الأجوبة المرضية فيما سئل السخاوي عنه من الأحاديث النبوية (السخاوي) القسم: التخريج والأطراف الكتاب: الأجوبة المرضية فيما سئل السخاوي عنه من الأحاديث النبوية المؤلف: شمس محمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت ٩٠٢ هـ)المحقق: د. محمد إسحاق محمد إبراهيم الناشر: دار الراية للنشر والتوزيع الطبعة: الأولى، النشر: ١٤١٨ هـعدد المجلدات: ٣ (متسلسلة الترقيم)أعده للشاملة: فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيمصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.أما بعد حمدًا لله الذي من وجه إليه سؤاله فاز، ومن التمس معونته أرشده للتمييز بين ما حرم وجاز، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، كعبة القصد، التي ليس بينها وبين النجح حجاز، وعلى آله وصحبه، حقائق الفضل ومن بعدهم مجاز.فلما أن يسر الله تعالى على بالاشتغال بالحديث النبوي، وكرعت من هذا المنهل العذب الروي، حتى كدت أمير السقيم من الصحيح، وأحاكي القويم في التعديل والتجريح، مع الاطلاع على إيضاح الغريب، والوقوف على المعنى المصيب، والعزو للمظان فيما لعله يخلى عن كثير، إلى غير ذلك مما يعلمه أهل النقد والتحرير، وصرت أسأل عن ذلك من القاطن والسالك، فيحصل الجواب فيه على الفتح متحريًا ـ إن شاء الله ـ عما يستوجب الطعن والقدح، فلما اجتمع من مسودات ذلك جملة عندي، مما أخشى عدم الانتفاع به في الحياة، وبعدي، استخرت الله تعالى في جمع
الأسئلة أولاً فأولاً، وتعقبت كل سؤال بالجواب عنه مذيلا، لينتفع بذلك من سأله ممن حسن ظنه فيما أبديه وقبله، وبالله الكريم عوني، وإياه أسأل عن الخطأ صوني، إنه قريب مجيب.
١ - حديث: النهي عن كسر سكة المسلمين.رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي في سنتهم، وأحمد في مسنده والحاكم في صحيحه كلهم من طريق محمد بن فضاء عن أبيه عن علقمة بن عبد الله وهو: ابن عمرو بن هلال، وقيل: ابن شرحبيل المزني عن أبيه رضي الله عنه، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس.زاد الحاكم وغيره في روايته: أن يُكسر درهما فتجعل فضة أو يُكسر
الدينار فتُجعل ذهباً. وقال الحاكم: صحيح الإسناد.قلت: وسكت عليه أبو داود فهو عنده صالح للاحتجاج وهو عجيب منهما، فالحديث ضعيف لا تقوم به حجة، لأن مداره على محمد بن فضاء، وقد قال البخاري: سمعت سليمان بن حرب يضعفه ويقول: كان يبيع الشراب، قال: وقال لي سليمان بن حرب: روى ابن فضا عن أبيه حديث نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كسر سكة المسلمين، قال سليمان: ولم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم سكة إنما ضربها الحجاج بن يوسف أو نحوه. انتهى.وروينا في جزء من حديث أبي رفاعة عمارة بن وثيمة أنه قال: يا محمد: أول من ضرب الدنانير في الإسلام: عبد الملك بن مروان، وإنما كانت الدنانير تأتي من بلد الروم ويطلق لهم القراطيس وكانت في رؤوس الطوامير (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله ولا الملائكة
المقربون) إلى آخر الآية [النساء/ ١٧٢]، فلما نظر ملك الروم إلى الكتاب، قال: ما هذا؟ فقرئ عليه وقيل له: شتموا آلهتك التي تُعبد ـ يعنون عيسى ـ فغضب وكتب إلى عبد الملك يقول: والله لئن كتبت بعد هذا في الطوامير لأنقشن في الدنانير شتم نبيك، فاغتم عبد الملك فدخل عليه خالد بن يزيد بن معاوية، وكان ذاهبًا فأخبره، فقال له خالد: لا تغتم اجعل عندك دارًا للضرب، واضرب فيها وامنعه القراطيس، فإنه سيحتاج إليها فيأخذها على ما فيها شاء أو أبى، ففعل، فكان أول من ضربها في الإسلام عبد الملك بذلك.
٢ - حديث: "المنبتُّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى".رواه البزار في مسنده وأبو نعيم في بعض تصانيفه والحاكم في علوم الحديث له، والبيهقي في سننه عنه وابن طاهر في صفوة التصوف من طريق الحاكم، كلهم من حديث خلاد بن يحيى عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل عن محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا الدين
متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله، فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى". وقال الحاكم عقب تخريجه: هذا حديث غريب المتن والإسناد، وكل ما روي فيه فهو من الخلاف على محمد بن سوقة، فأما ابن المنكدر عن جابر، فليس يرويه غير محمد بن سوقة، وعنه أبو عقيل، وعنه خلاد بن يحيى. انتهى. وقال البيهقي: هكذا رواه أبو عقيل، وقد قيل عن محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن عائشة ـ يعني من رواية عبيد الله بن عمرو الرقي عن محمد ـ وقيل عنه، عن محمد ابن المنكدر عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، هذه رواية عنبسة بن عبد الواحد عن محمد، وقيل: عند غير ذلك.قلت: كرواية شهاب بن خراش عن شيبان النحوي. ورواه عنه عن الحسن البصري مرسلاً، ورواية بعضهم عنه عن ابن المنكدر، وقال: قال عمر. أشار إلى ذلك الدارقطني في "العلل" وقال: ليس فيها حديث ثابت. انتهى. وقد قال البخاري في ترجمة محمد بن سوقة من تاريخه قال لي إسحاق: أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا محمد بن سوقة حدثني ابن محمد بن المنكدر، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن محمد بن المنكدر، ورواه أبو عقيل
يحيى عن ابن سوقة عن المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم. والأول أصح. انتهى. وأبو عقيل ضعفه ابن المبارك، وعلى بن المديني والنسائي وغيرهم. وقال حرب: قلت لأبي عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل-: كي حديثه؟ فكان ضعفه، وقال أبو زرعة. لين، وقال ابن حبان: ينفرد بأشياء ليس لها أصول ولا يرتاب الممعن في الصناعة إنها معمولة، وقال ابن عدي: عامة حديثه غير محفوظة، وقال الساجي: منكر الحديث، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم، وقال ابن عبد البر: هو عند جميعهم ضعيف، ولحديثه شاهد: لكنه ضعيف أيضا. أخرجه البيهقي في سننه، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ـ هو الحاكم ـ أخبرنا محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى حدثنا فضل بن محمد الشعراني، حدثنا أبو صالح ـ يعني عبد الله بن صالح كاتب الليث ـ حدثنا الليث هو ابن سعد عن ابن عجلان ـ يعني محمدًا ـ عن مولى لعمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك [فإن المنبت] لا سقرًا قطع ولا ظهرًا أبقى، فاعمل عمل امرئٍ يظن أن لن يموت أبدًا، واحذر حذرًا يخشى أن يموت غدًا".
والفضل بن محمد: قال أبو حاتم: تكلموا فيه، وقال الحاكم: كان أدبيًا فقيهًا عابدًا عارفًا بالرجال، وكان أرسل شعره فلقب بالشعراني، وهو ثقة، ولم يطعن فيه بحاجة، وقد سُئِلِ عنه الحسين بن محمد القباني فرماه بالكذب، وقال: سمع أبا عبد الله بن الأخرم يُسال عنه فقال: صدوق إلا أنه كان غاليًا في التشيع.المولى لم أقف على اسمه وما عرفته والله أعلم.وله طريقان في الأمثال للعسكري، وتكلم على معناه وهو من حديث جابر أيضًا عند القضاعي في مسند الشهاب، وله طريقة ثالثة لكنها مختصرة أخرجها عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه، قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده.حدثنا زيد بن الحباب أخبرني عمرو بن حمزة، حدثنا خلف أبو الربيع إمام مسجد سعيد بن أبي عروبة، حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق".وخلف هذا غير خلف بن مهران العدوي الذي روى له النسائي حديث: من قتل عصفورًا عبثًا. وإن كان صنيع المزي في
تهذيبه يقتضى أنهما واحد، فإن البخاري قد فرَّق بينهما، فجعل خلف بن مهران إمام مسجد بني عدي غير خلف أبي الربيع إمام مسجد سعيد بن أبي عروبة، وكذا قال أبو حاتم وذكر أن إمام مسجد سعيد يروي عن أنس، قال البخاري: وعنه عمرو بن حمزة القيسي لا يتابع في حديثه، وقال ابن خزيمة: لا أعرف خلفًا بعدالة ولا جرح، وكذا قال في الراوي عنه وتوقف في صحة حديثهما، وقال ابن عدي في الراوي
عنه مقدار ما يرويه غير محفوظ، وقال الدارقطني: ضعيف.قلت: وزعم الهيثمي أن رجاله موثقون وأن خلفًا لم يدرك أنسًا، وتعقب عليه بما تقدم، وعلى كل حال فالحديث ضعيف إلا أن هذه الطريق على اختصارها أجود من اللتين قبلها. وبالله التوفيق.وقرأت بخط بعض أصحابنا: المتين: الصلب الشديد، والموغل المبالغ.والمنبت: بالمثناة الذي انقطع ظهره وأصل البت: القطع، فالمراد - والله أعلم - إن هذا الدين مع كونه سهلاً يسيرًا صلب شديد، فبالغوا فيه في العبادة، لكن اجعلوا تلك المبالغة مع رفق فإن الذي يبالغ فيه بغير رفق فيتكلف من العبادة فوق طاقته يوشك أن يمل حتى ينقطع عن الواجبات، فيكون مثله مثل الذي يعسف الركاب ويحملها على السير على ما لا يطيق رجاء الإسراء، فينقطع ظهره فلا هو قطع الأرض التي أراد ولا هو أبقى ظهره سالمًا ينتفع به بعد ذلك، وهذا كالحديث الآخر: «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه» أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة.قلت: وفي الأمر بالرفق أحاديث كثيرة مخرجة في الستة وغيرها من حديث جمع من الصحابة رضي الله عنهم والله أعلم.
٣ - حديث: "من آذى ذميًا فأنا خصمه".رواه أبو داود بنحوه في كتاب الخراج من سنته عن سلميان بن داود بن مهران عن ابن وهب عن أبي صخر المدني عن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم وفيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إلا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا خصمه يوم القيامة" وإسناده لا بأس به، ولا يضر جهالة من لم يُسم من أبناء الصحابة، فإنهم عدد كثير ينجبر به جهالتهم، وقد سكت عليه أبو داود فهو عنده صالح. ورواه البيهقي في سنته من طريق ابن وهب كما أخرجناه، لكنه قال: عن ثلاثين من أبناء أصحاب رسول الله عن آبائهم دنية، فكذره بلفظ: "ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة" وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصبعه إلى صدره: "ألا ومن قتل معاهدًا له ذمة الله وذمة رسول الله، حرم الله عليه ربح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا.قلت: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وجابر، وأبي بكرة، وأبي هريرة، وعبد الله بن جراد وغيرهم.أما حديث عبد الله بن عمرو، فرواه البخاري في الصحيح ولفظه،
ومن لم يُسم: "من قتل معاهدًا بغير حق، لم يرح رائحة الجنة، وإنه ليوجد ريحها من مسيرة أربعين عامًا".وأما حديث جابر، فرويناه من حديث العباس بن أحمد المذكر، قال: حدَّثنا داود بن علي بن خلف، حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم، حدَّثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من آذى ذميًا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة" وهكذا أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات وقال: قال الخطيب: هذا الحديث منكر بهذا الإسناد، والحمل فيه عندي على المذكر، وكان غير ثقة.قلت: والراوي عنه متهم بالاختلاق.
وأما حديث أبي بكرة، فرواه أبو داود والنسائي في سننهما والإمام أحمد والدرامي في مسنديهما والحاكم وابن حبان في صحيحهما، والبيهقي في سننه ولفظه: "ومن قتل نفسًا معاهدة بغير حلها، فقد حرم الله عليه الجنة أن يشم ريحها".وأما حديث أبي هريرة، فأخرجه الحاكم في صحيحه، وقال: على شرط مسلم، والترمذي في جامعه وقال: حسن صحيح، وابن ماجه في سننه كلهم من حديث محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: "من قتل نفسًا معاهدة، له ذمة الله وذمة رسوله، فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحته الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا" وهو عند الطبراني من وجه آخر بلفظ: "من مسيرة مائة عام".