سير السلف الصالحين - إسماعيل الأصبهاني (إسماعيل التيمي الأصبهاني) القسم: التراجم والطبقات الكتاب: سير السلف الصالحين المؤلف: أبو القاسم، إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصبهاني، الملقب بـ «قوام السنة» (٤٥٧ - ٥٣٥ هـ)تحقيق: د. كرم بن حلمي بن فرحات بن أحمد الناشر: دار الراية للنشر والتوزيع، الرياضعدد الأجزاء: ٤ (متسلسلة الترقيم)[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
الْعَشَرَةُ الْمُبَشَّرُونَ بِالْجَنَّةِ
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ رحمه الله: نَبْدَأُ بِذِكْرِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَمِنَ الصَّحَابَةِ بِذِكْرِ الْعَشَرَةِ، فَأَوَّلُهُمْ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنهاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ.
قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: إِنِّي جَالِسَةٌ ذَاتَ يَوْمٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ فِي فِنَاءِ الْبَيْتِ، إِذْ أَقْبَلَ أَبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عَتِيقٍ مِنَ النَّارِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ» رضي الله عنه، وَإِنَّ اسْمَهُ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ حِينَ مَوْلِدِهِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ اسْمُ الْعَتِيقِ. فَصْلٌ فِي ذِكْرِ صِفَتِهِ وَمَوْلِدِهِ وَوَفَاتِهِرُوِيَ عَنْ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، كَأَنَّ لِحْيَتَهُ لَهَبُ الْعَرْفَجِ،
عَلَى نَاقَةٍ لَهُ أَدْمَاءَ أَبْيَضَ خَفِيفًا.وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه، كَانَ يَخْتَضِبُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ.وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنه، قَالَ: ثَلَاثَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَصْبَحُ قُرَيْشٍ وُجُوهًا، وَأَحْسَنُهَا أَحْلَامًا، وَأَثْبَتُهَا حَيَاءً، إِنْ حَدَّثُوكَ لَمْ يَكْذِبُوكَ، وَإِنْ حَدَّثْتَهُمْ لَمْ يُكَذِّبُوكَ، أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ.قَالَ أَنَسٌ رضي الله عنه: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَأَبُو بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: اسْتَكَمَلَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه بِخِلَافَتِهِ سِنَّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: تَذَاكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه مِيلَادَيْهِمَا عِنْدِي، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَكْبَرَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه بِسَنَتَيْنِ وَنِصْفٍ، الَّذِي عَاشَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.قَالَ أَصْحَابُ التَّوَارِيخِ: تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشَرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ، لِثَلَاثٍ بَقَيْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ.وَقِيلَ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سَنَتَيْنِ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَقِيلَ:
سَنَتَيْنِ وَنِصْفَ، وَغَسَّلَتْهُ زَوْجَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، بِوَصِيَّتِهِ إِلَيْهَا، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فِي الْمَسْجِدِ، وَدَفَنَهُ لَيْلًا، وَنَزَلَ قَبْرَهُ عُمَرُ وَطَلْحَةُ وَعُثْمَانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ.دُفِنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَرَأْسُهُ بَيْنَ كَتِفَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.قَالَ أَصْحَابُ التَّوَارِيخِ: كَانَ أَبْيَضَ نَحِيفًا، خَفِيفَ الْعَارِضَيْنِ، نَقْشُ خَاتَمِهِ: نِعْمَ الْقَادِرُ اللَّهُ.
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ إِسْلَامِهِ رضي الله عنهوَأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ النَّاسِ إِسْلَامًا، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: لَمَّا رَأَى أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه تَثَاقُلَ النَّاسِ، قَالَ «أَلَسْتُ أَوَّلَ مِنْ أَسْلَمَ» ؟ .
وَعَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، مَنْ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ؟ ، فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا سمعت قَوْلَ حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ:إِذَا تَذَكَّرْتَ شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ … فَاذْكُرْ أَخَاكَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلَاخَيْرُ الْبَرِيَّةِ أَتْقَاهَا وَأَعْدَلُهَا … بَعْدَ النَّبِيِّ، وَأَوْفَاهَا بِمَا حِمَلَاالثَّانِيَ التَّالِيَ الْمَحْمُودُ مَشْهَدُهُ … وَأَوَّلُ النَّاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُّسُلَاوَقَالَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ أَبُو بَكْرٍ.
فَصْلٌ فِي وَرَعِهِ رضي الله عنهرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه مَمْلُوكٌ يَغُلُّ عَلَيْهِ، فَأَتَاهُ لَيْلَةً بِطَعَامٍ، فَتَنَاوَلَ مِنْهُ لُقْمَةً، فَقَالَ لَهُ الْمَمْلُوكُ: مَالَكَ كُنْتَ تَسْأَلُنِي كُلَّ لَيْلَةٍ وَلَمْ تَسْأَلْنِي اللَّيْلَةَ؟ قَالَ «حَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ الْجُوعُ.مِنْ أَيْنَ جِئْتَ بِهَذَا» ؟ قَالَ: مَرَرْتُ بِقَوْمٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَرَقِيتُ لَهُمْ، فَوَعَدُونِي، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمَ مَرَرْتُ بِهِمْ، فَإِذَا عُرْسٌ لَهُمْ، فَأَعْطُونِي.قَالَ: «أُفٍّ لَكَ، كِدْتَ أَنْ تُهْلِكَنِي» ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي حَلْقِهِ، فَجَعَلَ يَتَقَيَّأُ، وَجَعَلَتْ لَا تَخْرُجُ، فَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ لَا تَخْرُجُ إِلَّا بِالْمَاءِ، فَدَعَا بِعَسٍّ مِنْ مَاءٍ، وَجَعَلَ يَشْرَبُ وَيَتَقَيَّأُ، حَتَّى رَمَى بِهَا، فَقِيلَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، كُلُّ هَذَا مِنْ أَجْلِ هَذِهِ اللُّقْمَةِ، قَالَ: " لَوْ لَمْ تَخْرُجْ إِلَّا مَعَ نَفْسِي لَأَخْرَجْتُهَا، سمعت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: كُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ، فَخَشِيتُ أَنْ يَنْبُتَ شَيْءٌ مِنْ جَسَدِي
فَصْلٌ فِي زُهْدِهِ رضي الله عنهرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، رضي الله عنه، اسْتَسْقَى فَأُتِيَ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ وَعَسَلٌ، فَلَمَّا أُدْنِيَ مِنْ فِيهِ بَكَى، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَسَكَتَ وَمَا سَكَتُوا، ثُمَّ عَادَ فَبَكَى، حَتَّى ظَنُّوا أَنْ لَا يَقْدِرُوا عَلَى مَسْأَلَتِهِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ فَأَفَاقَ، فَقَالُوا: مَا أَهَاجَكَ عَلَى هَذَا الْبُكَاءِ؟ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يَدْفَعُ عَنْهُ شَيْئًا: «إِلَيْكِ عَنِّي، إِلَيْكِ عَنِّي» ، وَلَمْ أَرَ مَعَهُ أَحَدًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَاكَ تَدْفَعُ عَنْكَ شَيْئًا وَلَمْ أَرَ مَعَكَ أَحَدًا! ، قَالَ: " هَذِهِ الدُّنْيَا تَمَثَّلَتْ لِي بِمَا فِيهَا، فَقُلْتُ لَهَا: إِلَيْكِ عَنِّي، فَتَنَحَّتْ "، وَقَالَتْ: أَمَا وَاللَّهِ إِنْ أفَلتَّ مِنِّي لَا يُفْلِتْ مِنِّي مَنْ بَعْدَكَ، فَخَشِيتُ أَنْ تَكُونَ قَدْ لَحِقَتْ بِي، فَذَاكَ الَّذِي أَبْكَانِي.
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ مَا لَقِيَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَذًىرُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: أَتَى الصَّرِيخُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقِيلَ لَهُ: أَدْرِكْ صَاحِبَكَ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِنَا وَإِنَّ لَهُ غَدَائِرَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَهُوَ يَقُولُ: " وَيْلَكُمْ {أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} [غافر: ٢٨] "، قَالَتْ: فَلَهَوْا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَقْبَلُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَرَجَعَ إِلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ، فَجَعَلَ لَا يَمَسُّ شَيْئًا مِنْ غَدَائِرِهِ إِلَّا جَاءَ مَعَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: «تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» .
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ إِنْفَاقِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَصَدَقَتِهِرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رضي الله عنه، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نَتَصَدَّقَ، وَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا.قَالَ: فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» فَقُلْتُ: مِثْلَهُ، وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا أَبْقيْتَ لِأَهْلِكَ؟» قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقُلْتُ: لَا أُسَابِقُهُ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا.
فَصْلٌ فِي كَوْنِهِ فِي الْغَارِ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَوِقَايَتِهِ إِيَّاهُ بِنَفْسِهِ وَدُعَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، رضي الله عنه، قَالَ: لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْغَارِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ لِأَدْخُلَ قَبْلَكَ، فَإِنْ كَانَتْ حَيَّةٌ أَوْ شَيْءٌ كَانَتْ بِي قَبْلَكَ.قَالَ: «ادْخُلْ» ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، فَجَعَلَ يَلْتَمِسُ بِيَدِهِ، فَكُلَّمَا رَأَى جُحْرًا مَالَ بِثَوْبِهِ فَشَقَّهُ ثُمَّ أَلْقَمَهُ الْجُحْرَ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَوْبِهِ أَجْمَعَ فَبَقِيَ جُحْرٌ فَوَضَعَ عَقَبِهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَيْنَ ثَوْبُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟» فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي صَنَعَ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدَهُ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَبَا بَكْرٍ مَعِيَ فِي دَرَجَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، فَأَوْحَى اللَّهُ عز وجل إِلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ عز وجل قَدِ اسْتَجَابَ لَكَ.