العقود الدرية في مناقب ابن تيمية - ط عطاءات العلم (ابن عبد الهادي) القسم: التراجم والطبقات الكتاب: العقود الدرية في ذكر بعض مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية[آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال (١٩)]المؤلف: محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي (٧٠٥ - ٧٤٤ هـ)المحقق: علي بن محمد العمران الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)راجعه: محمد أجمل الإصلاحي - جديع بن محمد الجديع الطبعة: الثالثة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)عدد الصفحات: ٥٩٠قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
العُقُودُ الدُّرِّيَّةُفِي ذِكر بعض مَناقِبِ شَيخِ الإسْلامِ ابنِ تَيمِيَّة تأليفالإمام الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي(٧٠٥ - ٧٤٤) تحقيقعلي بن محمد العمران دار عطاءات العلم - دار ابن حزم
بسم الله الرحمن الرحيموصلى الله على نبيِّه محمد وآله وسلم تسليمًا.قال الشيخ الإمام الحافظ المحقِّق أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي، رحمه الله ورضي عنه، وأثابه الجنةَ بفضله ورحمته، وإيَّانا وسائر المسلمين(١).الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا(٢).أما بعد، فهذه نبذةٌ يسيرة مختصرة في ذِكر حال سيِّدنا وشيخنا، شيخ الإسلام، تقيِّ الدين أبي العباس أحمد(٣) ابن تيميَّة ــ رحمه الله ورضي عنه، وأدخله(٤) الجنةَ برحمته ــ وذِكْرِ بعضِ مناقبه وبعض مصنَّفاته.هو الشيخ الإمام الربَّاني، إمام الأئمة، ومفتي الأمَّة، وبحر العلوم، سيِّدُ(١) هذه الديباجة من الأصل، وهي بنحوها في (ك، ف) بدون التصلية. وبعد البسملة في (ق): «حسبي الله»، وزاد في (ك): «ونعم الوكيل». وفي (ف): «بفضل رحمته».(٢) ليست في (ب).(٣) ليست في (ب).(٤) (ك): «وأثابه».
الحفَّاظ، وفارس المعاني والألفاظ، سيِّدُ(١) العصر وقريعُ الدهر(٢)، شيخ الإسلام، بَركةُ الأنام علَّامة الزمان وتَرْجمان(٣) القرآن، عَلَم(٤) الزُّهّاد وأوحد العُبَّاد، قامعُ المبتدعين وآخِر المجتهدين: تقيُّ الدين أبو العباس أحمد ابن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم ابن الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام ابن أبي محمد عبد الله ابن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله(٥) ابن تيميَّة الحرَّاني. نزيلُ دمشق، وصاحبُ التصانيف التي لم يُسْبَق إلى مثلها.قيل: إن جدَّه محمد بن الخضر حجَّ على دَرْب تَيْماء(٦)، فرأى هناك طِفْلة، فلما رجع وجد امرأته قد ولدت [ق ٢] له بنتًا فقال: يا تيميَّة يا تيميَّة! فلُقِّب بذلك.(١) بقية النسخ عدا الأصل: «فريد».(٢) «وقريع الدهر» سقطت من (ف).(٣) (ب، ق): «ترجمان» بدون واو.(٤) من هنا إلى قوله ص ١٢: «ثم ذكر» ساقط من (ق).(٥) (ف): «بن محمد بن علي عبد الله».(٦) تَيماء: بالفتح والمد. بلدة في أطراف جزيرة العرب بين الشام ووادي القرى على طريق حاج الشام ودمشق. انظر «معجم البلدان»: (٢/ ٦٧). وهي الآن تابعة لأمارة مدينة تبوك وبينهما (٢٦٤) كيلًا. انظر «المعجم الجغرافي للسعودية» (١/ ٣٢٢ ــ المختصر).وقال ابن ناصر الدين الدمشقي في «التبيان لبديعة البيان ــ الجامع» (ص ٤٩٢): «ومن زعم أن أمهم من وادي التيم فقد تقوَّل، وليس بصحيح ما عليه عوَّل».
وقال(١) ابنُ النجَّار(٢): ذُكِرَ لنا أن جدَّه محمدًا كانت أمه تسمى تيميَّة، وكانت واعظة، فنُسِب إليها وعُرِفَ بها.ولد شيخُنا أبو العباس بحرَّان(٣) يوم الاثنين عاشر ــ وقيل: ثاني عشرـ ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة. هاجر والدُهُ(٤) به وبإخوته إلى الشام عند جَور التتار، فساروا بالليل ومعهم الكتب على عجلةٍ لعدم الدوابِّ(٥)، فكاد العدوُّ يلحقهم ووقفت العجلة(٦)، فابتهلوا إلى الله واستغاثوا به، فنَجَوا وسَلِموا.وقدموا دمشق في أثناء سنة سبع وستين وستمائة(٧)، فسمعوا من الشيخ زين الدين أحمد بن عبد الدائم بن نِعْمة المقدسي «جزءَ ابن(١) (ك): «قال».(٢) لعله في كتاب «المتفق والمفترق»، أو كتاب «انتساب المحدثين إلى الآباء والبلدان» كما يدل عليه نقل ابن ناصر الدين الدمشقي عنه في «التبيان».(٣) حرَّان: بتشديد الراء وآخره نون، والنسبة إليها: حرناني على غير قياس، والقياس حرَّاني والعامة عليها. وكانت مدينة عظيمة مشهورة من جزيرة أقور، وهي قصبة ديار مُضر، بينها وبين الرُّها يوم، وبين الرقة يومان. انظر «معجم البلدان»: (٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦). وهي الآن إحدى محافظات ولاية أورفه بجمهورية تركيا. انظر «المعجم الجغرافي للأمبراطورية العثمانية» (ص ٢٥٠).(٤) (ف): «وقدم والداه». و (ك): «وسافر والداه». ويؤيد ما في الأصل ما في «مختصر علماء الحديث ــ الجامع» (ص ٢٤٩) للمؤلف.(٥) قال الذهبي في «ذيل تاريخه ــ الجامع» (ص ٢٦٧): «فإن العدو ما تركوا في البلد دواب سوى بقر الحرث، وكلَّت البقر من ثقل العجلة، ووقف الفران (كذا)».(٦) «ووقفت العجلة» ليست في (ب).(٧) «وستمائة» ليست في (ق).
عَرَفَة»، وغير ذلك(١).ثم سمع شيخُنا الكثيرَ من ابن(٢) أبي اليُسْر، والكمال ابن عَبْدٍ، والمَجْد ابن عساكر، وأصحاب الخُشُوعي(٣)، ومن الجمال يحيى ابن الصيرفي، وأحمد ابن أبي الخير سلامة(٤)، والقاسم الإربلي(٥)، والشيخ فخر الدين ابن البخاري، والكمال عبد الرحيم، وأبي الغنائم(٦) بن علَّان، وأحمد بن شيبان، وخلق كثير(٧).(١) سقطت «وغير» من (ك). وتنبه الناسخ لذلك فأشار إليه بوضع ثلاث نقط ( … ) في موضع السقط وفي الهامش. واستشكلها في (ط) فغيرها إلى «ابن عرفة كله»! وموضع «ابن عرفة وغير» في (ف) بياض.(٢) سقطت من «الأصل».(٣) هو: أبو طاهر بركات بن إبراهيم بن طاهر الدمشقي الخُشُوعي الأنماطي المعمر مسند الشام (ت ٥٩٨). والخُشُوعي نِسْبة إلى الجد الأعلى الذي كان يؤم الناس، فتوفي في المحراب، فسمِّي الخشوعي انظر «سير النبلاء»: (٢١/ ٣٥٥ - ٣٥٨) وحاشيته.(٤) «سلامة» ليست في (ف، ك). وانظر ترجمته في «ذيل تاريخ الإسلام» (ص ١٥٠) للذهبي، «الدرر الكامنة»: (١/ ١٤٠).(٥) في (ب) زيادة «والشيخ شمس الدين ابن أبي عمر». وابن أبي عمر هذا ذكره المصنف في «مختصر علماء الحديث ــ الجامع» (ص ٢٤٩) بلقبه شمس الدين الحنبلي.(٦) تحرفت في (ك) إلى «القاسم».(٧) زاد المصنف في «مختصر علماء الحديث ــ الجامع» (ص ٢٤٩): «القاضي شمس الدين ابن عطاء الحنفي، والنجيب المقداد، وأبي بكر الهروي، والشرف بن القواس، وزينب بنت مكي».
وشيوخه الذين سمع منهم أكثر من مائتي شيخ.وسمع «مسند الإمام أحمد بن حنبل» مرات، وسمع الكتب(١) الكبار والأجزاء، ومن مسموعاته «معجم الطبراني الكبير»(٢).وعُنِي بالحديث، وقرأ ونسخ وانتقى(٣)، وتَعَلَّم الخطَّ والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ أيامًا في العربية(٤) على ابن عبد القوي(٥)، ثم فهمها، وأخذ يتأمل «كتاب سيبويه» حتى فهمه وبرع في النحو(٦)، وأقبل على التفسير إقبالًا كليًّا حتى حاز فيه قَصَب السَّبْق، وأحْكَم(٧) أصولَ الفقه، وغير ذلك.(١) في (ك) زيادة «الستة».(٢) انظر نموذجًا من مسموعاته وقراءاته على شيوخه وهو دون العشرين «سماعات البرزالي ــ الجامع» (ص ٢١٦ - ٢٢٣)، ومما قرأه الشيخ في مجلس واحد: «الغيلانيات» ذكره المصنف في «مختصره» السالف.(٣) ليست في (ف، ك). أقول: فمما نسخه «سنن أبي داود» ذكره الذهبي في «ذيل تاريخه ــ الجامع» (ص ٢٦٨)، ومما انتقاه: مئة حديث من عوالي «صحيح البخاري» وقد طبعت مرارًا.(٤) (ك): «وقرأ العربية».(٥) هو: محمد بن عبد القوي بن بدران بن عبد الله المقدسي، المرداوي، شمس الدين أبو عبد الله، الفقيه المحدث النحوي (ت ٦٩٩). وقد ذكر ابن رجب قراءة ابن تيمية عليه. انظر «تاريخ الإسلام». (وفيات ٦٩٩ ص ٤٤٦ - ٤٤٧)، و «ذيل طبقات الحنابلة»: (٤/ ٣٠٧ ــ ٣٠٩).(٦) (ف، ك): «حتى فهم في النحو».(٧) سقط من (ف).
هذا كلُّه(١) وهو بعدُ ابن بضع عشرة سنة، فانبهر الفضلاءُ(٢) من فَرْط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوَّة حافظته، وسرعة إدراكه!ولقد بلغني(٣) أن بعض مشايخ العلماء بحلب قَدِم إلى دمشق وقال: سمعت في البلاد بصبيٍّ يقال له: أحمد(٤) ابن تيمية، وأنه سريع الحفظ، وقد جئت قاصدًا لعلِّي أراه. فقال له خياطٌ: هذه طريق كُتَّابِه، وهو إلى الآن ما جاء، فاقعد عندنا الساعة يجيء يعْبُر علينا ذاهبًا إلى الكُتّاب؛ فجلس الشيخُ الحلبيُّ قليلًا، فمرَّ صبيانٌ، فقال الخياط للحلبي: هذاك(٥) الصبي الذي معه اللوح الكبير هو أحمد ابن تيميَّة، فناداه الشيخ، فجاء إليه، فتناول الشيخُ اللوحَ فنظر فيه، ثم قال: يا ولدي امسح هذا حتى أملي عليك شيئًا تكتبه، فَفَعل، فأملى عليه من متون الأحاديث أحَدَ عشر أو ثلاثة عشر حديثًا، وقال له: اقرأ هذا، فلم يَزِد على أن نظر فيه(٦) مرة بعد كتابته إياه، ثم دفعه إليه وقال: أسْمِعه عليَّ، فقرأه عليه عرضًا كأحسن ما أنت سامع. فقال له: يا ولدي امسح هذا، ففعل فأملى(٧) عليه عدة أسانيد انتخبها، ثم قال: اقرأ هذا، فنظر فيه كما فعل أول مرة، فقام الشيخ وهو يقول: إن عاش هذا(١) «هذا كله» ليس في (ب).(٢) (ف): «فانبهر أهله»، (ك): «أهل دمشق».(٣) (ك): «واتفق» بدل «ولقد بلغني».(٤) ليست في (ف).(٥) (ف): «هذا».(٦) (ك): «على أن تأمله».(٧) (ب): «ثم أملى».
الصبي ليكونن له شأن عظيم، فإنّ هذا لم يُر مثلُه. أو كما قال(١).وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي(٢): نشأ ــ يعني الشيخ تقي الدين رحمه الله ــ في تصوُّن تامٍّ وعفافٍ وتعبُّد، واقتصاد في الملبس والمأكل. وكان يحضر المدارس والمحافل في صِغَره [ق ٣] ويناظر(٣) ويُفْحِم الكبار، ويأتي بما يتحيَّرُ منه أعيان البلد في العلم، فأفتى وله تسع عشرة سنة(٤)، بل أقل. وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت، وأكبَّ على الاشتغال.ومات والده ــ وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم ــ فدرَّس بعدَه بوظائفه وله إحدى وعشرون سنة، واشتهر أمرُه وبَعُدَ صيتُه في العالم. وأَخَذ في تفسير الكتاب العزيز أيام(٥) الجُمَع على كرسيٍّ من حفظه، فكان يورد المجلس ولا يتلعثم(٦)، وكذا كان يوردُ(٧) الدَّرسَ بِتُؤَدة وصوت جَهْوَريّ فصيح(٨).(١) «أو كما قال» ليست في (ب).(٢) في «الدرة اليتيمية ــ ضمن تكملة الجامع» (ص ٣٧).(٣) (ب): «فيتكلَّم ويناظر … ».(٤) في «مختصر علماء الحديث ــ الجامع» (ص ٢٥٠): «وله نحو سبع عشرة سنة». وفي غيره: «وهو دون التاسعة عشرة»، أو «دون العشرين» فيحتمل أن سبعة عشر وتسعة عشر مصحفة إحداهما عن الأخرى، أو هما قولان، ومن عبر بـ «دون العشرين» لم يجزم بتاريخ محدّد.(٥) ليست في (ف)، وفي (ك): «في».(٦) (ك): «يتعلثم» تحريف.(٧) سقطت من (ف، ك).(٨) بعده في كتاب الذهبي: «فيقول في المجلس أزيد من كراسين أو أقل، ويكتب على الفتوى في الحال عدة أوصال بخط سريع إلى غاية التعليق والإغلاق».
وقال بعض قدماء أصحاب شيخنا ــ وقد ذكر نبذةً من سيرته ــ: أمَّا مبدأ أمرِه ونشأته، فإنّه(١) نشأ مِن حين نشأ في حجور العلماء، راشفًا كؤوس الفهوم(٢)، راتعًا في رياض التفقُّه ودوحات الكتب الجامعة لكل فنٍّ من الفنون، لا يلوي إلى غير المطالعة والاشتغال والأخذ بمعالي الأمور، خصوصًا علم الكتاب العزيز والسنة النبوية ولوازمهما ولم يزل على ذلك خَلَفًا صالحًا سلفيًّا متألّهًا، برًّا بأُمِّه، ورعًا عفيفًا عابدًا ناسكًا صوَّامًا قوَّامًا، ذاكرًا لله تعالى في كلِّ أمر وعلى كلِّ حال، رجَّاعًا إلى الله تعالى في سائر الأحوال والقضايا، وقَّافًا عند حدود الله تعالى وأوامره ونواهيه، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر بالمعروف.لا تكاد نفسُه تشبع من العلم، ولا(٣) تَرْوى من المطالعة، ولا تملُّ من الاشتغال، ولا تكلُّ عن(٤) البحث. وقلَّ أن يدخل في علم من العلوم من باب من أبوابه إلا ويُفْتح له من ذلك الباب أبواب، ويستدرك مستدركات في ذلك العلم على حُذَّاق أهله، معضودةً بالكتاب(٥) والسنة.ولقد سمعته في مبادئ أمره يقول: إنه ليقف خاطري في المسألة والشيء(٦) أو الحالة التي تُشكل عليَّ، فأستغفر الله تعالى ألف مرَّة أو أكثر أو أقل، حتى ينشرح الصدر وينحلّ إشكال ما أشكل.(١) (ك): «فقد».(٢) (ك): «الفهم».(٣) (ك): «فلا».(٤) (ب، ف، ك): «من».(٥) (ك): «مقصودة بالكتاب».(٦) (ب، ف، ك): «أو الشيء».
قال: وأكون إذ ذاك في السوق أو(١) المسجد أو الدَّرْب أو المدرسة، لا(٢) يمنعني ذلك من الذِّكر والاستغفار إلى أن أنال مطلوبي(٣).قال هذا الصاحب: ولقد كنت في تلك المدة وأول النشأة إذا اجتمعتُ في خَتْمة أو مجلس ذِكْر خاصٍّ مع أحد المشايخ المذكورين، وتذاكروا وتكلم ــ مع حداثة سنه ــ أجدُ لكلامه صَولةً على القلوب، وتأثيرًا في النفوس، وهيمنة(٤) مقبولةً ونفعًا يظهر أثره وتنفعل له النفوس التي سمعَتْه أيامًا كثيرةً بِعَقبه، حتى كأنَّ مقاله بلسان حالِه، وحالُه ظاهر له في مقاله. شهدْتُ منه ذلك(٥) غير مرَّة.قلت: ثم لم يبرح شيخُنا رحمه الله في ازديادٍ من العلوم وملازمة للاشتغال(٦) والإشْغال، وبثّ(٧) العلم ونشره، والاجتهاد في سُبُل(٨)(١) (ب): «أو في».(٢) (ب): «ولا».(٣) تَعَلُّق شيخ الإسلام بالذكر أمرٌ مشهور، نقَلَه طلابه الملازمون له، قال ابن القيم في «الوابل الصيب» (ص ٩٦): «وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي. أو كلامًا قريبًا من هذا. وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنِيَّة إجمام نفسي وإراحتها لأستعدّ بتلك الرّاحة لذكرٍ آخر». وانظر ما ذكره تلميذه أبو حفص البزار في «الأعلام العلية» (ص ٣٨).(٤) (ك): «وهيبة».(٥) (ف، ك): «ذلك منه».(٦) (ب، ف، ك): «الاشتغال».(٧) (ف): «ببث».(٨) (ب): «سبيل».
الخير. حتى انتهت إليه الإمامةُ في العلم والعمل، والزُّهد والورع، والشجاعة والكرم، والتواضع والحِلم(١) والإنابة، والجلالة والمهابة(٢)، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر أنواع الجهاد، مع الصِّدق والأمانة(٣)، والعِفَّة والصّيانة، وحُسْن القصد [ق ٤] والإخلاص، والابتهال إلى الله، وكثرة الخوف منه، وكثرة(٤) المراقبة له، وشدّة التمسّك بالأثر، والدّعاء إلى الله، وحُسْن الأخلاق، ونَفْع الخلق والإحسان إليهم، والصبر على من آذاه والصفح عنه والدعاء له، وسائر أنواع الخير.وكان رحمه الله سيفًا مسلولًا على المخالفين، وشجًى في حلوق أهل الأهواء المبتدعين(٥)، وإمامًا قائمًا ببيان الحق ونُصْرة الدين. وكان بحرًا لا تكدِّره الدِّلاء، وحِبْرًا يقتدي به الأخيار(٦) الأَلبَّاء، طنَّت بذكره الأمصار، وضَنَّت بمثله الأعصار.قال شيخُنا الحافظ أبو الحجَّاج(٧): ما رأيتُ مثله ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله، ولا أتْبَعَ لهما منه.(١) (ف): «والحكم».(٢) سقطت من (ب).(٣) سقطت من (ك).(٤) (ب): «ودوام».(٥) (ف): «هولاء المبتدعين».(٦) (ف): «الأخبار».(٧) هو: يوسف بن عبد الرحمن المِزِّي (ت ٧٤٢) صاحب الكتابين العظيمين: «تهذيب الكمال» و «تحفة الأشراف». ترجمته في «ذيل تاريخ الإسلام» (ص ٣٨١ - ٣٨٦). و «طبقات الشافعية»: (١٠/ ٣٩٥) للسبكي.
وقال العلامة كمال الدين ابن الزَّمْلَكاني (١): كان إذا سئل عن فنٍّ من العلم ظنَّ الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفنّ، وحَكَم أنّ أحدًا لا يعرفه مثله(٢). وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يُعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلَّم في علم من العلوم، سواءٌ كان من علوم الشرع أو غيرها إلّا فاق فيه أهله والمنسوبين إليه. وكانت له اليد الطُّولى في حُسْن التصنيف، وجودة العبارة، والترتيب والتقسيم والتبيين.ووقعت مسألة فرعية في قسمة(٣) جرى فيها اختلاف بين المفتين في العصر، فكتب فيها مجلّدةً كبيرة. وكذلك وقعت مسألة في حدٍّ من الحدود، فكتب فيها مجلَّدة كبيرة أيضًا(٤). ولم يخرج في كلّ واحدة عن(١) هو: محمد بن علي بن عبد الواحد الأنصاري الشافعي الدمشقي، قاضي حلب (ت ٧٢٧). «طبقات الشافعية»: (٩/ ١٩٠) للسبكي، و «الدرر الكامنة»: (٤/ ٧٤ - ٧٦). وقد كان ابن الزملكاني ممن يُثني على الشيخ، ثم صار من مناوئيه كما سيأتي.(٢) (ف): «غيره مثله».(٣) «في قسمة» سقطت من (ب). وهو ما سيذكره المصنف لاحقًا بعنوان «التحرير في مسألة حفير».(٤) «أيضًا» ليست في (ك، ف). ولعله يعني «الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم» فإنه ألفه عقب حادثة عسَّاف النصراني لمّا سبّ الرسول صلى الله عليه وسلم. انظر «البداية والنهاية ــ الجامع» (ص ٤٠٦ - ٤٠٧).وقد كتب ابن الزملكاني على ظهر نسخة (الصارم) التي بخط البرزالي ترجمةً للشيخ، كما صنع مع كتبه الأخرى التي سيذكرها المصنف. انظر مقدمة تحقيق «الصارم المسلول»: (١/ ١٨٧ - ١٨٨).
المسألة، ولا طَوَّل(١) بتخليط الكلام والدخول في شيء والخروج من شيء، وأتى في كلّ واحدة بما لم يكن يجري في الأوهام والخواطر. واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها.(٢) وقرأت بخطِّ الشيخ كمال الدين أيضًا على كتاب «بيان الدليل على إبطال التحليل»(٣) لشيخنا ــ وقد ذكر ترجمةً(٤) ــ فقال: من مصنفات سيدنا وشيخنا وقدوتنا، الشيخ السيد الإمام(٥) العلامة، الأوحد البارع الحافظ، الزاهد الورع القدوة، الكامل العارف، تقي الدين شيخ الإسلام ومفتي الأنام، سيّد العلماء قدوة الأئمة الفضلاء، ناصر السنة قامع البدعة حُجَّة الله على العباد(٦)، رادّ أهل الزَّيغ والعناد، أوحد العلماء العاملين، آخر المجتهدين، أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله ابن أبي القاسم ابن محمد ابن تيميَّة الحرَّاني. حفظ الله على المسلمين طول حياته، وأعاد عليهم من بركاته، إنه على كل شيء قدير.وقرأتُ أيضًا بخطّه على كتاب «رَفْع الملام على الأئمة الأعلام»:(١) (ف): «طولب».(٢) من هنا إلى قوله (ص ١٦) «رضي الله عنه» سقط من (ب).(٣) وهذه النسخة التي كَتَب عليها ابن الزملكاني هذا التصدير محفوظة في مكتبة شيخنا الأستاذ محمد زهير الشاويش، والتقريظ موجود على ظاهرها، وقد كُتبت سنة ٧١٤ هـ وقد تفضّل شيخنا وأرسل صورةً منها جزاه الله خيرًا.(٤) (ف، ك): «ترجمته».(٥) بخط الزملكاني زيادة: «العالم».(٦) بخط الزملكاني: «في عصره».
تأليف الشيخ الإمام العالم العلامة، الأوحد الحافظ المجتهد، الزاهد العابد القدوة، إمام الأئمة، قدوة الأمة، علّامة العلماء، وارث الأنبياء، آخر المجتهدين، أوحد علماء الدين، بركة الإسلام، حجة الأعلام، بُرْهان المتكلمين، قامع المبتدعين، محيي السنة ومَنْ عَظُمت به لله علينا المِنّة(١)، وقامت به على أعدائه الحجّة، واستبانت ببركته وهديه المَحجّة: تقيّ الدين أبي العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني. أعلى الله منارَه وشيَّد به من الدين أركانَه.ماذا يقول الواصفون له … وصفاته جلَّت عن الحصر[ق ٥] هو حُجّةٌ لله قاهرة … هو بيننا أعجوبة الدَّهرهو آيةٌ للخلق ظاهرة … أنوارُها أربت على الفجر وقرأتُ على آخر هذا الكتاب طَبقة(٢) بخطّ الذَّهبي يقول فيها: سمع جميعَ هذا الكتاب على مؤلِّفه شيخِنا الإمام العالم العلامة الأوحد، شيخ الإسلام، مفتي الفِرَق، قدوة الأمّة، أعجوبة الزّمان، بحر العلوم، حبر القرآن، تقي الدين سيد العُبَّاد: أبي العباس(٣) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيميَّة الحراني رضي الله عنه.(١) (ف): «ومن علينا به الله المنة».(٢) الطبقة أو الطِّباق: مصطلح عند المحدثين يعنون به ما يُكتب في آخر نسخة الكتابــ غالبًا ــ من أسماء من حضر مجالس القراءة والسماع وتواريخها وإجازة المسمّع لهم. وتسمى «السماعات» أيضًا. انظر «عناية المحدثين بتوثيق المرويات» (ص ١٤ - ٢٣) لأحمد نور سيف، و «توثيق النصوص» (ص ٦٨ - ٧٥) لموفق عبد القادر.(٣) «أبي العباس» ليست في (ك).