قواعد ابن رجب - ط ركائز (ابن رجب الحنبلي) القسم: علوم الفقه والقواعد الفقهية الكتاب: تقرير القواعد وتحرير الفوائد [المشهور بـ «قواعد ابن رجب»]المؤلف: أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي الحنبلي (ت ٧٩٥ هـ)ومعه حاشية نفيسة: لتلميذه محب الدين أحمد بن نصر الله البغدادي (ت ٨٤٤ هـ)، وغيرها من حواشي علماء المذهبالمحقق: أ. د. خالد بن علي المشيقح، د. عبد العزيز بن عدنان العيدان، د. أنس بن عادل اليتامى الناشر: ركائز للنشر والتوزيع - الكويت، توزيع دار أطلس - الرياض الطبعة: الأولى، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ معدد الأجزاء: ٣أهداه للشاملة: ركائز للنشر والتوزيع؛ جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيموبه نستعينإنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد؛فإن معرفة القواعد الفقهية والمسائل المنتظمة تحتها من أهم ما ينبغي على طالب علم الفقه تقليب نظره فيه، وذلك أن «القواعد تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه من مآخذ الفقه على نهاية المطلب، وتنظم عقده المنثور في سلك، وتستخرج له ما يدخل تحت ملك»(١).وإن من أعظم ما كُتب في هذا العلم في سائر المذاهب الفقهية؛ كتاب الحافظ الإمام الفقيه الزاهد شيخ الحنابلة وعلامة المحدثين؛ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، في كتابه المشهور: «تقرير القواعد وتحرير الفوائد»، فقد أجاد فيه وأفاد، حتى قيل إنه من عجائب الدهر.(١) المنثور في القواعد (١/ ٦٦)، نقلًا عن قطب الدين السنباطي رحمه الله.
وقد تفضَّل الله الكريم علينا بنسخ خطيَّة لهذا الكتاب تُعد من أنفس النسخ، نسختان منها مقروءتان على الحافظ ابن رجب رحمه الله وعليها خطه، ونسخ أخرى بخطوط تلاميذه وعلماء مذهبه.وقد تزيَّن الكتاب بحواشٍ وتعليقات كثيرة في نسخه الخطية، منها ما هو بخط الحافظ ابن رجب، ومنها ما هو بخط تلاميذه؛ كعلاء الدين ابن اللحام، ومحب الدين ابن نصر الله البغدادي، ومنها ما هو بخط علماء المذهب بعدهم؛ مثل تلميذ ابن نصر الله البغدادي؛ عبد الله ابن هشام الأنصاري الحنبلي، وأحمد بن عبد العزيز الفتوحي، وإبراهيم ابن ضويان، وغيرهم، فانكشف بتعليقاتهم كثيرٌ مما أُغلق من القواعد، واتضح بعض ما أَشكل من كلام الحافظ ابن رجب، ومنها ما هو استدراك عليه، أو اعتراض، أو توضيح وبيان، أو غير ذلك.فلما رأينا أن الكتاب بحاجة إلى إعادة إخراج وتحقيق، وأن جُلَّ هذه الحواشي - خاصة حاشية ابن نصر الله - لم تخرج من قبل، وأن الكتاب بحاجة إلى أن يكون بين يدي القارئ بهيئة مرضية، وقراءة صحيحة؛ عزمنا جهدنا على العمل بتحقيقه وخدمته، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وما كان من اجتهاد خاطئ فمنَّا ومن الشيطان، ونرجو من الله العفو والغفران، ومن القارئ النصح والبيان. والحمد لله رب العالمينالمحققون
ترجمة المؤلف (١)- اسمُه ونسبُه:هو عبد الرحمن بن أحمد بن رجب - واسمه عبد الرحمن - بن الحسين بن محمد بن مسعود، زين الدين، أبو الفرج، البغدادي ثم الدمشقي.اشتهر رحمه الله بـ: ابن رجب، و (رجب) هو لقب جدِّه عبد الرحمن.(١) مصادر الترجمة:الرد الوافر، تأليف: ابن ناصر الدين الدمشقي الشافعي، مطبوع عن المكتب الإسلامي - بيروت، (ص ١٠٦).الدرر الكامنة، تأليف: الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، مطبوع عن مجلس دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد/ الهند، (٣/ ١٠٨).إنباء الغمر بأبناء العمر، تأليف: الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، مطبوع عن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - لجنة إحياء التراث الإسلامي، مصر، (١/ ٤٦٠).المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد، تأليف: برهان الدين إبراهيم ابن مفلح، مطبوع عن مكتبة الرشد - الرياض، (٢/ ٨١).شذرات الذهب، تأليف: ابن العماد الحنبلي، مطبوع عن دار ابن كثير، دمشق - بيروت، (٨/ ٥٧٨).لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ، تأليف: ابن فهد الهاشمي المكي الشافعي، مطبوع عن دار الكتب العلمية، (ص ١١٨).الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد، تأليف: يوسف بن حسن ابن عبد الهادي الصالحي، ابن المِبْرَد الحنبلي، مطبوع عن مكتبة العبيكان، الرياض، (ص ٤٦).الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية، تأليف: مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي، مطبوع عن دار الفرقان - بيروت، (ص ٤٩).مختصر طبقات الحنابلة، تأليف: الشيخ محمد جميل البغدادي المعروف بابن شطي، مطبوع عن دار الكتاب العربي في بيروت، (ص ٧١). السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة، تأليف: محمد بن عبد الله بن حميد النجدي ثم المكي، مطبوع عن مؤسسة الرسالة، (٢/ ٩٠٢)، ترجمة رقم: (٢٩٦).تسهيل الوابلة لمريد معرفة الحنابلة، تأليف: صالح بن عبد العزيز العثيمين، مطبوع عن مؤسسة الرسالة، (٣/ ١٥٦٧)، ترجمة رقم: (٢٦٤٣).هدية العارفين، تأليف: إسماعيل بن محمد أمين بن مير، مطبوع عن دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان، (١/ ٥٢٧).معجم المؤلفين، تأليف: عمر بن رضا كحالة، مطبوع عن مكتبة المثنى في بيروت، (٥/ ١١٨).
- مولدُه، ونشأتُه، ورحلاتُه، وعلمُه:ولد ابن رجب في بغداد سنة ٧٣٦ هـ، ونشأ في أسرة علمية ذات دين وخُلق وسمتٍ صالح، فقد كان أبوه وجده من العلماء المحدثين، وكان لأبيه عناية بالعلم، وقد اجتهد في تعليم أولاده - بما فيهم الحافظ ابن رجب - وهم صغار والرحلة بهم للقاء المحدثين والمسندين.وقد طلب الحافظ ابن رجب العلم في سن مبكرة، قبل البلوغ، وسمع الحديث قبل سن الخامسة، وأجازه العلماء والمحدثون وهو
صغير، وارتحل به والده إلى دمشق وهو صغير أيضًا وسمع فيها من كبار المحدثين آنذاك؛ كابن النقيب، والسبكي، والنووي، وغيرهم.ثم رجع مع والده إلى بغداد وسمع من شيوخها وعلمائها، ولازمهم وقرأ عليهم.ثم حج مع والده والتقى في الحج بجماعة من الشيوخ، ثم رجع إلى دمشق ولازم ابن قيم الجوزية سنة كاملة حتى مات سنة (٧٥١ هـ).وارتحل إلى مصر، والتقى بشيوخها وعلمائها، وحج مرة أخرى والتقى بالعلماء أيضًا.قال ابن حجر: (ورافق شيخنا زين الدين العراقي في السماع كثيراً).ثم استقر في دمشق عاصمة العلم آنذاك، ودرَّس وصنَّف، وولي حلقة شيخه ابن قاضي الجبل، وهي حلقة الثلاثاء، ودرَّس بالمدرسة الحنبلية، وتخرَّج عليه العلماء والفضلاء، رحمه الله رحمة واسعة.قال ابن مفلح: (وكان لا يعرف شيئًا من أمور الناس، ولا يتردد إلى أحد من ذوي الولايات، وكان يسكن المدرسة السكرية بالقصاعين).وكان ابن رجب رحمه الله له اطلاع واسع في مذهبه - مذهب الإمام أحمد -، وكتابه هذا من أدل ما يكون على ذلك الاطلاع، قال ابن قاضي شهبة لما ذكر مصنفاته: (والقواعد التي له تدل على معرفته بالمذهب)، وقد اعتمده المرداوي في الإنصاف من ضمن الكتب التي
يُعرف بها راجح المذهب، قال ابن المبرد: (وله تحقيق في المسائل على نصوص أحمد، وكلام الأصحاب، وله مسائل كثيرة غريبة).وكان له اطلاع واسع في علم الحديث وعلله وطرقه لا يقل عن علمه بمذهب الإمام أحمد، قال الحافظ ابن حجر: (ومهر في فنون الحديث أسماء ورجالاً وعللاً وطرقاً واطلاعاً على معانيه، صنف شرح الترمذي فأجاد فيه في نحو عشرة أسفار، وشرح قطعة كبيرة من البخاري، وشرح الأربعين للنووي في مجلد)، ونقل عن ابن حجي أنه قال: (أتقن الفن، وصار أعرف أهل عصره بالعلل وتتبع الطرق). - مشايخه:أخذ العلم سماعًا، وإجازة، وقراءة، ومدارسة عن جماعة من العلماء والمحدثين، فمن هؤلاء:١ - أبو العباس، أحمد بن الحسن بن عبد الله، المشهور بابن قاضي الجبل (٧٧١ هـ).٢ - أبو العباس، أحمد بن سليمان الحنبلي.٣ - عز الدين، عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة (٧٦٧ هـ).٤ - صفي الدين، عبد المؤمن بن عبد الحق بن عبد الله البغدادي الحنبلي (٧٣٩ هـ).٥ - أبو يعلى، حمزة بن موسى بن أحمد بن بدران، المعروف بابن شيخ السلامية (٧٦٩ هـ).
٦ - سراج الدين، عمر بن علي بن عمر القزويني (٧٥٠ هـ).٧ - شمس الدين، محمد بن أبي بكر الزرعي، المعروف ابن قيم الجوزية (٧٥١ هـ).وغيرهم من المحدثين والفقهاء والمؤرخين والمسندين. - تلاميذه:أخذ عنه جمع من أعيان العلماء، منهم:١ - أبو العباس، أحمد بن أبي بكر الحموي الحنبلي، ويعرف بابن الرسام (٨٤٤ هـ).٢ - محب الدين، أحمد بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن عمر البغدادي، مفتي الديار المصرية (٨٤٤ هـ).٣ - زين الدين عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الكرم الحنبلي المعروف بأبي شعر (٨٤٤ هـ).٤ - علاء الدين أبو الحسن، علي بن محمد بن عباس البعلي، المعروف بابن اللحام (٨٠٣ هـ).٥ - علاء الدين أبو المواهب، علي بن محمد الحموي الحنبلي، المعروف بابن المغلي (٨٢٨ هـ).وغيرهم من العلماء والمحدثين والشيوخ، قال ابن حجي: (تخرج به غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق).
- ثناء العلماء عليه:أثنى على الحافظ ابن رجب جماعة من العلماء، من تلاميذه وغيرهم، فمن ذلك:قال شمس الدين ابن ناصر الدين الدمشقي: (الشيخ الإمام، العلامة، الزاهد، القدوة، البركة، الحافظ، العمدة، الثقة، الحجة، أوعظ المسلمين، مفيد المحدثين)، ونقله عنه الشيخ مرعي الكرمي رحمه الله.وقال ابن قاضى شهبة: (الشيخ الإمام، العلامة، الحافظ، الزاهد، الورع، شيخ الحنابلة وفاضلهم، أوحد المحدثين)، ثم قال بعد كلام في ترجمته: (وبالجملة فلم يخلف بعده مثله).وقال تلميذه علاء الدين البعلي المعروف بابن اللحام: (سيدنا، وشيخنا، الإمام، العالم، العلامة، الأوحد، الحافظ، شيخ الإسلام، مجلي المشكلات، وموضح المبهمات)، وقال أيضًا: (شيخنا الإمام، العالم، الحافظ، بقية السلف الكرام، وحيد عصره، وفريد دهره، شيخ الإسلام).وقال ابن المبرد: (الشيخ الإمام، أوحد الأنام، قدوة الحفاظ، جامع الشتات والفضائل، الفقيه الزاهد البارع، الأصولي، المفيد، المحدث).وقال ابن فهد المكي: (الإمام الحافظ الحجة، والفقيه العمدة، أحد العلماء الزهاد، والأئمة العباد، مفيد المحدثين، واعظ المسلمين
كان رحمه الله تعالى إمامًا ورعًا زاهدًا، مالت القلوب بالمحبة إليه، وأجمعت الفرق عليه، كانت مجالس تذكيره الناس عامة نافعة، وللقلوب صادعة).وقال برهان الدين ابن مفلح: (الشيخ العلامة، الحافظ، الزاهد، شيخ الحنابلة).وسماه المرداوي في مواطن من الإنصاف بـ (العلامة ابن رجب). - مصنفاته:للحافظ ابن رجب رحمه الله مصنفات كثيرة نافعة، منها ما هو كبير، ومنها ما هو صغير، قال ابن العماد الحنبلي: (له مصنفات مفيدة ومؤلفات عديدة)، وغالبها مطبوع، ومنها ما هو مفقود، ومن تلك المصنفات:١ - "فتح الباري في شرح البخاري"، شرح منه إلى كتاب الجنائز، وهو مطبوع.٢ - "شرح الترمذي"، وقد احترق غالب ما عمله عليه في الفتنة، وقد وُجدت منه قطعة صغيرة، ووجد شرحه على كتاب العلل من الجامع، وهما مطبوعان.٣ - "لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف"، وهو مطبوع.٤ - "ذيل طبقات الحنابلة"، ذيَّله على طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى، وهو مطبوع.
٥ - "صفة الجنة وصفة النار"، وهو مطبوع.٦ - "الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة"، وهو مطبوع.٧ - "جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم"، وهو مطبوع.٨ - "ذم قسوة القلب"، وهو مطبوع.٩ - "فضل علم السلف على الخلف"، وهو مطبوع.١٠ - "تقرير القواعد وتحرير الفوائد"، وهو كتابنا هذا.وغيرها من المصنفات في الحديث والرقائق والفقه، قال ابن قاضي شهبة: (وغير ذلك من المصنفات الكبار والصغار). - وفاته:توفي ليلة الاثنين رابع رمضان، سنة (٧٩٥ هـ) بأرض الحميرية بدمشق، ببستان كان استأجره، وصُلي عليه من الغد، ودفن بباب الصغير إلى جانب قبر الشيخ أبي الفرج الشيرازي، وكانت له جنازة عظيمة كما قال أحد تلميذه فيما سطَّره على طرة مخطوط القواعد، رحمه الله رحمة واسعة وأعلى درجته، وأسكنه فسيح جنته.قال محب الدين ابن نصر الله البغدادي - كما في طرَّة المخطوط المرموز له في طبعتنا بـ (ن) - فيما كتبه بخطه ونقله عنه تلميذه ابن هشام الأنصاري: (ولا أظن - يعني المصنف - بلغ سبعين سنة، ولم أقف على مولده، ولكني قرأت عليه حديث الأولية في سنة ست وثمانين - يعني: وسبعمائة -، وسألته أن يكتب لي خطه بالإجازة،
فامتنع رحمه الله تعالى استصغارًا لنفسه عن بلوغ سن الإجازة بالكتابة، وأجازني لفظًا، وكان سنُّه إذ ذاك عن نيف وخمسين سنة فيما أظن).وما ذكره محب الدَّين البغدادي صحيحٌ، فإن غالب المصادر ذكرت أن مولده سنة (٧٣٦ هـ)، ووفاته (٧٩٥ هـ)، وعلى هذا فسنُّه لما مات ٥٩ سنة، رحمه الله تعالى.ونقل ابن المبرد أنه قرأ في كتابه القواعد، أن ابن رجب رحمه الله قال عند خروج روحه ثلاثين مرة: (يا الله العفو).
التعريف بالكتاب- توثيق نسبة الكتاب:لا شك في نسبة هذا الكتاب للحافظ زين الدين ابن رجب رحمه الله تعالى، إذ إن سائر من ترجم له ذكر له كتاب القواعد، وذكره المصنف في بعض كتبه الأخرى كفتح الباري في مواطن متعددة، ونقل عنه محققو المذهب ممن أتى بعد؛ كتلميذه ابن اللحام البعلي، ومحب الدين ابن نصر الله البغدادي، وعلاء الدين المرداوي في كتابه العظيم الإنصاف، وجعله من جملة ما يُعتمد عليه في تصحيح المذهب، ونقل عنه المتأخرون كالحجاوي في الإقناع، ومرعي في الغاية، ومنصور البهوتي، والخلوتي، وعثمان النجدي، وغيرهم.إلا أن ثمة كلمة نقلها ابن المبرد عن مجهولٍ؛ شكَّكت في كون الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى هو الذي كتب القواعد بنفسه، حيث قال: (وكتاب "القواعد الفقهية"، مجلد كبير، وهو كتاب نافع، من عجائب الدهر، حتى أنه استكثر عليه، حتى زعم بعضهم أنه وجد قواعد مبددة لشيخ الإسلام ابن تيمية فجمعها، وليس الأمر كذلك، بل كان رحمه الله تعالى فوق ذلك)(١).(١) الجوهر المنضد ص ٤٩.
وهذا كلام عارٍ عن الدليل، وبعيدٌ أيما بعد عن الصواب، وقد يكون الباعث عليه الجهل أو الحسد، وبيان بطلان ذلك من وجوه:١ - أنها دعوى لا يُعرف قائلها، ولم يذكر عليها دليلًا، والدعاوى إن لم يُقَم عليها بينات؛ أصحابها أدعياء.٢ - أن ناقل هذا الكلام وهو ابن المبرد رحمه الله لم يرتض المقولة وردَّ عليها بقوله: (بل كان رحمه الله تعالى فوق ذلك).٣ - أن القارئ لترجمة الحافظ ابن رجب وما كان عليه من الديانة والزهد والتقلل من الدنيا، وكراهيته لذكر الناس، وإمساكه عن الكلام أحيانًا خشية ألا يكون مخلصًا فيه، مع ما ذُكِر عنه من التمكن في فقه الإمام أحمد، خاصة وسائر العلوم عامة؛ ما يستحيل معه أن يسرق قواعد لشيخ الإسلام ابن تيمية ثم يقوم بنسبتها لنفسه على أنها من تأليفه؛ فديانته وعلمه ومكانته بل ومروءته تأبى مثل ذلك.٤ - أن كتاب القواعد قد قرأه عليه تلاميذه أكثر من مرة، ونسخوه وعلقوا عليه وبينوه، ومن هؤلاء محب الدين ابن نصر الله البغدادي شيخ الحنابلة في زمانه، وعلاء الدين ابن اللحام البعلي، وغيرهما، ولا يُعرف عن واحد منهم إنكار أن يكون الكتاب لابن رجب، بل صنيعهم صريح في صحة كون الحافظ هو الذي صنعه بيده.٥ - أن الحافظ ابن رجب أورد كلام شيخ الإسلام في مواطن كثيرة جدًّا من كتابه القواعد، وفي كثير من تلك المواطن يعترض عليه، أو يجيب عن استدلاله، أو يخطئه، أو يستشكل عليه، أو يعضد كلامه
بكلام غيره من الأصحاب أو بالروايات الواردة عن الإمام أحمد، ونَفَسه في تلك المواطن هو ذات النفس الذي كُتب فيه كتاب القواعد من قوة التحرير والعبارة والدقة والتخريج والتوجيه.وغير ذلك من الأمور القاطعة بأن الكتاب من صنعة الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى، ولعل الباعث على قول ما قاله ذلك المجهول هو الحسد؛ فإن الحافظ ابن رجب ألف الكتاب في أواسط العقد الثالث من عمره، أي قبل بلوغه سن الأربعين، ومثل هذا إذا كتب كتابًا يعدُّه من بعده من عجائب الدهر؛ سببًا لحسد غيره عليه والله المستعان، وإنما كتبنا ذلك دفاعًا عن الحافظ ابن رجب، وحفظًا لحقه علينا. - توثيق اسم الكتاب:جاءت تسمية الكتاب - عند بعض من ترجم للحافظ ابن رجب - باسم: (القواعد الفقهية)؛ كابن مفلح في المقصد الأرشد، وابن المبرد في الجوهر المنضد، وابن العماد في شذرات الذهب، وغيرهم، وقد جاء هذا الاسم في بعض النسخ الخطية المتأخرة.وسماه ابن بدران في المدخل بـ (القواعد)، وجاء هذا الاسم في بعض النسخ الخطية المتأخرة أيضًا.وجاءت تسميته في بعض النسخ الخطية بـ (قواعد ابن رجب الفقهية)، وبعضها باسم (قواعد الإمام ابن رجب في الفقه)، وغير ذلك من الأسماء.وسماه ابن رجب في فتح الباري في مواطن متعددة (٥/ ٢٥٨،