رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب (تاج الدين ابن السبكي - ابن الحاجب) القسم: أصول الفقه الكتاب: رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب المؤلف: تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن [تقي الدين] علي بن عبد الكافي السبكي (٧٢٧ - ٧٧١ هـ)وبأعلى الصفحات: متن مختصر ابن الحاجب [ت ٦٤٦ هـ]المحقق: علي محمد معوض - عادل أحمد عبد الموجود الناشر: عالم الكتب، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٩٩٩ م - ١٤١٩ هـعدد الأجزاء: ٤تنبيه: انتشر هذا الكتاب في كثيرٍ من النُسَخ الإلكترونية مقتصِرًا على الجزء الأول فقط، وتَداخَل فيه المتن بالشرح؛ خلافًا لهذه النسخة الكاملة[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
رَفعُ الحَاجِبِ عَن مُختَصَر ابْن الحَاجِبتأليفتَاج الدّين أبي نَصرعَبْد الوهَّاب بن عَلي بن عَبْد الكافي السُّبْكي(٧٢٧ - ٧٧١ هـ)تحَقيق وَتعِليق وَدِرَاسَةالشيخ عَلي محمَّد معَوضالشيخ عَادِل أحمد عَبد المَوجُودالجزءُ الثالثعالم الكتب
رَفعُ الحَاجِبِ عَن مُختَصَر ابْن الحَاجِب
عالم الكتبللطباعة والنشر والتوزيعبيروت - لبنان ص. ب: ٨٧٢٣ - ١١، برقيًا: نابعلبكيهاتف: ٨١٩٦٨٤ - ٣١٥١٤٢ - ٦٠٣٢٠٣ (٠١)خليوي: ٣٨١٨٣١ (٠٣)فاكس: ٦٠٣٢٠٣ - ١ (٩٦١)جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للدارالطبعة الأولى١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ مـيمنع طبع هنا الكتاب، أو أي جزء منه، أو اختزال مادته بطريقة الاسترجاع، كما يمنع الاقتباس منه أو التمثيل أو الترجمة لأية لغه أخرى، أو نقله على أي نحو، وبأية طريقة، سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكية أو بالتصوير أو بالتسجيل أو خلاف ذلك، إلا بموافقة خطية مسبقة من الناشر.
الحمد للّه رب العالمين، وصلاةً وسلامًا على سيد الخلق وحبيب الحق محمد صلى الله عليه وسلم. مقدمة الناشرأما بعدُ:نحن في عصر الفضاء والذرة، ولا يقف العلم ولا الإنسان على طرف سنان، وإنما هو كالبرق الخلب والريح القلب، وكل يوم ينتقل من طور إلى طور ومن حسن إلى أحسن. ويساير هذا التقدم العلمي التقدم الطباعي أيضًا وقد أخذنا بأسبابه، وركبنا رحابه واجتهدنا في الأخذ بأحدث معداته وأدواته، لنشر التراث الإسلامي المجيد، ونفض الغبار عن مجده التليد. وها نحن اليوم ذا نتقدم لجماهير وعلماء وطلاب العلم في بقاع الأرض قاطبة بنشر هذه المفخرة من مفاخر التراث وهي "رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب" وهو كتابٌ عظيم النفع، جليل القدر، قد تلقفته الأيادي في القدم وقد جهد طلاب العلم بحثًا وتنقيبًا عنه، فهنيئًا لهم نشر الكتاب منزهًا عن التحريف والخراب، كامل التصحيح والتحقيق ورتب الصواب فنسأل الله أن يتقبل منا، وأن يعفو عنا، وأن يمدنا بعونه وفضله لنشر غيره. "إنه نعم المولى ونعم النصير"
كتب ابن قاضي الجبل تقريظًا لهذا المصنف(١): [الطويلُ]لِيَهْنَكَ يَا تَاجَ المَعَالِي مُصَنَّفٌ … يُشَوِّفُ أَسْمَاعًا لَنَا وَيُشَنِّفُهُوَ الْبَحْرُ إِلَّا أَنَّهُ فَاقَ جَوْهَرًا … هُوَ الرَّوْضُ إِلَّا أَنَّهُ مِنْهُ أَلْطَفُفَمَا السَّيْفُ فِي أَحْكَامِهِ مِثْلَ حُكْمِهِ … بُحُوثُكَ فَخْرَ الدِّينِ فِيهِ تُزَيِّفُوَلا الْقُطْبُ فِي شَرْحٍ لَهُ مِثْلُ قُطْبِهِ … فَأَضْحَتْ فُهُومُ الْقَوْمِ فِيهِ تُوَظَّفُأُصُولٌ غَدَتْ أَصْلَ الأُصُول لِفَاهِمٍ … وَمَنْقُولُهَا حَقٌّ صَحِيحٌ مُعَرَّفُفَلَوْ أُغْرِقُوا فِي الْبَحْثِ طُولَ حَيَاتِهِمْ … فَذِهْنُكَ أَدْرَى بِالْعُلُومِ وَأَعْرَفُوَرِثْتَ لِشَيْخِ الْعِلْمِ أَوْحَدَ عَصْرِهِ … هنيئًا لَكَ الْعِلْمُ الَّذِي بِكَ يُعْرَفُوَلَوْ عَلِمُوا حَقَّ العُلُومِ لَبَادَرُوا … وَأَضْحَوْا تَلامِيذًا لَدَيْكَ وَأَنْصَفُوالَقَدْ فُقْتَ بِالتَّهْذِيبِ كُلَّ مُهَذَّبٍ … وَأَقْلامُ أَهْلِ الْعَصْرِ بِالْمَدْحِ تَرْعُفُوَسُدْتَ فَظَهْرُ السُّدَّةِ اليَوْمَ مُزْهِرٌ … وَأَسْكَرَنَا مِنْ لَقْطِكَ اليَوْمَ مُرْقِفُوَشَيَّدْتَ أَحْكَامًا وَفُقْتَ بَلاغَةً … كَمَا أَنْتَ بِالطُّلَّابِ أَدْرَى وَأَرْأَفُ(١) هذا النظم يوجد على اللوحة الأولى من المخطوط المرموز له بالرمز (أ).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْشَأَ الكَائِنَاتِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ، وَأَبْدَعَ الخَلْقَ لِحِكَمٍ بَالِغَةٍ فَعَجَزَتِ العُقُولُ عَنْ إِدْرَاكِ كُنْهِهَا، وَأَسْبَغَ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، وَرَفَعَ بِقُدْرَتِهِ مَنْزِلَةَ الإِنْسَانِ، وَميَّزَهُ بِالْعَقْل عَلَى سَائِرِ المَخْلُوقَاتِ، وَمَنَحَهُ التَّفْكِيرَ وَالتَّمْيِيزَ والتَّدْبِيرَ، وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - مَعَ هذِهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ لَمْ يَتْرُكِ البَشَرَ سُدًى وَلا هَمَلًا؛ يَمُوجُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ عَلَى غَيْرِ هُدًى وَبَصِيرَةٍ، وَلَمْ يَتْرُكْهُمْ يَسِيرُونَ فِي دُرُوب الحَيَاةِ خَبْطَ عَشْوَاءَ، بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ الْكِرَامَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ؛ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، وَخَتَمَ كَوْكَبَةَ رُسُلِهِ بِخَيْرِ الأَنَامِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ، وَأَوْلاهُ شَرِيعَتَهُ الغَرَّاءَ الَّتِي لا يُعَادِلُهَا نِظَامٌ، وَلَهُ الشُّكْرُ - سُبْحَانَهُ - حَيْثُ جَعَلَنَا مِمَّنْ يَسِيرُ فِي رَكْبِ هذِهِ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ، وَوَفَّقَنَا لأِنْ نُحَصِّلَ وَنَتَشَرَّبَ مَجْمُوعَ الأُصُولِ والفُرُوعِ، فَسَلَكْنَا سَبِيلَ العُلَمَاءِ الثِّقَاتِ، وَأَعْرَضْنَا صَفْحًا عَنْ طَرْقِ أَبْوَابِ المُبْتَدِعِينَ اللِّئَامِ.وَبَعْد، فَإِنَّ أَعْظَمَ مَا تُرِكَ لأِجْلِهِ لَذَائِذُ الطَّعَامِ، وَأُعْرِضَ مِنْ أَجْلِهِ عَن طِيبِ المَنَامِ، هُوَ الاِشْتِغَالُ بِطَلَبِ الْعِلْمِ، وَالسَّعْيُ فِي تَحْصِيلِهِ، وتَجشُّمُ الصِّعَابِ في التَّرَقِّي فِي دَرَجِ الفُهُومِ.وَلَقَدْ كَانَ عِلْمُ الأُصُولِ مِن بَيْنِ تِلْكَ العُلُومِ أَسَاسًا لِلشَّرِيعَةِ، وَهُوَ مِن أَجَلِّهَا قَدْرًا، وَأَعْظَمِهَا نَفْعًا وَفَائِدَةً؛ إِذْ هُوَ العِلْمُ الكَفِيلُ بالنَّظَرِ فِي أَحْوَالِ الأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ كِتَابٍ وَسُنَّةٍ وإِجْمَاعٍ وَقِياسٍ مِن حَيْثُ تُؤخَذُ مِنْهَا التَّكَالِيفُ وَتُسْتَنْبَطُ الأَحْكَامُ.وَعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ هُوَ العَاصِمُ لِلذِّهْنِ عَنِ الخَطَإِ عِنْدَ اسْتِنْبَاطِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهُو
المُعْتَمَدُ لأِصْحَاب الخِلافِ فِيمَا يَجْرِي بَيْنَهُمْ مِن مُنَاظَرَاتٍ وَمُسَاجَلاتٍ؛ كَيْ يُصَحِّحَ كُلٌّ مِنْهُمْ مَذْهَبَه، وَيُثَبِّتَ بِنَاءَهُ عَلَى دَعَائِمَ صَحِيحَةٍ، وَأُصُولٍ قَوِيمَةٍ، وَهُوَ المُعْتَمَدُ أَيْضًا لأِصْحَابِ التَّخْرِيجِ الَّذِين عُنُوا بِتَفْرِيعِ الأَحْكَامِ الفِقْهِيَّةِ، وَتَخْرِيجِ الحَوَادِثِ وَالْوَقَائِعِ الوَقْتيَّةِ عَلَى أصُولٍ تَنْبَنِي عَلَيْهَا، وَتُؤْخَذُ مِنْهَا.وَبَعْد، فَهذِهِ مُقَدِّمَةٌ لِتَحْقِيقِ كِتَابِنَا "رَفْعِ الحَاجِبِ عَنْ مُخْتَصَرِ ابْنِ الحَاجِبِ" للإمام الهمام العلَّامة ابن السبكي رحمه الله تَشْتَمِلُ عَلَى المَبَاحِثِ التَّالِية:- نَبْذة عن عَصْر ابن الحاجب.- ابنُ الحاجب بَيْن يدَيْ أصحاب التَّرَاجِم.- نشأة ابن الحاجِب.- شُيُوخ ابْنِ الحاجِب.- تلاميذ ابنِ الحاجِب.- ثناءُ العلماءِ عليه.- بَيْن ابْنِ الحاجِبِ والعِزّ بن عبْدِ السَّلام.- مصنَّفَاتُهُ.- وفاةُ ابْنِ الحاجب.- إضاءَةٌ على القَرْن الثَّامِنِ الهجْريّ.- الحالةُ السياسيَّة في عَصْر سلاطين المماليك.- الحالة الاجتماعيَّة في عَصْر سلاطين المماليك.- الحالةُ الاقتصاديَّةُ في عَصْر سلاطين المماليك.- الحالة الثقافيَّة في عَصْر سلاطين المماليك.- تاجُ الدِّين السُّبْكِيُّ بين يدَيْ أصحاب الطبقات.• نسبه.• مولده.• نشأته.• الكلام على آل السُّبْكِيِّ.• شيوخه.
• تلاميذه.• ثناء العلماء عليه.• محنة التاج السبكي.• آثاره ومصنفاته.• وفاته.- تعريف أصول الفقه.- موضوع أصول الفقه.- نشأة علْم أُصُول الفِقْه.- اختلافُ العلماءِ حَوْل واضِعِ عِلْم الأُصُول:• الإمام محمد الباقر.• الإمام "أبو جنيفة".• محمَّد بنُ الحَسَن.• أبو يُوسُف.• الرسالةُ والشَّافعيُّ.• خُلاصَة رسالةِ الشَّافعيِّ.- مناهجُ العلماءِ في الدراساتِ الأُصوليَّة.أوَّلًا: الاتجاه النظريُّ.ثانيًا: الاتِّجاه المذهبيُّ المتأثِّر بالفروع:• الحنفية.• المالكية.• الحنابلة.• الشافعية.ثالثًا: الاتِّجاهُ الجامعُ بَيْنَ المذهَبَيْن.رابعًا: حول قضية التجديد في أُصُول الفقه.• النسبة بين أصول الفقه والعُلُوم الأخرى.• اسْتِمْدَاده.
• فائِدَتُه.• الكِتَابُ.• السنَّة.• إنْكارُ حُجِّيَّة السُّنَّة موجِبٌ للرِّدَّة.• العلاقةُ بيَن الكتابِ والسُّنَّة.• الإجماعُ.• القياس.• النَّسْخ.
ابْنُ الحَاجِبِ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابَ التَّرَاجِمِنَسَبُهُ:هو: أَبُو عمرٍو عُثْمانُ بْنُ عمرَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ يُونُسَ الكُرْدِيُّ الدَّوِينِيُّ(١) الأصْلِ، الإسنائيُّ(٢) المولدِ المالكيُّ، ويلقب بـ "جمالِ الدِّينِ".قال أبو العبَّاس ابنُ خَلِّكان المتوفى سنة ٦٨١ هـ: "أبو عمرو … الدَّوَنِيُّ ثم المصريُّ الفقيهُ المالكيُّ .. "(٣).وقال الحافظُ الذهبيُّ المتوفَّى سنة ٧٤٨ هـ: "الشَّيخُ الإمامُ العلَّامة المُقَرئُ الأُصوليُّ الفقيه النحويُّ جمال الأئمة والملَّة والدينِ أَبو عَمْرٍو … صاحبُ التصانيفِ .. "(٤).وقال ابن فَرْحُون المالكِيُّ المتوفَّى سنة ٧٩٩ هـ، نقلًا عن "الوفيات" لابن خَلِّكان: "عُثمانُ بْنُ عمرَ بْنِ أَبِي بكْرِ. بنِ يُونُسَ الرَّوِينِيُّ، ثمَّ المصريُّ الدمشقيُّ ثم الإسكندريُ يكنى أبا عمرٍو المعروف بـ "ابن الحاجب"، الملقَّب بـ "جمال الدِّين"، الإمامُ العلَّامة، الفقيهُ(١) نسبة إلى "دَوِين" - بفتح أوله وكسر ثانيه - وياء مثناة من تحت ساكنة، وآخره نون - بلدة في آخر "أذْرَبيجَان" من جهة "أران"، وبلاد "الكرك"، معجم البلدان ٢/ ٥٥٨.(٢) "إسْنَا" بالكَسْر، ثم السُّكُون، ونون وألف مقصورةٌ: مدينة بأقصى الصعيد، ليس وراءها إلا أدفو وأسوان، ثم بلاد النوبة، وهي على شاطئ النبيل من الجانب الغربيِّ، وهي طَيِّبة كثيرةُ النخل والبساتين. مراصد الاطلاع ١/ ٧٦، ٧٧، وهي الآن تابعة لمحافظة قنا.(٣) وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٨.(٤) سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٢٦٤ - ٢٦٥.
المالكيُّ … "(١). ويظهر الفرْق واضحًا بَيْن ما نقله ابن فَرْحُون، وما هو في "الوفيات".وقال ابن الجزريِّ المتوفَّى سنة ٨٣٣ هـ: "عثمانُ بنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ يُونسُ أَبُو عَمْرِو بْن الحَاجِبِ الكرديُّ الأصلِ الدَّونِيُّ الإسنائيُّ المولدِ … "(٢).وقال السُّيُوطيُّ المتوفَّى سنة ٩١١ هـ: "ابن الحاجبِ العلَّامةُ جمالُ الدينِ أَبُو عمْرٍو عثمانُ بنُ أَبِي بَكْرٍ الكرديُّ الإسنائيُّ ثم المصريُّ المالكيُّ … "(٣).وقال حاجي خليفة المتوفَّى سنة ١٠٦٧ هـ: "عثمانُ بنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ يُونُسَ الكُرديُّ الإسنائيُّ ثمَّ المصريُّ جمالُ الدِّينِ أَبُو عَمْرٍو المالكيُّ النَّحويُّ المعروفُ بـ "ابنِ الحاجبِ" .. "(٤).وقال ابن العماد الحنبليُّ المتوفَّى سنة ١٠٨٩ هـ: "العلَّامة أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر الكردي الأسنائي - وأسْنَا - بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح النون وبعدها ألف بليدة صغيبرة - من أعمال القُوصيَّة بالصعيد الأعلى من مصر … "(٥).وقال كَحَالَة: "عثمانُ بن عمرَ بْن أبي بَكْرِ بْنِ يُونُسَ الكرديّ، الدَّوينِيُّ الأصْلِ، الإسْنائيّ، المالكيّ، المعروف بـ "ابن الحاجِبِ" "أبُو عَمْرو، جَمالُ الدِّين" … "(٦).وقال خَيْرُ الدِّينِ الزِّركلِيُّ: "عثمانُ بنُ عُمر بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ يُونس، أَبُو عمرو جَمَالُ الدِّينِ بْنُ الحَاجِبِ .. "(٧). مَوْلِدُهُ:ولد ابن الحاجبِ في أواخر سنة ٥٧٠ هـ أو ٥٧١ على الشَّكِّ منه. كذا ذكره الذهبيُّ وابن الجزريِّ.(١) الديباج المذهب ٢/ ٨٦، وقد تحرفت فيه كلمة "الدويني" إلى "الرويني".(٢) غاية النهاية ١/ ٥٠٨.(٣) حسن المحاضرة ١/ ٤٥٦(٤) هدية العارفين ١/ ٦٥٤.(٥) شذرات الذهب ٥/ ٢٣٤، وضبطه لـ"أسنا" وتعريفه لها نقله بنصه عن ابن خلكان.(٦) معجم المؤلفين ٦/ ٢٦٥.(٧) الأَعلام ٤/ ٢١١، وقد اشتهر بـ"ابن الحاجب" لأن أباه كان حاجبًا للأمير عز الدين موسك الصلاحي، وقد تحرفت في "الفتح المبين" "موسلو "إلى "يوسف"، وتحرفت كلمة "الصلاحي" في "غايه النهاية" إلى "السلاحي".
قال الذهبيُّ: ولد سنة سبعين وخَمْسِمائةٍ، أو سنة إحدى - وهو يشك - بـ "إسْنا" من بلادِ الصَّعيد .. "(١).وقال ابن الجزريِّ: "وُلدَ سنة سبعين أو إحدى وسبعين وخَمْسِمائة - الشكُّ منه - بـ "إسْنا" من صعيد مصر .. "(٢).وقد تحرَّفْت سنةُ موْلِدهِ عنْد ابن فرْحُون، فقال: " .... وكان مولده بـ "إسْنا" بالصعيد الأعلى سنة تسعين وخمسمائة"(٣).(١) سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٢٦٥.(٢) غاية النهاية ١/ ٥٠٨.(٣) الديباج المذهب ٢/ ٨٩.
نبذة عن عَصْر ابْنِ الحَاجِبِ (١)مَا أَصْدَقَ قَوْلَةَ ابْنِ خَلْدُونَ فِي مقدِّمته "أن الإنْسَانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْع"، وهذا يَعْنِي أَنَّ الإنْسَان لا يَسْتَطِيع أَنْ يَعِيشَ مُنْعَزِلًا عَن المُجْتَمع، بَلْ لا بُدَّ لَهُ من تأثيرٍ وتأثُّرٍ، وأخذ وإعطاء، فهذه سُنَّةُ اللّه الَّتي فَطر النَّاس عَلَيْهَا.ولا شكَّ أَنَّ كلَّ بيئةٍ لها تأثيرُهَا الخاصُّ عَلَى تكوين أفْرَادِهَا، فَهِي تصبغه بصبغتها، فيَسْتَوِي عُودُه على ما قَدْ رَشَفَه مِنْ مجتَمَعِه الَّذِي يُحِيط به، إِنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فَشَرٌّ.وغايةُ الأَمْرِ أَنَّك، إِذَا أردت أن تستَجْلِي هذا الصَّرْحَ الشَّامِخَ - ابْنَ الحاجِب - فلا بُدَّ من إِلقاء بَصِيصٍ مِنَ الضَّوْء على العَصْر الَّذي عاشَ فيه:قَامَتْ دولَةُ بَنِي أَيُّوبَ في مصْرَ بعْد ضعف الخلافةِ العبَّاسيَّة، وانْقِسام الطَّوائِف الطَّامعةِ في الخلافَةِ بأماكنَ تخصُّها، فالعالَمُ الإسلاميُّ يعاني من وَيْلات الانقسامِ والفُرْقَةِ، مِنْ سلاجقةٍ بالعراق، وفاطميِّين في الغَرْب، ثُمَّ مِصْر والشَّام، وبُوَيْهِيِّين بالعراقِ وفارِس قَبْل أنْ يَسْتَولي السَّلاجِقَةُ بَعْد ذلِكَ عَلَى الخِلافَة بـ "بَغْدَاد".ولقَدْ دَخَلَ السَّلاجقةُ فِي حُرُوبٍ وويلانٍ ليوطِّدوا مُلكَهم، وكانَتْ علاقتهم بالعباسييِّن علاقةً طيِّبة لا يُعكَّر صفْوُها إلا إذا تدَخَّل أحدُهم في شؤون الخليفة العباسيِّ.وقد استقلَّ عماد الدِّين زنكي عن السَّلاجقة، وأَنْشَأَ الدَّوْلَة الزنكيَّة، الَّتي دخَلَتْ فِي(١) صاحب المَتْنِ الَّذي قام بشَرْحه العلَّامةُ ابنُ السُّبكيِّ.