تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء (ابن جزي الكلبي)القسم: التفسيرالكتاب: التسهيل لعلوم التنزيلالمؤلف: أبو القاسم محمد بن أحمد بن جزي الكلبي الأندلسي الغرناطي - رحمه الله وتقبله في الشهداء (٦٩٣ - ٧٤١ هـ)ومعه تقريرات الشيخ: عبد الرحمن بن ناصر البراك (على المواضع المشكلة في العقيدة)المحقق: علي بن حمد الصالحي(عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى)الناشر: دار طيبة الخضراء - مكة المكرمةالطبعة: الأولى، ١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ معدد الأجزاء: ٤[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيممُقَدِّمَة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على مَنْ بعثه الله رحمة للعالمين، محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين، وسيد ولد آدم أجمعين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:فإن أشرف العلوم قدرًا، وأجلّها ذكرًا، وأرفعها شأنًا، وأولاها عرفانًا؛ علم تفسير كتاب الله تعالى، وتفهم معانيه، وهو أولى العلوم بالتحصيل، وخير ما صُرفت فيه الأعمار، وأُنفقت فيه الأوقات، وكُدَّت فيه القرائح والفهوم؛ إذ هو متعلِّقٌ بأشرفِ كلام، وهو كلام رب العالمين، فنال هذا العلمُ قصب السَّبْق بهذه المزية، وأعظم بها من مزيّة، ومن رُتبةٍ عليّة، وحريٌّ بعلمٍ هذه خُلَّته وخَصلته أن يكون سيّد العلوم وكبيرها، وأن تكون سائرُ العلوم له جندًا وتبَعًا، وقَمِنٌ به أن يكون في ذِرْوة المعارف والعلوم التي يقصدها وُرَّادُها، ويرومها قُصَّادُها، ويطلبها شُداتها؛ ليرتعوا في رياضه، ويكرعوا من حياضه، ويقتبسوا من أنواره، ويتأرَّجوا من نفحاته، وما أجملَ ما دبّجته يراعة الإمام المطلبي، محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله حيث يقول مستحثًّا طلبة العلم على العناية بكتاب الله، ومُذْكِيًا هِمَمهم في الانكباب
على تحصيل علمه-: «فكلُّ ما أُنزل في كتابه - جل ثناؤه - رحمةٌ وحجة، عَلِمَه مَنْ علمه، وجهله من جهله، لا يعلم مَنْ جهله، ولا يجهل من علمه، والناس في العلم طبقاتٌ، موقعُهم من العلم بقَدْر درجاتهم في العلم به، فحقٌّ على طلبة العلم بلوغُ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه، والصبرُ على كل عارضٍ دون طَلَبِه، وإخلاصُ النية لله في استدراك علمه: نصًّا واستنباطًا، والرغبةُ إلى الله في العون عليه؛ فإنه لا يُدرك خيرٌ إلَّا بعونه، فإن مَنْ أدرك علم أحكام الله في كتابه نصًّا واستدلالًا، ووفَّقه الله للقول والعمل بما عَلِم منه: فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الرَّيْب، ونوَّرت في قلبه الحكمةُ، واستوجب في الدين موضع الإمامة، فنسأل الله المبتدئ لنا بنِعَمِه قبل استحقاقها، المْدِيمَها علينا، مع تقصيرنا في الإتيان على ما أوجب به من شكره بها، الجاعِلَنَا في خير أمة أخرجت للناس: أن يرزقنا فهمًا في كتابه، ثم سنة نبيه، وقولًا وعملًا يؤدِّي به عنَّا حقَّه، ويوجب لنا نافلةً مَزِيده»(١). وإن من أنفع الكتب المؤلفة في علم تفسير كتاب الله تعالى: كتاب «التسهيل لعلوم التنزيل» للشيخ الشهيد أبي القاسم محمدِ بن أحمد ابن جُزَيٍّ الكلبي الغرناطي رحمه الله، فقد امتاز هذا الكتاب بعدة مميزات، تجعله من أولى كتب التفسير التي يجدر بطالب العلم أن يُقبل على تحصيلها، ومن تلك المميزات:١ - سهولة أسلوب ابن جزيٍّ ووضوح عبارته وجودتها، وحسن ترتيبه(١) الرسالة (ص: ١٩ - ٢٠).
وعرضه للمسائل، وهذه الميزة يجدها الطالب بجلاء عند مطالعته لسائر كتب ابن جزي، فعبارته يمكن أن توصف بأنها من السهل الممتنع، حيث يجد القارئ سلاسةً عند قراءتها، لكن يصعب على الشخص أن يحاكيَها.٢ - صِغَر حجم الكتاب نسبيًّا؛ مما يسهِّل تحصيله، ويقرِّبه إلى الراغبين، مع غزارة مادته العلمية، فابن جزيّ اختصر العبارة، مع غاية الدقَّة في انتقاء العبارة، فالمطالع لتفسيره يجد العبارة المختصرة المركَّزة، لكن لو فتَّش فيما تحتها من المعنى لوجده معنىً غزيرًا، وقد نبه رحمه الله على ذلك فقال: «ثم إني عزمتُ على إيجاز العبارة وإفراط الاختصار، وترك التطويل والتكرار».٣ - نقاوة هذا التفسير وخلوصه وصفاؤه من الأقوال الباطلة والساقطة، كما نبَّه على ذلك في المقدمة فقال: «وإذا كان القول في غاية السقوط والبطلان لم أذكره؛ تنزيهًا للكتاب عنه، وربَّما ذكرته تحذيرًا منه»، إضافةً إلى تحقيقه لأقوال المفسرين والتفرقة بين السقيم منها والصحيح، وتمييزه بين الراجح والمرجوح، فهو بحقٌّ عسلٌ مصفًّى، ولبنٌ خالصٌ سائغ للشاربين.٤ - أنه يُعدُّ كتابًا تطبيقيًّا لمن درس علوم الآلة -كعلوم اللغة من نحو وتصريف وبلاغة وعلم الأصول- ويروم أن ينمِّي ملكته في تطبيق هذه العلوم على فهم كتاب الله، فابن جزيّ يبيِّن بوضوح الأوجه الإعرابية في الآية والمعنى المبنيِّ على كل وجه، وما فيها من النكات البلاغية، ويبين تصاريف الكلمات وأبنيتها.٥ - قدَّم له ابن جزيّ بمقدِّمتين، إحداهما في أبواب من علوم القرآن
وأصول التفسير، وهي بمثابة كتاب مستقلٌّ في علم علوم القرآن وأصول التفسير، والأخرى في اللغات التي يكثر ورودها في القرآن، وهي بمثابة كتاب مستقل في علم غريب القرآن، وهذا الصَّنيع قلَّ أن يوجد مثله في كتب التفسير.٦ - جودة المصادر التي استمدَّ منها ابن جزيّ تفسيره - وسيأتي الحديث عنها بإذن الله -، وأهم تلك المصادر: تفسير ابن عطية، وتفسير الزمخشري، وهذان التفسيران من أجلِّ كتب التفسير العُمَد الكبار، فالدارس لتفسير ابن جزي كأنه قرأ لُباب هذين التفسيرين وصفوتهما.وقد نوَّه أهل العلم بمزيَّة تفسير ابن جزي، وأشادوا بمنزلته، وأوصوا به طلاب العلم، فهذا الشيخ أبو حامد محمد العربي بن يوسف الفاسي (ت ١٠٥٢ هـ) من عيون علماء المغاربة في القرن الحادي عشر يوصي أولاده حين قدموا فاس لطلب العلم بها ويقول في ضمن وصيَّته: «ومن أحسن التفاسير التي أحبُّ لكم مطالعتها وتفهُّمَها: تفسير ابن جزيّ، ولا أقبلُ قولَ من يخالف في ذلك»(١).ويقول فضيلة الشيخ الدكتور خالد السبت -نفع الله به-: «فهذا كتاب في غاية الأهمية، لا يستغني عنه طالب العلم، وهو مع إيجازه، فالمؤلف يحرص فيه على الوفاء بالمعنى، يختصر جدًّا مع ذكر الأقوال، وهو كتاب ملخَّص، لكنه عميق ودقيق قلَّ أن يوجد مثله»، ويقول أيضًا: «ويصلح أن(١) نقل نصَّ هذه الوصية د. محمد عوامة في كتابه: معالم إرشادية لصناعة طالب العلم (ص ٤٣٤).
يكون هذا الكتاب أصلًا يُعتمد عليه، بحيث يكون عند طالب العلم، يضبطه، ويضيف عليه ويُعلَّق عليه، ويرجع إليه حينًا بعد حين، ويراجعه ويكرره»(١). ومع جلالة هذا الكتاب وقيمته العلمية ومزاياه العَلِيَّة؛ إلا أنه لم تخرج له طبعةٌ صحيحة سليمة من الأخطاء تليق بمكانته، فجميع الطبعات التي خرجتْ له بخسته وهضمته حقَّه بكثرة ما فيها من الأخطاء الشنيعة والتحريفات والسقط الكثير الذي يصل أحيانًا إلى عدَّة أسطر!؛ مما يجعل استفادة الدارس من هذا الكتاب صعبةً ومحدودة، ومعاناته شديدةً في القراءة فيه، فحداني ذلك إلى أن أستعين الله تعالى في تحقيق هذا الكتاب تحقيقًا علميًّا يليق بمكانته ويخلّصه من التحريفات والأخطاء، ويُعيد إلى حوزته ما نقص منه وما سقط من عباراته، معتمدًا في ذلك على أصول خطيَّة لهذا الكتاب انتخبتها مما جمعته جهد استطاعتي. هذا؛ وقد حلَّى جيدَ هذا الكتاب، ووشَّى حُلَله، تعليقاتٌ نفسية، وتقريراتٌ فريدة، لفضيلة الشيخ العلامة: عبد الرحمن بن ناصر البراك -أمتع الله به-، وفيها استدراكاتٌ على مواضع من الكتاب جانبَ المؤلف فيها الصوابَ في العقيدة والسلوك وغير ذلك، وقد كنتُ في أثناء عملي في التسهيل تَعْرِض لي مواضع يقرّر فيها ابن جزيٍّ تقريرًا مشكلًا على منهج أهل السنة والجماعة وسلف هذه الأمة، فعرضتُ هذا الأمر على شيخنا(١) راجع: المادة الصوتية رقم (١) من شرح فضيلته لتفسير ابن جزي، على الموقع الرسمي لفضيلته في الشبكة العنكبوتية، من الدقيقة (٢٥) وما بعدها.
الأستاذ الدكتور: عبد المحسن العسكر - نفع الله به -، فاقترح عليَّ - جزاه الله خيرًا - أن أُرسل له هذه المواضع المشكلة ويقوم هو بعرضها على شيخه الشيخ عبد الرحمن البراك، وهكذا عُهد شيخنا - جزاه الله خيرًا - باذلًا للخير مبادرًا نفّاعًا.وكلُّ امرئٍ يُولي الجميلَ محبَّبٌ … وكل مكانٍ يُنبِتُ العِزَّ طيِّبُوعَرَض شيخُنا هذا الأمر على فضيلة الشيخ عبد الرحمن البراك فأجاب إلى ذلك كرمًا منه وتفضُّلًا -جزاه الله خيرًا- على عادته في الجود بالعلم وبذل الخير والنصح، والشيء من معدنه لا يُستغرب، وكأنَّ زهيرًا عناه حين قال في هَرِم بن سِنان:قد جعل المبتغونَ الخيرَ في هرمٍ … والسائلون إلى أبوابِه طُرُقًاوأملى هذه التعليقات على الشيخ عبد المحسن العسكر، وهي بحقٌّ -كما يقول شيخنا عبد المحسن- «تعليقاتٌ تشدُّ إليها الرحال، وتضرب بها الأمثال، وترخص في تحصيلها كرائم الأموال؛ فإنها معقد الآمال، ومتنافس كرام الرجال، وإنها لحلية في جيد (التسهيل) تستوجب الثناء الجزيل والذكر الجميل».فأسأل الله أن يجزي الشيخ العلامة: عبد الرحمن بن ناصر البراك خير ما يجزي به العلماء الناصحين والأئمة الصادقين، وأن يبارك في مسعاه ويبلغه من الخير منتهاه.
وأسأله سبحانه أن يجزي شيخنا المبارك المفضال الذي كثرت لديَّ فضائله وفواضله الشيخ الأستاذ الدكتور: عبد المحسن العسكر خير الجزاء على جهده في عرض هذه القضايا المشكلة على فضيلة الشيخ: عبد الرحمن البراك وتقييده لها ومتابعته للعمل في ذلك، ولا يفوتني أن أشكر كل من أعان في هذا العمل بمراجعة أو نقد أو إفادة، جزاهم الله تعالى على إحسانهم خير الجزاء.وبعد؛ فهذا كتاب «التسهيل لعلوم التنزيل» أقدّمه للقارئ الكريم وقد بذلتُ الجهد في تحقيقه وتنقيحه واستفرغت الوسع، وحرصت على حسن الإخراج والتنسيق، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده فله الحمد والشكر، وما كان فيه من خطأ وزلل - وقلَّما ينجو امرؤٌ من الزَّلل - فمن نفسي والشيطان، والله ورسوله منه بريئان، وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم وزلفى لديه في جنات النعيم المقيم، وأن يبارك فيه وينفع به، وأسأله سبحانه أن يجزي الشيخ ابن جزيٍّ خير الجزاء على هذا السِّفْر العظيم، وأن يتغمده برحمته وأن يتقبَّله في الشهداء، إنه سميع مجيب، وأسأله سبحانه أن يجزي والديَّ ومشايخي وكلَّ من له فضلٌ عليَّ خير الجزاء، وأن يعلي درجاتهم في عليين، إنه خير من سئل وأجود من أعطى والحمد لله رب العالمين. وكتبهعلي بن حمد الصالحي مكة المكرمةali.h.s.٣٢@gmail.com
وقيل: معنى {نِحْلَةً} أي: شِرْعَةً وديانةً(١).وانتصابه:على المصدر من معنى: آتوهن.أو على الحال من ضمير المخاطبين.{فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ} الآية؛ إباحة للأزواج أو الأولياء - على ما تقدَّم من الخلاف - أن يأخذوا ما دفعه النساءُ مِنْ صَدُقاتهنَّ عن طيب أنفسهن.والضمير في {مِنْهُ} يعود:على الصَّداق.أو على الإيتاء.{هَنِيئًا مَرِيئًا} عبارةٌ عن التَّحليل، ومبالغةٌ في الإباحة.وهما صفتان؛ من قولك: «هَنُؤَ الطعامُ ومَرُؤَ»: إذا كان سائغًا لا تنغيص فيه.وهما: وصفٌ للمصدر؛ أي: أكلًا هنيئًا.أو حال من ضمير الفاعل(٢).(١) في ب: «ودينًا».(٢) كذا في جميع النسخ الخطية، ولعل صوابه: «حال من ضمير المفعول»، أي: حال كونِ المأكول هنيئًا مريئًا، كما تومئ إليه عبارة الزمخشري في كشافه حيث قال (٤/ ٤٣٥): «وهما وصف للمصدر، أي: أكلًا هنيئًا مريئًا، أو حالٌ من الضمير؛ أي: كلوه وهو [أي: المأكول] هنيءٌ مريءٌ»، وقال أبو حيان (٦/ ٤٢٧) «وانتصاب (هنيئًا) .. على أنه حال من ضمير المفعول، هكذا أعربه الزمخشري وغيره» والله أعلم.
المطلب الأول التعريف بالمفسّر ابن جزي(١) رحمه الله (٢)* اسمه ونسبه:هو محمّدُ بنُ أحمدِ بنِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ يحيى بنِ الأميرِ(١) يقول الحضرمي -تلميذ المترجم له- في ضبط هذا الاسم في «فهرسته»: «ابن جزيء بضمّ الجيم وفتح الزاي بعدها ياء ساكنة بعدها همزة» نقله التنبكتي في نيل الابتهاج (ص: ٣٩٨)، إلّا أنه جرى على الألسنة «جزيّ» بطرح الهمزة، على مذهب أهل الحجاز من تخفيف الهمزة المتطرفة الساكنة ما قبلها، كما ذكر ذلك الحسن بن عبد العزيز القادري التلمساني في تحقيقه لمقدمة الغريب في اللغات لابن جزي، والتي أخرجها في كتاب مستقل باسم «القاموس الوجيز للقرآن العزيز» وطبع في فاس سنة ١٣٤٨ هـ.(٢) انظر في ترجمته: الإحاطة في أخبار غرناطة، لتلميذه لسان الدين ابن الخطيب (٣/ ٢٠) والكتيبة الكامنة في من لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة، لابن الخطيب أيضا (٤٦)، والديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، لابن فرحون المالكي (٢/ ٢٧٤)، وأعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن لابن الأحمر (ص: ١٦٥)، وغاية النهاية في طبقات القراء، لابن الجزري (٢/ ٨٣)، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لابن حجر العسقلاني (٥/ ٨٨)، وطبقات المفسرين للداوودي (٢/ ٨٥)، ودرة الحجال في أسماء الرجال، لأبي العباس المكناسي الشهير بابن القاضي (٢/ ١١٧)، ونيل الابتهاج بتطريز الديباج، لأحمد بابا التنبكتي (ص: ٣٩٨) ونفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب، لشهاب الدين المقري التلمساني (٥/ ٥١٤)، وأزهار الرياض في أخبار القاضي عياض، للمقري أيضا (٣/ ١٨٤)، وفهرس الفهارس للكتاني (١/ ٣٠٦)، وشجرة النور الزكية في طبقات المالكية، لمخلوف (١/ ٣٦٠).
أبي بكر عبد الرحمن بن يوسف، ابنُ جُزَيِّ الكلبيُّ الأندلسي الغرناطي، أبو القاسم، ينتسب إلى قبيلة كَلْبِ القُضاعية اليمانية، والكلبيون منهم من دخل الأندلس واليًا عليها كعنبسة بن سحيم الكلبي الذي دخلها عام ١٠٣ هـ، ومنهم من دخلها مجاهدًا فاتحًا، ومن هؤلاء سلف ابن جزيٍّ رحمه الله، كما قال ابن الخطيب: «أصل سلفه من ولبة من حصون البراجلة، نزل بها أولهم عند الفتح صحبة قريبهم أبي الخطار حسام بن ضرار الكلبي» وكان أبو الخطار قد دخل الأندلس سنة ١٢٥ هـ.وكانت لجده السلطان الأمير أبي بكر عبد الرحمن ابن جزي بجيان رئاسةٌ وانفراد بالتدبير، حيث بويع له فيها سنة (٥٣٩ هـ). * مولده ونشأته:ولد ابن جزيٍّ يوم الخميس تاسع ربيع الثاني عام (٦٩٣ هـ).وقد نشأ في بيت علم وفضل وجلالة وديانة ونباهة، وأسرة ابن جزيٍّ من الأسر الرفيعة في غرناطة ومنها تخرَّج أعلام في الفقه والقضاء والخطابة، وكانت نشأة ابن جزيٍّ في طلب العلم منذ وقتٍ مبكر. * مكانته العلمية وأخلاقه:يقول عند تلميذه ابن الخطيب: «كان رحمه الله على طريقة مُثلى من العكوف على العلم، والاقتصاد على الاقتيات من حُرِّ النَّشَب، والاشتغال بالنَّظر والتَّقييد والتَّدوين، فقيها، حافظًا، قائمًا على التدريس، مشاركا في فنون من العربية، والفقه، والأصول، والقراءات، والحديث، والأدب، حافظًا للتفسير، مستوعبًا للأقوال، جمَّاعة للكتب، مُلوكيَّ الخزانة، حسن
المجلس، ممتع المحاضرة، قريب الغَوْر، صحيح الباطن، تقدَّم خطيبًا بالمسجد الأعظم من بلده على حداثة سنّه، فاتُّفق على فضله، وجرى على سنن أصالته».ويقول عنه ابن الأحمر: «كان خطيب الجامع الأعظم بغرناطة، وكان فقيها إمامًا عالمًا بجميع العلوم، محصلًا، قارب درجة الاجتهاد، ودوَّن وصنف في كل فن، وكان أحد أهل الفتيا بغرناطة».ويقول تلميذه الحضرمي: «كان رجلًا ذا مروءة كاملة، حافظًا متفننا، ذا أخلاق فاضلة، وديانة وعفة وطهارة، وشهرته دينًا وعلمًا أغنت عن التعريف به». * شيوخه:أخذ العلم عن عدد من علماء عصره وفضلاء بلده، من أشهرهم:١) الأستاذ أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الغرناطي (ت ٧٠٨ هـ)، وأخذ عنه العربية والفقه والحديث والقرآن.٢) الأستاذ النظَّار المتفنّن أبو القاسم قاسم بن عبد الله بن الشَّاط الأنصاري السبتي (ت ٧٢٣ هـ)، صاحب كتاب «أنوار البروق في تعقُّب مسائل القواعد والفروق» للقرافي.٣) الأستاذ المقرئ الرَّاوية المكثر أبو عبد الله محمد بن أحمد اللخمي، المعروف بابن الكمّاد (ت ٧١٢ هـ).٤) الخطيب أبو عبد الله محمد بن عمروٍ الفهري السبتي، المعروف بابن رُشَيد (ت ٧٢١ هـ).
٥) عبد الله بن يوسف بن رضوان بن يوسف بن رضوان النجاري المالقي الفاسي، قرأ عليه ابن جزي كثيرًا من كتب القراءات وأبعاضًا من الموطأ ومسلم والترمذي والنسائي وأبي داود والشمائل والشفاء، وسراج ابن العربي وتلقين عبد الوهاب وكثيرًا من تأليفه وغيرها.وأخذ أيضًا عن عدد من علماء عصره وروى عنهم، منهم: الشيخ الوزير أبو محمد عبد الله بن أحمد ابن المؤذن، والراوية المسنُّ أبو الوليد الحضرمي، والشيخ الراوية أبو زكريا البرشاني، والراوية الخطيب أبو عبد الله محمد بن محمد بن علي الأنصاري، والقاضي أبو المجد بن أبي علي بن أبي الأحوص، والقاضي أبو عبد الله بن برطال، والشيخ الوزير ابن أبي عامر بن ربيع، والخطيب الولي أبو عبد الله الطنجالي. * تلاميذه:من تلاميذه أبناؤه الثلاثة:١) أبو محمد عبد الله بن أبي القاسم محمد بن أحمد ابن جزي، الأديب الحافظ.٢) أبو بكر أحمد بن أبي القاسم ابن جزي، الفقيه المتفنن، تولى الكتابة السلطانية، والقضاء بغرناطة، والخطابة بجامعها (ت ٧٨٥ هـ).٣) أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم ابن جزي (ت ٧٥٧ هـ)، كان بارعًا في النظم والنثر، وهو الذي جمع رحلة أبي عبد الله محمد بن عبد الله الطنجي المعروف بابن بطوطة.
ومن أبرز تلاميذه أيضًا:٤) لسان الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله السلماني الغرناطي، المعروف بابن الخطيب (ت ٧٧٦ هـ).٥) أبو محمد عبد المهيمن بن محمد الحضرمي، صاحب «الفهرسة» (ت ٧٤٩ هـ).٦) أبو القاسم محمد بن محمد بن يوسف الأنصاري، المعروف بابن الخشاب (ت ٧٧٤ هـ).٧) أبو عبد الله محمد بن قاسم الأنصاري، المعروف بالشُّدَّيِّد (٧٧٦ هـ). * مصنفاته:خلَّف المفسِّر ابن جزيٍّ رحمه الله ثروة من الكتب في شتى الفنون، منها ما هو مطبوع، ومنها ما هو في عداد المفقود، ومن أبرز تلك المؤلفات:١) التسهيل لعلوم التنزيل، وهو هذا الذي الذي بين يدي القارئ الكريم.٢) وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم.٣) الأنوار السَّنية في الكلمات السُّنِّية.٤) الدَّعوات والأذكار المخرجة من صحيح الأخبار.٥) القوانين الفقهية، في تلخيص مذهب المالكية والتنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنبلية.٦) تقريب الوصول إلى علم الأصول.
٧) النُّور المبين في قواعد عقائد الدين.٨) المختصر البارع في قراءة نافع.٩) أصول القُرَّاء الستة غير نافع.١٠) الفوائد العامة في لحن العامة.١١) فهرسة كبيرة اشتملت على جملة من أهل المشرق والمغرب. * شعره:لابن جزيٍّ أشعار رائقة مستحسنة، تدلُّ على ذائقة أدبية رائعة، منها قوله:لكلِّ بني الدنيا مراد ومقصد … وإنّ مرادي صحّة وفراغلأبلغ في علم الشّريعة مبلغا … يكون به لي للجنان بلاغوفي مثل هذا فلينافس أولو النهى … وحسبي من الدنيا الغرور بلاغفما الفوز إلّا في نعيم مؤبّد … به العيش رغْد والشراب يساغوقوله في مدح النبي صلى الله عليه وسلم:أروم امتداح المصطفى ويردّني … قصوري عن إدراك تلك المناقبومن لي بحصر البحر والبحر زاخر؟ … ومن لي بإحصاء الحصى والكواكبولو أنّ أعضائي غدت ألسنا إذَن … لما بلغت في المدح بعض مآربيولو أنّ كلّ العالمين تألّفوا … على مدحه لم يبلغوا بعض واجب