المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ط العلمية (ابن جني) القسم: التجويد والقراءات الكتاب: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها المؤلف: أبو الفتح عثمان بن جني (ت ٣٩٢ هـ)المحقق: محمد عبد القادر عطا الناشر: دار الکتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ معدد الأجزاء: ٢[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرّحمن الرّحيم مقدمة التحقيقالحمد لله حمدا طيبا مباركا، متصلا ما دامت الأرض والسماء. الحمد لله الذى أمد لعباده فى عفوه ولم يأخذهم بما اقترفته أيديهم، إنه-سبحانه-الغفور الرحيم، تعالى عما يصفون. . وسلام على المرسلين. .وبعد:لقد فتح الله لأمة نبيه الخاتم صلى الله عليه وسلم من أبواب رحمته ما لم يفتح قبله مثله، منذ أن اصطفاهم بخيرة الأنبياء والمرسلين، النبى الأمى محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وحتى أدخلهم الجنان بمنّه وفضله، وأنعم عليهم النعمة كلها وفضلهم على كثيرا ممن خلق تفضيلا، فالحمد له-تعالى-كما ينبغى لجلال وجهه وعظيم سلطانه.ومن أبواب الرحمة التى فتحها الله على الأمة الإسلامية-وهى أكثر من أن تحصى أو تعد -أن جعل فيهم القرآن هاديا مرشدا، فيه خبر الأولين ونبأ الآخرين، وحفظه من كل سوء وعبث: {إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ} وتلك مزية لم تكن لغيره من الكتب قبله.وزاد الله فى فضله-وهو سبحانه أهل الفضل-فيسر عليهم فيه، التيسير كله، فأباح لهم قراءته، كل على قدر طاقته تخفيفا عليهم، ورحمة منه، فقرأه الناس على حروفهم ولم يلتزموا حرفا واحدا، وإن التزموا فى العمل وامتثلوا هدى نبيهم صلى الله عليه وسلم، فجاءت أفعالهم واحدة، وإن شاب قراءتهم بعض الاختلاف.فالحمد لله لا نحصى ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه.وقد اهتم المسلمون بذلك الباب من أبواب رحمة ربهم-نعنى علم القراءات-أيّما اهتمام، وأفردوا له من المجلدات والأسفار الكثير؛ دلالة منهم على شكر النعمة التى أنعم عليهم ربهم عز وجل.
فقد صنف فى علوم القرآن وفنونه جماعة من العلماء، منهم قاضى القضاة جلال الدين، أخو شيخ مشايخ الإسلام علم الدين البلقينى سماه «مواقع العلوم من مواقع النجوم» قال فى خطبته: «وأنواع القرآن شاملة وعلومه كاملة فأردت أن أذكر فى هذا التصنيف ما وصل إلى علمى مما حواه القرآن الشريف من أنواع علمه المنيف، وينحصر فى أمور:الأمر الأول: مواطن النزول وأوقاته ووقائعه وفى ذلك اثنا عشر نوعا:المكى والمدنى، السفرى والحضرى، الليلى والنهارى، الصيفى والشتائى، القراشى، أسباب النزول، أول ما نزل، آخر ما نزل.الأمر الثانى: السند، وهو ستة أنواع:المتواتر، الآحاد، الشاذ، قراءات النبى صلى الله عليه وسلم، الرواة، الحفاظ.الأمر الثالث: الأداء، وهو ستة أنواع:الوقف، الابتداء، الإمالة، المد، تخفيف الهمزة، الإدغام.الأمر الرابع: الألفاظ، وهو سبعة أنواع:الغريب، المعرب، المجاز، المشترك، المترادف، الاستعارة، التشبيه.الأمر الخامس: المعانى المتعلقة بالأحكام، وهو أربعة عشر نوعا:العام الباقى على عمومه، العام المخصوص، العام الذى أريد به الخصوص، ما خص فيه الكتاب السنة، ما خصت فيه السنة الكتاب، المجمل المبين، المؤول، المفهوم، المطلق، المقيد، الناسخ، المنسوخ، نوع من الناسخ والمنسوخ، وهو ما عمل به من الأحكام مدة معينة والعامل به واحد من المكلفين.الأمر السادس: المعانى المتعلقة بالألفاظ، وهو خمسة أنواع:الفصل، الوصل، الإيجاز، الإطناب، القصر.قال: ومن الأنواع ما لا يدخل تحت الحصر: الأسماء، الكنى، الألقاب، المبهمات.وتعقبه السيوطى فقال: تكلم فى كل نوع بكلام مختصر يحتاج إلى تحرير وتتمات وزوائد مهمات فصنفت فى ذلك كتابا سميته «التحبير فى علوم التفسير» ضمنته ما ذكره البلقينى من الأنواع مع زيادة مثلها وأضفت إليه فوائد سمحت القريحة بنقلها.ومنهم الشيخ الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشى الذى ألف كتابا فى ذلك حافلا يسمى «البرهان فى علوم القرآن» قال فى خطبته: «لما كانت علوم القرآن لا تحصى، ومعانيه لا تستقصى، وجبت العناية بالقدر الممكن، ومما فات المتقدمين وضع كتاب يشمل على أنواع علومه كما وضع الناس ذلك بالنسبة إلى علم الحديث، فاستخرت الله تعالى، وله الحمد فى وضع كتاب فى ذلك جامع لما تكلم الناس فى فنونه، وخاضوا فى نكته وعيوبه،
وضمنته من المعانى الأنيقة، والحكم الرشيقة، ما بهر القلوب عجبا ليكون مفتاحا لأبوابه، عنوانا على كتابه، معينا للمفسر على حقائقه، مطلعا على بعض أسراره ودقائقه، وسميته «البرهان فى علوم القرآن».ومنهم الحافظ السيوطى صاحب كتاب الإتقان فى علوم القرآن، الذى قال فى خطبته:«لما وقفت على هذا الكتاب-أى كتاب البرهان-ازدت به سرورا، وحمدت الله كثيرا وقوى العزم على إبراز ما أضمرته وشددت الحزم فى إنشاء التصنيف الذى قصدته فوضعت هذا الكتاب العلى الشأن، الجلى البرهان، الكثير الفوائد والإتقان، ورتبت أنواعه ترتيبا أنسب من ترتيب البرهان، وأدمجت بعض الأنواع فى بعض وفصلت ما حقه أن يبان، وزدته على ما فيه من الفوائد والقواعد والشوارد ما يشنف الآذان، وسميته ب «الإتقان فى علوم القرآن».الإتقان ٥/ ١،٧.واعلم أنه ما من نوع من هذه الأنواع إلا ولو أراد الإنسان استقصاءه لاستفرغ عمره ثم لم يحكم أمره.وفى هذا الكتاب الذى نقدمه اليوم للقارئ المسلم سنقف عند أحد فروع علوم القرآن، ألا وهو علم القراءات القرآنية وعلى وجه الخصوص توجيه القراءات الشاذة، هذا العلم العظيم الشأن الذى أفردت له المؤلفات العظام منذ بدلاية زمن التأليف حتى زمننا هذا، ولأهمية هذا الكتاب أردنا إلا يخلو من تقديمه بمقدمة تليق بهذا الكتاب الذى قام بتأليفه ابن جنى جامعا مادته من عدة مؤلفات سابقة لإئمة هذا الشأن، وستدور المقدمة حول عدة محاور:أولها: يدور حول القرآن وقراءاته.وثانيهما: حول ابن جنى ومؤلفاته.وآخرها: حول كتاب المحتسب.*** القرآن وقراءاتهالقرآن فى جمعه وترتيبه:قال الدير عاقولى فى فوائده: حدثنا إبراهيم بن بشار، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهرى عن عبيد، عن زيد بن ثابت، قال: قبض النبى صلى الله عليه وسلم ولم يكن القرآن جمع فى شئ.قال الخطابى: إنما لم يجمع صلى الله عليه وسلم القرآن فى المصحف، لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته، ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة، فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر.
وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبى سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تكتبوا عنى شيئا غير القرآن. . .» الحديث، فلا ينافى ذلك لأن الكلام فى كتابة مخصوصة على صفة مخصوصة وقد كان القرآن كتب كله فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن غير مجموع فى موضع واحد ولا مرتب السور.قال الحاكم فى المستدرك: جمع القرآن ثلاث مرات:إحداها: بحضرة النبى صلى الله عليه وسلم ثم أخرج بسند على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت قال:«كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع» الحديث.وقال البيهقى: أشبه أن يكون المراد به تأليف ما نزل من الآيات المفرقة فى سورها وجمعها فيها بإشارة النبى صلى الله عليه وسلم.الثانية: بحضرة أبى بكر.روى البخارى فى صحيحه عن زيد بن ثابت قال: أرسل إلىّ أبو بكر، مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر أتانى، فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإنى أخشى أن يستحر القتل بالقراء فى المواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإنى أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. قال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعنى حتى شرح الله صدرى لذلك، ورأيت فى ذلك الذى رأى عمر.قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فأجمعه. فو الله لو كلفونى نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علىّ مما أمرنى به من جمع القرآن.قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعنى حتى شرح الله صدرى للذى شرح الله له صدر أبى بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبى خزيمة الأنصارى لم أجدها مع غيره: {لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ} حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبى بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر.وأخرج ابن أبى داود فى المصاحف بسند حسن عن عبد خير قال: سمعت عليّا يقول:«أعظم الناس فى المصاحف أجرا أبو بكر، رحمة الله على أبى بكر، هو أول من جمع كتاب الله».لكن أخرج أيضا من طريق ابن سيرين، قال: «قال على: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم آليت أن لا آخذ علىّ ردائى إلا لصلاة جامعة حتى أجمع القرآن فجمعته».قال ابن حجر: هذا الأثر ضعيف لانقطاعه، وبتقدير صحته، فمراده بجمعه حفظه فى
صدره، وما تقدم من رواية عبد خير، إن صح عنه، فهو المعتمد.قال السيوطى: قد ورد من طريق أخرى، أخرجه ابن الضريس فى فضائله. حدثنا بشر بن موسى، حدثنا هودة بن خليفة، حدثنا عون، عن محمد بن سيرين، عن عكرمة، قال: لما كان بعد بيعة أبى بكر قعد على بن أبى طالب فى بيته، فقيل لأبى بكر: قد كره بيعتك:فأرسل إليه، فقال: أكرهت بيعتى؟ قال: لا والله، قال: ما أقعدك عنى، قال: رأيت كتاب الله يزاد فيه، فحدثت نفسى أن لا ألبس ردائى إلا لصلاة حتى أجمعه. قال أبو بكر: فإنك نعم ما رأيت.قال محمد: فقلت لعكرمة: ألفوه كما أنزل الأول فالأول، قال: لو اجتمعت الأنس والجن على أن يؤلفوه هذا التأليف ما استطاعوا.وأخرجه ابن أشتة فى المصاحف من وجه آخر عن ابن سيرين، وفيه: أنه كتب فى مصحفه الناسخ والمنسوخ، وأن ابن سيرين، قال: تطلبت ذلك الكتاب، وكتبت فيه إلى المدينة فلم أقدر عليه.وأخرج ابن أبى داود من طريق الحسن: «أن عمر سأل عن آية من كتاب الله، فقيل:كانت مع فلان يوم اليمامة، فقال: إنا لله، وأمر بجمع القرآن، فكان أول من جمع القرآن فى المصحف. . .» إسناده منقطع، والمراد بقوله: فكان أول من جمع، أى أشار بجمعه.قال السيوطى: ومن غريب ما ورد فى أول من جمعه ما أخرجه ابن أشتة فى كتاب المصاحف من طرق كهمس، عن ابن بريدة، قال: أول من جمع القرآن فى مصحف سالم مولى أبى حذيفة أقسم لا يرتدى برداء حتى يجمعه، فجمعه ثم ائتمروا ما يسمونه، فقال بعضهم: سموه السفر، قال: ذلك تسمية اليهود، فكرهوه، فقال: رأيت بالحبشة يسمى المصحف، فاجتمع رأيهم على أن يسموه المصحف، إسناده منقطع أيضا، وهو محمول على أنه كان أحد الجامعين بأمر أبى بكر.وأخرج ابن أبى داود من طريق يحيى عبد الرحمن بن حاطب، قال: قدم عمر، فقال: من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من القرآن، فليأت به، وكانوا يكتبون ذلك فى الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان.وهذا يدل على أن زيدا كان لا يكتفى بمجرد وجدانه مكتوبا حتى يشهد به من تلقاه سماعا مع كون زيد كان يحفظ، فكان يفعل ذلك مبالغة فى الاحتياط.وأخرج ابن أبى داود أيضا من طريق هشام بن عروة، عن أبيه أن أبا بكر، قال: لعمر ولزيد: اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شئ من كتاب الله فاكتباه.قال ابن حجر: وكأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتابة.وقال السحاوى فى جمال القراء: المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين
يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التى نزل بها القرآن.قال أبو شامة: وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين النبى صلى الله عليه وسلم لا من مجرد الحفظ، قال: ولذلك قال: فى آخر سورة التوبة لم أجدها مع أحد غيره، أى لم أجدها مكتوبة مع غيره؛ لأنه كان لا يكتفى بالحفظ دون الكتابة.قال السيوطى: أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك مما عرض على النبى صلى الله عليه وسلم عام وفاته كما يؤخذ مما تقدم آخر النوع السادس عشر.وقد أخرج ابن أشتة فى المصاحف عن الليث بن سعد، قال: أول من جمع القرآن أبو بكر وكتبه زيد وكان الناس يأتون زيد بن ثابت، فكان لا يكتب آية إلا بشاهدى عدل، وأن آخر سورة براءة لم توجد إلا مع خزيمة بن ثابت، فقال: اكتبوها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل شهادته بشهادة رجلين، فكتبت، وأن عمر أتى بآية الرجم، فلم يكتبها؛ لأنه كان وحده.وقال الحارث المحاسبى فى كتاب فهم السنن: كتابة القرآن ليست بمحدثة؛ فإنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرقا فى الرقاع والأكتاف والعسب؛ وإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان، وكان مجتمعا، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت فى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها القرآن منتشرا، فجمعها جامع، وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شئ.قال: فإن قيل: كيف وقعت الثقة بأصحاب الرقاع وصدور الرجال؟. قيل: لإنهم قد شاهدوا تلاوته من النبى صلى الله عليه وسلم عشرين سنة، فكان تزوير ما ليس منه مأمونا، وإنما كان الخوف من ذهاب شئ من صحفه، وقد تقدم فى حديث زيد أنه جمع القرآن من العسب واللخاف.وفى رواية: والرقاع، وفى أخرى: وقطع الأديم، وفى أخرى والأكتاف، وفى أخرى:والأضلاع، وفى أخرى: والأقتاب والعسب جمع عسيب، وهو جريد النخل، كانوا يكشطون الخوص، ويكتبون فى الطرف العريض، واللخاف بكسر اللام وبخاء معجمة خفيفة آخره فاء، جمع لخفة، بفتح اللام وسكون الخاء، وهى الحجارة الدقاق.وقال الخطابى: صفائح الحجارة والرقاع، جمع رقعة، وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد، والأكتاف جمع كتف، وهو العظم الذى للبعير أو الشاة كانوا إذا جف كتبوا عليه، والأقتاب جمع قتب، وهو الخشب الذى يوضع على ظهر البعير ليركب عليه.وفى موطأ ابن وهب، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر، قال:جمع أبو بكر القرآن فى قراطيس، وكان يسأل زيد بن ثابت فى ذلك، فأبى حتى استعان عليه بعمر، ففعل.وفى مغازى موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، قال: لما أصيب المسلمون باليمامة، فزع أبو بكر، وخاف أن يذهب من القرآن طائفة، فأقبل الناس بما كان معهم وعندهم، حتى جمع على عهد أبى بكر فى الورق، فكان أبو بكر أول من جمع القرآن فى المصحف.
قال ابن حجر: ووقع فى رواية عمارة بن غزية: أن زيد بن ثابت قال: فأمرنى أبو بكر، فكتبته فى قطع الأديم والعسب، فلما توفى أبو بكر، وكان عمر كتب ذلك فى صحيفة واحد، فكانت عنده، قال: والأول أصح، إنما كان فى الأديم والعسب أولا قبل أن يجمع فى عهد أبى بكر، ثم جمع فى الصحف فى عهد أبى بكر كما دلت عليه الأخبار الصحيحة المترادفة.قال الحاكم: والجمع الثالث: هو ترتيب السور فى زمن عثمان.روى البخارى عن أنس أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازى أهل الشام فى فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم فى القراءة، فقال لعثمان: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حفصة أن أرسلى إلينا الصحف ننسخها فى المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها فى المصاحف.وقال عثمان للرهط القريشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف فى المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن فى كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.قال زيد: ففقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها فالتمسناها، فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصارى، فألحقناها فى سورتها فى المصحف.قال ابن حجر: وكان ذلك فى سنة خمس وعشرين، قال: وغفل بعض من أدركناه، فزعم أنه كان فى حدود سنة ثلاثين، ولم يذكر له مستندا، انتهى.وأخرج ابن اشتة من طريق أيوب، عن أبى قلابة، قال: حدثنى رجل من بنى عامر يقال له أنس بن مالك، قال: اختلفوا فى القرآن على عهد عثمان حتى اقتتل الغلمان والمعلمون، فبلغ ذلك عثمان بن عفان، فقال: عندى تكذبون به، وتلحنون فيه، فمن نأى عنى كان أشد تكذيبا وأكثر لحنا يا أصحاب محمد، اجتمعوا، فاكتبوا للناس إماما فاجتمعوا، فكتبوا، فكانوا إذا اختلفوا فى أى آية، قالوا: هذه أقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلانا، فيرسل إليه، وهو على رأس ثلاث من المدينة، فيقال له: كيف أقرأك رسول الله صلى الله عليه وسلم آية كذا وكذا؟ فيقول كذا وكذا، فيكتبونها، وقد تركوا لذلك مكانا.وأخرج ابن أبى داود من طريق محمد بن سيرين، عن كثير بن أفلح، قال: لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اننى عشر رجلا من قريش والأنصار، فبعثوا إلى الرابعة التى فى
بيت عمر فجئ بها، وكان عثمان يتعاهدهم، فكانوا إذا اختلفوا فى شئ أخروه.قال محمد: فظننت إنما كانوا يؤخرونه؛ لينظروا أحدثهم عهدا بالعرضة الأخيرة، فيكتبونه على قوله.وأخرج ابن أبى داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة، قال: قال على: لا تقولوا فى عثمان إلا خيرا، فو الله ما فعل الذى فعل فى المصاحف إلا عن ملأ منا، قال: ما تقولون فى هذه القراءة، فقد بلغنى أن بعضهم، يقول: إن قراءتى خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرا، قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة ولا اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت.والفرق بين جمع أبى بكر وجمع عثمان، أن جمع أبى بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شئ بذهاب حملته؛ لأنه لم يكن مجموعا فى موضع واحد فجمعه فى صحائف، مرتبا لآيات كل سورة على ما وقفهم عليه النبى صلى الله عليه وسلم، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف فى وجوه القراءة حتى قرؤه بلغاتهم على اتساع اللغات؛ فأدى ذلك ببعضهم إلى تخطئة بعض، فخشى من تفاقم الأمر فى ذلك، فنسخ تلك الصحف فى مصحف واحد مرتبا لسوره، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجا بأنه نزل بلغتهم، وإن كان قد وسع فى قراءته بلغة غيرهم، رفعا للحرج والمشقة فى ابتداء الأمر، فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت، فاقتصر على لغة واحدة.وقال القاضى أبو بكر فى الانتصار: لم يقصد عثمان قصد أبى بكر فى جمع نفس القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبى صلى الله عليه وسلم وإلغاء ما ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير ولا تأويل، ولا منسوخ تلاوته، كتب مع مثبت رسمه، ومفروض قراءته، وحفظه خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتى بعد.وقال الحارث المحاسبى: المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان، وليس كذلك، إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار، لما خشى الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام فى حروف القراءات، فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التى أنزل بها القرآن، فأما السابق إلى جمع الجملة، فهو الصديق.وقد قال على: لو وليت لعملت بالمصاحف التى عمل بها عثمان، انتهى.فائدة: اختلف فى عدة المصاحف التى أرسل بها عثمان إلى الآفاق المشهورة أنها خمسة.وأخرج ابن أبى داود من طريق حمزة الزيات، قال: أرسل عثمان أربعة مصاحف، قال ابن أبى داود: وسمعت أبا حاتم السجستانى، يقول: كتبت سبعة مصاحف، فأرسل إلى مكة وإلى الشام وإلى اليمن وإلى البحرين وإلى البصرة وإلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحد.
ترتيب الآيات:الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفى لا شبهة فى ذلك، أما الإجماع، فنقله غير واحد منهم الزركشى فى البرهان وأبو جعفر بن الزبير فى مناسباته وعبارته: ترتيب الآيات فى سورها واقع بتوقيفه صلى الله عليه وسلم وأمره، من غير خلاف فى هذا بين المسلمين، انتهى.وسنذكر من نصوص العلماء ما يدل عليه، وأما النصوص فمنها حديث زيد السابق: «كنا عند النبى صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع».ومنها ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذى والنسائى وابن حبان والحاكم عن ابن عباس، قال: «قلت: لعثمان ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال، وهى من المثانى، وإلى براءة، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر: بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموهما فى السبع الطوال؟.فقال عثمان: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تنزل عليه السورة ذات العدد، فكان إذا نزل عليه الشئ دعا بعض من كان يكتب، فيقول: هؤلاء الآيات فى السورة التى يذكر قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر: بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتهما فى السبع الطوال.ومنها ما أخرجه أحمد، بإسناد حسن، عن عثمان بن أبى العاص، قال: كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ شخص ببصره، ثم صوبه، ثم قال: أتانى جبريل، فأمرنى أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى} إلى آخرها.ومنها ما أخرجه البخارى عن ابن الزبير، قال: قلت لعثمان: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا، قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها أو تدعها؟ قال: يا ابن أخى، لا أغير شيئا منه من مكانه.ومنها ما رواه مسلم عن عمر قال: ما سألت النبى صلى الله عليه وسلم عن شئ أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بإصبعه فى صدرى، وقال: تكفيك آية الصيف التى فى آخر سورة النساء.ومنها الأحاديث فى خواتيم سورة البقرة.ومنها ما رواه مسلم عن أبى الدرداء مرفوعا: من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف، عصم من الدجال. وفى لفظ: من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف.ومن النصوص الدالة على ذلك إجمالا ما ثبت من قراءته صلى الله عليه وسلم لسور عديدة كسورة «البقرة» و «آل عمران» و «النساء» فى حديث حذيفة.
و «الأعراف» فى صحيح البخارى أنه قرأها فى المغرب.و «قد أفلح»، روى النسائى أنه قرأها فى الصبح حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون أخذته سعلة فركع.و «الروم»، روى الطبرانى أنه قرأها فى الصبح.و «الم تنزيل» و «هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ»، روى الشيخان أنه كان يقرأهما فى صبح الجمعة.و «ق» فى صحيح مسلم أنه كان يقرؤها فى الخطبة.و «الرحمن» فى المستدرك، وغيره أنه قرأها على الجن و «النجم» فى الصحيح أنه قرأها بمكة على الكفار، وسجد فى آخرها.و «اقتربت» عند مسلم أنه كان يقرؤها مع «ق» فى العيد والجمعة.و «المنافقون» فى مسلم أنه كان يقرأ بها فى صلاة الجمعة.و «الصف» فى المستدرك عن عبد الله بن سلام أنه صلى الله عليه وسلم قرأها عليهم حين أنزلت حتى ختمها. تدل قراءته صلى الله عليه وسلم لها بمشهد من الصحابة أن ترتيب آياتها توفيقى، وما كان الصحابة ليرتبوا ترتيبا سمعوا النبى صلى الله عليه وسلم يقرأ على خلافه، فبلغ ذلك مبلغ التواتر.نعم يشكل على ذلك ما أخرجه ابن أبى داود فى المصاحف من طريق محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة، فقال: أشهد إنى سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيتهما.فقال عمر: وأنا أشهد لقد سمعتهما، ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا آخر سورة من القرآن، فألحقوها فى آخرها.قال ابن حجر: ظاهر هذا أنهم كانوا يؤلفون آيات السور باجتهادهم، وسائر الأخبار تدل على أنهم لم يفعلوا شيئا من ذلك إلا بتوقيف.قال السيوطى: يعارضه ما أخرجه ابن أبى داود أيضا من طريق أبى العالية، عن أبى ابن كعب أنهم جمعوا القرآن، فلما انتهوا إلى الآية التى فى سورة براءة: {ثُمَّ اِنْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ} ظنوا أنها آخر ما أنزل، فقال أبى: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنى بعد هذا آيتين: {لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ}. . . إلى آخر السورة.وقال مكى وغيره: ترتيب السور بأمر من النبى صلى الله عليه وسلم ولم يأمر بذلك فى أول براءة؛ فتركت بلا بسملة.وقال القاضى أبو بكر فى الانتصار: ترتيب الآيات أمر واجب، وحكم لازم، فقد كان جبريل يقول: ضعوا آية كذا فى موضع كذا.وقال أيضا: الذى نذهب إليه أن جميع القرآن الذى أنزله الله وأمر بإثبات رسمه، ولم
ينسخه، ولا رفع تلاوته، بعد نزوله هو هذا الذى بين الدفتين الذى حواه مصحف عثمان، وأنه لم ينقص منه شئ، ولا زيد فيه، وأن ترتيبه ونظمه ثابت على ما نظمه الله تعالى، ورتبه عليه رسوله من آى السور، لم يقدم من ذلك مؤخر ولا أخر منه مقدم، وأن الأمة ضبطت عن النبى صلى الله عليه وسلم ترتيب آى كل سورة ومواضعها وعرفت مواقعها كما ضبطت عنه نفس القراءات وذات التلاوة، وأنه يمكن أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد رتب سوره، وأن يكون قد وكل ذلك إلى الأمة بعده، ولم يتول ذلك بنفسه.قال: وهذا الثانى أقرب.وأخرج عن ابن وهب، قال: سمعت مالكا، يقول: إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعون من النبى صلى الله عليه وسلم.وقال البغوى فى شرح السنة: الصحابة رضى الله عنهم جمعوا بين الدفتين القرآن الذى أنزله الله على رسوله من غير أن يزيدوا أو ينقصوا منه شيئا خوف ذهاب بعضه بذهاب حفظته، فكتبوه كما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير أن يقدموا شيئا أو يؤخروا أو يضعوا له ترتيبا لم يأخذوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقن أصحابه ويعلمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب الذى هو الآن فى مصاحفنا بتوقيف جبريل إياه على ذلك، وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقب آية كذا، فى سورة كذا فثبت أن سعى الصحابة كان فى جمعه فى موضع واحد لا ترتيبه فإن القرآن مكتوب فى اللوح المحفوظ على هذا الترتيب، أنزله الله جملة إلى السماء الدنيا، ثم كان ينزله مفرقا عند الحاجة، وترتيب النزول غير ترتيب التلاوة.وقال ابن الحصار: ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنما كان بالوحى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ضعوا آية كذا فى موضع كذا، وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومما أجمع الصحابة على وضعه هكذا فى المصحف.*** ترتيب السور:وأما ترتيب السور فهل هو توقيفى أيضا أو هو باجتهاد من الصحابة، ففيه: خلاف فجمهور العلماء على الثانى، منهم مالك والقاضى أبو بكر فى أحد قوليه.قال ابن فارس: جمع القرآن على ضربين، أحدهما تأليف السور كتقديم السبع الطوال، وتعقيبها بالمئين، فهذا هو الذى تولته الصحابة، وأما الجمع الآخر، وهو جمع الآيات فى السور، فهو توقيفى تولاه النبى صلى الله عليه وسلم كما أخبر به جبريل عن أمر ربه مما استدل به، ولذلك اختلفت مصاحف السلف فى ترتيب السور، فمنهم من رتبها على النزول، وهو مصحف علىّ، كان أوله: اقرأ، ثم المدثر، ثم نون، ثم المزمل، ثم تبت، ثم التكوير، وهكذا إلى آخر
المكى والمدنى، وكان أول مصحف ابن مسعود: البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، على اختلاف شديد، وكذا مصحف أبى وغيره.وأخرج ابن أشتة فى المصاحف من طريق إسماعيل بن عباس، عن حبان بن يحيى، عن أبى محمد القرشى، قال: أمرهم عثمان أن يتابعوا الطوال، فجعلت سورتا الأنفال التوبة فى السبع، ولم يفصل بينهما ب «بسم الله الرحمن الرحيم».وذهب إلى الأول جماعة منهم القاضى فى أحد قوليه. قال أبو بكر بن الأنبارى: أنزل الله القرآن كله إلى السماء الدنيا، ثم فرقه فى بضع وعشرين، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث، والآية جوابا لمستخبر، ويوقف جبريل النبى صلى الله عليه وسلم على موضع الآية والسورة، فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف كله عن النبى صلى الله عليه وسلم فمن قدم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن.وقال الكرمانى فى البرهان: ترتيب السور هكذا هو عند الله فى اللوح المحفوظ على هذا الترتيب، وعليه كان صلى الله عليه وسلم يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه، وعرضه عليه فى السنة التى توفى فيها مرتين، وكان آخر الآيات نزولا: {وَاِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ} فأمره جبريل أن يضعها بين آيتى الربا والدين.وقال الطيبى: أنزل القرآن أولا جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم نزل مفرقا على حسب المصالح، ثم أثبت فى المصاحف على التأليف والنظم المثبت فى اللوح المحفوظ.قال الزركشى: والخلاف بين الفريقين لفظى؛ لأن القائل بالثانى يقول: إنه رمز إليهم ذلك لعلهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته، ولهذا قال مالك: إنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبى صلى الله عليه وسلم مع قوله بأن ترتيب السور باجتهاد منهم، فآل الخلاف إلى أنه: هل هو بتوقيف قولى أو بمجرد إسناد فعلى بحيث يبقى لهم فيه مجال للنظر، وسبقه إلى ذلك أبو جعفر بن الزبير.وقال البيهقى: فى المدخل كان القرآن على عهد النبى صلى الله عليه وسلم مرتبا سوره وآياته على الترتيب إلا الأنفال وبراءة لحديث عثمان السابق، ومال ابن عطية إلى أن كثيرا من السور كان قد علم ترتيبها فى حياته صلى الله عليه وسلم كالسبع الطوال والحواميم والمفصل، وأن ما سوى ذلك يمكن أن يكون قد فوض الأمر فيه إلى الأمة بعده.وقال أبو جعفر بن الزبير: الآثار تشهد بأكثر مما نص عليه ابن عطية ويبقى منها قليل يمكن أن يجرى فيه الخلاف كقوله اقرأوا الزهراوين: البقرة وآل عمران. رواه مسلم.وكحديث سعيد بن خالد: قرأ صلى الله عليه وسلم بالسبع الطوال فى ركعة. رواه ابن أبى شيبة فى مصنفه، وفيه أنه عليه الصلاة والسلام كان يجمع المفصل فى ركعة.
وروى البخارى عن ابن مسعود أنه قال: فى بنى إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء:إنهن من العتاق الأول، وهن تلادى، فذكرها نسقا كما استقر ترتيبها.وفى البخارى أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} و «المعوذتين».وقال أبو جعفر النحاس: المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم لحديث واثلة: أعطيت مكان التوراة السبع الطوال.قال: فهذا الحديث يدل على أن تأليف القرآن مأخوذ عن النبى صلى الله عليه وسلم وأنه من ذلك الوقت، وإنما جمع المصحف على شئ واحد؛ لأنه جاء فى هذا الحديث بلفظ يدل على تأليف القرآن بتوقيفه صلى الله عليه وسلم.وقال ابن الحصار: ترتيب السور ووضع الآيات موضعها إنما كان بالوحى.وقال ابن حجر: ترتيب بعض السور على بعضها أو معظمها لا يمتنع أن يكون توقيفيا، قال: ومما يدل على أن ترتيبها توقيفى، ما أخرجه أحمد وأبو داود، عن أوس ابن أبى أوس، عن حذيفة الثقفى، قال: كنت فى الوفد الذين أسلموا من ثقيف، الحديث، وفيه: فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: طرأ علىّ حزب من القرآن، فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه، فسألنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشر، وثلاث عشرة، وحزب المفصل من «ق» حتى نختم، قال: فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو فى المصحف الآن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.قال: ويحتمل أن الذى كان مرتبا حينئذ حزب المفصل خاصة بخلاف ما عداه.قال السيوطى: وما يدل على أنه توقيفى كون الحواميم رتبت ولاء، وكذا الطواسين، ولم ترتب المسبحات ولاء، بل فصل بين سورها، وفصل بين «طسم» الشعراء و «طسم» القصص ب «طس» مع أنها أقصر منهما ولو كان الترتيب اجتهاديا لذكرت المسبحات ولاء، وأخرت «طس» عن القصص.والذى ينشرح له الصدر، ما ذهب إليه البيهقى، وهو أن جميع السور ترتيبها توقيفى إلا «براءة» و «الأنفال» ولا ينبغى أن يستدل قبل «آل عمران» لأن ترتيب السور فى القراءة ليس بواجب، ولعله فعل ذلك لبيان الجواز.وأخرج ابن اشتة فى كتاب المصاحف من طريق ابن وهب سليمان بن بلال، قال: سمعت ربيعة يسأل: لم قدمت «البقرة» و «آل عمران» وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة بمكة، وإنما أنزلتا بالمدينة، فقال: قدمتا وألف القرآن على علم ممن ألفه به، ومن كان معه فيه، واجتماعهم على علمهم بذلك، فهذا مما ينتهى إليه ولا يسأل عنه.
والثابت أن: السبع الطوال أولها «البقرة» وآخرها «براءة» كذا قال جماعة.لكن أخرج الحاكم والنسائى وغيرهما عن ابن عباس، قال: السبع الطوال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف.قال الراوى: وذكر السابعة فنسيتها، وفى رواية صحيحة عن ابن أبى حاتم وغيره عن مجاهد وسعيد بن جبير أنها: يونس، وتقدم عن ابن عباس مثله فى النوع الأول.وفى رواية عند الحاكم أنها الكهف، والمئون ما وليها سميت بذلك؛ لأن كل سورة منها تزيد على مائة آية أو تقاربها، والمثانى ما ولى المئين؛ لأنها ثنتها، أى كانت بعدها فهى لها ثوان، والمئون لها أوائل.وقال الفراء: هى السورة التى آيها أقل من مائة آية؛ لأنها تثنى أكثر مما يثنى الطوال والمئون، وقيل لثنية الأمثال فيها بالعبر والخبر حكاه النكزاوى.وقال فى جمال القراء: هى السور التى تثنت فيها القصص، وقد تطلق على القرآن كله وعلى الفاتحة كما تقدم، والمفصل ما ولى المثانى من قصار السور، سمى بذلك لكثرة الفصول التى بين السور بالبسملة وقيل لقلة المنسوخ منه، ولهذا يسمى بالمحكم أيضا كما روى البخارى عن سعيد بن جبير، قال: إن الذى تدعونه المفصل هو المحكم وآخره سورة الناس بلا نزاع.واختلف فى أوله على اثنى عشر قولا: أحدها: «ق» لحديث أوس السابق قريبا. الثانى:«الحجرات» وصححه النووى. الثالث: «القتال» عزاه الماوردى للأكثرين. الرابع: «الجاثية» حكاه القاضى عياض. الخامس: «الصافات». السادس: «الصف». السابع: «تبارك» حكى الثلاثة ابن أبى الصيف اليمنى فى نكته على التنبيه. الثامن: «الفتح» حكاه الكمال الذمارى فى شرح التنبيه. التاسع: «الرحمن» حكاه ابن السيد فى أماليه على الموطأ. العاشر:«الإنسان». الحادى عشر: «سبح» حكاه ابن الفركاح فى تعليقه عن المرزوقى. الثانى عشر:«الضحى» حكاه الخطابى، ووجهه بأن القارئ يفصل بين هذه السور بالتكبير وعبارة الراغب فى مفرداته المفصل من القرآن السبع الأخير.فائدة: للمفصل طوال وأوساط وقصار، قال ابن معن: فطواله إلى «عم» وأوساطه منها إلى «الضحى»، ومنها إلى آخر القرآن قصاره هذا أقرب ما قيل فيه.تنبيه: أخرج ابن أبى داود فى كتاب المصاحف، عن نافع، عن ابن عمر أنه ذكر عنده المفصل، فقال: وآى القرآن ليس بمفصل، ولكن قولوا قصار السور، وصغار السور.وقد استدل بهذا على جواز أن يقال سورة قصيرة وصغيرة، وقد كره ذلك جماعة منهم أبو العالية، وأخرج عن ابن سيرين وأبى العالية، قالا: لا تقل سورة خفيفة، فإنه تعالى يقول:{إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} ولكن سورة يسيرة.