توجيه النظر إلى أصول الأثر (طاهر الجزائري) القسم: علوم الحديث الكتاب: توجيه النظر إلى أصول الأثر المؤلف: طاهر بن صالح (أو محمد صالح) ابن أحمد بن موهب، السمعوني الجزائري، ثم الدمشقيّ (ت ١٣٣٨هـ)المحقق: عبد الفتاح أبو غدة الناشر: مكتبة المطبوعات الإسلامية - حلب الطبعة: الأولى، ١٤١٦هـ - ١٩٩٥معدد الأجزاء: ٢[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله وَسَلام على عباده الَّذين اصْطفىأما بعد فَهَذِهِ فُصُول جليلة الْمِقْدَار ينْتَفع بهَا الْمطَالع فِي كتب الحَدِيث وَكتب السّير وَالْأَخْبَار وأكثرها مَنْقُول من كتب أصُول الْفِقْه وأصول الحَدِيثالْفَصْل الأولعنوانفِي بَيَان معنى الحَدِيث الحَدِيث أَقْوَال النَّبِي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وَيدخل فِي أَفعاله تَقْرِيره وَهُوَ عدم إِنْكَاره لأمر رَآهُ أَو بلغه عَمَّن يكون منقادا للشَّرْع وَأما مَا يتَعَلَّق بِهِ عليه الصلاة والسلام من الْأَحْوَال فَإِن كَانَت اختيارية فَهِيَ دَاخِلَة فِي الْأَفْعَال وَإِن كَانَت غير اختيارية كالحلية لم تدخل فِيهِ إِذْ لَا يتَعَلَّق بهَا حكم يتَعَلَّق بِنَا وَهَذَا التَّعْرِيف هُوَ الْمَشْهُور عِنْد عُلَمَاء أصُول الْفِقْه وَهُوَ الْمُوَافق لفنهموَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى إِدْخَال كل مَا يُضَاف إِلَى النَّبِي عليه الصلاة والسلام فِي الحَدِيث فَقَالَ فِي تَعْرِيفه علم الحَدِيث أَقْوَال النَّبِي عليه الصلاة والسلام وأفعاله وأحواله وَهَذَا التَّعْرِيف هُوَ الْمَشْهُور عِنْد عُلَمَاء الحَدِيث وَهُوَ الْمُوَافق لفنهم فَيدْخل فِي ذَلِك أَكثر مَا يذكر فِي كتب السِّيرَة كوقت ميلاده عليه الصلاة والسلام ومكانه وَنَحْو ذَلِك
- سَمِعت أَبَا زرْعَة وَذكر حَدِيثا حَدثنَا بِهِ عَن الأويسي عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن عمر ضرب للْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس إِقَامَة ثَلَاث لَيَال بِالْمَدِينَةِ يتسوقون ويقضون حوائجهمقَالَ أَبُو زرْعَة فِي الْمُوَطَّأ مَالك عَن نَافِع عَن أسلم أَن عمروَالصَّحِيح مَا فِي الْمُوَطَّأ٢٦ - سَأَلت عَليّ بن الْحُسَيْن بن الْجُنَيْد عَن حَدِيث رَوَاهُ سعيد بن سَلام الْعَطَّار عَن عبد الله بن عمر الْعمريّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ص = فِي قَوْله من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاقَالَ الزَّاد وَالرَّاحِلَةقَالَ هَذَا حَدِيث بَاطِلعلل أَخْبَار رويت فِي الْغَزْو وَالسير ٢٧ - سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة عَن حجاج عَن إِسْمَاعِيل عَن قيس عَن جرير أَن النَّبِي ص = قَالَ من أَقَامَ مَعَ الْمُشْركين فقد بَرِئت مِنْهُ الذِّمَّةقَالَ أبي الْكُوفِيُّونَ سوى حجاج لَا يسندونهومرسل أشبه٢٨ - سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن شَيبَان عَن يُونُس بن ميسرَة بن حَلبس عَن أبي إِدْرِيس عَن عبد الله بن حِوَالَة عَن النَّبِي ص = قَالَ يخندون أجناداقَالَ هُوَ صَحِيح حسن غَرِيب٢٩ - سَمِعت أبي وَذكر حَدِيثا رَوَاهُ وهب عَن مخرمَة بن بكير عَن أَبِيه عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ص = قَالَ وَفد الله ثَلَاثَة الْغَازِي والحاج والمعتمرقَالَ أبي وَرَوَاهُ سُلَيْمَان بن بِلَال عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن مرداس الجندعي عَن كَعْب قَوْله وَرَوَاهُ عَاصِم عَن أبي صَالح عَن كَعْب قَوْله
وَقد رَأَيْت أَن أذكر هُنَا فَائِدَة تَنْفَع الْمطَالع فِي كثير من الْمَوَاضِع وَهِي أَن مثل هَذَا يعد من قبيل اخْتِلَاف الْعبارَات لَا اخْتِلَاف الاعتبارات وَهُوَ لَيْسَ من قبيل الِاخْتِلَاف فِي الْحَقِيقَة كَمَا يتوهمه الَّذين لَا يمعنون النّظر فَإِنَّهُم كلما رَأَوْا اخْتِلَافا فِي الْعبارَة عَن شَيْء مَا سَوَاء كَانَ فِي تَعْرِيف أَو تَقْسِيم أَو غير ذَلِك حكمُوا بِأَن هُنَاكَ اخْتِلَافا فِي الْحَقِيقَة وَإِن لم تكن تِلْكَ الْعبارَات مُخْتَلفَة فِي الْمَآلوَقد نَشأ عَن ذَلِك أغلاط لَا تحصى سرى كثير مِنْهَا إِلَى أنَاس من الْعلمَاء الْأَعْلَام فَذكرُوا الِاخْتِلَاف فِي مَوَاضِع لَيْسَ فِيهَا اخْتِلَاف اعْتِمَادًا على من سبقهمْ إِلَى نَقله وَلم يخْطر فِي بالهم أَن الَّذين عولوا عَلَيْهِم قد نقلوا الْخلاف بِنَاء على فهمهم وَلم ينتبهوا إِلَى وهمهم وَكَثِيرًا مَا انتبهوا إِلَى ذَلِك بعد حِين فنبهوا عَلَيْهِ وَذَلِكَ عِنْد وقوفهم على الْعبارَات الَّتِي بنى الِاخْتِلَاف عَلَيْهَا النَّاقِل الأول وَقد حمل هَذَا الْأَمر كثرا مِنْهُم إِلَى فرط الحذر حِين النَّقْلوَقد أَشَارَ إِلَى نَحْو مَا ذكرنَا الإِمَام تَقِيّ الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية فِي رسَالَته فِي قَوَاعِد التَّفْسِير فَقَالَ الْخلاف بَين السّلف فِي التَّفْسِير قَلِيل وغالب مَا يَصح عَنْهُم من الْخلاف يرجع إِلَى اخْتِلَاف تنوع لَا اخْتِلَاف تضَاد وَذَلِكَ صنفانأَحدهمَا أَن يعبر وَاحِد مِنْهُم عَن المُرَاد بِعِبَارَة غير عبارَة صَاحبه تدل عل معنى فِي الْمُسَمّى غير الْمَعْنى الآخر مَعَ اتِّحَاد الْمُسَمّى كتفسير بَعضهم الصِّرَاط الْمُسْتَقيم بِالْقُرْآنِ أَي اتِّبَاعه وَتَفْسِير بَعضهم لَهُ بِالْإِسْلَامِ فالقولان متفقان لِأَن دين الْإِسْلَام هُوَ اتِّبَاع الْقُرْآن لَكِن كل مِنْهُمَا نبه على وصف غير وصف الآخر كَمَا أَن لفظ الصِّرَاط الْمُسْتَقيم يشْعر بِوَصْف ثَالِث
وَكَذَلِكَ قَول من قَالَ هُوَ السّنة وَالْجَمَاعَة وَقَول من قَالَ هُوَ طَرِيق الْعُبُودِيَّة وَقَول من قَالَ هُوَ طَاعَة الله وَرَسُوله وأمثال ذَلِك فَهَؤُلَاءِ كلهم أشاروا إِلَى ذَات وَاحِدَة وَلَكِن وصفهَا كل مِنْهُم بِصفة من صفاتهاالثَّانِي أَن يذكر كل مِنْهُم من الِاسْم الْعَام بعض أَنْوَاعه على سَبِيل التَّمْثِيل وتنبيه المستمع على النَّوْع لَا على سَبِيل الْحَد المطابق للمحدود فِي عُمُومه وخصوصه مِثَاله مَا نقل فِي قَوْله تَعَالَى {ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا} الْآيَة فمعلوم أَن الظَّالِم لنَفسِهِ يتَنَاوَل المضيع للواجبات والمنتهك للحرمات والمقتصد يتَنَاوَل فَاعل الْوَاجِبَات وتارك الْمُحرمَات وَالسَّابِق يدْخل فِيهِ من سبق فتقرب بِالْحَسَنَاتِ مَعَ الْوَاجِبَات فالمقتصدون أَصْحَاب الْيَمين وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المقربونثمَّ إِن كلا مِنْهُم يذكر فِي هَذَا نوعا من أَنْوَاع الطَّاعَات كَقَوْل الْقَائِل السَّابِق الَّذِي يُصَلِّي فِي أول الْوَقْت والمقتصد الَّذِي يُصَلِّي فِي أَثْنَائِهِ والظالم لنَفسِهِ الَّذِي يُؤَخر الْعَصْر إِلَى الاصفرار أَو يَقُول السَّابِق المحسن بِالصَّدَقَةِ مَعَ الزَّكَاة والمقتصد الَّذِي يُؤَدِّي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة فَقَط والظالم مَانع الزَّكَاةثمَّ قَالَ وَمن أَقْوَال الْمَأْخُوذَة عَنْهُم ويجعلها بعض النَّاس اخْتِلَافا أَن يعبروا عَن الْمعَانِي بِأَلْفَاظ مُتَقَارِبَة كَمَا إِذا فسر بَعضهم {تبسل} بتحبس وَبَعْضهمْ بترتهن لِأَن كلا مِنْهُمَا قريب من الآخر اهـوَقَالَ بعض الْعلمَاء فِي كتاب ألفة فِي أصُول التَّفْسِير قد يحْكى عَن التَّابِعين عِبَارَات مُخْتَلفَة الْأَلْفَاظ فيظن من لَا فهم عِنْده أَن ذَلِك اخْتِلَاف مُحَقّق فيحكيه
أقوالا وَلَيْسَ كَذَلِك بل يكون كل وَاحِد مِنْهُم ذكر معنى من مَعَاني الْآيَة لكَونه أظهر عِنْده أَو أليق بِحَال السَّائِل وَقد يكون بَعضهم يخبر عَن الشَّيْء بلازمه وَنَظِيره وَالْآخر بثمرته ومقصوده وَالْكل يؤول إِلَى معنى وَاحِد غَالِبا اهـولنرجع إِلَى الْمَقْصُود فَنَقُول قد عرفت أَن الحَدِيث مَا أضيف إِلَى النَّبِي عليه الصلاة والسلام فَيخْتَص بالمرفوع عِنْد الْإِطْلَاق وَلَا يُرَاد بِهِ الْمَوْقُوف إِلَّا بقرينهوَأما الْخَبَر فَإِنَّهُ أَعم لِأَنَّهُ يُطلق على الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف فَيشْمَل مَا أضيف إِلَى الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَعَلِيهِ يُسمى كل حَدِيث خَبرا وَلَا يُسمى كل خبر حَدِيثاوَقد أطلق بعض الْعلمَاء الحَدِيث على الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف فَيكون مرادفا للْخَبَر وَقد خص بَعضهم الحَدِيث بِمَا جَاءَ عَن النَّبِي عليه الصلاة والسلام وَالْخَبَر بِمَا جَاءَ عَن غَيره فَيكون مباينا للْخَبَروَأما الْأَثر فَإِنَّهُ مرادف للْخَبَر فيطلق على الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف وفقهاء خُرَاسَان يسمون الْمَوْقُوف بالأثر وَالْمَرْفُوع بالْخبروَأما السّنة فَتطلق فِي الْأَكْثَر على مَا أضيف إِلَى النَّبِي عليه الصلاة والسلام من قَول أَو فعل أَو تَقْرِير فَهِيَ مرادفة للْحَدِيث عِنْد عُلَمَاء الْأُصُول وَهِي أَعم مِنْهُ عِنْد من خص الحَدِيث بِمَا أضيف إِلَى النَّبِي عليه الصلاة والسلام من قَول فَقَط وعَلى ذَلِك يحمل قَوْلهم اخْتلف فِي جَوَاز رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى فَيَنْبَغِي للطَّالِب أَن يعرف اخْتِلَاف الْعرف هُنَا ليأمن الزللوَبِمَا ذكرنَا من أَن بعض الْمُحدثين قد يُطلق الحَدِيث على الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف يَزُول الْإِشْكَال الَّذِي يعرض لكثير من النَّاس عِنْدَمَا يحْكى لَهُم أَن فلَانا كَانَ يحفظ سبع مئة ألف حَدِيث صَحِيح فَإِنَّهُم مَعَ استبعادهم ذَلِك يَقُولُونَ أَيْن تِلْكَ الْأَحَادِيث وَلم لم تصل إِلَيْنَا وهلا نقل الْحفاظ وَلَو مِقْدَار عشرهَا وَكَيف سَاغَ لَهُم أَن يهملوا أَكثر مَا ثَبت عَنهُ عليه الصلاة والسلام مَعَ أَن مَا اشتهروا بِهِ من فرط الْعِنَايَة
بِالْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَن لَا يتْركُوا مَعَ الْإِمْكَان شَيْئا مِنْهُولنذكر لَك شَيْئا مِمَّا رُوِيَ فِي قدر حفظ الْحفاظ نقل عَن الْأَمَام أَحْمد أَنه صَحَّ من الحَدِيث سبع مائَة ألف وَكسر وَهَذَا الْفَتى يَعْنِي أَبَا زرْعَة قد حفظ سبع مئة ألف قَالَ الْبَيْهَقِيّ أَرَادَ مَا صَحَّ من الْأَحَادِيث وأقوال الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَوَقَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن عمر الرَّازِيّ الْحَافِظ كَانَ أَبُو زرْعَة يحفظ سبع مئة ألف حَدِيث وَكَانَ يحفظ مئة وَأَرْبَعين ألفا فِي التَّفْسِيروَنقل عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ أحفظ مئة ألف حَدِيث صَحِيح ومئتي ألف حَدِيث غير صَحِيحوَنقل عَن مُسلم أَنه قَالَ صنفت هَذَا الْمسند الصَّحِيح من ثَلَاث مئة ألف حَدِيث مسموعوَمِمَّا يرفع استغرابك لما نقل عَن أبي زرْعَة من أَنه كَانَ يحفظ مئة وَأَرْبَعين ألف حَدِيث فِي التَّفْسِير أَن {النَّعيم} فِي قَوْله تَعَالَى {ثمَّ لتسألن يَوْمئِذٍ عَن النَّعيم} قد ذكر الْمُفَسِّرُونَ فِيهِ عشرَة أَقْوَال كل قَول مِنْهَا يُسمى حَدِيثا فِي عرف من جعله بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ وَأَن {الماعون} فِي قَوْله تَعَالَى {فويل للمصلين الَّذين هم عَن صلَاتهم ساهون الَّذين هم يراؤون وَيمْنَعُونَ الماعون} قد ذكرُوا فِيهِ سِتَّة أَقْوَال كل قَول مِنْهَا مَا عدا السَّادِس يعد حَدِيثا كَذَلِك
قَالَ الْعَلامَة أَبُو الْفرج عبد الرَّحْمَن بن الْجَوْزِيّ فِي تَفْسِيره الْمُسَمّى ب زَاد الْمسير فِي تَفْسِير سُورَة التكاثر وللمفسرين فِي المُرَاد بالنعيم عشرَة أَقْوَالأَحدهَا أَنه الْأَمْن وَالصِّحَّة رَوَاهُ ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَتارَة يَأْتِي مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَبِه قَالَ مُجَاهِد وَالشعْبِيّوَالثَّانِي أَنه المَاء الْبَارِد رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلموَالثَّالِث أَنه خبز الْبر وَالْمَاء العذب قَالَه أَبُو أُمَامَةوَالرَّابِع أَنه ملاذ الْمَأْكُول والمشروب قَالَه جَابر بن عبد اللهوَالْخَامِس أَنه صِحَة الْأَبدَان والأسماع والأبصار قَالَه ابْن عَبَّاس وَقَالَ قَتَادَة هُوَ الْعَافِيَةوَالسَّادِس أَنه الْغَدَاء وَالْعشَاء قَالَه الْحسنوَالسَّابِع الصِّحَّة والفراغ قَالَه عِكْرِمَةوَالثَّامِن كل شَيْء من لَذَّة الدُّنْيَا قَالَه مُجَاهِدوَالتَّاسِع أَنه إنعام الله على الْخلق بإرسال مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم قَالَه الْقرظِيّوالعاشر أَنه صنوف النعم قَالَه مقَاتلوَالصَّحِيح أَنه عَام فِي كل نعيم وعام فِي جَمِيع الْخلق فالكافر يسْأَل توبيخا إِذْ لم يشْكر الْمُنعم وَلم يوحده وَالْمُؤمن يسْأَل عَن شكر النعم
وَقَالَ فِي تَفْسِير سُورَة الدّين وَفِي {الماعون} سِتَّة أَقْوَالأَحدهَا أَنه الإبرة وَالْمَاء وَالنَّار والفأس وَمَا يكون فِي الْبَيْت من هَذَا النَّحْو رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَإِلَى نَحْو هَذَا ذهب ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة وروى عَنهُ أَبُو صَالح أَنه قَالَ الماعون الْمَعْرُوف كُله حَتَّى ذكر الْقدر والقصعة والفأس وَقَالَ عِكْرِمَة لَيْسَ الويل لمن منع هَذَا وَإِنَّمَا الويل لمن جمعهن فراءى فِي صلَاته وسها عَنْهَا وَمنع هَذَا قَالَ الزّجاج والماعون فِي الْجَاهِلِيَّة كل مَا كَانَ فِيهِ مَنْفَعَة كالفأس وَالْقدر والدلو والقداحة وَنَحْو ذَلِك وَفِي الْإِسْلَام أَيْضاوَالثَّانِي أَنه الزَّكَاة قَالَه عَليّ وَابْن عمر وَالْحسن وَعِكْرِمَة وَقَتَادَةوَالثَّالِث أَنه الطَّاعَة قَالَه ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَةوَالرَّابِع المَال قَالَه سعيد بن الْمسيب وَالزهْرِيّوَالْخَامِس الْمَعْرُوف قَالَه مُحَمَّد بن كَعْبوَالسَّادِس المَاء ذكره الْفراء عَن بعض الْعَرَب اهـهَذَا وَقد اعْترض بعض النَّاس على المؤلفين الَّذين ينقلون فِي الْمَسْأَلَة جَمِيع الْأَقْوَال الَّتِي وقفُوا عَلَيْهَا كَمَا فعله بعض عُلَمَاء التَّفْسِير وعلماء الْأُصُول وَمن نحا نحوهم وَذَلِكَ لجهلهم باخْتلَاف أغراض المصنفين ومقاصدهم ولتوهمهم أَن طَرِيق التَّأْلِيف يجب أَن لَا يُخَالف مَا تخيلوه فِي أذهانهموَقد أحببنا أَن نختم هَذَا الْفَصْل بِالْجَوَابِ عَن اعتراضهم فَنَقُولإِن تِلْكَ الْأَقْوَال إِن كَانَت مُخْتَلفَة فِي الْمَآل عرف النَّاظر الْخلاف فِي الْمَسْأَلَة
وَفِي معرفَة الْخلاف فَائِدَة لَا تنكر وَكَثِيرًا مَا يستنبط من أمعن النّظر فِيهَا قولا آخر يُوَافق كل وَاحِد من الْأَقْوَال الْمَذْكُورَة من بعض الْوُجُوه وَكَثِيرًا مَا يكون أقوى من كل وَاحِد مِنْهَا وأقوم وَقد وَقع ذَلِك فِي مسَائِل لَا تحصى فِي عُلُوم شَتَّىوَإِن كَانَت تِلْكَ الْأَقْوَال غير مُخْتَلفَة فِي الْمَآل كَانَ من توارد الْعبارَات الْمُخْتَلفَة على الشَّيْء الْوَاحِد وَفِي ذَلِك من رسوخ الْمَسْأَلَة فِي النَّفس ووضوح أمرهَا مَا لَا يكون فِي الْعبارَة الْوَاحِدَة على أَن بعض الْعبارَات رُبمَا كَانَ فِيهَا شَيْء من الْإِبْهَام أَو الْإِيهَام فيزول ذَلِك بغَيْرهَا وَقد يكون بَعْضهَا أقرب إِلَى فهم بعض الناظرين فكثيرا مَا تعرض عبارتان متحدتا الْمَعْنى لاثْنَيْنِ تكون إِحْدَاهمَا أقرب إِلَى فهم أَحدهمَا وَالْأُخْرَى أقرب إِلَى فهم الآخر وَهَذَا مشَاهد بالعيان لَا يحْتَاج إِلَى برهَان وَمن ثمَّ ترى بعض المؤلفين قد يأْتونَ بِعِبَارَة ثمَّ إِذا بدا لَهُم أَن بعض المطالعين رُبمَا لم يفهمها أَتَوا بِعِبَارَة أُخْرَى وأشاروا إِلَى ذَلِكوَإِذا عرفت هَذَا تبين لَك أَن مثل هَؤُلَاءِ المعترضين مثل غر جال فِي الْأَسْوَاق فَصَارَ كلما رأى شَيْئا لم يشْعر بفائدته أَو لم تدع حَاجته إِلَيْهِ عد وجوده عَبَثا وسفه رَأْي عماله والراغبين فِيهِ وَكَانَ الأجدر بِهِ أَن يقبل على مَا يعنيه ويعرض عَمَّا لَا يعنيهوَكَأن كثيرا مِنْهُم يظنّ أَن الِاعْتِرَاض على أَي وَجه كَانَ يدل على الْعلم والنباهة مَعَ انه كثيرا مَا يدل على الْجَهْل والبلاهة وَلَا نُرِيد بِمَا ذكرنَا سد بَاب الِاعْتِرَاض على المؤلفين والمؤلفات بل صد الَّذين بتعرضون لذَلِك ببادىء الرَّأْي لَا غير وَإِلَّا فالاعتراض إِذا كَانَ معقولا لَا يُنكر بل قد يحمد عَلَيْهِ صَاحبه ويشكر
الْفَصْل الثَّانِي فِي سَبَب جمع الحَدِيث فِي الصُّحُف وَمَا يُنَاسب ذَلِك كَانَت الصَّحَابَة رضي الله عنهم لَا يَكْتُبُونَ عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم غير الْقُرْآن أخرج مُسلم فِي صَحِيحه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا تكْتبُوا عني وَمن كتب عني غير الْقُرْآن فليمحه وَحَدثُوا عني فَلَا حرج وَمن كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّارقَالَ كثير من الْعلمَاء نَهَاهُم عَن كِتَابَة الحَدِيث خشيَة اخْتِلَاطه بِالْقُرْآنِ وَهَذَا لَا يُنَافِي جَوَاز كِتَابَته إِذا أَمن اللّبْس وَبِذَلِك يحصل الْجمع بَين هَذَا وَبَين قَوْله عليه الصلاة والسلام فِي مَرضه الَّذِي توفّي فِيهِ ايتوني بِكِتَاب أكتب لكم كتابا لَا تضلوا بعده وَقَوله اكتبوا لأبي شاه وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ مَعْرُوف عِنْد أهل الحَدِيثوَلما توفّي النَّبِي عليه الصلاة والسلام بَادر الصَّحَابَة إِلَى جمع مَا كتب فِي عَهده فِي مَوضِع وَاحِد وَسموا ذَلِك الْمُصحف واقتصروا على ذَلِك وَلم يتجاوزوه إِلَى كِتَابَة الحَدِيث وَجمعه فِي مَوضِع وَاحِد كَمَا فعلوا بِالْقُرْآنِ لَكِن صرفُوا هممهم إِلَى نشره بطرِيق الرِّوَايَة إِمَّا بِنَفس الْأَلْفَاظ الَّتِي سمعوها مِنْهُ عليه الصلاة والسلام إِن بقيت فِي أذهانهم أَو بِمَا يُؤَدِّي مَعْنَاهَا إِن غَابَتْ عَنْهُم فَإِن الْمَقْصُود بِالْحَدِيثِ هُوَ الْمَعْنى وَلَا يتَعَلَّق فِي الْغَالِب حكم بالمبنى بِخِلَاف الْقُرْآن فَإِن لألفاظه مدخلًا فِي الإعجاز فَلَا يجوز إِبْدَال لفظ مِنْهُ بِلَفْظ آخر وَلَو كَانَ مرادفا لَهُ خشيَة النسْيَان مَعَ طول الزَّمَان فَوَجَبَ أَن يُقيد بِالْكِتَابَةِ وَلَا يكْتَفى فِيهِ بِالْحِفْظِ
قَالَ الإِمَام الْخطابِيّ فِي كِتَابه فِي إعجاز الْقُرْآن إِنَّمَا يقوم الْكَلَام بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة لفظ حَامِل وَمعنى قَائِم بِهِ ورباط لَهما ناظم وَإِذا تَأَمَّلت الْقُرْآن وجدت هَذِه الْأُمُور مِنْهُ فِي غَايَة الشّرف والفضيلة حَتَّى لَا ترى شَيْئا من الْأَلْفَاظ أفْصح وَلَا أجزل وَلَا أعذب من أَلْفَاظه وَلَا ترى نظما أحسن تأليفا وَأَشد تلاؤما وتشاكلا من نظمهوَأما مَعَانِيه فَكل ذِي لب يشْهد لَهَا بالتقدم فِي أبوابه والترقي إِلَى أَعلَى درجاته وَقد تُوجد هَذِه الْفَضَائِل الثَّلَاث على التَّفَرُّق فِي أَنْوَاع الْكَلَام فَأَما أَن تُوجد مَجْمُوعَة فِي نوع وَاحِد مِنْهُ فَلم تُوجد إِلَّا فِي كَلَام الْعَلِيم الْقَدِيرفَخرج من هَذَا أَن الْقُرْآن إِنَّمَا صَار معجزا لِأَنَّهُ جَاءَ بأفصح الْأَلْفَاظ فِي أحسن نظم فِي التَّأْلِيف مضمنا أصح الْمعَانِي من تَوْحِيد الله تَعَالَى وتنزيه لَهُ فِي ذَاته وَصِفَاته وَدُعَاء إِلَى طَاعَته وَبَيَان لطريق عِبَادَته وَمن تَحْلِيل وَتَحْرِيم وحظر وَإِبَاحَة وَمن وعظ وتقويم وَأمر بِمَعْرُوف وَنهي عَن مُنكر وإرشاد إِلَى محَاسِن الْأَخْلَاق وزجر عَن مساويها وَاضِعا كل شَيْء مِنْهَا مَوْضِعه الَّذِي لَا يرى شَيْء أولى مِنْهُوَلَا يتَوَهَّم فِي صُورَة الْعقل أَمر أليق بِهِ مِنْهُ مودعا أَخْبَار الْقُرُون الْمَاضِيَة وَمَا نزل من مثلات الله بِمن مضى وعاند مِنْهُم منبئا عَن الكوائن المستقبلية فِي الْأَعْصَار الْآتِيَة من الزَّمَان جَامعا بَين الْحجَّة والمحتج لَهُ وَالدَّلِيل والمدلول عَلَيْهِ ليَكُون ذَلِك آكِد للُزُوم مَا دَعَا إِلَيْهِ وأنبأ عَن وجوب مَا أَمر بِهِ وَنهى عَنهُوَمَعْلُوم أَن الْإِتْيَان بِمثل هَذِه الْأُمُور وَالْجمع بَين أشتاتها حَتَّى تنتظم وتتسق أَمر تعجز عَنهُ قوى الْبشر وَلَا تبلغه قدرتهم فَانْقَطع الْخلق دونه وعجزوا عَن معارضته بِمثلِهِ أَو مناقضته فِي شكله اهـ
وَقَالَ إِمَام الْمُتَكَلِّمين على طَريقَة السّلف تَقِيّ الدّين أَحْمد بن تَيْمِية فِي الرسَالَة الملقبة بالتسعينية وَهِي رِسَالَة تبلغ مجلدا كَبِيرا ألفها فِي الرَّد على الْمُتَكَلِّمين على طَريقَة الْخلف فِي مَسْأَلَة الْكَلَام فِي الْوَجْه الثَّالِث وَالسِّتِّينَ وَيجب أَن يعلم أصلان عظيمانأَحدهمَا أَن الْقُرْآن لَهُ بِهَذَا اللَّفْظ وَالنّظم الْعَرَبِيّ اخْتِصَاص لَا يُمكن أَن يماثله فِي ذَلِك شَيْء أصلا أَعنِي خَاصَّة فِي اللَّفْظ وخاصة فِيمَا دلّ عَلَيْهِ من الْمَعْنى وَلِهَذَا لَو فسر الْقُرْآن أَو ترْجم فالتفسير والترجمة قد يَأْتِي بِأَصْل الْمَعْنى أَو بِمَا يقرب مِنْهُ وَأما الْإِتْيَان بِلَفْظ يبين الْمَعْنى كبيان لفظ الْقُرْآن فَهَذَا غير مُمكن أصلا وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّة الدّين على أَنه لَا يجوز أَن يقْرَأ بِغَيْر الْعَرَبيَّة لَا مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهَا وَلَا مَعَ الْعَجز عَنْهَا لِأَن ذَلِك يُخرجهُ عَن أَن يكون هُوَ الْقُرْآن الْمنزل وَلَكِن يجوز تَرْجَمته كَمَا يجوز تَفْسِيره وَإِن لم تجز قِرَاءَته بِأَلْفَاظ التَّفْسِير وَهِي إِلَيْهِ أقرب من أَلْفَاظ التَّرْجَمَة بِأَلْفَاظ أُخْرَىالأَصْل الثَّانِي أَنه إِذا ترْجم أَو قرئَ بالترجمة فَلهُ معنى يخْتَص بِهِ لَا يماثله فِيهِ كَلَام أصلا وَمَعْنَاهُ أَشد مباينة لسَائِر مَعَاني الْكَلَام من مباينة لَفظه ونظمه لسَائِر اللَّفْظ وَالنّظم والإعجاز فِي مَعْنَاهُ أعظم بِكَثِير كثير من الإعجاز فِي لَفظه وَقَوله تَعَالَى {قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا} يتَنَاوَل ذَلِك كُله انْتهىهَذَا وَلم يزل أَمر الحَدِيث فِي عصر الصَّحَابَة وَأول عصر التَّابِعين على مَا ذكرنَا وَلما أفضت الْخلَافَة إِلَى من قَامَ بِحَقِّهَا عمر بن عبد الْعَزِيز أَمر بِكِتَابَة
الحَدِيث وَكَانَت مبايعته بالخلافة فِي صفر سنة تسع وَتِسْعين ووفاته لخمس بَقينَ من رَجَب سنة إِحْدَى ومئة وعاش أَرْبَعِينَ سنة وأشهرا وَكَانَ مَوته بالسم فَإِن بني أُميَّة ظهر لَهُم أَنه إِن امتدت أَيَّامه أخرج الْأَمر من أَيْديهم وَلم يعْهَد بِهِ إِلَّا لمن يصلح لَهُ فعاجلوهقَالَ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فِي كتاب الْعلم وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى أبي بكر بن حزم انْظُر مَا كَانَ من حَدِيث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه فَإِنِّي خفت دروس الْعلم وَذَهَاب الْعلمَاءوَأَبُو بكر هَذَا كَانَ نَائِب عمر بن عبد الْعَزِيز فِي الإمرة وَالْقَضَاء على الْمَدِينَة روى عَن السَّائِب بن يزِيد وَعباد بن تَمِيم وَعَمْرو بن سليم الزرقي وروى عَن خَالَته عمْرَة وَعَن خالدة ابْنة أنس وَلها صُحْبَةقَالَ مَالك لم يكن أحد بِالْمَدِينَةِ عِنْده من علم الْقَضَاء مَا كَانَ عِنْد أبي بكر بن حزم وَكتب إِلَيْهِ عمر بن عبد الْعَزِيز أَن يكْتب لَهُ من الْعلم مَا عِنْد عمْرَة وَالقَاسِم فَكَتبهُ لَهُ وَأخذ عَنهُ معمر وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَمَالك وَابْن أبي ذِئْب وَابْن إِسْحَاق وَغَيرهم وَكَانَت وَفَاته فِيمَا قَالَه الْوَاقِدِيّ وَابْن سعد وَجَمَاعَة سنة عشْرين ومئةوَأول من دون الحَدِيث بِأَمْر عمر بن عبد الْعَزِيز مُحَمَّد بن مُسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهَاب الزُّهْرِيّ الْمدنِي أحد الْأَئِمَّة الْأَعْلَام وعالم أهل الْحجاز وَالشَّامأَخذ عَن ابْن عمر وَسَهل بن سعد وَأنس بن مَالك ومحمود بن الرّبيع وَسَعِيد بن الْمسيب وَأبي أُمَامَة بن سهل وطبقتهم من صغَار الصَّحَابَة وكبار التَّابِعين
وَأخذ عَنهُ معمر وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَمَالك وَابْن أبي ذِئْب وَغَيرهم ولد سنة خمسين وَتُوفِّي سنة أَربع وَعشْرين ومئةقَالَ عبد الرَّزَّاق سَمِعت معمرا يَقُول كُنَّا نرى أَنا قد أكثرنا عَن الزُّهْرِيّ حَتَّى قتل الْوَلِيد بن يزِيد فَإِذا الدفاتر قد حملت على الدَّوَابّ من خزائنه يَقُول من علم الزُّهْرِيّثمَّ شاع التدوين فِي الطَّبَقَة الَّتِي تلِي طبقَة الزُّهْرِيّ ولوقوع ذَلِك فِي كثير من الْبِلَاد وشيوعه بَين النَّاس اعتبروه الأول فَقَالُوا كَانَت الْأَحَادِيث فِي عصر الصَّحَابَة وكبار التَّابِعين غير مدونة فَلَمَّا انتشرت الْعلمَاء فِي الْأَمْصَار وشاع الابتداع دونت ممزوجة بأقوال الصَّحَابَة وفتاوى التَّابِعينوَأول من جمع ذَلِك ابْن جريح بِمَكَّة وَابْن إِسْحَاق أَو مَالك بِالْمَدِينَةِ وَالربيع بن صبيح أَو سعيد بن أبي عرُوبَة أَو حَمَّاد بن سَلمَة بِالْبَصْرَةِ وسُفْيَان الثَّوْريّ بِالْكُوفَةِ وَالْأَوْزَاعِيّ بِالشَّام وهشيم بواسط وَمعمر بِالْيمن وَجَرِير بن عبد الحميد بِالريِّ وَابْن الْمُبَارك بخراسان وَكَانَ هَؤُلَاءِ فِي عصر وَاحِد وَلَا يدْرِي أَيهمْ سبق قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر إِن مَا ذكر إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجمع فِي الْأَبْوَاب وَأما جمع حَدِيث إِلَى مثله فِي بَاب وَاحِد فقد سبق إِلَيْهِ الشّعبِيّ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ هَذَا بَاب من الطَّلَاق جسيم وسَاق فِيهِ أَحَادِيث اهـوتلا الْمَذْكُورين كثير من أهل عصرهم إِلَى أَن رأى بعض الْأَئِمَّة إِفْرَاد أَحَادِيث النَّبِي صلى الله عليه وسلم خَاصَّة وَذَلِكَ على رَأس المئتين فصنف عبيد الله بن مُوسَى الْعَبْسِي الْكُوفِي مُسْندًا وصنف مُسَدّد الْبَصْرِيّ مُسْندًا وصنف أَسد بن مُوسَى مُسْندًا وصنف نعيم بن حَمَّاد الْخُزَاعِيّ مُسْندًا