طبقات القاري الأثمار الجنية في أسماء الحنفية - ط ديوان الوقف السني (الملا على القاري) القسم: التراجم والطبقات الكتاب: الأثمار الجنية في أسماء الحنفية المؤلف: على بن سلطان القاري (ت ١٠١٤ هـ)المحقق: عبد المحسن عبد الله أحمدأصل التحقيق: أطروحة دكتوراه، معهد التاريخ العربي والتراث العلمي للدراسات العليا - بغداد، ١٤٢٩ هـ الناشر: مركز البحوث والدراسات الإسلامية بـ «ديوان الوقف السني» - العراق الطبعة: الأولى، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ معدد الأجزاء: ٢ (متسلسلة الترقيم)تنبيه: طُبع أوّلُ هذا الكتاب (١/ ١٢٧ - ٢٩٥) مُفرَدًا بعنوان: «مناقب الإمام الأعظم» مع مقدمة مؤلفه وتراجم الطبقة الأولى من أصحابه، ملحقا بذيل «الجواهر المضية في طبقات الحنفية» ط مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية بحيدرآباد، وهي بالشاملة أيضا؛ فهل هو كتابٌ مُفرَد للمؤلّف؟ أو استلَّه أحدُهم من هذا الكتاب؟ محل بحث![ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرّحمن الرّحيمالمقدمة(١)الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين وآله الطيبين الطاهرين وصحبه الغرّ المنتجبين ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.كانت صلتي بتراجم فقهاء الحنفية منذ مرحلة الماجستير سنة ٢٠٠١ م يوم سجلت موضوعا لرسالتي بعنوان «مشاهير فقهاء الحنفية من كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري المتوفى سنة (٧٤٩ هـ /١٣٤٩ م).ومنذ ذلك الوقت وأنا أتطلع إلى نص تراثي مخطوط بتراجم الفقهاء المشهورين من الحنفية، حتى يسر الله تعالى لي الاهتداء إلى هذا المخطوط المسمى ب «الأثمار الجنية في أسماء الحنفية» للعلامة الشيخ علي القاري المتوفى سنة (١٠١٤ هـ /١٦٠٥ م) فسجلته موضوعا لأطروحتي.وإن الذي دفعني لاختيار هذا الموضوع: أني درست الموضوع قبل تسجيله، فوجدته حافلا بأسماء العلماء الفقهاء من الحنفية، وموردا لكل علم منهم ترجمة تبين مكانته العلمية ومؤلفاته. ومناصبه الإدارية والقضائية، وتصدره لتدريس الفقه أو الحديث أو القراءات أو اللغة … في الأعم الأغلب، ولم يقتصر على عصر دون عصر، ولا قطر دون آخر بل شمل العالم الإسلامي من المشرق إلى المغرب، لمدة زمنية طويلة امتدت منذ ظهور المذهب الحنفي على يد الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت (رحمة الله عليه) حتى القرن الثامن الهجري، فكانت هذه الشمولية المكانية والزمانية للكتاب من أهم محاسنه التي سأتناولها في الدراسة.(١) أصل هذا الكتاب أطروحة دكتوراه مقدمة إلى معهد التاريخ العربي والتراث العلمي للدراسات العليا/بغداد نال بها المؤلف درجة دكتوراه سنة ١٤٢٩ هـ /٢٠٠٨ م.
وهو في الوقت نفسه مما زاد في رغبتي لدراسته وتحقيقه تحقيقا علميا على وفق المنهج العلمي الذي درسته في السنة التحضيرية في موضوع «منهج تحقيق المخطوطات».فسارعت إلى تقديمه إلى اللجنة العلمية لمعهد التاريخ العربي والتراث العلمي للدراسات العليا موضوعا لأطروحة الدكتوراه وقد تمت الموافقة عليه والحمد لله.لقد اقتضت طبيعة الأطروحة أن تكون في بابين:الباب الأول: لدراسة المؤلف والكتابوالباب الثاني: للنص المحققأما الباب الأول فيتكون من فصلين:الفصل الأول: لدراسة المؤلف، وفيه ثلاث مباحث:المبحث الأول: خصصته لدراسة عصر المؤلف الشيخ علي القاري وقد اقتصرت فيه على الحياة السياسية والعلمية، وتناولت في الحياة السياسية الأوضاع التي كانت سائدة في إيران وأفغانستان ومكة المكرمة وهي البلدان الأساسية التي تركت أثرا في حياة الشيخ علي القاري بين مسقط رأسه في هرات واستيطانه مكة المكرمة وما حدث في عصره من حروب ومنازعات بين الدولتين العثمانية والفارسية وتأثير ذلك في الحياة العلمية، اذ رافق هذه الحروب المتكررة هجرة العلماء وتغيير في الخارطة السياسية لهذه المنطقة، ولم يكن العلامة الشيخ علي القاري ممن دخل معترك الحياة السياسية وأسهم فيها بل كان مبتعدا عنها وعن أصحابها من ذوي السلطان، منصرفا إلى الدرس والتصنيف. وتطرقت أيضا إلى الحياة العلمية في مكة المكرمة بوصفها موطن الشيخ علي القاري بعد الهجرة من هرات وذكرت مدارسها المشهورة وعلماءها المتميزين الذين أخذ عنهم الشيخ علي القاري أو عاصرهم، وكيف كانت الحياة العلمية في مكة المكرمة من كثرة العلماء المقيمين والمجاورين من البلدان الأخرى، والوافدين إليها لأداء فريضة الحج والزيارة لقبر
الرسول الكريم (صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه سلم)، وما نتج عن ذلك من كثرة التصانيف المفيدة وكثرة الطلاب الدارسين.أما المبحث الثاني، فقد خصصته لسيرة الشيخ علي القاري، فتناولت اسمه ونسبه، وولادته ونشأته، وشيوخه وتلاميذه، وثناء العلماء عليه، وختمت المبحث بتاريخ وفاته.وأفردت المبحث الثالث لمؤلفاته التي تدل دلالة قاطعة على سعة علم هذا الرجل، وعلى إحاطته الإحاطة الشاملة لفنون عصره، فما من علم إلا وألف فيه كتابا أو رسالة. ومن يطلع على مؤلفاته يجدها في مختلف فروع العلم والمعرفة من الحديث الشريف والفقه الإسلامي، وأصوله، والتوحيد، والتفسير، والقراءات القرآنية، والتجويد، والفرائض، والتراجم، والأدب، واللغة، والنحو، والمناظرات، والردود، وغيرها من المؤلفات.أما الفصل الثاني: فقد خصصته لدراسة الكتاب، فجاء في مبحثين:المبحث الأول: تناولت فيه منهج المؤلف في الكتاب، فتطرقت إلى توثيق الكتاب ونسبته إلى مؤلفه، والسبب الدافع إلى تأليفه، وكيفية تنظيم الكتاب ومنهج المؤلف في عرض موضوعاته، كما بينت منهج المؤلف في كتابة التراجم، وتكلمت على الجهود العلمية للمؤلف وختمت المبحث بأهمية الكتاب وأثره في كتاب «الفوائد البهية في تراجم الحنفية» للعلامة اللكنوي.وتناولت في المبحث الثاني: مصادر الكتاب، وجعلتها في قسمين: الأول:المصادر الرئيسية المعتمد عليها في تأليف الكتاب، وكانت ثلاثة كتب هي:١ - الجواهر المضية في طبقات الحنفية للشيخ أبي الوفاء عبد القادر بن محمد القرشي (٧٧٥ هـ /١٣٧٣ م).٢ - الطبقات لعلامة اليمن علي بن الحسن الخزرجي (ت ٨١٢ هـ /١٤٠٩ م).المسمى «بالعقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية».
٣ - مناقب أبي حنيفة للإمام البارع حافظ الدين بن محمد الكردري (ت ٨٢٧ هـ /١٢٢٣ م).والثاني جعلته للمصادر الثانوية غير الرئيسة التي أشار إليها المؤلف، ونقل منها قسما من المعلومات التي تخص المترجم، ولم تتجاوز الثلاثين مصدرا.ثم تطرقت إلى وصف النسخة الخطية المعتمدة في التحقيق، وبينت منهجي في التحقيق، وأرفقت صورا من المخطوطة للاطلاع عليها، وبها ختمت هذا الفصل.أما الباب الثاني من هذه الأطروحة فيشتمل على النص المحقق للكتاب «الأثمار الجنية في أسماء الحنفية» على وفق المنهج الذي ذكرته آنفا.وختمت الدراسة والتحقيق بخاتمة بينت فيها أهمية الكتاب ثم أثبت قائمة المصادر والمراجع وملخص الأطروحة باللغة الإنكليزية.أما المصادر التي اعتمدت عليها بين كتب تاريخ وكتب طبقات وتراجم وسير أشخاص ومدن وجغرافية، ورحلات وغيرها، فرأيت أن أشير إلى قسم مختار منها فقط، ويمكن الإطلاع عليها من ملاحظة الثبت المخصص لها في آخر الأطروحة.ففي مقدمة المصادر التي اعتمدت عليها هي الكتب التي ذكرها المؤلف وعدها من مصادره الرئيسة، وكذلك كتب الطبقات والتراجم والسير، وفيما يأتي مجموعة من هذه المصادر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (ت ٢٣٠ هـ /٨٤٤ م)، «الطبقات» لخليفة بن خياط (ت ٢٤٠ هـ /٨٥٤ م)، و «مناقب أبي حنيفة» للموفق المكي (٥٦٨ هـ /١١٧٢ م)، و «سير أعلام النبلاء» للذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان (ت ٧٤٨ هـ /١٣٤٧ م)، و «الجواهر المضية في طبقات الحنفية» للقرشي، عبد القادر بن محمد (ت ٧٧٥ هـ /١٣٧٣ م) و «مناقب أبي حنيفة» للكردري الإمام حافظ الدين (ت ٨٢٧ هـ /١٤٢٣ م)، و «تاج التراجم في تراجم الحنفية» لابن قطلوبغا، قاسم زين الدين (ت ٨٧٩ هـ /١٤٧٤ م)، و «الطبقات السنية في تراجم
الحنفية» (ت ١٠١٠ هـ /١٦٠١ م)، و «الفوائد البهية في تراجم الحنفية» للكنوي محمد عبد الحي (ت ١٣٠٤ هـ /١٨٨٦ م).وقد أفدنا أيضا من كتب التاريخ العام في عملنا التحقيقي مثل: «تاريخ الطبري» محمد بن جرير المتوفى (٣١٠ هـ)، و «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي أحمد بن علي (ت ٤٦٣ هـ /١٠٧٠ م)، و «الكامل في التاريخ» لابن الأثير علي بن محمد عز الدين (ت ٦٣٠ هـ /١٢٣٢ م)، و «وفيات الأعيان» لابن خلكان أحمد بن محمد (ت ٦٨١ هـ /١٢٨٢ م)، و «البداية والنهاية» لابن كثير إسماعيل بن عمر (ت ٧٧٤ هـ /١٣٤٢ م).أما في دراستنا لعصر علي القاري فقد اعتمدنا على مجموعة من المراجع والمصادر القديمة القيمة التي كان أصحابها معاصرين للمؤلف مثل ابن ظهيرة (ت ٩٦٠ هـ /١٥٥٢ م) في كتابه الجامع اللطيف في فضل مكة، والقطبي النهروالي (ت ٩٩٠ هـ /١٥٨٥ م) في الإعلام بأعلام بيت الله الحرام، والعصامي (ت ١١١١ هـ /١٦٩٩ م) في كتابه سمط اللآلي، وابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩ هـ /١٦٧٨ م) في شذرات الذهب، والغزي (ت.١٠٦١ هـ /١٦٥٠ م) في كتابه الكواكب السائرة، وابن العيدروس (ت ١٠٣٨ هـ /١٨٢٨ م) في النور السافر، و «أفغانستان بين الأمس واليوم»، محمد ابو العنين فهمي و «تاريخ الدولة العثمانية العلية»، محمد فريد بك المحامي، و «تاريخ العرب الحديث»، عبد الكريم محمود غرايبة و «تاريخ العرب المعاصر»، د. عبد العزيز نوار و «تاريخ مكة»، د. أحمد السباعي، وغيرها من المراجع.أما عن الصعوبات والعقبات التي عانيت منها في كتابة هذه الأطروحة فكثيرة جدا إذ مر العمل بمخاض عسير جدا وبأحلك الظروف التي لم يشهد لها التاريخ مثيلا لا في العصر الحديث ولا في العصور القديمة مما يجري على العراق والعراقيين من مآس وكوارث من قتل وتشريد وتهجير لأبناء العراق بصورة عامة وللعلماء والمفكرين والأساتذة بصورة خاصة، ناهيك عن تردي الحالة الاقتصادية
للبلد والمعاشية للمواطن، والتكاليف الباهظة للمواصلات وعدم قدرة الباحث على البحث والتردد على المكتبات بحرية خوفا على حياته في ظل كل هذه العقبات كانت ولادة هذه الرسالة «الأثمار الجنية في أسماء الحنفية».وادعو الله تعالى أن أكون قد وفقت لما أنا بصدده من تحقيق كتاب «الأثمار الجنية في أسماء الحنفية» للشيخ علي القاري رحمه الله ودراسته ومن الله التوفيق، وعليه وحده الاعتماد. وما كان من صواب فهو من توفيق الله تعالى، وما كان من خطأ وخلل فهو من عمل الإنسان الذي لا ينفك في النقصان. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم. وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
القسم الدراسيالباب الأولفي المؤلف والكتابويقع في فصلينالفصل الأول دراسة سيرة حياة المؤلفالفصل الثاني دراسة الكتاب
الفصل الأول دراسة سيرة حياة المؤلف وفيه ثلاثة مباحث:المبحث الأولعصر علي القاريالمبحث الثانيسيرة علي القاريالمبحث الثالثمؤلفاته
الباب الأول فى المؤلف والكتابالفصل الأول دراسة سيرة حياة المؤلفالمبحث الأولعصر علي القاريأولا: الحياة السياسية:(١)في أوائل القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي كانت هناك ثلاث دول إسلامية كبرى تتنافس على السيطرة والحكم في العالم الإسلامي، وتتصارع فيما بينها من أجل ذلك وهي:(١) رجعت في هذا المبحث والمباحث الآتية إلى المصادر والمراجع الآتية:-القطبي، محمد بن أحمد بن محمد النهروالي (ت ٩٩٠ هـ /١٥٨٢ م)، الإعلام بأعلام بيت الله الحرام، تحقيق: د. علي محمد عمر (ط ١، المكتبة الثقافية الدينية، القاهرة،١٤٢٥ هـ /٢٠٠٤ م).-إبراهيم بك حليم، تاريخ الدولة العثمانية، المعروف بكتاب «التحفة الحليمية في تاريخ الدولة العلية»، بإعتناء: نجوى عباس (ط ٢، مؤسسة المختار، القاهرة، ١٤٢٥ هـ /٢٠٠٤ م).-أحمد السباعي، تاريخ مكة (دراسات في السياسة والاجتماع والعمران)، (ط ٢، مطابع دار قريش، مكة المكرمة،١٣٨٢ هـ).-بديع جمعة، ود. أحمد الخولي، تاريخ الصفويين وحضارتهم،١٩٧٦ م.-خليل إبراهيم قوتلاي، الإمام علي القاري وآثره في علم الحديث (ط ١، دار البشائر الإسلامية، بيروت،١٤٠٨ هـ /١٩٨٧ م).-د. سعاد ماهر، مساجد مصر وأولياؤها الصالحون (د. ط، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، مطابع الأهرام التجارية، القاهرة،١٣٩١ هـ /١٩٧١ م.-د. عبد العزيز نوار، تاريخ العرب المعاصر (مصر والعراق)، (د. ط، دار النهضة العربية، بيروت،١٩٧٣ م.-عبد الكريم محمود غرايبة، تاريخ العرب الحديث، (د. ط، مكتبة الأهلية، بيروت، ١٩٨٤ م).
١ - دولة المماليك (٦٤٨ هـ /٩٢٣ هـ) - (١٢٥٠ م/١٥١٧ م).٢ - الدولة العثمانية (٦٩٩ هـ /١٣٤٢ هـ) - (١٢٩٩ م/١٩٢٣ م).٣ - الدولة الصفوية (٩٠٧ هـ /١٢٠٠ هـ) - (١٥٠١ م/١٧٨٥ م).وكانت الخريطة السياسية للعالم العربي الإسلامي على هذا النحو:-كان العراق وإيران تحت حكم أسرة «آق قويونلو»(١)، ثم تحت سيطرة «الصفويين»، وكانت خراسان وما جاورها تحت حكم «الأوزبك»، ثم تنازعها هؤلاء والصفويون.وكانت مصر يحكمها المماليك ثم العثمانيون، وكانت جزيرة العرب، بما فيها بلاد الشام والحجاز وجزء من اليمن، تابعة للماليك، ثم تبعت الدولة العثمانية.وكان شمالي أفريقيا في صراع مرير ضد الصليبيين ثم حكمه العثمانيون في النصف الثاني للقرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي. فكانت طرابلس مستهدفة للعدوان الأسباني، حتى سقطت في يد الأسبان في سنة ٩١٦ هـ /١٥١٠ م، ولكن إلى حين. وكانت في تونس «الأسرة الحفصية» تقاوم العدوان الأسباني، كما هو الحال في الجزائر. وكان في المغرب «بنو مرين» يقاومون البرتغاليين الذين استولوا على سبتة ومليلة.فلننظر إلى ما جرى من حوادث سياسية في أهم مراكز العالم العربي والإسلامي في هذا العصر التي تخص سيرة الشيخ علي القارئ:(١) آق قويونلو طائفة من التركمان كانت مساكنهم القديمة بلاد تركستان ثم تحولوا عنها إلى بلاد أذربيجان، ثم تحولوا إلى ديار بكر، واستولوا على الملك، وأول أمرائهم بهاء الدين قرا يولك بن فخر الدين (٧٨٠ هـ /١٣٧٨ م-٨٣٩ هـ /١٤٣٥ م) وآخرهم مراد بن يعقوب بن أوزون حسن (٩٠٧ هـ /١٥٠١ م-٩٠٨ هـ /١٥٠٢ م). وكلمة آق قويونلو: كلمة تركية معناها: أصحاب القطيع الأبيض. ينظر: دائرة المعرف الإسلامية:١/ ١١٩.
١ - بلاد فارس:كانت بلاد فارس من أكثر البلاد الإسلامية التي أصابها الوهن بسبب التوسع المغولي، ولم تلبث أن تعرضت لموجة تيمور ولحكم أسر تركمانية كانت أسرة «آق قويونلو».وفي عهدها ظهرت في أردبيل أسرة تخصصت في الدعوة والزهد، وهي الأسرة «الصفوية» السليلة إلى الشيخ صفي الدين الأردبيلي، ويقال: إنه ينتسب إلى الأمام موسى الكاظم(١). وكان الشاه إسماعيل بن حيدر الصفوي من هذه الأسرة، ولكنه نشأ في (لاهجان) حيث مقر الفرق الإسلامية وخاصة أقطاب المذهب الشيعي، حيث تعلم منهم في صغره مذهب التشيع، وكان آباؤه شعارهم مذهب أهل السنة وكانوا مطيعين منقادين للسنة. ولم يظهر التشيع أحد منهم غير الشاه إسماعيل(٢).وكان الشاه إسماعيل هو الذي صبغ الحركة الصفوية بالصبغة الشيعية، وكان الكثير من أتباعه من أهل السنة في أول الأمر، وبذل قصارى جهده في تحويلهم إلى المذهب الشيعي.(١) وهو الإمام أبو الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام (ت ١٨٣ هـ /٧٩٩ م) سابع الأئمة الأثني عشر عند الإمامية كان من سادات بني هاشم ومن أعبد زمانه وأحد كبار العلماء الأجواد.له ترجمة في: الخطيب البغدادي أحمد بن علي (ت ٤٦٣ هـ /١٠٧٠ م) تاريخ بغداد (د. ط. المكتبة السلفية، المدينة المنورة، د. ت) ١٣/ ٢٧، ابن خلكان، أحمد بن محمد (ت ٦٨١ هـ /١٢٨٢ م). وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق د. إحسان عباس (د. ط، دار صادر، بيروت،١٩٦٨ م) ٤/ ١١٥.(٢) ينظر القطبي، الإعلام بأعلام بيت الله الحرام: ص ١٨٥؛ الشوكاني، محمد بن علي (ت ١٢٥٠ هـ /١٨٣٤ م) البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع (د. ط، مطبعة السعادة، مصر، د. ت) ١/ ٢٧٠ - ٢٧١.
فلما ظهرت دولة الصفويين إلى الوجود في إيران، أدى نشاطهم الذي قام به دعاة الشيعة في الأناضول إلى اهتمام العثمانيين بشأنهم، حيث أن العثمانيين كانوا معروفين بتمسكهم بالمذهب السني، وكانوا يعدون الشيعة عناصر تهدد وجود الدولة العثمانية، وقد وقع اللقاء الدموي الأول بين الصفويين والعثمانيين في (جالديران) في سنة ٩٢٠ هـ /١٥١٤ م، وانتهى بنصر حاسم للعثمانيين، الذين احتلوا عقبه تبريز. ٢ - أفغانستان(لاسيما خراسان): في خلال القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، ظلت بلاد أفغانستان مقسمة سياسيا بين المغول في الهند والصفويين في إيران، وقبائل الأوزبك في (ما وراء النهر).وقد فتح علي القاري عينيه في الوقت الذي كانت فيه أفغانستان تعيش صراعا سياسيا فكانت كل واحدة من الدول أو القبائل المجاورة لهم تهتم اهتماما بالغا بالسيطرة على كابل وقندهار وهراة.بدأ الشاه إسماعيل يوجه فكره إلى تعزيز الوحدة السياسية لإيران، بعد أن قضى على بعض حكام المنطقة، فكان عليه-من أجل تحقيق هذا الهدف-أن ينظر في أمر بقايا (الأسر التيمورية) التي تمركزت في هراة وجزء من إقليم خراسان، وفي أمر (قبائل الأوزبك) التي تمركزت في منطقة ما وراء النهر.وبالفعل فقد استطاع الشاه إسماعيل الصفوي أن يحقق هذا الهدف بعد سلسلة من الانتصارات على مناوئيه، ولا سيما عند ما التقى الجيشان الصفوي والأوزبكي في محمودآباد في سنة ٩١٦ هـ /١٥١٠ م، ودارت رحى معركة طاحنة، انتصر فيها الشاه إسماعيل على الأوزبك.وأعمل الشاه إسماعيل القتل في أهل مرو، وقضى فصل الشتاء في هراة، وأعلن فيها المذهب الشيعي مذهبا رسميا، على الرغم من أن أهل تلك البلاد كانوا
معتنقين المذهب السني، وقد نصب الشاه إسماعيل (ده ده بك سلطان) حاكما على مرو.وكان الشاه إسماعيل لا يتوجه إلى بلدة إلا ويفتحها، ويقتل جميع من فيها وينهب أموالهم ويفرقها. وقد قتل خلقا لا يحصون ينوف على ألف ألف نفس، وقتل عدة من أعاظم العلماء بحيث لم يبق أحدا من أهل العلم في بلاد العجم، وأحرق جميع كتبهم ومصاحفهم؛ لأنها كتب أهل السنة(١) الأمر الذي دفع العلماء إلى الهجرة إلى بلاد الهند أو إلى الحرمين الشريفين، فهاجروا من بلادهم، نظرا لانتشار الفتن، وكثرة المصائب والمحن، فكان من هؤلاء المهاجرين الذين تركوا أوطانهم الشيخ علي القاري حيث هاجر إلى مكة المكرمة واستوطنها وبدأ ينهل من علومها ومعارفها على يد نخبة من خيرة علماء العالم الإسلامي آنذاك. ثانيا: الحالة السياسية في عصر الإمام علي القاري في مكة المكرمة:لقد تكلمنا عن الحالة السياسية في عصر الإمام علي القاري في بلده هراة وفي بلدان العالم الإسلامي بصورة عامة.فيما يخص مكة المكرمة التي اتخذها الإمام علي القاري مقر إقامة له وموطنا دائميا لم يفارقه منذ ريعان شبابه حتى توفى (١٠١٤ هـ) فلم يخل هذا البلد الحرام وما حوله من نواحي الحجاز من الاضطرابات بسبب النظام الذي اتبعه ولاتها فيها: فقد كانت ولاية الحرمين الشريفين قبل دخول العثمانيين إلى مصر سنة (٩٢٢ هـ /١٥١٧ م) تابعة لدولة المماليك الجركسية، فكانوا يعينون لها الولاة الذين يقومون بما تتطلبه الولاية من الإشراف على أمور الحج والعناية بشؤون الحجاج والحكم فيها. وقد جرت العادة على إسناد الولاية فيها إلى الأشراف من الأسرة الهاشمية احتراما لنسبهم الشريف. فقد أسندت في القرن التاسع مثلا، وعلى وجه(١) ينظر: القطبي، الإعلام بأعلام بيت الله الحرام: ص ١٨٥.
التحديد سنة (٨٥٩ هـ /١٤٥٤ م) إلى الشريف محمد بن بركات بن حسن بن عجلان، أسندها إليه الملك الظاهر(١) وكانت الولاية تجبى العشر من الواردين إليهاقال الشاعر عفيف الدين عبد الله بن قاسم الذروي مخاطبا أمير اليمن أحمد ابن إسماعيل الغساني على لسان الشريف محمد بن بركات حين طلب منه أمير اليمن أن يفرغ له دور مكة، وأن يلقاه إلى حلى (موضع):قل لمن رام يناوينا ومن … رام يأتي بيتنا مغتصبالا تحج البيت إلا خاضعا … دافعا عشرا لنا ثم حبا(٢)وفي سنة (٨٨١ هـ /١٤٧٦ م) ورد مرسوم السلطان قايتباي بأن عشر اليماني بينه وبين الشريف محمد بن بركات مناصفة، وبأن لمولانا الشريف محمد كل مال الموتى الذين لا وارث لهم إلى أن يبلغ ألف دينار جديد، فما زاد على ذلك كان للسلطان، وبأن أموال اليتامى في حفظ أمير السلطان بمكة بعد أن كانت في حفظ قاضي الشرع الشريف(٣).وهي طريقة قائمة على تحصيل الأموال مما يثير القلاقل والفتن سواء أكان ذلك بين الولاة أنفسهم وبين ذويهم، أم بينهم وبين الطامعين في هذه الأموال ولا سيما(١) ابن ظهيرة، جمال الدين محمد بن محمد القرشي المخزومي (كان حيا سنة ٩٦٠ هـ /١٥٥٢ م) الجامع اللطيف في فضل مكة وأهلها وبناء البيت الشريف، نشر مكتب الثقافة بمكة المكرمة، ط ١٣٩٢،٣ هـ /١٩٧٢ م، ص ٣٢١؛ العصامي، عبد الملك بن حسين بن عبد الملك الشافعي المكي (المتوفى ١١١١ هـ /١٦٩٩ م): سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١٤١٩،١ هـ /١٩٩٨ م،٤/ ٢٩٠، الصديقي أبو الفيض عبد الستار ابن عبد الوهاب المبارك المكي البكري: ولاة مكة بعد الفاسي استدراك على شفاء الغرام للفاسي مطبوع في نهاية شفاء الغرام، دار الكتب العلمية، بيروت، طبعة مصورة على طبعة عيسى الحلبي (د. ت)،٢/ ٢٩٩.(٢) العصامي: سمط النجوم العوالي:٤/ ٢٨٧.(٣) العصامي، سمط النجوم العوالي:٤/ ٢٩٠.