تفسير الماوردي = النكت والعيون (الماوردي) القسم: التفسير الكتاب: تفسير الماوردي = النكت والعيون المؤلف: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (ت ٤٥٠هـ)المحقق: السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنانعدد الأجزاء: ٦[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
سورة المائدة بسم الله الرحمن الرحيم
الرابع: عهود الدين كلها ، وهذا قول الحسن. والخامس: أنها العقود التى يتعاقدها الناس بينهم من بيع ، أو نكاح ، أو يعقدها المرء على نفسه من نذر ، أو يمين ، وهذا قول ابن زيد. {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الأنعام كلها ، وهي الإِبل ، والبقر ، الغنم ، وهذا قول قتادة ، والسدي. والثاني: أنها أجنة الأنعام التى توجد ميتة فى بطون أمهاتها ، إذا نحرت أو ذبحت ، وهذا قول ابن عباس ، وابن عمر. والثالث: أن بهيمة الأنعام وحشيها كالظباء وبقر الوحش ، ولا يدخل فيها الحافر ، لأنه مأخوذ من نعمة الوطء. قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللَّهِ} أى معالم الله ، مأخوذ من الإِشعار وهو الإِعلام. وفي شعائر الله خمسة تأويلات: أحدها: أنها مناسك الحج ، وهو قول ابن عباس ، ومجاهد. والثاني: أنها ما حرمه الله فى حال الإحرام ، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً. والثالث: أنها حرم الله ، وهو قول السدي. والرابع: أنها حدود الله فيما أحل وحرَّم وأباح وحظَّر ، وهو قول عطاء. والخامس: هي دين الله كله ، وهو قول الحسن ، كقوله تعالى: {ذّلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَآئِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: ٢٢] أى دين الله. {وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ} أي لا تستحلوا القتال فيه ، وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه رَجَبُ مُضَر.
والثاني: أنه ذو العقدة ، وهو قول عكرمة. والثالث: أنها الأشهر الحرم ، وهو قول قتادة. {وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ} أما الهدي ففيه قولان: أحدهما: أنه كل ما أهداه من شيء إلى بيت الله تعالى. والثاني: أنه ما لم يقلّد من النعم ، وقد جعل على نفسه ، أن يُهديه ويقلده ، وهو قول ابن عباس. فأما القلائد ففيها ثلاثة أقاويل: أنها قلائد الهدْي ، وهو قول ابن عباس ، وكان يرى أنه إذا قلد هديه صار مُحرِماً. والثاني: أنها قلائد من لحاء الشجر ، كان المشركون إذا أرادوا الحج قلدوها فى ذهابهم إلى مكة ، وعَوْدهم ليأمنوا ، وهذا قول قتادة. والثالث: أن المشركين كانوا يأخذون لحاء الشجر من الحرم إذا أرادوا الخروج منه ، فيتقلدونه ليأمنوا ، فَنُهوا أن ينزعوا شجر الحرم فيتقلدوه ، وهذا قول عطاء. {وَلَاءَامِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ} يعنى ولا تحلوا قاصدين البيت الحرام ، يقال أممت كذا إذا قصدته ، وبعضهم يقول يممته ، كقول الشاعر:(إني لذاك إذا ما ساءني بلد … يممت صدر بعيري غيره بلداً){يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً} فيه قولان: أحدهما: الربح فى التجارة ، وهو قول ابن عمر. والثاني: الأجر ، وهو قول مجاهد {وَرِضْوَاناً} يعني رضي الله عنهم بنسكهم. {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ} وهذا وإن خرج مخرج الأمر ، فهو بعد حظر ،
فاقتضى إباحة الاصطياد بعد الإِحلال دون الوجوب. {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَان قَوْمٍ} في يجرمنكم تأويلان. أحدهما: لا يحملنكم ، وهو قول ابن عباس ، والكسائي ، وأبي العباس المبرد يقال: جرمني فلان على بغضك ، أى حملني ، قال الشاعر:(ولقد طعنت أبا عيينة طعنة … جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا)والثاني: معناه ولا يكسبنكم ، يقال جرمت على أهلي ، أي كسبت لهم ، وهذا قول الفراء. وفي {شَنَئَانُ قَوُمٍ} تأويلان: أحدهما: معناه بغض قوم ، وهذا قول ابن عباس. والثاني: عداوة قوم ، وهو قول قتادة. وقال السدي: نزلت هذه الآية فى الحُطَم بن هند البكري أَتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إِلَامَ تَدعو؟ فأخبره ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: (يَدْخُلُ اليَوْمَ عَلَيكُم رَجُلٌ مِن رَّبِيعةَ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِ شَيْطَانٍ) فلما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنظرني حتى أشاور ، فخرج من عنده ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَقَدْ دَخَلَ بِوَجْهِ كَافِرٍ ، وَخَرجَ بِقَفَا غَادِرٍ) فمر بسرح من سرح المدينة ، فاستقاه وانطلق وهو يرتجز ويقول:
(لقد لفها الليل بسواق حطم … ليس براعي إبل ولا غنم)(ولا بجزار على ظهر وضم … باتوا نياماً وابن هند لم ينم)(بات يقاسيها غلام كالزلم … خدلج الساقين ممسوح القدم)ثم أقبل من عام قابل حاجاً قد قلد الهدي ، فاستأذن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتلوه ، فنزلت هذه الآية حتى بلغ {ءَآمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} فقال له ناس من أصحابه: يا رسول الله خلّ بيننا وبينه ، فإنه صاحبنا ، فقال: (إنه قد قلد). ثم اختلفوا فيما نسخ من هذه الآية بعد إجماعهم على أن منها منسوخاً على ثلاثة أقاويل: أحدهما: ان جميعها منسوخ ، وهذا قول الشعبي ، قال: لم ينسخ من المائدة إلا هذه الآية. والثاني: أن الذى نسخ منها {وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَاءَآمِّينَ الْبَيتَ الْحَرَامَ} وهذا قول ابن عباس ، وقتادة. والثالث: أن الذي نسخ منها ما كانت الجاهلية تتقلده من لحاء الشجر ، وهذا قول مجاهد.
قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ} فيها تأويلان. أحدهما: أنه كل ما له نفس سائلة من دواب البر وطيره. والثاني ، أنه كل ما فارقته الحياة من دواب البر وطيره بغير ذكاة. {وَالدَّمُ} فيه قولان: أحدهما: أن الحرام منه ما كان مسفوحاً كقوله تعالى: {أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} الثاني: أنه كل دم مسفوح وغير مسفوح ، إلا ما خصته اسنة من الكبد والطحال ، فعلى القول الأول لا يحرم السمك ، وعلى الثاني يحرم. {وَلَحْمُ الْخِنزيرِ} فيه قولان: أحدهما: أن التحريم يختص بلحم الخنزير دون شحمه ، وهذا قول داود. والثاني: أنه يعم اللحم وما خالطه من شحم وغيره ، وهو قول الجمهور ، ولا فرق بين الأهلي منه والوحشي. {وَمآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} يعني ما ذبح ليغر الله من الأصنام والأوثان ، أصله من استهلال الصبي إذا صاح حين يسقط من بطن أمه ، ومنه أهلال المُحْرِم بالحج والعمرة ، قال ابن أحمر:
(يهل بالفرقد ركبانها … كما يهل الراكب المعتمر){وَالْمُنْخَنِقَةُ} فيها قولان: أحدهما: أنها تخنق بحبل الصائد وغيره حتى تموت ، وهو قول السدي ، والضحاك. والثاني: أنها التي توثق ، فيقتلها خناقها. {وَالْمَوقُوذَةُ} هي التي تضرب بالخشب حتى تموت ، يقال: (وقذتها أقذها وقذاً ، وأوقذها أيقاذاً ، إذا أثخنتها ضرباً) ، ومنه قول الفرزدق:(شغارة تقذ الفصيل برجلها … فطَّارة لقوادم الأبكار){وَالْمُتَردِيَةُ} هي التي تسقط من رأس جبل ، أو بئر حتى تموت. {وَالنَّطِيحَةُ} هي الشاة التي تنطحها أخرى حتى تموت. {وَمآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلَاّ مَا ذَكَّيْتُمْ} فيه قولان: أحدهما: يعنى من المنخنقة وما بعدها ، وهو قول علي رضي الله عنه ، وابن عباس ، وقتادة ، والحسن ، والجمهور. والثاني: أنه عائد إلى ما أكل السبع خاصة ، وهو محكي عن الظاهرية. وفى مأكولة السبع التي تحل بالذكاة قولان: أحدهما: أن تكون لها عين تطرف أو ذنب يتحرك. والثاني: أن تكون فيها حركة قوية لا كحركة المذبوح ، وهو قول الشافعي ، ومالك. { … . وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلَامِ} معناه أن تطلبوا علم ما قُسِّمَ أو لم يُقَسَّم من رزق أو حاجة بالأزلام ، وهي قداح ثلاثة مكتوبة على أحدها: أمرني ربي ، والآخر: نهاني ربي ، والثالث: غفل لا شيء عليه ، فكانوا إذا أرادوا سفراً ، أو
غزواً ، ضربوا بها واستسقسموا ، فإن خرج أمرني ربي فعلوه ، وإن خرج نهاني ربي تركوه ، وإن خرج الأبيض أعادوه ، فنهى الله عنه ، فَسُمِّي ذلك استقساماً ، لأنهم طلبوا به علم ما قُسِمَ لهم. وقال أبو العباس المبرد: بل هو مشتق من قَسَم اليمين ، لأنهم التزموا ما يلتزمونه ، باليمين. {ذَالِكُمْ فِسْقٌ} أى خروج عن أمر الله وطاعته ، وفعل ما تقدم نهيه عنه ، {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} فيه قولان: أحدهما: أن ترتدوا عنه راجعين إلى دينهم. والثاني: أن يقدروا على إبطاله ويقدحوا فى صحته. قال مجاهد: كان ذلك يوم عرفة حين حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ، بعد دخول العرب الإِسلام حتى لم ير النبي صلى الله عليه وسلم مشركاً. {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} أى لا تخشوهم أن يظهروا عليكم ، واخشونِ ، أن تخالفوا أمري. {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فيه قولان: أحدهما: أنه يوم عرفة فى حجة الوداع ولم يعش [الرسول صلى الله عليه وسلم] بعد ذلك إلَاّ إحدى وثمانين ليلة ، وهذا قول ابن عباس، والسدي.
والثاني: أنه زمان النبي صلى الله عليه وسلم كله إلى أنْ نَزَل ذلك عليه يوم عرفة ، وهذا قول الحسن. وفي إكمال الدين قولان: أحدهما: يعني أكملت فرائضي وحدودي وحلالي وحرامي ، ولم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم من الفرائض من تحليل ولا تحريم ، وهذا قول ابن عباس والسدي. والثاني: يعني اليوم أكملت لكم حجتكم ، أن تحجوا البيت الحرام ، ولا يحج معكم مشرك ، وهذا قول قتادة ، وسعيد ابن جبير. {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} بإكمال دينكم. {وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً} أي رضيت لكم الاستسلام لأمري ديناً ، اي طاعة. روى قبيصة قال: قال كعب لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية ، لعظموا اليوم ، الذى أُنْزِلت فيه عليهم ، فاتخذوه عيداً يجتمعون فيه ، فقال عمر: قد علمت اليوم الذى أُنزلت فيه ، والمكان الذي نزلت فيه ، نزلت في يوم الجمعة ويوم عرفة ، وكلاهما - بحمد الله - لنا عيد. {فَمَنِ آضْطُرَّ} أي أصابه ضر الجوع. {فِي مَخْمَصَةٍ} أي في مجاعة ، وهي مَفْعَلة مثل مجهلة ومبخلة ومجبنة ومخزية من خمص البطن ، وهو اصطباره من الجوع ، قال الأعشى:(تبيتون في المشتى ملاء بطونكم … وجاراتكم غرقى يبتن خماصا){غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثمٍ} فيه قولان: أحدهما: غير متعمد لإِثم ، وهذا قول ابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، ومجاهد. والثاني: غير مائل إلى إثم ، وأصله من جنف القوم إذا مالوا ، وكل أعوج عند العرب أجنف. وقد روى الأوزاعي عن حسان عن عطية عن أبي واقد الليثي قال: قلنا
يا رسول الله إنا بأرض يصيبنا فيها مخمصة ، فما يصلح لنا من الميتة؟ قال: (إِذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا أَوْ تَغْتَبِقُوا أَوْ تَجْنِفُوا بها ، فَشَأْنُكُم بِّهَا) واختلف فى وقت نزول هذه السورة على ثلاثة أقاويل. أحدها: أنها نزلت في يوم عرفة ، روى شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: نزلت سورة المائدة جميعاً وأنا آخذة بزمان ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء وهو واقف بعرفة فكادت من ثقلها أن تدق عضد الناقة. والثاني: أنها نزلت فى مسيره صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، وهو راكب ، فبركت به راحلته من ثقلها. والثالث: أنها نزلت يوم الاثنين بالمدينة ، وهو قول ابن عباس ، وقد حُكِيَ عنه القول الأول.
{وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} يعني وصيد ما علمتم من الجوارح ، وهي الكواسب من سباع البهائم والطير ، سميت جوارح لكسب أهلها بها من قولهم: فلان جارحة أهله أي كاسبهم ، ومنه قول أعشى بني ثعلبة:(ذا جبار منضجاً ميسمه … يذكر الجارح ما كان اجترح)أي ما اكتسب. وفي قوله: {مُكَلِّبِينَ} ثلاثة أقاويل. أحدها: يعني من الكلاب دون غيرها ، وأنه لا يحل إلا صيد الكلاب وحدها ، وهذا قول ابن عمر ، والضحاك ، والسدي. والثاني: أن التكليب من صفات الجوارح من كلب وغيره ، ومعناه مُضْرِين على الصيد كما تَضْرِي الكلاب ، وهو قول ابن عباس ، وعلي بن الحسين ، والحسن ، ومجاهد. والثالث: أن معنى التكليب من صفات الجارح: التعليم. {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا علَّمَكُمُ اللَّهُ} أى تعلمونهن من طلب الصيد لكم مما علمكم الله من التأديب الذي أدبكم وصفات التعليم التي بيَّن حكمها لكم. فأما صفة التعليم ، فهو أن يُشلَى إذا أُشلي ، ويجيب إذا دعي ويمسك إذا أخذ. وهل يكون إمساكه عن الأكل شرطاً فى صحة التعليم أم لا؟ على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه شرط في كل الجوارح ، فإن أكلت لم تؤكل ، وهذا قول ابن عباس ، وعطاء. والثاني: أنه ليس بشرط فى كل الجوارح ويؤكل وإن أكلت ، وهذا قول ابن عمر ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبي هريرة ، وسلمان.
والثالث: أنه شرط في جوارح البهائم فلا يؤكل ما أكلت ، وليس بشرط في جوارح الطير ، فيؤكل وإن أكلت ، وهذا قول الشعبي ، والنخعي ، والسدي. واختلف فى سبب نزول هذه الآية على قولين: أحدهما: ما روى القعقاع بن حكيم عن سليمان بن أبي رافع عن أبي رافع قال: جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستأذن عليه ، فقال إذِنَّا لك ، فقال أجل ولكنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ، قال أبو رافع: فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة فقتلت حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها فتركته رحمة لها ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فأمرني بقتله ، فرجعت إلى الكلب فقتلته ، فجاؤوا ، فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها ، قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ} الآية. والثاني: ما حكي أن زيد الخيل لَمَّا وفد على النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه من الخير ما قال فسماه زيد الخير ، فقال: يا رسول الله فينا رجلان ، يقال لأحدهما دريح ، والآخر يكنى أبا دجانة ، لهما أَكْلُب خمسة تصيد الظباء ، فما ترى في صيدها؟ وحكى هشام عن ابن عباس أن أسماء هذه الكلاب الخمسة التي لدريح وأبي دجانة: المختلس وغلاب والغنيم وسهلب والمتعاطي ، قال: فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ} الآية.
قال تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَاب حِلٌّ لَّكُمْ} يعني ذبائحهم. {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} يعني ذبائحنا. {وَالْمُحصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} يعني نكاح المحصنات ، وفيهن قولان: أحدهما: أنهن الحرائر من الفريقين ، سواء كن عفيفات أو فاجرات ، فعلى هذا ، لا يجوز نكاح إمائهن ، وهذا قول مجاهد ، والشعبي ، وبه قال الشافعي. والثاني: أنهن العفائف ، سواءٌ كن حرائر أم إماءً ، فعلى هذا ، يجوز نكاح إمائِهن ، وهذا قول مجاهد ، والشعبي أيضاً ، وبه قال أبو حنيفة. وفي المحصنات من الذين أوتوا الكتاب قولان: أحدهما: المعاهدات دون الحربيات ، وهذا قول ابن عباس. والثاني: عامة أهل الكتاب من معاهدات وحربيات ، وهذا قول الفقهاء وجمهور السلف. {إِذَاءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} يعني صداقهن. {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحينَ} يعني أَعفّاء غير زُناة. {وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} هي ذات الخليل الواحد تقيم معه على السفاح.
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِذَا قَمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُواْ وَجُوهَكُمْ} يعني إذا أردتم القيام إلى الصلاة ، فاغسلوا وجوهكم ، فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين ، فاغسلوا ، فصار الحدث مُضْمَراً. وفي وجوب الوضوء شرطاً ، وهو قول عبد الله بن عباس ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبي موسى الأشعري ، والفقهاء. والثاني: أنه واجب على كل من أراد القيام إلى الصلاة ، أن يتوضأ ، ولا يجوز أن يجمع بوضوء واحد بين فرضين ، وهذا مروي عن علي وعمر. والثالث: أنه كان واجباً على كل قائمٍ إلى الصلاة ، ثم نسخ إلَاّ على المحدث ، روى سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة ، فلما كان عام الفتح ، صلى الصلوات كلها بوضوء واحد ، ومسح على خفيه ، فقال عمر: إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله ، قال: (عمداً فعلته يا عمر) وروى عبد الله بن حنظلة بن عامر الغسيل: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة فشق عليه ، فأمر بالسواك ورفع عنه الوضوء.