ كَوَادِ البَناتِ، وغَيرِه قالَ الغَزَالِيُّ: ونَعْني بالمَصلَحةِ: المُحافَظةَ على مَقْصودِ الشَّرْعِ، ومَقصودُ الشَّرعِ مِن الخَلْقِ خَمْسةٌ: وهو أنْ يَحفظَ عليهم دِينَهمْ ونَفْسَهمْ وعَقْلَهمْ ونَسْلَهمْ ومالَهمْ، فكُلُّ ما يضْمنُ حِفْظَ هذه الخَمْسةِ فهو مَصلحةٌ، وكُلُّ ما يُفَوِّتُ هذه الأُصولَ فهو مَفسدَةٌ ودَفْعُه مَصلحةٌ، وإذا أطْلَقْنا المَعْنى المُخَيَّلَ أوِ المُناسِبَ في بابِ القِياسِ أرَدْنا به هذا الجِنسَ. اهـ.وبَعْدَ تعْريفِ المَصلحةِ نَعودُ إلى بَيانِ أنْواعِها مِن حَيثُ الاعتبارُ الشَّرْعِيُّ لها وعدَمُه:النَّوعُ الأَوَّلُ: المصلحةُ المُعتَبَرَةُ؛ أي: ما عُلِمَ اعْتِبارُ الشَّرْعِ لها، وهي كُلًُّ مَصلحةٍ ثَبَتَ الحُكْمُ المُؤَدِّي إليها بِدَليلٍ مِن نَصٍّ، أوْ إجْماعٍ. وقدْ عبَّرَ الأُصولِيُّونَ عنْها بِالمَصْلَحةِ المُعْتَبرَةِ، أوِ المُناسِبِ المُعْتَبَرِ، وهذا النَّوعُ يَجوزُ بِناءُ الأحْكامِ عليه، والتَّعْليلُ به بِإجْماعِ القائِلينَ بحُجِّيَّةِ القِياسِ.وقدْ أشارَ الشَّاطِبِيُّ إلى ذلكَ بِقولِه: المَعْنى المُناسِبُ الَّذي يُربَطُ به الحُكْمُ لا يَخْلو مِن ثَلاثَةِ أقْسامٍ:أحدُها: أنْ يشْهدَ الشَّرعُ بِقَبولِه؛ فَلا إشْكالَ في صِحَّتِه، ولا خِلافَ في إعْمالِه، وإِلَاّ كان مُناقَضةً للشَّريعَةِ؛ كشَرْعيَّةِ القِصاصِ حِفْظاً لِلنَّفسِ والأَطْرافِ. اهـ.وهو أربعةُ أقْسامٍ:القسْمُ الأوَّلُ: أنْ يُعْتبَرَ عَيْنُ الوَصْفِ في عَينِ الحُكْمِ بِنصٍ أوْ إجْماعٍ، وهو المُؤَثِّرُ، سُمِّيَ بذلكَ لِحُصولِ التَّاثيرِ فيه عَيْناً وجِنْساً فظَهرَ تاثيرُه في الحُكْمِ، ويُعْرَفُ عندَ الأُصولِيِّينَ بِالمَصلحةِ المُؤَثِّرَةِ أوِ المُناسِبِ المُؤَثِّرِ، والأمثِلَةُ لِهذا القِسْمِ كَثيرَةٌ.
مِثالُ اعْتِبارِه بالنَّصِّ، قولُه صلى الله عليه وسلم: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)) فقدْ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ عَينَ الوَصْفِ، وهو السُّكْرُ، في عَينِ الحُكْمِ، وهو التَّحْريمُ، بالنَّصِّ مُحافظَةً على العَقْلِ، وهو مَقصودٌ للشَّارِعِ فإنَّ العَقلَ مَناطُ التَّكْليفِ، والمُحافظةُ عليه مَصلحةٌ مَقصودةٌ للشَّارِعِ.ومِثالُه أيضاً قولُه صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّا))، فإن الشَّارِعَ اعْتَبرَ عَينَ الوَصْفِ وهو مَسُّ المُتَوَضِّئِ ذَكَرَهُ في عَينِ الحُكْمِ وهو الحَدثُ.ومِثالُ اعْتبارِه بِالإجْماعِ: وَصفُ الصِّغَرِ فإنَّه مُعتَبرٌ في عَينِ وِلايَةِ المالِ، مُحافظةً على المالِ بِالإجْماعِ، فقدْ أجْمعَ العُلماءُ على أنَّ عَينَ وَصْفِ الصِّغَرِ هو العِلَّةُ في عَينِ وِلايةِ المالِ، قالَ الإِمامُ الغَزَالِيُّ: فإنْ ظَهرَ تاثيرُ عَينِ الوَصْفِ في عَينِ الحُكْمِ فهو قِياسٌ في مَعْنى الأَصْليِّ، وهو المَقْطوعُ بِه الَّذي رُبَّما اعْترَفَ به مُنْكِرو القِياسِ، إذْ لا يَبقَى بَينَ الأَصلِ والفَرْعِ مُبايَنةٌ إلَاّ تَعَدُّدُ المَحلِّ فإنَّه إذا ظَهرَ أنَّ عَينَ السُّكرِ أثرٌ في تَحريمِ عَينِ الشُّربِ مِن الخَمرِ فالنَّبيذُ مُلْحقٌ به قَطْعاً. اهـ.القِسمُ الثَّاني: أنْ يَعتَبرَ الشَّارعُ عَينَ الوصْفِ في جِنسِ الحُكمِ، وهذا القِسمُ وما يَليهِ - أي: اعْتبارُ جِنْسِ الوَصفِ في عَينِ الحُكمِ، واعْتبارُ جِنسِ الوَصفِ في
جِنْسِ الحُكمِ ـ يُسمَّى مُلائِماً لِكونِه مُوافِقاً لِما اعْتَبرَه الشَّارعُ.مِثالُه- أي: اعْتبارُ عَينِ الوَصفِ في جِنسِ الحُكمِ- ثُبوتِ وِلايةِ النِّكاحِ على الصَّغيرِ كما ثَبَتَتْ وِلايةُ المالِ لِوَصفِ الصِّغرِ وهو واحِدٌ، والحُكمُ الوِلايةُ وهو جِنسٌ، فاعْتَبرَ عَينَ الصِّغرَ وهو مُعيَّنٌ في جِنسِ الوِلايةِ، وهو جِنسٌ يَشملُ الوِلايَةَ على النَّفسِ في النِّكاحِ والوِلايةِ على المَالِ، ومِثالُه أيضاً: اعْتبارُ الشَّارعِ تَقديمَ الأَخِ مِنَ الأَبَوَينِ على الأَخِ مِن الأبِ في الإِرْثِ، وقِيسَ عليه تَقديمُه في وِلايَةِ النِّكاحِ وغيرِها مِن الأَحكامِ الَّتي قُدِّمَ عليه فيها، فإنَّه وإنْ لَمْ يَعتبِرْهُ الشَّارعُ في غيرِ هذه الأحْكامِ ولَكنِ اعْتبرَهُ في جِنسِها وهو التَّقدُمُ في الجُملَةِ.قالَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ والزَّرْكَشِيُّ وغيرُهما: هذا القِسْمُ دُونَ ما قَبلَه؛ لأِنَّ المُقارَنَةَ بينَ المَسْألتَينِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ المَحَلَّينِ أقلُّ مِن المُقارَنةِ بينَ نَوعَينِ مُخْتلِفَينِ. اهـ.القِسمُ الثَّالثُ: أنْ يُعتَبَرَ جِنسُ الوَصفِ في عَينِ الحُكمِ.مِثالُه: المَشقَّة ُفإنَّها جِنسٌ أثَّرَ في نَوعٍ، وهو إسْقاطُ صلاةٍ، أمَّا في الحَيضِ فبِالكُلِّيَّةِ، وأمَّا في السَّفرِ فبِإسقاطِ نِصفِ الرُّباعيَّةِ، وإنَّما جَعلَ الوَصفَ هنا جِنساً والإِسْقاطَ نَوْعاً، لأِنَّ مَشقَّةَ السَّفرِ نَوعٌ مُخالِفٌ لِمشقةِ الحَيضِ، وأمَّا السُّقوطُ فأمْرٌ واحدٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ مَحالُّهُ.القِسمُ الرَّابعُ: أنْ يُعتبرَ جِنسُ الوَصفِ في جِنسِ الحُكمِ.مِثالٌ: جِنايَةُ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانُ، فإنَّ هذا الوَصفَ عِلَّةٌ في وجُوبِ القِصاصِ، وقدْ اعْتبرَ الشَّارعُ مُطْلقَ جِنايَةِ العَمدِ العُدْوانَ، والجِنايَةُ جِنسٌ تَشْملُ الجِنايَةَ على النَّفسِ والجِنايَةَ على الأطْرافِ والحُكمُ هو وجُوبُ القِصاصِ، وهو جِنسٌ يَشملُ القِصاصَ في الأنْفُسِ والقِصاصَ في الأطْرافِ فجِنسُ الجِنايَةِ مُعتَبرٌ في جِنسِ قِصاصِ النَّفسِ، قالَ الإِمامُ الزَّرْكَشِيُّ: وهذا القِسْمُ أبْعدُها فإنَّه يكونُ في تَعْليلِ الأحْكامِ بِالحِكْمةِ الَّتي لا تَشْهدُ لها أُصولٌ مُعَيَّنَةٌ.ومِمَّا تَقدَّمَ يَتَبيَّنُ أنَّ المَصلحَةَ المُعْتبرَةَ تَنقَسِمُ إلى مَصلحةٍ مُؤَثِّرَةٍ: وهي الَّتي اعْتبرَ
الشَّارعُ عَينَها في عَينِ الحُكمِ بِنصٍّ أوْ إِجْماعٍ، وإلى مَصلحةٍ مُلائِمَةٍ وهي الَّتي اعْتبَرَ الشَّارعُ عَينَها في جِنسِ الحُكْمِ، أوْ جِنسَها في عَينِ الحُكمِ، أو جِنسَها في جِنسِ الحُكمِ وهي دُونَ المَصلحةِ المُؤَثِّرَةِ.وتنْقَسِمُ المَصلحةُ المُعْتبَرَةُ بِحَسَبِ قُوَّتِها في ذَاتِها؛ أوْ بِالنِّسبَةِ لِحاجَةِ الإنْسانِ إليها إلى: ضَرُورِيَّةٍ، حاجِيَّةٍ، تَحْسِينيَّةٍ.أوَّلاً: الضَّرُورِيَّةُ: وهي ما لَا بُدَّ مِنها في قِيامِ مَصالحِ الدِّينِ والدُّنْيا بِحيثُ إذا فُقِدَتْ لَمْ تَجْرِ َمصالحُ الدُّنيا على اسْتِقامَةٍ، بَلْ على فَسادٍ وتَهارُجٍ وفَوتِ حَياةٍ، وفي الآخِرَةِ فَوتِ النَّجاةِ والنَّعيمِ والرُّجُوعِ بالخُسْرانِ المُبينِ.فَهي الَّتي تَتََضمَّنُ حِفْظَ مَقْصودٍ مِن المَقاصدِ الخَمْسةِ وهي: حِفْظُ الدِّينِ بِشَرْعِيَّةِ القَتْلِ والقِتالِ، فالقَتلُ للرِّدَّةِ وغيرِها مِن مُوجِباتِ القَتلِ لأِجْلِ مَصلحةِ الدِّينِ، والقِتالُ في جِهادِ أهلِ الحَرْبِ، وحِفظُ النَّفسِ بِشَرعِيَّةِ القِصاصِ، وحِفظُ العَقْلِ بِشرعِيَّةِ الحَدِّ على شُرْبِ المُسْكِرِ، وحِفظُ النَّسلِ بِتَحْريمِ الزِّنا وإِيجابِ العُقوبَةِ عليه، وحِفظُ المَالِ بِإيجابِ الضَّمانِ على المُتَعَدِّي فيهِ، وبِالقَطعِ في السَّرِقَةِ، وهي المَجْموعَةُ في قولِه تعالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنُّ وَلَا يَاتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} الآيَةُ.وزَادَ الطُّوفِيُّ الحَنْبَلِيُّ وتَبِعَهُ التَّاجُ السُّبْكِيُّ سادِساً، وهو حِفظُ الأَعْراضِ، فإنَّ عادَةَ العُقلاءِ بَذْلُ نُفوسِهمْ وأَمْوالِهمْ دُونَ أعْراضِهمْ، وما فُدِيَ بِالضَّرورِيِّ أوْلى أنْ يكونَ ضَرُورِيًّا.
وفي الصَّحيحَينِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ في خُطْبةِ الوَداعِ: ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ)) الحديثَ.ثانِياً: الحاجِيَّةُ: وهي الأَمْرُ الَّذي يَفتَقِرُ إليه النَّاسُ مِن حيثُ التَّوسِعَةُ ورَفْعِ الحَرَجِ والضِّيقِ اللَّاحِقَينِ بِالإنسانِ.قالَ الشَّاطِبِيُّ: فَمعْناها أنَّها مُفْتقَرٌ إليها مِن حيثُ التَّوسِعةُ ورَفْعِ الضِّيقِ المُؤَدِّي في الغَالِبِ إلى الحَرَجِ والمَشقَّةِ الَّلاحِقَةِ بِفَوتِ المَطلوبِ، فإذا لَمْ تُراعَ دخَلَ على المُكَلَّفينَ ـ على الجُمْلَةِ ـ الحَرَجُ والمَشقَّةُ ولكِنَّه لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الفَسادِ العادِي المُتَوقَّعِ في المَصالحِ العامَّةِ. اهـ.وذلكَ كالبَيعِ والإِجارَةِ والمُضارَبَةِ والمُساقاةِ وغيرِها، لأِنَّ مالِكَ الشَّيءِ قدْ لا يهَبُهُ فيحتاجُ إلى شِرائِهِ، ولا يُعِيرُهُ فيَحتاجُ إلى اسْتِئْجارِه، وليسَ كُلُّ ذِي مالٍ يُحْسِنُ التِّجارَةَ فيَحتاجُ إلى مَن يَعملُ له في مالِه، وليسَ كُلُّ مالكِ شَجَرٍ يُحْسِنُ القِيامَ على شَجَرِهِ فيَحتاجُ إلى مَن يُساقِيهِ علَيهِ.قالَ الآمِدِيُّ: وهذا القِسمُ في الرُّْتبَةِ دُونَ القِسمِ الأَوَّلِ ـ أي: الضَّرُورِي ـ ولِهذا جازَ اخْتِلافُ الشَّرائِعِ فيه دُونَ القِسمِ الأَوَّلِ اهـ.ثالِثاً التَّحْسِينيَّةُ: وهي الَّتي تَقتَضِيها المُرُوءَةُ ومَكارِمُ الأَخْلاقِ ومَحاسِنُ العاداتِ بحيثُ لَو فُقِدَتِ المَصلحةُ التَّحْسينيةُ لا يَختلُّ بِفُقْدانِها نِظامُ الحَياةِ كما هو الحالُ في المَصلحةِ الضَّرُوريَّةِ، ولا يَدخُلُ على المُكَلَّفِ حَرَجٌ وضِيقٌ بِفَوَاتِها كما في المَصلَحةِ الحاجيَّةِ، ولكنْ بِفَواتِها تَكونُ الحَياةُ مُستَنْكَرَةً عندَ ذَوِي العُقولِ وأصْحابِ الفِطْرَةِ السَّليمةِ، فالعَملُ بِالمَصلحةِ التَّحسِينيَّةِ يَرجِعُ إلى مَكارِمِ الأَخْلاقِ ومَحاسِنِ
العاداتِ.قالَ الإِمامُ الرَّازِيُّ: هي تَقريرُ النَّاسِ على مَكارِمِ الأَخْلاقِ ومَحاسِنِ الشِّيَمِ، وقدْ سمَّاها القَرَافِيُّ بِما هُو مَحَلُّ التَّتِمَّاتِ لأنَّه تَتِمَّةُ المَصالحِ.النَّوعُ الثَّاني: المَصالِحُ المُلْغاةُ: وهي كُلُّ مَصْلحةٍ عُلِمَ مِن الشَّارِعِ عَدَمُ اعْتِبارِها وشّهِدَ لها بالبُطْلانِ والإِلْغاءِ لِما فيها مِن تَحُقُّقِ الضَّررِ، ولَو تَوَهَّمَ الإنسانُ أنَّ فيها مَصلحةً سَواءٌ أكانَ ضَرَرُها واضِحاً أمْ أنَّها تُؤَدِّي إلى ضَرَرٍ لاحِقٍ أوْ لا يُدْرَكُ ضَررُها إلَاّ بِالنَّظَرِ والفِكْرِ.مِثالُه: فَتْوَى يَحْيَى بنِ يَحْيَى ـ صاحِبِ الإِمامِ مالكٍ وعالِمِ الأَندَلُسِ ـ لِعَبدِ الرَّحْمَنِ بنِ الحَكَمِ الأُمَوِيِّ ـ المَعْرُوفِ بالمُرْتَضَى، صاحِبِ الأَنْدَلُسِ ـ حيثُ جامَعَ في نَهارِ رمضانَ فأَفْتاهُ بِإيجابِ صيامِ شَهْرَينِ مُتَتابِعَينِ ابْتِداءً، كَفَّارَةً لِجِنايَتِهِ على الصَّومِ، فأنْكَرَ عليه العُلماءُ ذلكَ فعَلَّلَ ذلكَ بأنَّه لَو أفْتاهُ بِالإعْتاقِ أوِ الإِطْعامِ ابْتِداءً لَسَهُلَ عليه ذلكَ لاِتِّساعِ مالِه ولَانْتَهكَ حُرْمَةَ الشَّرعِ كُلَّما شاءَ، فكانتِ المَصْلَحةُ في إيجابِ الصَّومِ ليَنْزَجِرَ، فهذا وإنْ كانَ مُناسِباً إلَاّ أنَّ الشَّرْعَ ألْغاهُ حيثُ أثبَتَ التَّخْييرَ بينَ الصَّوم أوِ الإِطْعامِ أوِ الإِعْتاقِ، وهذا النَّوعُ لا تُبْنَى عليه الأَحكامُ ولا يَصحُّ التَّعليلُ بِه.النَّوعُ الثَّالثُ: وهي المَصالِحُ الَّتي سَكتَ الشَّارعُ عنها، فلَمْ يَشْهَدْ لها بِالاعْتِبارِ
أوِ الإِلْغاءِ بِنصٍ مُعَيَّنٍ، فلا دَليلَ يدلُّ على الإِذْنِ بِتَحصيلِها وبِناءِ الأَحكامِ عليها، ولا دَليلَ يدُلُّ على المَنْعِ مِن تَحْصيلِها وعَدَمِ بِنَاءِ الأحْكامِ عليها، بَلْ تَرَكَها لأُولِي الأَمْرِ مِن المُجْتَهدينَ ياخُذونَ بِها إذا اقْتَضَى حالُها الأَخْذَ، ويَتْرُكونَها إذا تَرَتَّبَ عليها مَفْسدَةٌ؛ فَهذا النَّوعُ هو (المَصْلَحةُ المُرْسَلةُ) وهو مَحَلُّ خِلافٍ بَينَ العُلماءِ، وهو المَقْصودُ بِالبَحْثِ.