تنقيح التحقيق - ابن عبد الهادي - ط أضواء السلف (ابن عبد الهادي) القسم: التخريج والأطراف الكتاب: تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أحمد عبد الهادي المقدسي (ت ٧٤٤ هـ)تقديم: عبد الله بن عبد الرحمن السعدتحقيق: سامي بن محمد بن جاد الله، عبد العزيز بن ناصر الخباني الناشر: أضواء السلف - الرياض الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ معدد الأجزاء: ٥[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
مقدمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيماللهم صلِّ وسلِّم على محمَّد وآله(١).الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيراً(٢).أما بعد: فهذا كتابٌ أذكر فيه المسائل والأحاديث التي ذكرها الشَّيخ الإمام العلاَّمة الحافظ جمال الدِّين أبو الفرج ابن الجوزي- رحمه الله في كتاب «التَّحقيق» محذوفة الأسانيد- في الغالب- منه إلى مؤلفي الكتب من الأئمة الحفَّاظ، كالإمام أحمد والبخاريِّ ومسلمٍ والتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ والدَّارقطنيِّ وغيرهم، ثم أُتبعها بزياداتٍ مفيدةٍ من ذكر من روى الحديث أو صحَّحَه أو ضعَّفَه، وذكر بعض علل الأحاديث، والتَّنبيه على أحوال رجالٍ سكت عنهم المؤلِّف وهم غير محتجٍّ بهم(٣)، ورجالٍ تكلَّم فيهم وهم صادقون محتجٌّ بهم، ورجالٍ وثَّقهم في موضعٍ وضعَّفهم في موضعٍ(٤) آخر، وغير ذلك من الزِّيادات المحتاج إليها، وذلك على وجه الاختصار في الغالب، وأكتب في أوَّل الزِّيادة «ز» بالأحمر، وآخرها دائرة «O» بالأحمر أيضاً لكي تتميَّز من كلام المؤلِّف، وسميتُه: «كتاب تنقيح التَّحقيق في أحاديث التَّعليق»، والله أسأل أن ينفع به إنَّه(١) في (ب): (بسم الله الرحمن الرحيم، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب).(٢) (كثيرًا) ليست في (ب).(٣) في (ب) زيادة: (أو محتج بهم).(٤) (موضع ليست في (ب).
قريبٌ مجيبٌ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكَّلت وإليه أنيب.قال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله:أحمد الله على الإنعام المترادف، وأشكره على الإكرام المتكانف، حمداً يقوم بشكر التَّالد والطَّارف، وشكراً يصدر من مقرٍّ بالفضل عارفٍ، وكيف لا؟! وبحر فهمي يهمي، وكم فهم واقفٍ؟ وبصر تبصري(١) في العلوم ينفي في نقده الزائف.وأصلِّي على أشرف راكبٍ وملبٍّ وطائفٍ، محمَّدٍ الذي شرع أحسن الشَّرائع ووظَّف أزين الوظائف، وعلى كلِّ من صحبَه وتبعَه خالفاً لسالفٍ.وبعدُ: فهذا كتابٌ نذكر فيه مذهبنا في مسائل الخلاف ومذهب المخالف، ونكشف عن دليل المذهبين من النقل كشف مناصِفٍ، لا نميل لنا ولا علينا فيما نقول ولا نجازف، وسيحمدنا المطِّلع عليه - إن كان منصفاً- والواقف، ويعلم أنَّا أولى بالصَّحيح من جميع الطَّوائف، والله الموفِّق لأرشد الطرق وأهدى المعارف.* * * * *(١) في (ب) و «التحقيق»: (بصيرتي).
فصلٌكان السَّبب في إثارة العزم لتصنيف هذا الكتاب أنَّ جماعةً من إخواني ومشايخي في الفقه كانوا يسألوني في زمن الصِّبا جمع أحاديث «التَّعليق»، وبيان ما صحَّ منها وما طُعِن فيه، وكنت أتوانى عن هذا لشيئين:أحدهما: اشتغالي بالطَّلب.والثاني: ظنِّي أنَّ ما في التَّعاليق من ذلك يكفي، فلمَّا نظرت في التَّعاليق رأيت بضاعة أكثر الفقهاء في الحديث مُزْجاة! يُعَوِّل أكثرهم على أحاديث لا تصحُّ، ويُغرِض عن الصِّحاح!! ويقلِّد بعضهم بعضاً فيما ينقل.ثمَّ قد انقسم المتأخرون ثلاثة أقسام:أحدها: قومٌ غلب عليهم الكسل، ورأوا أنَّ في البحث تعباً وكلفةً، فتعجَّلوا الرَّاحة، واقتنعوا بما سطره غيرهم.والقسم الثَّاني: قومٌ لم يهتدوا إلى أمكنة الأحاديث، وعلموا أنَّه لا بدَّ من سؤال من يعلم هذا، فاستنكفوا عن ذلك.والقسم الثَّالث: قومٌ مقصودهم التَّوسع في الكلام طلباً للتَّقدم والرِّئاسة، واشتغالهم بالجدل والقياس، ولا التفات لهم إلى الحديث - لا إلى تصحيحه ولا إلى الطَّعن فيه -، وليس هذا شأن من استظهر لدينه، وطلب الوثيقة في أمره.ولقد رأيت بعض الأكابر من الفُقهاء يقول في تصنيفه - عن ألفاظٍ قد أخرجت في الصِّحاح -: (لا يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذه الألفاظ)!!
ويردُّ الحديث الصَّحيح ويقول: (هذا لا يُعرف)!! وإنَّما هو لا يَعرفه.ثمَّ رأيته قد استدل بحديثٍ زعم أنَّ البخاريَّ أخرجه - وليس كذلك-، ثمَّ نقله عنه مصنفٌ آخر كما قال تقليداً له!!ثمَّ استدلَّ في مسألة، فقال: (دليلنا ما روى بعضهم أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال كذا)!ورأيت جمهور مشايخنا يقول [في تصانيفهم](١): (دليلنا ما روى أبو بكر الخلاَّل بإسناده عن رسول الله [صلى الله عليه وسلم](٢))، و (دليلنا ما روى أبو بكر عبد العزيز بإسناده)، و (دليلنا ما يروي(٣) ابن بطَّة بإسناده) وجمهور تلك الأحاديث في الصِّحاح وفي «المسند» وفي «السُّنن»! غير أنَّ السَّبب في اقتناعهم بهذا: التَّكاسل عن البحث.والعجب ممَّن ليس له شغلٌ سوى مسائل الخلاف، ثم اقتصر(٤) منها في المناظرة على خمسين مسألة!! وجمهور هذه الخمسين لا يستدلُّ فيها بحديثٍ!!!فما قدر الباقي حتَّى يتكاسل عن المبالغة في معرفته؟!* * * * *(١) زيادة من (ب) و «التحقيق».(٢) زيادة من (ب).(٣) في (ب): (روى) و «التحقيق».(٤) في (ب): (قد اقتصر).
فصلوأَلْوَمُ عندي ممَّن قد لُمته من الفقهاء: جماعة من كبار المحدثين، عرفوا صحيح النَّقل وسقيمه وصنَّفوا في ذلك، فإذا جاء حديث ضعيف يخالف مذهبهم بيَّنوا وجه الطَّعن فيه، وإن كان موافقاً لمذهبهم سكتوا عن الطعن فيه!وهذا يُنبئ عن قلَّة دينٍ، وغلبة هوى.ز: وقد ضعف الحافظ أبو الفرج رحمه الله جماعةً في موضع لمَّا كان الحديث يخالف مذهبه، ثمَّ احتجَّ بهم في موضع آخر لمَّا كان يوافق مذهبه! O.وقال الدَّارَقُطْنيُّ: ثنا أحمد بن محمَّد بن سعيد ثنا إبراهيم بن عبد الله ابن محمَّد السكونيُّ(١) قال: سمعت أبي قال: سمعت وكيعاً يقول: أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم!(٢)قال: وهذا حين شروعنا فيما انتدبنا له من ذكر الأحاديث، معرضين عن العصبية التي نعتقدها في مثل هذا حراماً، وبعيدٌ: مصنِّفٌ منصِفٌ(٣)!ولو ذكرنا كلَّ [حديث](٤) بجميع طرقه، وأشبعنا الكلام فيها لطال ومُلَّ، وإنما هذا [موضوع](٥) للفقهاء، وغرضهم يحصل مع الاختصار،(١) كذا في النسختين، وفي «سنن الدارقطني» و «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم: (٥/ ١٦١): (السلولي)، والله أعلم.(٢) «سنن الدارقطني»: (١/ ٢٦).(٣) (منصف (ليست في) (ب).(٤) بياض بالأصل، فأثبتت من (ب).(٥) في الأصل: (موضع)، وفي (ب): (موضع موضوع)، والمثبت من «التحقيق».
وللمحدثين فيه حظٌّ(١) بقليلٍ من البسط والأسانيد، والله الموفق.* * * * *(١) في «التحقيق»: (يدٌ).
مسألة (٨٨): آخر وقت الظُّهر إذا صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثله من موضع الزَّوال.وقال أبو حنيفة: إذا صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثليه.وقال مالكٌ: يمتد وقت الإدراك إلى غروب الشَّمس.لنا أحاديث، منها: ٤٧٧ - ما روى أحمد: ثنا عبد الرَّزَّاق أنا سفيان عن عبد الرَّحمن بن الحارث بن عيَّاش بن أبي ربيعة عن حكيم بن [حكيم](١) قال: أخبرني نافع ابن جُبير بن مُطعِم قال: أخبرني [ابن](٢) عباس أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «أمَّني جبريل عند البيت مرَّتين، فصلَّى بي الظُّهر في الأولى منهما حين كان الفيء مثل الشِّراك(٣)، ثمَّ صلَّى العصر حين كان كلُّ شيءٍ مثل ظلِّه، ثمَّ صلَّى المغرب حين وجبت الشَّمس وأفطر الصَّائم، ثمَّ صلَّى العشاء حين غاب الشَّفق، ثمَّ صلَّى الفجر حين برق الفجر، وحرم الطَّعام على الصَّائم؛ وصلَّى المرَّة الثَّانية الظُّهر حين كان ظلُّ كلِّ شيءٍ مثله لوقت العصر بالأمس، ثمَّ صلى العصر حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثليه، ثمَّ صلَّى المغرب لوقته الأوَّل، والعشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثمَّ صلَّى الصُّبح حين أسفرت الأرض، ثمَّ التفت إليَّ جبريل فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين»(٤).(١) في الأصل: (حزام)، والتصويب من (ب) و «التحقيق» و «المسند».(٢) زيادة من (ب) و «التحقيق» و «المسند».(٣) في «النهاية»: (٢/ ٤٦٧ - ٤٦٨ - شرك): (الشراك: أحد سيور النعل التي تكون على وجهها … إلخ) ا. هـ(٤) «المسند»: (١/ ٣٣٣) مع اختلاف كثير في لفظه، ويبدو أن اللفظ الذي ساقه هو لفظ الترمذي فإنه مطابق له تمامًا، وكثيرًا ما يفعل هذا رحمه الله، يسوق إسناد أحد الأئمة ثم يورد لفظ الحديث لإمام آخر.
كتاب الطَّهارة مسألة (١): الطَّهور هو الطَّاهر في نفسه المطهِّر لغيره، فهو من الأسماءالمتعدِّية.وقالت الحنفيِّة: هو من الأسماء اللازمة، فهو بمعنى الطَّاهر.وقد استدلَّ أصحابنا في المسألة بحديثين(١): ١ - الحديث الأول: قال البخاريُّ: ثنا ابن [سِنَان](٢) ثنا هُشيم ثنا سَيَّار ثنا يزيد الفقير قال: أنا جابر بن عبد الله أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «أُعطيتُ خمساً لم يعطهُنَّ أحدٌ قبلي … - فذكر منهن: - وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً».هذه طريق البخاريِّ في(٣) «الصَّحيح»(٤). ٢ - وقد أخرجه مسلمٌ من حديث أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "فُضِّلت على الأنبياء بستٍّ … - فذكر منهنَّ: - وجُعلت لي الأرض طَهُوراً(١) (بحديثين) ليست في (ب).(٢) في الأصل: (شيبان)، والتصويب من (ب) و «صحيح البخاري».(٣) في (ب) و «التحقيق»: (من).(٤) «صحيح البخاري»: (١/ ٩١، ١١٩)؛ (فتح - ١/ ٤٣٥، ٥٣٣ - رقمي: ٣٣٥، ٤٣٨). وهو عند مسلم في «صحيحه»: (٢/ ٦٣)؛ (فؤاد - ١/ ٣٧٠ - رقم: ٥٢١) من طريق هشيم عن سيَّار عن يزيد عن جابر بلفظ: «جعلت لي الأرض طيِّبة طهوراً ومسجداً».
ومسجداً"(١). ٣ - وقد رواه مسلمٌ من حديث حُذَيْفَة، فقال: ثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ ثنا محمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ عن أبي مالكٍ الأَشْجَعيِّ عن رِبْعِيٍّ عن حُذَيْفَة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فُضِّلنا على النَّاس بثلاثٍ: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلُّها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طَهُوراً إذا لم نجد الماء».انفرد بإخراجه مسلم(٢).قال أصحابنا: لو أراد بقوله: «طهوراً» أنَّه طاهرٌ لم يكن في ذلك فضيلة، لأنَّ ذلك طاهرٌ في حقِّ سائر الأنبياء. ٤ - الحديث الثَّاني: روى الترمذيُّ والنسائيُّ قالا: ثنا(٣) قتيبة عن مالكٍ عن صفوان بن سُليمٍ عن سعيد بن سَلَمة - من آل بني الأَزْرق- أنَّ المغيرة بن أبي بُرْدَة أخبره أنَّه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجلٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: إنَّا نركب البحر، و [نحمل](٤) معنا القليل من الماء، فإن توضَّأنا به عطشنا!أفنتوضأُ من ماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو الطَّهُور ماؤه، الحلُّ ميتته»(٥).قال الترمذيَّ: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ.(١) «صحيح مسلم»: (٢/ ٦٤)؛ (فؤاد- ١/ ٣٧١ - رقم: ٥٢٣).وفي «التحقيق»: (مسجداً وطهوراً).(٢) «صحيح مسلم»: (٢/ ٦٣ - ٦٤)؛ (فؤاد- ١/ ٣٧١ - رقم: ٥٢٢).(٣) في «سنن النسائي»: (أخبرنا).(٤) زيادة من (ب) والمصدرين.(٥) «جامع الترمذي»: (١/ ١١١ - رقم: ٦٩)؛ «سنن النسائي»: (١/ ٥٠، ١٧٦ -رقمي: ٥٩، ٣٣٢).
ز: وقد روى هذا الحديث: الإمام أحمد(١) وأبو داود(٢) وابن ماجه(٣)، وأبو بكر ابن خزيمة(٤) وأبو حاتم ابن حِبَّان(٥) في «صحيحيهما».وهو حديث مختلف في إسناده:فقيل: عن صفوان بن سُلَيم عن سعيد بن سلمة عن المغيرة بن أبي بُردة عن أبي هريرة، كما تقدَّم.وقيل: عنه عن عبد الله بن سعيد المخزوميِّ.وقيل: عنه عن سلمة بن سعيد عن المغيرة بن أبي بُردة عن أبي هريرة.وقيل: عن المغيرة بن أبي بُردة عن أبيه عن أبي هريرة.ورواه يزيد بن أبي حَبِيب عن الجُلَاح أبي كثير عن كثير(٦) بن سلمة المخزوميِّ عن المغيرة بن أبي بُردة عن أبي هريرة(٧).وقال الترمذيُّ أيضاً: سألتُ محمَّدَ بنَ إسماعيل البخاريَّ عن هذا(١) «المسند»: (٢/ ٣٦١) مطولاً و (٢/ ٢٣٧) مختصراً.(٢) «سنن أبي داود»: (١/ ١٨٨ - رقم: ٨٤).(٣) «سنن ابن ماجه»: (١/ ١٣٦ - رقم: ٣٨٦).(٤) «صحيح ابن خزيمة»: (١/ ٥٩ - رقم: ١١١).(٥) «الإحسان» لابن بلبان: (٤/ ٤٩ - رقم: ١٢٤٣؛ ١٢/ ٦٢ - رقم: ٥٢٥٨).(٦) (عن كثير) ليست في (ب).(٧) هذه الأوجه من الاختلاف في إسناد الحديث ذكرها الحافظ المزي على هذا النسق في كتابه «تهذيب الكمال»: (١٠/ ٤٨٠ - رقم: ٢٢٨٩) في ترجمة سعيد بن سلمة المخزومي، ولكن في الوجه الأخير إشكال من عدة وجوه:١ - أنه غير موجود في النسخة الخطية لـ «تهذيب الكمال» التي طبعت مصورة عن دار المأمون، وهي نسخة دون النسخ التي اعتمدها الأستاذ بشار عواد في تحقيقه للكتاب بكثير، ولكن هذا يدعونا إلى مزيد تحرير لهذا الموضع.
الحديث، فقال: هو حديث صحيحٌ(١).قال البيهقيُّ: وإنَّما لم يخرجه البخاريُّ ومسلمٌ في «الصَّحيح» لأجل اختلافٍ وقع في اسم: سعيد بن سلمة والمغيرة بن أبي بُردة(٢).وقد جمعتُ في حديث أبي هريرة [هذا](٣) وشواهده من الأحاديث جزءً كبيراً O. ٥ - وروى أحمد: ثنا أبو القاسم بن أبي الزِّناد أخبرني إسحاق بن حازم عن عبيد الله بن مِقْسَم عن جابر بن عبد الله عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال في البحر: «هو الطَّهور ماؤه، الحلُّ ميتته»(٤).٢ - أننا لم نقف على أحد ذكر هذا الوجه قبل المزي - إذا جزمنا بصحة ما في مطبوعة «تهذيب الكمال» -، مع أنه قد تكلم غير واحد من الحفاظ على الاختلاف الذي وقع على يزيد بن أبي حبيب في الحديث، ومنهم: الحافظ الدارقطني في «علله»: (٩/ ٩ - رقم: ١٦١٤)، والحافظ البيهقي في «المعرفة»: (١/ ١٣٣ - رقم: ٥ وما بعده)، والحافظ ابن دقيق العيد في «الإمام»: (١/ ١٠٣)، والحافظ مغلطاي في «الإعلام بسنته عليه السلام»: (١/ ٢٢٩)،والحافظ الزيلعي في «نصب الراية»: (١/ ٩٧)، والحافظ ابن الملقن في أول «البدر المنير»: (١/ ١٦ - ١٩).٣ - أن الحافظ المزي ذكر الخلاف الذي وقع في هذا الحديث على الجلاح في ترجمته من «تهذيب الكمال»: (٥/ ١٧٧ - رقم: ٩٨٨)، وفي تحفة الأشراف": (١٠/ ٣٧٥ - رقم: ١٤٦١٨) ولم يذكر هذا الوجه.٤ - أننا لم نقف على ذكر لكثير بن سلمة المخزومي في كتب التراجم التي بين أيدينا، لا في موضع ترجمته، ولا في ترجمة الراوي عنه (الجلاح أبو كثير)، ولا في ترجمة شيخه (المغيرة بن أبي بردة).(١) «علل الترمذي الكبير»: (ص: ٤١ - رقم: ٣٣).(٢) «المعرفة»: (١/ ١٣٢ - رقم: ٢).(٣) زيادة من (ب).(٤) «المسند»: (٣/ ٣٧٣).
ثم ساق المؤلف حديث أبي هريرة من طريق الإمام أحمد(١).ز: حديث جابر: رواه ابن ماجه(٢) وأبو حاتم(٣) والدارَقُطْنيُّ(٤).وأبو القاسم ابن أبي الزِّناد: صدوقٌ.وإسحاق بن حازم: وثَّقه أحمد(٥) وابن معين(٦)، وقال أبو حاتم: صالح الحديث(٧). وقال الدارَقُطْنِيُّ: وإسحاق بن حازم هذا: شيخٌ مدينىٌّ، ليس بالقويِّ، وقد اختلف عنه في إسناد هذا الحديث(٨) O.قال: وقد رويناه أيضاً من حديث: أبي بكر الصدِّيق، وعليٍّ بن أبي طالب، وابن عبَّاس، وعمرو بن شُعَيب عن أبيه عن جدِّه.واحتجاج أصحابنا منه: أَنَّه لو أراد بالطَّهور الطَّاهر لم يكن جواباً عن السُّؤال، لأنَّ في الطَّاهرات ما يجوز التَّطهر به وما لا يجوز، فعلم أنَّ الطَّهور اسم مختصٌّ بما يتطهر به.ز: قد قيل: إنَّ الطَّهور لازمٌ لفظاً ومعنًى؛ [وقيل: متعدٍّ لفظاً(١) ابن الجوزي ساقه من طريق أحمد عن عبد الرحمن عن مالك عن صفوان به، وهو في «المسند» كما سبق (ص: ١١).(٢) «سنن ابن ماجه»: (١/ ١٣٧ - رقم: ٣٨٨).(٣) «الإحسان» لابن بلبان: (٤/ ٥١ - رقم: ١٢٤٤).(٤) «سنن الدارقطني»: (١/ ٣٤).(٥) «الجرح والتعديل»: (٢/ ٢١٦ - رقم: ٧٤٠) من رواية صالح عنه. وفي «العلل» لعبد الله: (١/ ٥٣١ - رقم: ١٢٥٠): (شيخ ثقة).(٦) «التاريخ» برواية الدارمي: (ص: ٧٣ - رقم: ١٥٨).(٧) «الجرح والتعديل»، (٢/ ٢١٦ - رقم: ٧٤٠).(٨) «علل الدارقطني»: (١/ ٢٢٠ - رقم: ٢٦).
ومعنًى؛](١) وقيل: لازمٌ لفظاً متعدٍّ معنًى.قال شيخنا رضي الله عنه: والتَّحقيق في هذا أن يقال: إنَّ الطَّهور هنا ليس معدولاً عن طاهرٍ حتَّى يشاركه في اللزوم والتَّعدِّي بحسب اصطلاح النُّحاة - كما يقال(٢): ضاربٌ و [ضروبٌ](٣)، وآكلٌ وأكولٌ، ونائمٌ ونؤومٌ-، ولكن من أسماء الآلات التي تفعل بها، فإنَّهم يقولون: طَهُورٌ ووَجُورٌ(٤) وسَعُوطٌ(٥) ولَدُودٌ(٦) وفَطُورٌ وسَحُورٌ: لما يُتَطَهَّر به ويُوجَر به ويُلَدُّ به ويُفْطَر عليه ويُتَسحَّر به، ويقولون: طُهُورٌ ووُجُورٌ وسُعُوطٌ ولُدُودٌ وفُطُورٌ وسُحُورٌ - بالضمِّ-: للمصدر الذي هو اسمٌ لنفس الفعل.فيفرِّقون بين اسم الفعل واسم ما يفعل به: بالضمِّ والفتح، وهذا معروفٌ مشهورٌ عند أهل العلم بالعربية وغيرهم من الفقهاء والمحدِّثين، وإذا كان كذلك فالطَّهُور: اسمٌ لما يتطهَّر به.وكذا قال تعالى في إحدى الآيتين: (وأنزلنا من السماء ماء طهوراً) [الفرقان: ٤٨]، وفي الأخرى: (وينزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به) [الأنفال: ١١].وأمَّا اسم طاهر فإنَّه صفةٌ محضةٌ لازمةٌ، لا يدلُّ على ما يتطهر به أصلاً.فصار الفرق بين الطَّاهر والطَّهور من جهة اللزوم والتَّعدية المعنويَّة(١) زيادة من (ب).(٢) في (ب): (كما في).(٣) في الأصل: (مضروب)، والتَّصويب من (ب) و «الفروع» لابن مفلح.(٤) في القاموس": (٦٣٢): (الوَجور: الدَّواء يُوجَر في الفم، ويضمُّ) ا. هـ(٥) في «المصباح المنير»: (٢٧٧): (السَّعوط- مثل رَسول-: دواء يصبُّ في الأنف) ا. هـ(٦) في «القاموس»: (٤٠٥): (اللَدُود - كصَبور-: ما يصبُّ بالمُسْعُط من الدَّواء في أحد شقي الفم) ا. هـ