المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز (أبو شامة المقدسي)القسم: علوم القرآن وأصول التفسيرالكتاب : المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيزالمؤلف : أبو القاسم شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي المعروف بأبي شامة (المتوفى : ٦٦٥هـ)المحقق : طيار آلتي قولاجالناشر : دار صادر - بيروتسنة النشر : ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ معدد الصفحات: ٢٨٨[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز - المقدمةـ[المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز]ـالمؤلف: أبو القاسم شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي المعروف بأبي شامة (المتوفى: ٦٦٥هـ)المحقق: طيار آلتي قولاجالناشر: دار صادر - بيروتسنة النشر: ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ معدد الأجزاء: ١[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي](تنبيه) : الكتاب مرتبط بنسخة مصورة موافقه لترقيمه (ط دار صادر) ، وأخرى مخالفة (ط دار الكتب العلمية)
مقدمة المؤلف:بسم الله الرحمن الرحيموبه نستعينالحمد لله الواحد الوتر الرحيم البر، عالم الغيب والشهادة والسر والجهر، مصعد الكلم الطيب ومنزل القطر الذي يسر القرآن للذكر وأنزله في ليلة القدر.أحمده وهو أهل الحمد والشكر على ما يساء وسر، وبيده النفع والضر، {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} (١) ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المؤمل لحط الوزر ورفع الإصر وإسبال الستر وإلهام الصبر، شهادة مرغمة لأهل الشرك والكفر، سارة لأهل التقوى المأمورين بالصلاة والصيام والحج والنحر.وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" (٢) المبعوث من خير العرب، وهم قريش أولاد لؤي بن غالب بن فهر، المرسل لإظهار الإيمان بمعجزة القرآن ممن وفق لقبولها ومن المعاندين بالقسر والقهر.صلى الله عليه وعلى جميع النبيين والملائكة المقربين الأكرمين كما شرفهم بالعصمة والطهر، وفضلهم على ساكني البر والبحر، وعلى آله وصحبه الأبرار أولي الحجا والحجر، والبشارة والبشر، والحل والعقد(١) الأعراف: ٥٤.(٢) مسلم ٧/ ٥٩، أبو داود ٤/ ٣٠٢، الترمذي، ابن ماجه ٢/ ١٤٤٠.
والطي والنشر، من أهل الهجرة والإنفاق والإيواء والنصر، المجاهدين بالأنفس والأموال الموفين بالنذر، وعلى تابعيهم بإحسان، وعلى جميع أهل الولاية والطاعة والبر، وعفا عن أهل التقصير الذين هم [٢ و] لأولئك اللباب كالقشر، وسلم عليهم أجمعين أبد الدهر، ما طلع الفجر، وأشرقت الشمس ونور البدر.أما بعد: فهذا تصنيف جليل يحتاج إليه أهل القرآن، خصوصا من يعتني بعلم القراءات السبع ولا يعرف معنى هذه التسمية ولا ماذا نحاه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" (١) ولا يدري ما كان الأمر عليه في قراءة القرآن وكتابته في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن جمع بعده في خلافة أبي بكر (٢) ، ثم جمع في خلافة عثمان (٣) رضي الله عنهما، ولا يهتدي إلى ما فعله كل واحد منهما، وما الفرق بين جمعيهما، وما الضابط الفارق بين القراءات الشواذ وغيرها.وأرجو أن يكون هذا التصنيف مشتملا على ذلك كله، قيما ببيانه مع فوائد أخر تتصل به، وبالله التوفيق.وقد حصل مقصود هذا الكتاب في ستة أبواب:(١) انظر روايات هذا الحديث وتخريجها في ص٧٧-٩٥.(٢) هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب التميمي القرشي، أبو بكر الصديق بن أبي قحافة، أول الخلفاء الراشدين، توفي سنة ١٣هـ "الطبقات الكبرى ٣/ ١٦٩، غاية النهاية ١/ ٤٣١، الإصابة ٢/ ٣٤١، تاريخ الخلفاء ص١١".(٣) هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، أبو عمرو القرشي الأموي، ثالث الخلفاء الراشدين، استشهد سنة ٣٥هـ "الطبقات الكبرى ٣/ ٥٣، تذكرة الحفاظ ١/ ٨، غاية النهاية ١/ ٥٠٧، الإصابة ٢/ ٤٦٢، تاريخ الخلفاء ص٥٧".
الباب الأول في البيان عن كيفية نزول القرآن وتلاوته وذكر حفاظه في ذلك الأوان.الباب الثاني في جميع الصحابة رضي الله عنهم القرآن وإيضاح ما فعله أبو بكر وعمر (١) وعثمان رضي الله عنهم.الباب الثالث في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنزل القرآن على سبعة أحرف"، وشرح ذلك من كلام كل مصنف منصف.الباب الرابع في معنى [٢ ظ] القراءات السبع المشهورة الآن وتعريف الأمر في ذلك كيف كان.الباب الخامس في الفصل بين القراءة الصحيحة القوية والشاذة الضعيفة المروية.الباب السادس في الإقبال على ما ينفع من علوم القرآن والعمل بها، وترك التعمق في تلاوة ألفاظه والغلو بسببها.وسميته:"المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز".وهي معرفة كيفية نزول القرآن وجمعه وتلاوته، ومعنى الأحرف السبعة التي نزل عليها، والمراد بالقراءات السبع وضابط ما قوي منها، وبيان ما انضم إليها، والتعريف بحق تلاوته وحسن معاملته، والله الموفق.(١) هو عمر بن الخطاب بن نفيل، أبو حفص القرشي العدوي، ثاني الخلفاء الراشدين، توفي شهيدًا سنة ٢٣هـ "الطبقات الكبرى ٣/ ٢٦٥، غاية النهاية ١/ ٥٩١، الإصابة ٢/ ٥١٨، تاريخ الخلفاء ص٤٢".
أبي طالب "٤٣٧/ ١٠٤٥" (١) .والظاهر أن لطعن أعداء الإسلام في القرآن وبالأخص فيما يتعلق بالحديث المذكور أثرًا كبيرًا في اهتمام علماء المسلمين به.ولم تقف العناية بإظهار الرأي وإيضاح المعنى الذي يشير إليه الحديث عند العصور الأولى للإسلام، بل تجاوزها إلى ما بعدها، وفتح الطريق لتأليف كتب ورسائل خاصة في هذا الموضوع.و"كتاب المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز" الذي أقدم الآن نصه، وهو من تصنيف شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي المعروف بأبي شامة "٥٩٩-٦٦٥هـ/ ١٢٠٣-١٢٦٧م" من أجمع الكتب المؤلفة في هذا الصدد.وإن المؤلف مهما ذكر في كتابه من أبواب ومباحث تتصل بالموضوع فإن شرح الحديث المذكور وإثبات علاقته بالقراءات المشهورة هو الغاية الأولى من تأليفه لهذا الكتاب كما بينه المؤلف نفسه (٢) .وتوثيقي لـ"كتاب المرشد الوجيز … " الذي يأتي الحديث عنه وعن محتوياته (٣) أستند فيه إلى ثلاث نسخ مخطوطة: الأولى منها محفوظة في مكتبة لا له لي "إستانبول" تحت رقم ٣٦٢٥.والثانية توجد في مكتبة شهيد علي باشا "إستانبول" تحت رقم ٢٧٥١.والثالثة تحتفظ بها مكتبة آياصوفيا "إستانبول" تحت رقم ٥٩.وبلغني أن لهذا الكتاب نسختين أخريين، ذكر إحداهما خير الدين(١) انظر: الإبانة عن معاني القراءات.(٢) انظر: المرشد الوجيز ص٧٣.(٣) انظر: المقدمة التركية ص٣٧-٤٠.
الباب الأول: في البيان عن كيفية نزول القرآن وتلاوته وذكر حفاظه في ذلك الأوان قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} (١) وقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} (٢) ، وقال جلت قدرته: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (٣) ، فليلة القدر هي الليلة المباركة وهي في شهر رمضان جمعا بين هؤلاء الآيات؛ إذ لا منافاة بينها، فقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن ليلة القدر في شهر رمضان، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتماسها في العشر الأخير منه (٤) ، ولا ليلة أبرك من ليلة، هي خير من ألف شهر. فتعين حمل قوله سبحانه: {فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} على ليلة القدر. كيف، وقد أرشد إلى ذلك قوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} (٥) ، فهو موافق لمعنى تسميتها بليلة القدر؛ لأن معناه التقدير، فإذا ثبت هذا، علمت أنه قد أبعد من قال: الليلة المباركة هي ليلة النصف من شعبان، وأن قوله تعالى: {أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن} (٦) معناه:(١) البقرة: ١٨٥.(٢) الدخان: ٣.(٣) القدر: ١(٤) انظر: صحيح البخاري ٢/ ٢٥٤، وسنن أبي داود ٢/ ٧٠-٧٢.(٥) الدخان: ٤.(٦) البقرة: ١٨٥.
أنزل في شأنه وفضل صيامه وبيان أحكامه، وأن ليلة القدر توجد في جميع السنة لا تختص بشهر رمضان، بل هي منتقلة في الشهور على مر السنين، واتفق أن وافقت زمن أنزال القرآن ليلة النصف من شعبان:وإبطال هذا القول متحقق بالأحاديث الصحيحة الواردة في بيان ليلة القدر وصفاتها وأحكامها على ما سنقرره إن شاء الله تعالى في المسائل الفقهية بين كتابي الصيام والاعتكاف.وبما اخترناه من القول في الجمع بين الآيات الثلاث، ورد الخبر عن ابن عباس (١) رضي الله عنهما، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهود له بأنه حبر الأمة وترجمان القرآن.أخرج الحافظ أبو بكر البيهقي (٢) في "كتاب الأسماء والصفات"، من حديث السري (٣) عن محمد بن أبي المجالد (٤) عن مقسم (٥) عن ابن عباس(١) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، أبو العباس القرشي الهاشمي، الصحابي الجليل، توفي سنة ٦٨هـ "تذكرة الحفاظ ١/ ٣٧، الإصابة ٢/ ٣٣٠، تهذيب التهذيب ٥/ ٢٧٦".(٢) هو أحمد بن الحسين بن علي، أبو بكر البيهقي الشافعي، من أئمة الحديث، صنف التصانيف الكثيرة، منها "السنن الكبرى" و"شعب الإيمان" وكتابه "الأسماء والصفات"، توفي سنة ٤٥٨هـ "طبقات السبكي ٣/٣، تذكرة الحفاظ ٣/ ٣٠٩، وفيات الأعيان ١/ ٢٤، شذرات الذهب ٣/ ١/ ٣١٣".(٣) هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي، أبو محمد القرشي بالولاء، الكوفي تابعي، توفى سنة ١٢٧ هـ (تهذيب التهذيب ١ / ٣١٣)(٤) هو محمد "ويقال عبد الله" بن أبي المجالد الكوفي، مولى عبد الله بن أبي أوفى "تهذيب التهذيب ٥/ ٣٨٨".(٥) هو مقسم بن بجرة "ويقال ابن نجدة"، أبو القاسم، تابعي ثقة، من رجال الحديث، توفي سنة ١٠١هـ "ميزان الاعتدال ٣/ ١٩٨، تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٨٨".
رضي الله عنهما قال: سأله عطية بن الأسود (١) فقال: إنه قد وقع في قلبي الشك في قول الله عز وجل: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} (٢) ، وقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (٣) ، وقوله سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} (٤) ، [٣ ظ] وقد أنزل في شوال وذي القعدة وذي الحجة … يعني وغير ذلك من الأشهر.فقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنه أنزل في رمضان وفي ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رسلا في الشهور والأيام (٥) .قلت: رسلا أي رفقا، وقوله على مواقع النجوم، أي على مثل مواقع النجوم، ومواقعها مساقطها، يريد أنزل مفرقا يتلو بعضه بعضا على تؤدة ورفق، فقوله على مواقع النجوم في موضع نصب على الحال، ورسلا أي ذا رسل يريد مفرقا رافقا.ودل أيضا على أن إنزال القرآن كان في شهر رمضان، رواية قتادة (٦) عن(١) هو عطية بن الأسود اليمامي من بني حنيفة، من علماء الخوارج وأمرائهم، وتوفي سنة نحو ٧٥هـ "الملل والنحل ١/ ١٥٥-١٦٩، وانظر: الأعلام ٥/ ٢٣".(٢) البقرة: ١٨٥.(٣) القدر: ١.(٤) الدخان: ٣.(٥) كتاب الأسماء والصفات٢٣٦.(٦) هو قتادة بن دعامة بن عزيز السدوسي، أبو الخطاب البصري، الضرير الأكمه حافظ، مفسر، عالم بالعربية، توفي سنة ١١٨هـ "صفة الصفوة ٣/ ١٨٢، معجم الأدباء ٦/ ٢٠٢، تذكرة الحفاظ ١/ ١١٥، غاية النهاية ٢/ ٢٥، تهذيب التهذيب ٨/ ٣٥١".
أبي المليح (١) عن واثلة بن الأسقع (٢) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنزلت صحف إبراهيم عليه السلام أول ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من شهر رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان، وأنزل الزبور لثماني عشرة خلت من شهر رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من شهر رمضان" (٣) . هكذا أخرجه البيهقي في "كتاب الأسماء والصفات" (٤) و"شعب الإيمان" (٥) له، وذكره أيضا الثعلبي (٦) في تفسيره (٧) وغيره.ووقع في "تفسير الماوردي" وغيره: "وأنزل الزبور لثنتي عشرة (٨) والإنجيل لثماني عشرة" (٩) . وكذلك هو في كتاب أبي عبيد (١٠) .(١) هو أبو المليح بن أسامة الهذلي، مجهول الحال، قيل: اسمه عامر وقيل زيد وقيل غيرهما، توفي سنة ٩٨هـ على خلاف "ميزان الاعتدال ٣/ ٣٨٢، تهذيب التهذيب ١٢/ ٢٤٦.(٢) هو واثلة بن الأسقع بن كعب بن عامر، أبو الأسقع الليثي، صحابي من أهل الصفة، فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الشام فمات بها، وهو آخر الصحابة موتا بالشام سنة ٨٣هـ "الاستيعاب ٣/ ٦٤٣، صفة الصفوة ١/ ٢٧٩، غاية النهاية ٢/ ٣٥٨، تهذيب التهذيب ١١/ ١٠١، الإصابة ٣/ ٦٢٦".(٣) مستند أحمد بن حنبل ٤/ ١٠٧. ولم يذكر وقت إنزال الزبور.(٤) كتاب الأسماء والصفات ص٢٣٤.(٥) شعب الإيمان ١/ ٣٧٠،.(٦) هو أحمد بن محمد بن إبراهيم أبو إسحاق الثعلبي النيسابوري، المفسر المعروف، العالم بالقراءات، له تصانيف جليلة، منها تفسيره المسمى "الكشف والبيان في تفسير القرآن"، توفي سنة ٤٢٧هـ "وفيات الأعيان ١/ ٢٦، إنباه الرواة ١/ ١١٩، غاية النهاية ١/ ١٠٠، بغية الوعاة ص١٥٤.(٧) انظر: تفسير الثعلبي ١/ ١١٢و.(٨) تفسير الماوردي ١/ ٥٨.(٩) الذي في تفسير الماوردي ١/ ٦٢، هو "وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة"، والله أعلم.(١٠) هو القاسم بن سلام أبو عبيد الهروي البغدادي، من كبار العلماء بالقراءات والحديث والفقه والعربية والأخبار، له تصانيف في كل فن منها، توفي سنة ٢٢٤هـ "مراتب النحويين: ٩٣، تذكرة الحفاظ ٢/ ٥، غاية النهاية ٢/ ٧١، تهذيب التهذيب ٨/ ٣١٥، شذرات الذهب ٢/ ١٤٧".
وفي بعض التفاسير عكس هذا: الإنجيل لثنتي عشرة والزبور لثماني عشرة، واتفقوا على أن صحف إبراهيم عليه السلام لأول ليلة [٤ و] والتوراة لست مضين والقرآن لأربع وعشرين خلت.قال أبو عبد الله الحليمي: يريد ليلة خمس وعشرين (١) .وذكر أبو بكر ابن أبي شيبة (٢) -وهو أحد شيوخ مسلم- (٣) في "كتاب ثواب القرآن" (٤) عن أبي قلابة (٥) قال: أنزلت الكتب كاملة ليلة أربع وعشرين من رمضان. وعنه: أنزلت التوراة والزبور لثنتي عشرة، وفي رواية أخرى: الزبور في ست، يعني في رمضان (٦) .(١) في كتابه المنهاج ٢/ ١٠٣ ظ، والحليمي هو الحسين بن الحسن بن محمد، أبو عبد الله الحليمي الجرجاني، أحد أئمة الشافعية بما وراء النهر، توفي سنة ٤٠٣هـ "وفيات الأعيان ١/ ١٨٣، طبقات السبكي ٣/ ١٤٧".(٢) هو عبد الله بن محمد بن إبراهيم، أبو بكر العبسي بالولاء، المعروف بابن أبي شيبة، من أهل الكوفة، حافظ للحديث، وصنف المسند والأحكام والتفسير، توفي سنة ٢٣٥هـ "الفهرست، ٣٣٤، تاريخ بغداد ١٠/ ٦٦، تذكرة الحفاظ ٢/ ٨١، تهذيب التهذيب ٦/ ٢".(٣) هو مسلم بن الحجاج القشيري، أبو الحسن النيسابوري، الحافظ، صاحب الصحيح والتصانيف، أحد الأعلام المحدثين والأئمة، توفي سنة ٢٦١هـ "الفهرست، ٣٣٦، تاريخ بغداد ١٣/ ١٠٠، وفيات الأعيان ٢/ ١١٩، تذكرة الحفاظ ٢/ ١٥٠، تهذيب التهذيب ١٠/ ١٢٦".(٤) ثواب القرآن هو باب من أبواب مصنف ابن أبي شيبة ولي كتابا مستقلا كما يفهم من المتن.(٥) هو عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي، أبو قلابة البصري، تابعي ثقة، كثير الحديث، توفي سنة ١٠٤هـ على خلاف "صفة الصفوة ٣/ ١٦٠، تهذيب التهذيب ٥/ ٢٢٤".(٦) المصنف ٢/ ١٦٢ظ.
قال البيهقي في معنى قوله: "أُنزل القرآن لأربع وعشرين": إنما أراد -والله أعلم- نزول الملك بالقرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا (١) .وقال في معنى قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (٢) : يريد -والله أعلم: إنا أسمعناه الملك وأفهمناه إياه وأنزلناه بما سمع، فيكون الملك منتقلا به من علو إلى سفل (٣) .قلت: هذا المعنى مطرد في جميع ألفاظ الإنزال المضافة إلى القرآن أو إلى شيء منه: يحتاج إلى نحو هذا التأويل أهل السنة المعتقدون قدم القرآن، وأنه صفة قائمة بذات الله تعالى.وفي المقصود بالإنزال الخاص المضاف إلى ليلة القدر أقوال:أحدها: أنه ابتدئ إنزاله فيها.والثاني: أنه أنزل في عشرين ليلة من عشرين سنة.فنذكر ما حضرنا من الآثار في ذلك ومن أقوال المفسرين.قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام [٤ ظ] في "كتاب فضائل القرآن": حدثنا يزيد (٤) -يعني ابن هارون- عن داود بن أبي(١) كتاب الأسماء والصفات ص٢٣٤.(٢) القدر: ١.(٣) كتاب الأسماء والصفات ص٢٢٩.(٤) هو يزيد بن هارون بن داود "ويقال زاذان" بن ثابت السلمي بالولاء، أبو خالد الواسطي، الحافظ، الثقة، توفي سنة ٢٠٦هـ "تاريخ بغداد ١٤/ ٣٣٧، تذكرة الحفاظ ١/ ٢٩١، تهذيب التهذيب ١١/ ٣٦٦".
هند (١) عن عكرمة (٢) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة، وقرأ: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} (٣) .أخرجه الحاكم أبو عبد الله (٤) في "كتاب المستدرك على الصحيحين" وقال في آخره: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (٥) .ورواه عبد الأعلى (٦) عن داود وقال: فكان الله إذا أراد أن يوحي منه شيئا أوحاه، أو يحدث في الأرض منه شيئا أحدثه (٧) .(١) هو داود بن أبي هند، أبو بكر البصري، وينتسب إلى بني قشير بالولاء، تابعي، كان يفتي في زمان الحسن بن علي بن أبي طالب، توفي سنة ١٤٠هـ على خلاف "تهذيب التهذيب ٣/ ٢٠٤".(٢) هو عكرمة مولى ابن عباس البربري، أبو عبد الله المدني، كان من أعلم التابعين بتفسير القرآن، توفي سنة ١٠٥هـ على خلاف "الطبقات الكبرى ٥/ ٢٨٧، ميزان الاعتدال ٢٠٨٢، غاية النهاية١/ ٥١٥، تهذيب التهذيب ٧/ ٢٦٣".(٣) الإسراء: ١٠٦.(٤) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه الضبي، الطهماني، أبو عبد الله النيسابوري، المعروف بالحاكم، من أكابر حفاظ الحديث، له تصانيف كثيرة، منها "المستدرك على الصحيحين" توفي سنة ٤٠٥هـ "تاريخ بغداد ٥/ ٤٧٣، تذكرة الحفاظ ٣/ ٢٢٧، ميزان الاعتدال ٣/ ٨٥، طبقات السبكي ٣/ ٦٤، غاية النهاية ٢/ ١٨٤".(٥) المستدرك ٢/ ٢٢٢، ورواه البيهقي في كتاب الأسماء والصفات، ٢٣٥، وفي شعب الإيمان ١/ ٣٧٠ ظ.(٦) هو عبد الأعلى بن عبد الأعلى بن محمد، أبو محمد القرشي البصري السامي، أحد علماء الحديث، قال ابن سعد: لم يكن بالقوي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، توفي سنة ١٨٩هـ "تهذيب التهذيب ٦/ ٩٦، شذرات الذهب ١/ ٣٢٤".(٧) انظر: كتاب الأسماء والصفات ص٢٣٥.
قال أبو عبيد: لا أدري كيف قرأه يزيد في حديثه، إلا أنه لا ينبغي أن يكون على هذا التفسير إلا "فرقناه" بالتشديد.قال أبو نصر ابن القشيري (١) في تفسيره: فرقناه أي فصلناه (٢) .قال ابن جبير (٣) : نزل القرآن كله من السماء العليا إلى السماء السفلى ثم فصل في السماء السفلى في السنين التي نزل فيها.قال قتادة: كان بين أوله وآخره عشرون سنة، ولهذا قال: {لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} (٤) .وقيل: فرقناه أي جعلناه آية آية وسورة سورة، وقيل: فصلناه أحكاما، كقوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم} (٥) ، أي يفصل، وقيل: "فرقناه" بالتشديد أي أنزلناه مفرقا، على مكث على تؤدة وترسل ونزلناه تنزيلا: أي نجما بعد نجم، وقيلك جعلناه منازل ومراتب ينزل شيئا بعد [٥ و] شيء ولو أخذوا بجميع الفرائض في وقت واحد لنفروا.وأسند الحاكم أبو عبد الله في كتابه "المستدرك" من حديث ابن أبي(١) هو عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن، أبو نصر بن أبي القاسم القشيري، الواعظ من علماء نيسابور، توفي سنة ٥١٤هـ "طبقات السبكي ٤/ ٢٤٩".(٢) تفسير القشيري ص٣٤٠و.(٣) هو سعيد بن جبير بن هشام الأسدي بالولاء، أبو عبد الله الكوفي، تابعي مشهور، قتله الحجاج بواسط شهيدًا سنة ٩٥هـ "الطبقات الكبرى ٦/ ٢٥٦، وفيات الأعيان ١/ ٢٥٦، غاية النهاية ١/ ٣٠٥، تهذيب التهذيب ٤/ ١١".(٤) الإسراء: ١٠٦.(٥) الدخان: ٤.
شيبة، حدثنا جرير (١) عن منصور (٢) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (٣) ، قال: أنزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر إلى سماء الدنيا وكان بمواقع النجوم، وكان الله عز وجل ينزل على رسوله صلى الله عليه وسلم بعضه في إثر بعض، قال الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} (٤) ، صحيح على شرطهما (٥) .وأسنده البيهقي في دلائله (٦) والواحدي (٧) في تفسيره (٨) .وأسند البيهقي في "كتاب الشعب" عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء(١) هو جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي، أبو عبد الله الرازي، كان محدث الري في عصره، توفي سنة ١٨٨هـ "تاريخ بغداد ٧/ ٢٥٣، تذكر الحفاظ ١/ ٢٥٠، تهذيب التهذيب ٢/ ٧٥".(٢) هو منصور بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة السلمي، أبو عتاب الكوفي، أحد أعلام رجال الحديث، توفي سنة ١٣٢هـ "تهذيب التهذيب ١٠/ ٣١٢".(٣) القدر: ١.(٤) الفرقان: ٣٢.(٥) المستدرك ٢/ ٢٢٢.(٦) يعني دلائل النبوة ٤/ ١٧٢ظ، وذكره أيضا في كتاب الأسماء والصفات ص٢٣٤.(٧) هو علي بن أحمد بن محمد بن علي، أبو الحسن الواحدي النيسابوري، المفسر، النحوي، وصنف الكتب في هذين وغيرهما، منها تفاسيره "البسيط" و"الوسيط" و"الوجيز"، توفي سنة ٤٦٨هـ "وفيات الأعيان ١/ ٤١٩، غاية النهاية ١/ ٥٢٣، طبقات المفسرين ٢٣، بغية الوعاة ٣٢٧".(٨) انظر: الوسيط ٢/ ٩٥٣ظ.