إكمال تهذيب الكمال - ط العلمية (علاء الدين مغلطاي) القسم: التراجم والطبقات الكتاب: إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال المؤلف: علاء الدين مغلطاي بن قليج الحنفي (ت ٧٦٢ هـ)المحقق: محمد عثمان الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ٢٠١١ معدد الأجزاء: ٦[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
إكمال تهذيب الكمال - ط العلمية - جـ ١إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال تأليفالحافظ علاء الدين مغلطاي بن قليج الحنفيالمتوفى سنة ٧٦٢ هـ تحقيقمحمد عثمان الجزء الأول[المحتوى: أ - ب]
الكتاب: إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجالالتصنيف: علم رجال الحديث المؤلف: الحافظ علاء الدين مغلطايالمحقق: محمد عثمان الناشر: دار الكتب العلمية - بيروتعدد الصفحات: ٣٦١٦ (٦ أجزاء)قياس الصفحات: ٢٤ × ١٧سنة الطباعة: ٢٠١١ مبلد الطباعة: لبنان الطبعة: الأولى جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية، بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملًا أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيًا.
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرّحِيَمِ مقدمةإن الحمد للَّه، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، اللهم لك الحمد كما هديتنا للإسلام، ومننت علينا ببعثة خير الأنام، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، نصب على ربوبيته أعظم الدلائل، وأقام على ألوهيته الآيات الجلائل، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد اللَّه ورسوله سيد الأواخر والأوائل، المبعوث بأكرم السجايا وأشرف الشمائل، صلى اللَّه عليه وعلى آله أولي المكرمات والفضائل، وصحبه الذين أحبوه محبة تفوق محبة النفس والمال والولد والحلائل، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وفي نصرة الحق يُجاهد ويناضل، وسلم تسليمًا كثيرًا.أما بعد:فدراسة الأسانيد علمٌ مهمٌّ من علوم السُّنَّة المُشرَّفة، وهو في الحقيقة الثمرة التي من أتقن مقدماتها وما قبلها، فقد وصل إليها وحقق ما يريده من دراسة علوم السُّنَّة، وهو تمييز المقبول من المردود ممَّا ينسب ويُضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى صحابته، والتابعين كذلك.وقد لقيت الكُتب السِّتة من العلماء عناية في أطرافها ورجالها، وأحسن ما أُلِّف في أطرافها كتاب أبي الحجاج المزي "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف"، وقد رتَّبه على أسماء الصحابة رضي الله عنهم، وعند كل صحابي يذكر الأسانيد من الأئمة أصحاب الكتب الستة إلى التابعين، وهذا الكتاب العظيم يعتبر بالنسبة للأسانيد بمثابة نُسخ أُخرى لتلك الكتب الستة.وأحسن ما ألف في رجالها، بل في رجال مؤلفات أصحابها، كتاب "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لأبي الحجاج المزي، فإنه مشتمل على أسماء رجال الكتب الستة، ورجال مؤلفات أخرى لأصحاب الكتب الستة، مثل "رجال الأدب المفرد"،
و"جزء القراءة خلف الإمام"، و"خلق أفعال العباد" للبخاري، وغيرها.وقد اعتنى الحافظ أبو الحجاج المزي عند ترجمة كل راوٍ بذكر شيوخه وتلاميذه، مرتبين على ترتيب حروف الهجاء، ثم يذكر ما قيل في صاحب الترجمة من جرح وتعديل، ويختم الترجمة بذكر أسماء الذين خرَّجوا أحاديثه من الأئمة الستة في كتبهم، وفي أول الترجمة يثبت الرموز لهم، فيُبيِّن لك من أخرج لهذا الشيخ، ممَّا يحصر لك الاحتمال في تحديد الراوي، وقد حاول المزي في "تهذيب الكمال" الاستقصاء في ذكر الشيوخ والتلاميذ، لكن الاستقصاء التام ليس من قدرة البشر، لكنَّه غالبًا استقصى الكتب الستة؛ أي: الموجود فيها، مضيفًا إضافات كثيرة جدًّا من خارج الكتب الستة، فهو أوسع كتاب مفيد في هذه الناحية.ولأهمية هذا الكتاب فقد اعتنى به كثير من العلماء، فهناك من قام بتهذيبه كالإمام الذهبي في كتابه "تذهيب تهذيب الكمال" والحافظ ابن حجر في كتابه "تهذيب التهذيب"، وهناك من لخَّصه كالإمام الخزرجي في "خلاصة تذهيب تهذيب الكمال".وهناك من جاء وتمَّم هذا العمل الضخم، وأضاف إضافات في الشيوخ والتلاميذ، وهو الحافظ مغلطاي بن قليج الحنفي الذي أَلَّفَ الكتاب الذي بين أيدينا "إكمال تهذيب الكمال"، فاعتنى بتعقُّب المزي، وبالزيادة في هذا الكتاب في نواحٍ متعددة، في رواةٍ على شرطه لم يذكرهم، وفي زيادة تلاميذ وشيوخ لم يُوردهم، وفي إضافة ألفاظ جرح وتعديل فاتَت المزي أن يذكرها في الرواة الذين ذَكَرهم.ومن يطلع على كتاب "إكمال تهذيب الكمال" يتأكد أنه لا تتم الفائدة من "تهذيب الكمال" إلا بهذا الكتاب، فهو بحق تكملة له من عالم جليل استدرك الكثير والكثير على علم من أعلام الجرح والتعديل الإمام المزي.وقد وفقنا اللَّه لهذا الكتاب القيم والهام لطلبة العلم، وقد بذلنا كل الجهد والطاقة لإخراجه بالشكل الذي يرضي اللَّه عنا، ونحمد اللَّه تعالى أن وفقنا لإتمامه(١).وفي الختام أسأل اللَّه عز وجل أن يُوفِّقنا جميعًا لما فيه رضاه، وأن يوفقنا لتحصيل العلم النافع والعمل به، إنه سبحانه وتعالى جوَّاد كريم، وصلى اللَّه وسلَّم وبارك على عبده ورسوله محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين.(١) نشير إلى أن الأحرف (غ، ف، ق، ك، ل) وما يتبع "يحيى" من حرف الياء، مفقودة من جميع المخطوطات التي استطعنا الحصول عليها.
مقدمة في علم الجرح والتعديلالمبحث الاول التعريف بعلم الجرح والتعديل وأهميتهأولا: تعريف الجرح والتعديل:تعريفُ الجرح:الجرح في اللغة: مُشتق من جَرَحه يجْرحه جرحًا، بمعنى: أثر فيه بالسلاح، والجراحة: اسم الضربة أو الطعنة، ويقال: جرح الحاكم الشاهد: إذا عثر منه على ما تسقط به عدالته، من كذبٍ وغيره.وهو في اصطلاح المحدثين: الطعن في رواة الحديث بما يسلب عدالتهم أو ضبطهم. وقيل: هو وصف متى التحق بالراوي، والشاهد سقط الاعتبار بقوله وبطل العمل به. تعريف التعديل:التعديل: مصدر عدل، فهو عدل، قال في اللسان: العدالة: ما قام في النفوس أنه مستقيم، وهو ضد الجور، والعدل من الناس: المرضي.والعدالة في اصطلاح المحدثين: وصف متى التحق بالراوي، والشاهد اعتبر قولهما وأخذ به.وهي عبارة عن خمسة أمور، واعتبرها البعض شروطًا، متى تحققت في الرجل كان عدلا، أو يقال: لا بدّ من تحققها في العدل، وهي:١ - الإسلام.٢ - البلوغ.٣ - العقل.٤ - التقوى: وهي اجتناب الكبائر، وترك الإصرار على الصغائر.٥ - الاتِّصاف بالمروءة.قال الحاكم: أصل عدالة المُحدِّث أن يكون مسلمًا، لا يدعو إلى بدعة، ولا يعلن من أنواع المعاصي ما تسقط عدالته، فإن كان مع ذلك حافظًا لحديثه، فهي أرفع درجات المحدِّثين.وقال الغزالي: العدالة في الرواية والشهادة، عبارة عن استقامة السيرة في الدِّين، ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس، على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه.أما علم الجرح والتعديل: فهو علم يبحث فيه عن جرح الرواة وتعديلهم بألفاظ
مخصوصة، وعن مراتب تلك الألفاظ. ثانيًا: أهمية علم الجرح والتعديلعلم الجرح والتعديل هو أحد أنواع العلوم المتعلقة بالرواة، وهذا العلم يُعدُّ من الأهمية بمكان؛ ذلك أن الغرض من معرفته حفظُ سُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم.فمن أهميته: إجماع أهل العلم على أنه لا يُقبل إلا خبر العدل، كما أنه لا تُقبل إلا شهادة العدل؛ لذلك كان السؤال عن المخبِر من أهل العلم والمعرفة واجبًا محتمًا.وإذا كان معرفة أحوال الرواة من أوجب الواجبات لحفظ سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن بيان حال من عُرف بالضعف أو الكذب، وكذا من عُرف الضبط والعدالة من ذلك الواجب أيضًا؛ ليُعرّف الناس حقيقة أمر من نقل حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأمَّة.وهذا الاهتمام بالرواة، وهو ما يعرف بالاهتمام بالإسناد، وهو ما يتردَّد على أَلْسِنَة كثير من المحدِّثين بقولهم: الإسناد، وفضائل الإسناد، وأهمية الإسناد، والإسناد من خصائص الأمَّة المحمَّدية، ونحو ذلك.والإسناد من خصائص هذه الأمة، ليست لغيرها من الأمم. قال ابن حزم: نَقْلُ الثقة عن الثقة، يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم مع الاتصال، خصَّ اللَّه به المسلمين دون سائر المِلَل. وأما مع الإرسال والإعضال، فيُوجد في كثير من اليهود، ولكن لا يقربون فيه من موسى قُرْبنا من محمد صلى الله عليه وسلم، بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرًا، وإنما يبلغون إلى شمعون ونحوه.قال: وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق فقط، وأما النقل بالطريق المشتملة على كذاب، أو مجهول العين، فكثير في نقل اليهود والنصارى.قال: وأما أقوال الصحابة والتابعين، فلا يمكن لليهود أن يبلغوا إلى صاحب نبي أصلا، ولا إلى تابع له، ولا يمكن للنصارى أن يَصِلُوا إلى أعلى من شمعون وبولص.من دلائل اهتمام هذه الأمة بالإسناد، ورجال الإسناد، ما يلي:قال عبد اللَّه بن المبارك: الإسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلا الإسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ.وقال عبدان، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّه بن المُبَارَك يَقُولُ: الإسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلا الإسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: فَلَوْلا الإسْنَادُ، وَطَلَبُ هَذِهِ الطَّائِفَة لَهُ، وَكَثْرَةُ مُوَاظَبَتِهِمْ عَلَى حِفْظِهِ، لَدَرَسَ مَنَارُ الإسْلامِ، وَلَتَمَكَّنَ أَهْلُ الإلْحَاد وَالْبِدَع فِيهِ بِوَضْعِ الأحَادِيثِ وَقَلْبِ الأسَانِيدِ، فَإِنَّ الأخْبَارَ إِذَا تَعَرَّتْ عَنْ وُجُودِ الأسَانِيد فِيهَا، كَانَت بُترًا.وقال عبدان، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّه، يَعْنِي: ابن المُبَارَك، يَقُولُ: الإسْنَادُ عِنْدِي مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلا الإسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ.وقَالَ ابن المُبَارَك: مَثَلُ الَّذِي يَطْلُبُ أَمْرَ دِينه بِلا إِسْنَادٍ، كَمَثَلِ الَّذِي يَرْتَقي السَّطْحَ
بِلا سُلَّمٍ.وقال مُحَمَّد بن شَاذَان الجَوْهَري: سَأَلْتُ عَلِي بن المَدِيِني عَن إِسْنَادِ حَدِيثٍ سَقَطَ عَلَيَّ. فَقَالَ: تَدْرِي مَا قَالَ أَبُو سَعِيد الحَدَّادُ؟ قَالَ: الإسْنَادُ مِثْلُ الدَّرَجِ وَمِثْلُ المَرَاقِي، فَإِذَا زَلَّتْ رِجْلُكَ عَن المَرْقَاةِ سَقَطَتْ، وَالرَّأْيُ مِثْلُ المَرْجِ.روى مسلم أيضًا عَنْ مُحَمَّد بن سِيرين، قَالَ: إِنَّ هَذَا العِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ.وعَن ابن سِيرين، قَالَ: لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَن الإسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَت الفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ البِدَعِ فَلا يُؤْخَذُ حَدِيثهُمْ.وعَن ابن أبِي الزِّنَاد، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُ بِالمَدِينَةِ مِائَةً، كُلُّهُمْ مَأْمُونٌ، مَا يُؤْخَذُ عَنْهُم الحَدِيث يُقَالُ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ.وعن عبد اللَّه بن المبارك، قالَ: بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْم القَوَائِم. يَعْنِي: الإسْنَاد.وقَالَ عَبْد الصَّمَد بن حسان: سَمِعْتُ سفيان الثَّوْرِيّ يَقُولُ: الإسْنَادُ سِلاحُ المُؤْمِن، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلاحٌ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ يُقَاتِلُ.وقال القَاسِم بن بندار: سَمِعْتُ أَبَا حَاتِم الرَّازِيّ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ فِي أُمَّةٍ مِنَ الأمَمِ مُنْذُ خَلَقَ اللَّه آدَم، أُمَنَاء يَحْفَظُونَ آثَارَ الرُّسُل إِلا فِي هَذِهِ الأمَّةِ. فَقَالَ لَهُ رَجُل: يَا أَبَا حَاتِم، رُبَّمَا رَوَوْا حَدِيثًا لا أَصْلَ لَهُ وَلا يَصِحُّ؟ فَقَالَ: عُلَمَاؤُهُمْ يَعْرِفُونَ الصَّحِيحَ مِنَ السَّقِيمِ، فَرِوَايتُهُمْ ذَلِكَ لِلمَعْرِفَةِ، لِيَتَبَيَّنَ لِمَنْ بَعْدِهِنم أنَّهُمْ مَيَّزُوا الآثَارَ وَحَفظُوهَا. ثُمَّ قَالَ: رَحِمَ اللَّه أَبَا زرْعَة، كَانَ وَاللَّه مُجْتَهِدًا فِي حِفْظِ آثَارِ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم.وقال صَالِح بن أَحْمَد الحَافِظ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْر مُحَمَّد بن أَحْمَد يَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّ اللَّه، خَصَّ هَذِهِ الأمَّة بِثَلاثَةِ أَشْيَاء، لَمْ يُعْطِهَا مَنْ قَبْلَهَا: الإسْنَاد، وَالأنْسَاب، وَالإعْرَاب. وعن شعبة بن الحجاج، قال: كل حديث ليس فيه (حَدَّثَنَا)، أو (أَخْبَرَنَا)، فهو مثل الرجل بفلاة، معه البعير ليس لها خطام. ثالثًا: الجرح والتعديل من الدِّينقال الترمذي: فصل في الجرح والتعديل، والتفتيش عن الأسانيد، وأن ذلك من الدِّين.ثم قال: وَقَدْ عَابَ بَعْضُ مَنْ لا يَفْهَمُ عَلَى أَهْلِ الحَدِيثِ الكَلامَ فِي الرِّجَالِ، وَقَدْ وَجَدْنَا غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ مِنَ التَّابِعِينَ قَدْ تَكَلَّمُوا فِي الرِّجَالِ، مِنْهُم: الحَسَن البَصْرِيّ وَطَاوس، تَكَلَّمَا فِي معْبَد الجُهَنِيّ، وَتَكَلَّمَ سَعِيد بن جُبَير فِي طَلق بن حَبِيب، وَتَكَلَّم إِبْرَاهِيم النّخَعِي وَعَامِر الشَّعْبِيّ فِي الحَارِث الأعْوَر.وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَعَبْد اللَّه بن عَوْن، وَسُلَيْمَان التَّيْمِيّ، وَشُعْبَة بن الحَجَّاج، وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ، وَمَالِك بن أَنَس، والأوْزَاعِيّ، وَعَبْد اللَّه بن المُبَارَك، وَيَحْيَى بن
سَعِيد القَطَّان، وَوَكِيع بن الجَرَّاح، وَعَبْد الرَّحْمَن بن مَهْدِي، وَغَيْرهم مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، أَنَّهُم تَكَلَّمُوا فِي الرِّجَالِ وَضَعَّفُوا.وِإنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَنَا، واللَّه أَعْلَمِ، النَّصيحَة لِلمُسْلِمِينَ، لا يُظَنُّ بِهِمْ أَنَّهُم أَرَادُوا الطَّعْنَ عَلَى النَّاسِ أو الغيبَة، إِنَّمَا أَرَادُوا عِنْدَنَا أنْ يُبَيِّنُوا ضَعْفَ هَؤُلاءِ، لِكَي يُعْرَفُوا؛ لأنَّ بَعْضَ الَّذِينَ ضُعِّفُوا كَانَ صَاحِب بِدْعَة، وَبَعْضهُم كَانَ مُتَّهمًا فِي الحَدِيثِ، وَبَعْضهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ غَفْلَة وَكَثْرَة خَطَأ، فَأَرَادَ هَؤُلاءِ الأئِمَّة أَنْ يُبَيِّنُوا أَحْوَالَهُم، شَفَقَة عَلَى الدِّينِ وَتَثَبُّتًا؛ لأنَّ الشَّهَادَة فِي الدِّينِ أَحَقُّ أَنْ يُتَثَبَّتَ فِيهَا مِنَ الشَّهَادَةِ فِي الحُقُوقِ وَالأمْوَالِ.قال ابن رجب في شرحه على كلام الترمذي هذا: مقصود الترمذي، رحمه الله، أن يُبيِّن أن الكلام في الجرح والتعديل جائز، قد أَجْمَعَ عليه سلف الأمَّة وأئمَّتها، لما فيه من تمييز ما يجب قبوله من السُّنن، ممَّا لا يجوز قبوله.وفي "الموطأ": وَحَدَّثَنِي مَالِك، عَنْ رَبِيعَة بن أَبِي عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ: أَنَّ أَبَا مُوسَى الأشْعَرِيّ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى عُمَر بن الخَطَّاب، فَاسْتَأذَنَ ثَلاثًا ثُمَّ رَجعَ، فَأَرْسَلَ عُمَر بن الخَطَّاب فِي أَثَرِهِ، فَقَالَ: مَا لَكَ لَمْ تَدْخُلْ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: سَمِعْتُ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "الاسْتِئْذَانُ ثَلاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ، وِإلا فَارْجِعْ"، فَقَالَ عُمَر: وَمَنْ يَعْلَمُ هَذَا، لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ لأفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا. فَخَرَجَ أَبُو مُوسَى حَتَّى جَاءَ مَجْلِسًا فِي المَسْجِدِ، يُقَالُ لَهُ: مَجْلِسُ الأنْصَارِ، فَقَالَ: إِنِّي أَخْبَرْتُ عُمَر بن الخَطَّاب أَنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "الاسْتِئْذَانُ ثَلاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ، وَإلا فَارْجِعْ"، فَقَالَ: لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ هَذَا لأفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ سَمِعَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْكُمْ، فَلْيَقُمْ مَعِي. فَقَالُوا لأبِي سَعِيد الخُدرِيّ: قُمْ مَعَهُ. وَكَانَ أَبُو سَعِيد أَصْغَرَهُمْ، فَقَامَ مَعَهُ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عُمَر بن الخَطَّاب، فَقَالَ عُمَر بن الخَطَّاب لأبِي مُوسَى: أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ، وَلَكِنْ خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم.وعَنْ طَاوس، قَالَ: جَاءَ هَذَا إِلَى ابن عَبَّاس -يَعْنِي: بُشَيْر بن كَعْب- فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ، فَقَالَ لَهُ ابن عَبَّاس: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا. فَعَادَ لَهُ، ثُمَّ حَدَّثَهُ، فَقَالَ لَهُ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا. فَعَادَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَدْرِي أَعَرفْتَ حَدِيثِي كُلّهُ، وَأَنْكَرْتَ هَذَا؟ أَمْ أَنْكَرْتَ حَدِيثِي كُلّهُ، وَعَرفْتَ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ ابن عَبَّاس: إِنَّا كُنَّا نُحَدِّثُ عَنْ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم، إِذْ لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَكِبَ الناس الصَّعْب والذلول، تَرَكْنَا الحَدِيث عَنْهُ.فهذا الاهتمام البالغ من هؤلاء الصحابة، لم يكن ذلك منهم طعنًا في الصحابيَيْن الكريميْن، المغيرة بن شعبة، وأبي موسى الأشعري، ولم يكن موقف ابن عباس من بشير بن كعب طعنًا فيه واتهامًا له، وإنما كان الغرض تعليم الناس الاحتياط، لحديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ لذلك جاءت رواية أُخرى صحيحة عن عمر بن الخطاب لأبي موسى:
أما إني لم أتَّهمك.ثم جاء عصر أتباع التابعين فمَنْ بعدهم، فكثر الضعفاء، والمغفلون، والكذابون، والزنادقة، فكثر اهتمامهم، وأشد في تتبُّع الكذابين والضعفاء، وذلك بحسب الحاجة.فلما رأى أهل العلم ذلك، نهضوا لتبيين أحوال الرجال، والذَّب عن حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فما من مصر من الأمصار إلا وفيه جماعة يمتحنون الرواة، ويعرفون أحوالهم، ويقارنون مرويَّاتهم، ويتحقَّقون من سماعاتهم.قال الخطيب: قَالَ مَحْمُد بن غَيْلان: سَمِعْتُ المُؤَمل، ذُكِرَ عِنْدَهُ الحَدِيث الَّذِي يُرْوَى عَنْ أُبَيّ، عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي فَضْلِ القُرْآن، قَالَ: لَقَدْ حَدَّثَنِي رَجُلٌ ثِقَةٌ، سَمَّاهُ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ ثِقَةٌ، سَمَّاهُ، قَالَ: أَتَيْتُ المَدَائِن فَلَقِيتُ الرَّجُلَ الَّذِي يَرْوِي هَذَا الحَدِيث، فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْنِي فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ آتِي البَصْرَة، فَقَالَ: هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْهُ، هُوَ بِوَاسِط فِي أَصْحَابِ القَصَب. قَالَ: فَأَتَيْتُ وَاسِطًا فَلَقِيتُ الشَّيْخَ، فَقُلْتُ: إِنِّي كُنْتُ بِالمَدَائِنِ فَدَلَّنِي عَلَيْكَ الشَّيْخ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ آتِيَ البَصْرَة. قَالَ: إِنَّ هَذَا الَّذِي سَمِعْتُ مِنْهُ هُوَ بِالكَلاء، فَأَتَيْتُ البَصْرَةَ، فَلَقِيتُ الشَّيْخ بِالكَلاء، فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْنِي، فَإِنِي أُرِيدُ أَنْ آتِيَ عَبَّادَانَ. فَقَالَ: إِنَّ الشَّيْخ الَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْهُ هُوَ بِعَبَّادَانَ. فَأَتَيْتُ عَبَّادَانَ فَلَقِيتُ الشَّيْخَ، فَقُلْتُ لَهُ: اتَّقِ اللَّه، مَا حَالُ هَذَا الحَدِيث؟ أَتَيْتُ المَدَائِن فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ وَاسِطًا، ثُمَّ البَصْرَة، فَدُلِلتُ عَلَيْكَ، وَمَا ظَنَنْتُ إِلا أَنَّ هَؤُلاءِ كُلَّهُمْ قَدْ مَاتُوا، فَأَخْبِرْنِي بِقِصَّةِ هَذَا الحَدِيثِ. ففَالَ: أَنَّا اجْتَمَعْنَا هُنَا، فَرَأَيْنَا النَّاسَ قَدْ رَغِبُوا عَن القُرْآنِ وَزَهدُوا فِيهِ، وَأَخَذوا فِي هَذِهِ الأحَادِيثِ، فَقَعَدْنَا فَوَضَعْنَا لَهُمْ هَذِهِ الفَضَائِلَ حَتَّى يَرْغَبُوا فِيهِ.وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَوْجَبَ قبُول المَرَاسِيل وَالعَمَل بِهَا، بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ فِيهَا، لَمْ يَكُنْ لِرِوَايَتِهَا وَجْهٌ. وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ، لأنَّهُ قَدْ يُرْوَى مِن الأخْبَارِ، وَيُسْمَعُ مَا قَدْ لا يُعْمَلُ بِهِ عِنْدَ بَعْضِ العُلَمَاءِ، وَيُعْمَلُ بِهِ عِنْدَ غَيْرِهِ، ويُكتبُ أَيْضًا مَا العَمَلُ عِنْدَ الكُلِّ عَلَى خِلافِهِ لِلمَعْرِفَةِ بِهِ، وَقَدْ يُرْوَى عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالمَتْرُوكِين الَّذِينَ لا يَصِحُّ الاحْتِجَاجُ بِأَحَادِيثِهِمْ، فَالتَّعَلُّقُ بِمَا ذَكَرَ المُخَالِفُ لا وَجْهَ لَهُ.وقد استعملوا عدة طُرق للتحقق من حفظ الراوي، وصدقه، وأهليَّته، ومن ذلك:- النظر في حال الراوي في المحافظة على الطاعة، واجتناب المعاصي، وسؤال أهل العلم به.قَالَ شَاذَان: سَمِعْتُ الحَسَن بن صَالِح يَقُولُ: كُنَّا إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نكتُبَ عَن الرَّجُلِ، سَأَلْنَا عَنْهُ، حَتَّى يُقَالَ لَنَا: أَتُرِيدُونَ أَنْ تُزَوِّجُوه.وعَنْ يَحْيَى بن مَعِين، قَالَ: كَانَ مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه الأنْصَارِيّ يَلِيقُ بِهِ القَضَاء، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا؛ فَالحَدِيثُ؟ فَقَالَ:لِلحَرْبِ أَقْوَامٌ لَهَا خُلِقُوا … وَلِلدَّوَاوِينِ كُتَّابٌ وَحُسَّابُ
قُلْتُ: مَا يُعْرَفُ بِهِ صِفَة المُحَدِّث العَدْل الَّذِي يَلْزَمُ قَبُولُ خَبَرِهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:فَضَرْبٌ مِنْهُ يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهِ الخَاصَّةُ والعَامَّةُ، وَهُوَ: الصِّحَّة فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ، وَأَمَانَتِهِ، وَرَدّ الوَدَائِعِ، وإِقَامَة الفَرَائِضِ، وَتَجَنُّب المَآثِمِ، فَهَذَا وَنَحْوُهُ يَشْتَرِكُ النَّاسُ فِي عِلْمِهِ.وَالضَّرْبُ الآخَر: هُوَ العِلْمُ بِمَا يَجِبُ كَوْنُهُ عَلَيْهِ مِنَ الضَّبْطِ وَالتَّيَقُّظِ، والمَعْرِفَة بِأَدَاءِ الحَدِيثِ وَشَرَائِطِهِ، وَالتَّحَرُّزِ مِنْ أنْ يُدْخِلَ عَلَيهِ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ، وَوُجُوه التَّحَرُّزِ فِي الرِّوَايَةِ، وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا لا يَعْرِفُهُ إِلا أَهْلُ العِلْمِ بِهَذَا الشَّأْنِ، فَلا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى قَوْلِ العَامَّةِ، بَلِ التَّعْوِيل فِيهِ عَلَى مَذَاهِبِ النُّقَّادِ لِلرِّجَالِ، فَمَنْ عَدَّلُوهُ وَذَكَرُوا أَنَّهُ يُعْتَمَدُ عَلَى مَا يَرْوِيهِ، جَازَ حَدِيثُهُ، وَمَنْ قَالُوا فِيهِ خافَ ذَلِكَ، وَجَبَ التَّوَقُّفُ عَنْهُ.- عرض حديث الراوي الذي حدَّث به عن شيخه على حديث الثقات الآخرين عن ذلك الشيخ.وبناء على ذلك يصدر أحكامًا حول هذا الراوي، فيقول مثلا: ينفرد عن الثقات، في حديثه نكارة، يُخطئ ويخالف، ونحو ذلك، وقد يقول: أثبت الناس في فلان، أو أكثر الناس عنه.اختبار حديث الراوي؛ عَنْ سَعِيد بن أَبِي الحَسَن، قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَكْثَر حَدِيثًا عَنْهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَة رضي الله عنه، وَأَنَّ مَروَان بَعَثَهُ عَلَى المَدِينَة وَأَرَادَ حَدِيثهُ، فَقَالَ: ارْوِ كَمَا رَوينَا، فَلَمَّا أَبَى عَلَيْهِ تَغَفَّلَهُ، فَأَقْعَدَ لَهُ كَاتِبًا، فَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، وَيَكْتُبُ الكَاتِبُ حَتَّى اسْتَفْرَغَ حَدِيثَهُ أَجْمَع، فَقَالَ مَروَان: تَعْلَمُ أَنَّا قَدْ كَتَبْنَا حَدِيثَكَ أَجْمَع؟ قَالَ: أَوَقَدْ فَعَلْتُمْ، وَإِنْ تُطِيعنِي تَمْحُهُ؟ قَالَ: فَمَحَاهُ.وعَن ابن عُمَر رضي الله عنهما، أَنَّهُ مَرَّ بِأَبِي هُرَيْرَة رضي الله عنه، وَهُوَ يُحَدِّث عَن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَبعَ جِنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ شَهِدَ دَفْنهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ". فَقَالَ ابن عُمَر: يَا أَبَا هُرَيْرَة، انْظُرْ مَا تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَة حَتَّى انْطَلَقَ إِلَى عَائِشَة رضي الله عنها، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّ المُؤْمِنِين؛ أَنْشُدُك اللَّه، أَسَمِعْت رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ تَبعَ جِنَازَةً فَصَلَّى عَلَيهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَإِنْ شَهِدَ دَفْنَهَا فَلَهُ قيرَاطَان"؟ فَقَالَت: اللَّهُمَّ نَعَمْ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَشْغَلُنَا عَنْ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم عُرْسٌ، ولا صَفْقٌ بِالأسْوَاقِ، إِنَّمَا كنْتُ أَطْلُبُ مِنْ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم كَلِمَة يُعَلِّمُنِيهَا، أَوْ أَكْلَةً يُطْعِمُنِيهَا. فَقَالَ ابن عُمَر: يَا أَبَا هُرَيْرَة؛ كُنْتَ أَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم وَأَعْلَمَنَا بِحَدِيثِهِ.وقد تصدَّى لهذا العلم جَمْع من أهل الحديث، وبرزوا في ذلك، حتى كأنهم خلقوا له، منهم:شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وعبد اللَّه بن المبارك، ويحيى بن
سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن عبد اللَّه بن عمار الموصلي، وغيرهم، رحمهم الله.وقد تناول المحدِّثون هذا النوع من العلوم بالبيان والشرح والتأليف، واختلفت مقاصدهم في ذلك:فألَّف البعض في الثقات، وألف بعضهم في الضعاف، وألف بعضهم في الثقات والضعفاء معًا.كما أن بعضهم اهتمَّ بطبقات الرواة، وأنسابهم، وأوطانهم، ووفياتهم، واهتم البعض بنوع خاص من الثقات، واهتم البعض بنوع خاص من الضعفاء، واللَّه أعلم. رابعًا: مشروعية الجرح والتعديلالكلام في الرجال من أجل الاحتياط للدِّين مشروع بالكِتاب والسُّنَّة. قال اللَّه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: ٦]، وقال تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: ٢٨٢]. وقال تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} [الطلاق: ٢]، وقال تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: ٩٥].ففي الآية الأولى يأمر اللَّه تعالى بالتثبت في الأخبار، وفي الآيات الأخرى يطلب اللَّه تعالى العدل والرضى في الشهود.ومعلوم أن الأمر بالتثبت في الأخبار في الآية الأولى عام، فالأخبار التي تُنقل عن اللَّه ورسوله تدخل فيها دخولا أوليًّا.وطلب الرضى والعدل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، الذي هو دِين للأمَّة وتشريع لها، وهو المصدر الثاني في التشريع، أَوْلَى من أن يُطلب في الشهادة.وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم هو أول من جرح وعدل. روى الخطيب البغدادي، عَن ابن المُنْكَدِر: سَمِعَ عُرْوَة بن الزُّبَير يَقُولُ: حَدَّثَتْنَا عَائِشَة رضي الله عنها: أَنَّ رَجُلا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: "ائْذَنُوا لَهُ، فَبِئْسَ رَجُلُ العَشِيرِ، أَوْ بِئْسَ رَجُلُ العَشِيرَةِ. فَلَمَّا دَخَلَ أَلانَ لَهُ القَوْلَ، قَالَتْ عَائِشَة: يَا رَسُولَ اللَّه؛ قُلْت لَهُ الَّذِي قُلْتَ، فَلَمَّا دَخَلَ أَلَنْتَ لَهُ القَوْلَ. قَالَ: يَا عَائِشَة؛ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ، أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ".فَفِي قَوْلِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم لِلرَّجُلِ: "بِئْسَ رَجُلُ العَشِيرَةِ"، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِخْبَارَ المُخْبِر بِمَا يَكُونُ فِي الرَّجُلِ مِنَ العَيْب، عَلَى مَا يُوجِبُهُ العِلْمُ وَالدِّينُ مِنَ النَّصِيحَةِ لِلسَّائِلِ، لَيْسَ بِغيبَةٍ، إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ غيبَة لَمَا أَطْلَقَهُ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، وَإنَّمَا أَرَادَ صلى الله عليه وسلم بِمَا ذَكَرَ فِيهِ، واللَّه أعلم.
أن يُبَيِّنَ لِلنَّاسِ الحَالَة المَذمُومَة مِنْهُ، وَهِيَ الفُحْشُ فَيَجْتَنِبُوهَا، لا أَنَّهُ أَرَادَ الطَّعْنَ عَلَيْهِ والثَّلب لَهُ، وَكَذَلِكَ أَئِمَّتُنَا فِي العِلْمِ بِهَذِهِ الصِّنَاعَةِ، إِنَّمَا أَطْلَقُوا الجَرْحَ فِيمَن لَيْسَ بِعَدْلٍ؛ لِئَلا يَتَغَطَّى أَمْرُهُ عَلَى مَنْ لا يخبره، فَيَظُنُّهُ مِنْ أَهْلِ العَدَالَةِ فَيَحْتَجُّ بِخَبَرِهِ، وَالإخْبَارُ عَنْ حَقِيقَةِ الأمْرِ إِذَا كَانَ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لا يَكُونُ غيبَة.وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ فَاطِمَة بِنْت قَيْس، الَّذِي أَخْبَرَنَاهُ عَبْد الرَّحْمَن بن عُبَيْد اللَّه الحربي، أنَّا مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه الشَّافِعِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاق بن الحَسَن الحربي، ثنا عَبْد اللَّه بن مَسْلَمَة القَعْنَبِيّ، عَن مَالِك. ح، وَأَخْبَرَنَاهُ الحَسَن بن أَبِي إِسْحَاق القَاضِي، حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَب، ثنا مَالِك بن أَنَس، عَنْ عَبْد اللَّه بن يَزِيد مَوْلَى الأسْوَد بن سفيان، عَن أَبِي سَلَمَة بن عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ فَاطِمَة بِنْت قَيْس: أَنَّ أَبَا عَمْرو بن حَفْص طَلَّقَهَا ألبَتَّة وَهُوَ غَائِبٌ بِالشَّامِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلهُ بِشَعِيرٍ فَتَسَخَّطَتْهُ، فَقَالَ: وَاللَّه مَا لَكِ عَلَينَا مِنْ شَيْءٍ. فَجَاءَتْ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ. وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيك، ثُمَّ قَالَ: تلك امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابن أُمِّ مَكْتُوم، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي. قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ، ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوَية بن أَبِي سفيان وَأَبَا جَهْمِ خَطَبَانِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: أَمَّا أَبُو جَهْم فَلا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأمَّا مُعَاوِيَة فَصُعْلُوك لا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَة بن زَيْد. قَالَتْ: فَكَرِهْتُهُ. ثُمَّ قَالَ: انْكِحِي أُسَامَة بن زَيْد". فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللَّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا وَاغْتَبَطْتُ بِهِ.فِي هَذَا الخَبَر دِلالَةٌ عَلَى أَنَّ إِجَازَةَ الجَرْحِ لِلضُّعَفَاءِ مِنْ جِهَةِ النَّصِيحَةِ، لِتُجْتَنَبَ الرِّوَايَة عَنْهُمْ، وَلِيُعْدَلَ عَن الاحْتِجَاجِ بِأَخْبَارِهِمْ، لأنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم لَمَّا ذَكَرَ فِي أَبِي جَهْم: "أَنَّهُ لا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ"، وَأَخْبَرَ عَنْ مُعَاوِيَةَ: "أَنَّهُ صُعْلُوك لا مَالَ لَهُ"؛ عِنْدَ مَشُورَةٍ اسْتُشِيرَ فِيهَا، لا تَتَعَدَّى المُسْتَشِيرَ.كَانَ ذِكْر العُيُوب الكَامِنَةِ فِي بَعْضِ نَقَلَةِ السُّنَنِ، الَّتِي يُؤَدِّي السُّكُوتُ عَنْ إِظْهَارِهَا عَنْهُمْ وَكَشْفِهَا عَلَيْهِمْ، إِلَى تَحْرِيمِ الحَلالِ وَتَحْلِيلِ الحَرَامِ، وَإِلَى الفَسَادِ فِي شَرِيعَةِ الإسْلامِ، أَوْلَى بِالْجَوَازِ وَأَحَقَّ بِالإظْهَارِ.وَأَمَّا الغيبَة الَّتِي نَهَى اللَّه تَعَالَى عَنْهَا بِقَوْلِهِ عز وجل: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [الحجرات: ١٢]. وَزَجَرَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم عَنْهَا بِقَوْلِهِ: "يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخلِ الإيمَانُ قَلْبَهُ، لا تَغْتَابُوا المُسْلِمِينَ وَلا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ". فَهِيَ ذِكْرُ الرَّجُل عُيُوبَ أَخِيهِ، يَقْصدُ بِهَا الوَضْعَ مِنْهُ وَالتَّنْقِيصَ لَهُ، وَالإزْرَاءَ بِهِ فِيمَا لا يَعُودُ إِلَى حُكْمِ النَّصِيحَةِ، وإِيجَاب الدِّيَانَة مِنَ التَّحْذِيرِ عَن ائْتِمَانِ الخَائِنِ، وَقَبُول خَبَر الفَاسِقِ، وَاسْتِمَاع شَهَادَة الكاذِبِ.قال ابن رجب: وكذلك يجوز ذكر العيب، إذا كان فيه مصلحة خاصة، كمن يستشير في نكاح أو معاملة.
ووجه الدلالة من الحديث؛ أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نصح لفاطمة، فأعلمها بعيب أبي جهم أنه لا يضع عصاه عن عاتقه، وعيب معاوية أنه صعلوك لا مال له، وذلك لِمَا فيه من المصلحة الخاصة، فمصلحة الدِّين أَوْلَى.وقد فهم أهل العلم من النصوص المتقدمة، أنه لا حرج عليهم أن يتكلَّموا في شخص، جارحين أو ناهين عن الرواية عنه، لما رأوا فيه من عدم الأهلية، وحثّ الناس على الرواية عن فلان، لما رأوا من الأهليَّة عنده ما يُوجب قبولهم لروايته.قَالَ يَعْقُوب بن سفيان: سَمِعْتُ الحَسَن بن الرَّبِيع، قَالَ: قَالَ ابن المُبَارَك: المُعَلى بن هِلال هُوَ، إِلا أَنَّهُ إِذَا جَاءَ الحَدِيث يَكْذِب. قَالَ: فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الصُّوفِيَّة: يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن؛ تَغْتَابُ. قَالَ: اسْكُتْ، إِذَا لَمْ نُبَيِّنْ، كَيْفَ يُعْرَفُ الحَقُّ مِنَ البَاطِلِ؟ أَوْ نَحْو هَذَا مِن الكَلامِ.عَنْ عَمْرو بن عَلِيّ، ثنا عَفَّان، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ إِسْمَاعِيل ابن عُلَيَّة جُلُوسًا، فَحَدَّثَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِثَبتٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ: اغْتَبْتَهُ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: مَا اغْتَابَهُ، وَلَكِنَّهُ حَكَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبتٍ.وقال مسلم في مقدمة "صحيحه"، (بَابُ الكَشْفِ عَنْ مَعَايِبِ رُوَاةِ الحَدِيثِ، وَنَقَلَةِ الأخْبَارِ، وَقَوْلُ الأئِمَّةِ فِي ذَلِكَ)، ثم نقل كلامًا كثيرًا، وختمه بقوله: وإِنَّمَا أَلْزَمُوا أَنْفُسَهُم الكَشْفَ عَنْ مَعَايِبِ رُوَاةِ الحَدِيثِ، وَنَاقِلِي الأَخْبَارِ، وَأَفْتَوْا بِذَلِكَ حِينَ سُئِلُوا، لِمَا فِيهِ مِنْ عَظِيمِ الخَطَرِ؛ إِذِ الأخْبَارُ فِي أَمْرِ الدِّينِ إِنَّمَا تَأْتِي بِتَحْلِيلٍ أَوْ تَحْرِيمٍ، أَوْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ، أَوْ تَرْغِيبٍ أَوْ تَرْهِيبٍ، فَإِذَا كَانَ الرَّاوِي لَهَا لَيْسَ بِمَعْدِنٍ لِلصِّدْقِ وَالأمَانَةِ، ثُمَّ أَقْدَمَ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ مَنْ قَدْ عَرفَهُ، وَلَم يُبَيِّنْ مَا فِيهِ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ جَهِلَ مَعْرِفَتهُ، كَانَ آثِمًا بِفِعْلِهِ ذَلِكَ، غَاشًّا لِعَوَامِّ المُسْلِمِينَ؛ إِذْ لا يُؤْمَنُ عَلَى بَعْضِ مَنْ سَمِعَ تِلْكَ الأخْبَار أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا، أَوْ يَسْتَعْمِلَ بَعْضَهَا، وَلَعَلَّهَا أَوْ أَكْثَرَهَا أَكَاذِيبُ لا أَصْلَ لَهَا، مَعَ أَنَّ الأخْبَارَ الصِّحَاحَ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ وَأَهْلِ القَنَاعَةِ، أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى نَقْلِ مَنْ لَيْسَ بثِقَةٍ وَلا مقنعٍ، وَلا أَحْسِبُ كَثِيرًا مِمَّنْ يُعَرِّجُ مِنَ النَّاسِ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ هَذِهِ الأحَادِيثِ الضِّعَافِ، وَالأسَانِيدِ المَجْهُولَةِ، وَيَعْتَدُّ بِرِوَايَتِهَا بَعْدَ مَعْرفَتِهِ بِمَا فِيهَا مِنَ التَّوَهُّنِ وَالضَّعْفِ، إِلا أَنَّ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَى رِوَايَتِهَا وَالاعْتِدَادِ بِهَا، إِرَادَةُ التَّكَثُّرِ بِذَلِكَ عِنْدَ العَوَامِّ، وَلأنْ يُقَالَ: مَا أَكْثَرَ مَا جَمَعَ فُلانٌ مِنَ الحَدِيثِ، وَأَلَّفَ مِنَ العَدَدِ، وَمَنْ ذَهَبَ فِي العِلْمِ هَذَا المَذْهَبَ وَسَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ، فَلا نَصِيبَ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ بِأَنْ يُسَمَّى جَاهِلا أَوْلَى مِنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى عِلْمٍ.وقال أبو حاتم ابن حبان: فهؤلاء الأئمة المسلمون، وأهل الورع في الدِّين، أباحوا القدح في المحدِّثين، وبيَّنوا الضعفاء والمتروكين، وبينوا أن السكوت عنه ليس ممَّا يحل، وأن إبداءه أفضل من الإغضاء عنه، وقدَّمهم فيه أئمة قبلهم، ذكروا بعضه وحثُّوا على أخذ العلم من أهله. خامسًا: متى تُباح الغيبةالأصْل فِي الغيبَةِ التَّحْرِيمُ، لِلأدِلَّةِ الثَّابِتَةِ فِي ذَلِكَ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيّ وَغَيرُهُ مِنَ
العُلَمَاءِ أُمُورًا سِتَّة، تُبَاحُ فِيهَا الغيبَة لِمَا فِيهَا مِن المَصْلَحَةِ؛ ولأنَّ المُجَوِّزَ فِي ذَلِكَ غَرَضٌ شَرْعِيٌّ، لا يُمْكِنُ الوُصُول إِلَيْهِ إِلا بِهَا، وَتِلْكَ الأمُورُ هِيَ:الأوَّل: التَّظَلُّمُ. يَجُوزُ لِلمَظْلُومِ أَنْ يَتَظَلَّمَ إِلَى السُّلْطَانِ، وَالْقَاضِي، وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَهُ وِلايَةٌ، أَوْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى إِنْصَافِهِ مِنْ ظَالِمِهِ، فَيَذْكُرُ أَنَّ فُلانًا ظَلَمَنِي، وَفَعَل بِي كَذَا، وَأَخَذَ لِي كَذَا، وَنَحْو ذَلِكَ.الثَّانِي: الاسْتِعَانَة عَلَى تَغْيِيرِ المُنْكَرِ وَرَدِّ العَاصِي إِلَى الصَّوَابِ. وبيانهُ أَنْ يَقُول لِمَنْ يَرْجُو قُدْرَتَهُ عَلَى إِزَالَةِ المُنْكَرِ: فُلانٌ يَعْمَل كَذَا فَازْجُرْهُ عَنْهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَيَكُونُ مَقْصُودُهُ إِزَالَة المُنْكَر، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ كَانَ حَرَامًا.الثَّالِثُ: الاسْتِفْتَاءُ. وَبيانهُ أَنْ يَقُول لِلمُفْتِي: ظَلَمَنِي أَبِي، أَوْ أَخِي، أَوْ فُلانٌ بِكَذَا. فَهَل لَهُ ذَلِكَ أَمْ لا؟ وَمَا طَرِيقِي فِي الخَلاصِ مِنْهُ، وَتَحْصِيل حَقِّي، وَدَفْع الظُّلْمِ عَنِّي؟ وَنَحْو ذَلِكَ، فَهَذَا جَائِزٌ لِلحَاجَةِ. وَلَكِنَّ الأحْوَطَ أَنْ يَقُول: مَا تَقُول فِي رَجُلٍ كَانَ مِنْ أمْرِهِ كَذَا، أَوْ فِي زَوْجٍ، أَوْ زَوْجَةٍ تَفْعَل كَذَا، وَنَحْو ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَحْصل لَهُ الغَرَضُ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالتَّعْيِينُ جَائِزٌ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَة رضي الله عنها: قَالَتْ هِنْد أمُّ معَاوِية لِرَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم: إِنَّ أَبَا سفيان رَجُلٌ شَحِيحٌ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ سِرًّا؟ قَالَ: "خُذِي أَنْتِ وَبَنُوكِ مَا يَكْفِيكِ بِالمَعْرُوفِ"، وَلَمْ ينْههَا رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم.الرَّابعُ: تَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ مِنَ الشَّرِّ، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ خَمْسَةٍ كَمَا ذَكَرَ النَّوَوِيّ:أَوَّلا: جَرْحُ المَجْرُوحِينَ مِنَ الرُّوَاةِ وَالشُّهُودِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ بِالإجْمَاعِ، بَل وَاجِبٌ؛ صَوْنًا لِلشَّرِيعَةِ.ثَانِيًا: الإخْبَارُ بِغيبَةٍ عِنْدَ المُشَاوَرَةِ فِي مُصَاهَرَةٍ وَنَحْوِهَا.ثَالِثًا: إِذَا رَأَيْت مَنْ يَشْتَرِي شَيْئًا مَعِيبًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، تَذْكُرُ لِلْمُشْتَرِي إِذَا لَمْ يُعْلِمْهُ؛ نَصِيحَة لَهُ، لا لِقَصْدِ الإيذَاءِ والإفْسَادِ.رَابِعًا: إِذَا رَأَيْت مُتَفَقِّهًا يَتَرَدَّدُ إِلَى فَاسِقٍ، أَوْ مُبْتَدِعٍ يَأْخُذُ عَنْهُ عِلْمًا. وَخِفْت عَلَيْهِ ضَرَرَهُ، فَعَلَيْك نَصِيحَتُهُ بِبيان حَالِهِ قَاصدًا النَّصِيحَةَ.خَامِسًا: أَنْ يَكُونَ لَهُ وِلايَةٌ لا يَقُومُ لَهَا عَلَى وَجْهِهَا، لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ أَوْ لِفِسْقِهِ، فَيَذْكُرُهُ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ وِلايَة؛ لِيَسْتَبْدِل بِهِ غَيْرَهُ أَوْ يَعْرف، فَلا يَغْتَرَّ بِهِ وَيُلْزِمُهُ الاسْتِقَامَةَ.الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مُجَاهِرًا بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ. فَيَجُوزُ ذِكْرُهُ بِمَا يُجَاهِرُ بِهِ، وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِغَيْرِهِ مِنَ العُيُوبِ، إِلا أَنْ يَكُونَ لِجَوَازِهِ سَبَبٌ آخَر.السَّادِسُ: التَّعْرِيفُ. فَإِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِلَقَبٍ؛ كَالأَعْمَش وَالأعْرَج، وَالأزْرَق وَالْقَصِير، وَالأعْمَى وَالأقْطَع، وَنَحْوهَا، جَازَ تَعْرِيفُهُ بِهِ، وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِهِ تَنَقُّصًا، وَلَوْ أَمْكَنَ التَّعْرِيفُ بِغَيْرِهِ كَانَ أَوْلَى.