روح البيان (إسماعيل حقي)القسم: التفسيرالكتاب: روح البيانالمؤلف: إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء (ت ١١٢٧هـ)الناشر: دار الفكر - بيروت[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
الجزء الثالثتفسير روح البيان للإمام الشّيخ إسماعيل حقّى البروسوي المتوفي سنة: ١١٣٧ هـ الجزء الثالث دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
الجزء الاولمن تفسير روح البيان بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي اظهر من نسخة حقائقه الذاتية الكمالية نقوش العوالم والاعلام واخرج من نون الجمع الذاتي انواع الحروف والكلمات والكلام انزل من مقام الجمع والتنزيه قرآنا عربيا غير ذى عوج وجعله معجزة باقية على وجه كل زمان ساطعة البراهين والحجج والصلاة والسلام على من هو فاتح باب الحضرة في العلم والعين واليقين سيدنا محمد الذي كان نبينا وآدم بين الماء والطين وعلى آله وأصحابه المتخلقين بخلق القرآن ومن تبعهم بإحسان الى آخر الزمان وبعد: فيقول العبد الفقير سمى الذبيح الشيخ إسماعيل حقى الناصح المهاجر كلأه الله من فتن الغدايا والعشايا والهواجر لما أشار الى شيخى الامام العلامه وأستاذي الجهبذ الفهامة سلطان وقته ونادرة زمانه حجة الله على الخلق بعلمه وعرفانه مطلع أنوار العناية والتوفيق وارث اسرار الخليفى على التحقيق المشهود له بسر التجديد في رأس العقد الثاني من الالف الثاني معدن الإلهام الرباني السيد الثاني الشيخ الحسيب النسيب سمى ابن عفان نزيل قسطنطينيه امده الله وأمدنا به في السر والعلانية بالنقل الى برج الأولياء مدينة بروسا صينت عن تطاول يد الضراء والبؤسى في العشر السادس من العشر العاشر من العقد الاول من الالف الثاني ولم أجد بدا من الوعظ والتذكير في الجامع الكبير والمعبد المنير الشهير وقد كان منى حين انتواء الاقامة ببعض ديار الروم بعض صحائف ملتقطة من صفحات التفاسير وأدوات العلوم مشتملة على ما يزيد على آل عمران من سور القرآن لكنها مع الاطناب الواقع فيها كانت متفرقة كايادى سبا جزء منها حوته الدبور وجزء منها حوته الصبا أردت ان ألخص ما فرط من الالتقاط وأخلص الأوراق المتفرقة من مسامحات الألفاظ والحروف والنقاط واضم إليها نبذا مما سنح لى من المعارف واجعله في سمط ما انظمه من اللطائف واسرد بانملة البراعة
وان كنت قليل البضاعة قصير الباعه ما يليه الى آخر النظم الكريم ان أمهلني الله العظيم الى قضاء هذا الوطر الجسيم وابيض للناس قدر ما حررته بين الأسابيع والشهور وافرزته بالتسويد أثناء السطور ليكون ذخرا للآخرة يوم لا ينفع مال ولا بنون وشفيعا لى حين لا يجدى نفعا غير الصاد والنون واسأل الله تعالى ان يجعله من صالحات الأعمال وخالصات الآثار وباقيات الحسنات الى آخر الأعمار فانه إذا أراد بعبد خيرا حسن عمله في الناس واهله لخيرات هي بمنزلة العين من الراس وهو الفياض اعوذ بالله من الشيطان الرجيم اعلم ان الحكمة في التعوذ الاستئذان وقرع الباب لان من اتى باب ملك من الملوك لا يدخل الا باذنه كذلك من أراد قراءة القرآن انما يريد الدخول في المناجاة مع الحبيب فيحتاج الى طهارة اللسان لانه قد تنجس بفضول الكلام والبهتان فيطهره بالتعوذ قال اهل المعرفة هذه الكلمة وسيلة المتقربين واعتصام الخائفين وعتبى المجرمين ورجعى الهالكين ومباسطة المحبين وهو امتثال قول رب العالمين في سورة النحل فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ فالاستعاذة مقدمة على القراءة عند عامة المسلمين وقولهم الجزاء متأخر عن الشرط فيلزم ان يؤخر الاستعاذة قلنا المعنى إذا أردت القراءة وهو تأويل شائع جار مجرى الحقيقة العرفية ثم المختار قول الجمهور وهو أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وهو اثبت رواية وفي الحديث (هكذا أقرأنيه جبريل عن القلم عن اللوح المحفوظ) وان كان أستعيذ بالله أوفق دراية لمطابقة المأمور به في قوله فاستعذ وأول ما نزل به جبريل عليه السلام على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الاستعاذة والبسملة وقوله تعالى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اعوذ بمعنى التجئ «پناه ميخواهم» او أستعصم «نكاه داشت ميخواهم» او أستجير «أمان ميخواهم» او أستعين «يارى ميخواهم» او أستغيث «فرياد ومدد ميخواهم» والعوذ والعياذ مصدران كاللوذ واللياذ والصوم والصيام وقول القائل أعوذ اخبار عن فعله وهو في التقدير سؤال الله عز وجل من فضله اى أعذنى يا رب وفي العدول الى لفظ الخبر فائدة التفأل بالوقوع كانه وقع الاعاذة فيخبر عن مطاوعه وسره ما في التفسير الكبير ان بين الرب وعبده عهدا قال الله أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ فكانه يقول انا مع نقص البشرية وفيت بعهد عبوديتى وقلت أعوذ بالله او استغفر الله فانت مع كمال الكرم والفضل اولىان تفى بعهد الربوبية وتعيذنى بالله مذهب اهل الحقائق فيه عدم الاشتقاق لانه لا سبيل الى كنه معرفته ولذا قال السعد التفتازانيّ في حواشى الكشاف اعلم انه كما تحيرت الأوهام في ذاته وصفاته فكذا في اللفظ الدال عليه من انه اسم او صفة مشتق او غير مشتق علم او غير علم الى غير ذلك: قال مولانا جلال الدين قدس سرهدر تصور ذات او را گنج گو … تا در آيد در تصور مثل اوواعلم ان كلمات الاستعاذة ثلاث صفاتية وأفعالية وذاتية كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم (أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك) فاختير اسم الجلالة الجامع لتتناول عبارة الاستعاذة انواع الاستعاذة قال في التفسير الكبير الشرور اما من الاعتقاديات ويدخل فيها جميع المذاهب الباطلة وعقائد فرق الضلال الاثنتين والسبعين فرقة واما من الأعمال البدنية فمنها ما
يضر في الدين وهو منهيات التكاليف وضبطها كالمتعذر ومنها ما ضرره لا في الدين كالامراض والآلام والحرق والغرق والفقر والعمى والزمانة وغيرها من البلايا والنوازل ويقرب ان لا يتناهى فاعوذ بالله يتناول الاستعاذة من كلها فعلى العاقل إذا أراد الاستعاذة ان يستحضر هذه الأجناس الثلاثة وأنواعها المتناولة فاذا عرف عدم تناهيها عرف ان قدرة الخلق لا تفى بدفعها فحمله عقله ان يقول أعوذ بالله القادر على كل المقدورات من جميع المخاوف والآفات قيل كل العلوم في الكتب الاربعة وعلومها في القرآن وعلومه في الفاتحة وعلومها في البسملة وعلومها فى الباء ففى التفسير الكبير لان المقصود من العلوم وصول العبد الى الرب فباء الإلصاق في بالله تلصقه اليه وسيجئ اسرار الباء في البسملة ان شاء الله تعالى من الشيطان اى المبعد من رحمة الله تعالى عن ابن عباس رضى الله عنهما لما عصى لعن وصار شيطانا فدل على انه انما سمى بهذا الاسم بعد لعن الله له واما قبله فاسمه عزازيل او نائل وانما لم يقيد المستعاذ منه بشئ من قبائحه ومضاره كالهمز واللمز واللمس والوسوسة والنزغة وغيرها لتذهب الهمة كل مذهب ليستعاذ من شره عموما قال في روضة الأخيار الشياطين ذكور وإناث يتوالدون ولا يموتون بل يخلدون والجن ذكور وإناث يتوالدون ويموتون والملائكة ليسوا بذكور ولا إناث ولا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون فثبت بهذا ان للشيطان والجن حقيقة ووجودا ولم ينكر الجن إلا شرذمة قليلة من جهال الفلاسفة والأطباء ونحوهم- حكى- ان الامام الغزالي محيى السنة كان مفتى الثقلين فسألهم يوما عن الحوادث قالوا ان الزمخشري صنف كتابا في التفسير وبلغ الى النصف فطلب منهم ان يأتوا به فاتوه فكتب جميع ما ألفه ثم وضعوا النسخة في مكانها فلما جاء الزمخشري اليه أراه إياه فتعجب الزمخشري وتحير وقال ان قلت هولى وانا خبأته وما اطلع عليه أحد غيرى فمن اين جاء هذا وان هو لغيرى فالتوارد في اللفظ والمعنى والوضع والترتيب في هذا القدر من الكتاب لا يقبله العقل قال الامام هو لك وقد وصل إلينا من أيدي الجن وكان الزمخشري ينكر الجن فاعترف في مجلسه ولا يلزم من هذا علم الجن بالغيب كما لا يخفى قال تعالى تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ ثم حقيقتهم عند من لم يقل بالمجردات هي أجسام هوائية وقيل نارية قادرة على التشكل باشكال مختلفة كصور الحيات والعقارب والكلاب والإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير والطير وبنى آدم لها عقول وإفهام تقدر على الأعمال الشاقة كما كانوا يعملون لسليمان عليه السلام المحاريب والتماثيل والجفان والقدور وعند من قال بها مجردات ارضية سفلية وذلك لان المجردات اعنى الموجودات الغير المتحيزة ولا الحالة في المتحيز اما عالية مقدسة عن تدبير الأجسام وهم الملائكة المقربون ويسميها المشائيون عقولا والإشراقيون أنوارا عالية قاهرة او متعلقة بتدبيرها ويسميها المشائيون نفوسا سماوية والإشراقيون أنوارا مدبرة وأشرفها حملة العرش وهم الآن اربعة ويوم القيامة ثمانية ثم الحافون حوله ثم ملائكة الكرسي ثم ملائكة السموات طبقة طبقة ثم ملائكة كرة الأثير والهواء الذي في طبع النسيم ثم ملائكة كرة الزمهرير ثم ملائكة البحار ثم الجبال ثم الأرواحالسفلية المتصرفة في الأجسام النباتية والحيوانية وهذه قد تكون مشرقة
الهية خيرة وهي المسماة بصالحى الجن وقد تكون كدرة شريرة وهي الشياطين كذا في تفسير الفاتحة للفنارى والظاهر ان المراد بالشيطان إبليس وأعوانه وقيل عام في كل متمرد عات مضل عن الجادة المستقيمة من جن وانس كما قال الله تعالى شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ الرجيم اى المرمى من السموات بإلقاء الملائكة حين لعن او المرمى بشهب السماء إذا قصدها وهذه صفة مذمومة للشيطان وله في القرآن اسماء مشئومة وصفات مذمومة فاجمع مساويه هو الرجيم لانه جامع لجميع ما يقع عليه من العقوبات فلذلك خص به الابتداء من بين تلك الأسماء والصفات يقال ظهور حقيقة الاستعاذة لا يمكن بمجرد القول بل لا بد من حضور القلب وموافقة القول بالحال والفعل وان لا يقول لسانك أعوذ بالله وفعلك وحالك أعوذ بالشيطان وذلك بمشاركة النفس مع الشيطان في ارتكاب المعاصي والطغيان واستعاذة العارف من رؤية غير الله تعالى وحجاب الكثرة فان الشيطان يهرب من نور العارف- حكى- ان أبا سعيد الخراز قدس سره رأى إبليس في المنام فاراد ان يضربه بالعصا فقال يا أبا سعيد انا لا أخاف من العصا وانما أخاف من شعاع شمس المعرفة إذا طلعت من سماء قلب العارف قالوا فى الاستعاذة من الشيطان اظهار الخوف من غير الله وهو يخل بالعبودية قلنا اتخاذ العدو عدوا تحقيق للمحبة والفرار من غير الله الى الله تتميم للعبودية والامتثال لامر الله تقديم للطاعة والخوف ممن لا يخاف الله اظهار للمسكنة كما قيل أخاف من الله اى من عذابه وغضبه وأخاف ممن يخاف الله اى من سوء دعائه وأخاف ممن لا يخاف اى من سوء أفعاله: قال المولى جلال الدين قدس سرهآدمي را دشمن پنهان بسيست … آدمىء با حذر عاقل كسيستوفي التفسير الكبير ان أعوذ بالله رجوع من الخلق الى الخالق ومن الحاجة التامة لنفسه الى الغنى التام بالحق في تحصيل كل الخيرات ودفع كل الآفات ففيه سر فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ وفيه دلالة ان لا وسيلة الى القرب من حضرة الرب الا بالعجز والعجز منتهى المقامات قال الحسن من استعاذ بالله على وجه الحقيقة وهو ما يكون بحضور القلب جعل الله بينه وبين الشيطان ثلاثمائة حجاب كل حجاب كما بين السماء والأرض وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال خرج النبي عليه الصلاة والسلام ذات يوم من المسجد فاذا هو بإبليس فقال له النبي (ما الذي جاء بك الى باب مسجدى) قال يا محمد جاء بي الله قال (فلم ذا) قال لتسألنى عما شئت فقال ابن عباس رضى الله عنهما فكان أول شىء سأله الصلاة فقال له (يا ملعون لم تمنع أمتي عن الصلاة بالجماعة) قال يا محمد إذا خرجت أمتك الى الصلاة تأخذنى الحمى الحارة فلا تندفع حتى يتفرقوا وقال عليه السلام (لم تمنع أمتي عن العلم والدعاء) قال عند دعائهم يأخذنى الصمم والعمى فلا يندفع حتى يتفرقوا وقال عليه السلام (لم تمنع أمتي عن القرآن) قال عند قرائتهم اذوب كالرصاص قال (لم تمنع أمتي عن الجهاد) قال إذا خرجوا الى الجهاد يوضع على قدمى قيد حتى يرجعوا وإذا خرجوا الى الحج اسلسل واغلل حتى يرجعوا وإذا هموا بالصدقة توضع على رأسى المناشير فتنشرنى كما ينشر الخشب والشيطان مسلط على طبيعة بنى آدم
بالأكل والشرب فاذا تركهما الإنسان فقد اجتهد في قطع شهوة البطن وشهوة الفرج فلا يكون إذا مداخلة للشيطان أصلا واما النفس فسبب إصلاحها هو الصلوات الخمس لان فرضيتها لاصلاح النفس لان فيها تذللا بثلاث طبقات بعقد اليد. بين يدى الملك الأعظم وبالركوع له وبالسجود فالنفس تصلح بالخضوع والخشوع والتذلل قال وهب بن منبه لما خرج نوح من السفينة جاء إبليس عليه اللعنة فقال نوح يا عدو الله أي اخلاق بنى آدم أعون لك ولجنودك على ضلالتهم وهلاكهم قال إبليس إذا وجدنا من بنى آدم شحيحا حريصا حسودا جبارا عجولا تلقفناه تلقف الا كرة فان اجتمعت فيه هذه الأخلاق سميناه شيطانا مريدا لان هذه الأخلاق من اخلاق رؤس الشياطين وفي الخبر ان إبليس عليه اللعنة يرفع الدنيا كل يوم في يديه فيقول من يشترى ما يضره ولا ينفعه ويهمه ولا يسره فتقول اصحاب الدنيا نحن فيقول لا تعجلوا فانها معيوبة فيقولون لا بأس بها فيقول ثمنها ليسبدراهم ولا دنانير انما ثمنها نصيبكم من الجنة وانى اشتريتها باربعة أشياء بلعنة الله وغضبه وعذابه وقطيعته وبعت الجنة بها فيقولون يجوز لنا ذلك فيقول أريد ان تربحونى على ذلك وهو بان توطنوا قلوبكم على ان لا تدعوها ابدا فيقولون نعم فيأخذونها فيقول الشيطان بئست التجارة: قال الحافظ قدس سره مجو درستى عهد از جهان سست نهاد كه اين عجوزه عروس هزار دامادست قال الشيخ سعدى قدس الله سره بر مرد هوشيار دنيا خسست كه هر مدتى جاى ديكر كسست منه بر جهان دل كه بيكانه ايست كه مطرب كه هر روز در خانه ايست نه لايق بود عشق با دلبرى چوهر بامدادش بود شوهرى وسئل النبي عليه السلام عن وسوسة الشيطان فقال عليه السلام (السارق لا يدخل بيتا ليس فيه شىء فذلك من محض الايمان) وقال على بن ابى طالب رضى الله عنه الفرق بين صلاتنا وصلاة اهل الكتاب وسوسة الشيطان لانه فرغ من عمل الكفار لانهم وافقوه والمؤمنون يخالفونه ويحاربونه والمحاربة تكون مع المخالفة- حكى- ان رجلا من اهل خراسان خرج نحو العراق وكان يتردد الى عالم من علمائها حتى علمه اربعة آلاف حديث من الحكمة فلما أراد الانصراف الى وطنه استأذن من استاذه فقال له الأستاذ أعلمك كلمة خير لك من أحاديثك قال وما هي قال هل يكون في خراسان إبليس قال نعم قال وهل يوسوسكم قال نعم قال وما تصنعون في وسوسته قال نرده قال ان وسوس ثانيا قال نرده قال إذا اذاكم عدو الله وشغلكم عن الطاعة فلا تشتغلوا برد وسوسته ولكن كونوا معه كالغريب مع كلب الراعي واستعيذوا بالله وانه كلب من الكلاب عصمنا الله وإياكم من كيده وشره. سورة فاتحة الكتاببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الأصح المقبول عند متأخرى الحنفية ان البسملة آية فذة ليست جزأ من سورة أنزلت للفصل والتبرك بالابتداء كما بدئ بذكرها في كل أمر ذى بال وهي مفتاح القرآن وأول ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ وأول ما نزل على آدم عليه السلام وحكمة تأخرها عن الاستعاذة تقدم التخلية بالمعجمة على التحلية والاعراض عما سوى الله على الإقبال والتوجه اليه بِسْمِ اللَّهِ
كانت الكفار يبدؤن بأسماء آلهتهم فيقولون باسم اللات والعزى فوجب ان يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عز وجل بالابتداء وذلك بتقديمه وتأخير الفعل فلذلك قدر المحذوف متأخرا اى باسم الله اقرأ او اتلو أو غير ذلك مما جعلت التسمية مبدأ له قالوا وأودع جميع العلوم فى الباء اى بي كان ما كان وبي يكون ما يكون فوجود العوالم بي وليس لغيرى وجود حقيقى الا بالاسم والمجاز وهو معنى قولهم ما نظرت شيأ الا ورأيت الله فيه او قبله ومعنى قوله عليه السلام (لا تسبوا الدهر فان الدهر هو الله) فان قلت ما الحكمة والسر في ان الله تعالى جعل افتتاح كتابه بحرف الباء واختارها على سائر الحروف لا سيما على الالف فانه أسقط الالف من الاسم واثبت مكانه الباء في بسم فالجواب ان الحكمة في افتتاح الله بالباء عشرة معان أحدها ان في الالف ترفعا وتكبرا وتطاولا وفي الباء انكسارا وتواضعا وتساقطا فمن تواضع لله رفعه الله وثانيها ان الباء مخصوصة بالإلصاق بخلاف اكثر الحروف خصوصا الالف من حروف القطع وثالثها ان الباء مكسورة ابدا فلما كانت فيها كسرة وانكسار في الصورة والمعنى وجدت شرف العندية من الله تعالى كما قال الله تعالى (انا عند المنكسرة قلوبهم من اجلى) ورابعها ان في الباء تساقطا وتكسرا في الظاهر ولكن رفعة درجة وعلو همة في الحقيقة وهي من صفات الصديقين وفي الالف ضدها اما رفعة درجتها فبانها أعطيت نقطة وليست للالف هذه الدرجة واما علو الهمة فانه لما عرضت عليها النقط ما قبلت الا واحدة ليكون حالها كحال محب لا يقبل الا محبوبا واحدا وخامسها ان في الباء صدقا في طلب قربة الحق لانها لما وجدت درجة حصول النقطة وضعتها تحت قدمها وما تفاخرت بها ولا يناقضه الجيم والياء لان نقطهما في وضع الحروف ليست تحتهما بل في وسطهما وانما موضع النقط تحتهما عند اتصالهما بحرف آخر لئلا يشتبها بالخاء والتاء بخلاف الباء فان نقطتها موضوعة تحتها سواء كانت مفردة او متصلة بحرف آخر وسادسها ان الالف حرف علة بخلاف الباء وسابعها ان الباء حرف تام متبوع في المعنى وان كان تابعا صورة من حيث ان موضعه بعد الالف في وضع الحروف وذلك لان الالف في لفظ الباء يتبعه بخلاف لفظ الالف فان الباء لا يتبعه والمتبوع في المعنى أقوى وثامنها ان الباء حرف عامل ومتصرف في غيره فظهر لها من هذا الوجه قدر وقدرة فصلحت للابتداء بخلاف الالف فانه ليس بعامل وتاسعها ان الباء حرف كامل في صفات نفسه بانه للالصاق والاستعانة والاضافة مكمل لغيره بان يخفض الاسم التابع له ويجعله مكسورا متصفا بصفات نفسه وله علو وقدرة في تكميل الغير بالتوحيد والإرشاد كما أشار اليه سيدنا على رضى الله عنه بقوله [انا النقطة تحت الباء] فالباء له مرتبة الإرشاد والدلالة على التوحيد وعاشرها ان الباء حرف شفوى تنفتح الشفة به ما لا تنفتح بغيره من الحروف الشفوية ولذلك كان أول انفتاح فم الذرة الانسانية في عهد الست بربكم بالباء في جواب بلى فلما كان الباء أول حرف نطق به الإنسان وفتح به فمه وكان مخصوصا بهذه المعاني اقتضت الحكمة الإلهية اختياره من سائر الحروف فاختارها ورفع قدرها واظهر برهانها وجعلها مفتاح كتابه ومبدأ كلامه وخطابه تعالى وتقدس كذا في التأويلات النجمية واسم الله ما يصح
ان يطلق عليه بالنظر الى ذاته او باعتبار صفة من صفاته السلبية كالقدوس او الثبوتية كالعليم او باعتبار فعل من أفعاله كالخالق ولكنها توقيفية عند بعض العلماء كما في الشرح المشارق لابن الملك ثم المختار ان كلمة الله هو الاسم الأعظم فان سأل سائل وقال ان من شرط الاسم الأعظم انه ان دعى الله به أجاب وإذا سئل به اعطى فنحن ندعو بهونسأل فلم نر الاجابة في اكثر الأوقات قلنا ان للدعاء آدابا وشرائط لا يستجاب الدعاء الا بها كما ان للصلاة كذلك فاول شرائطه إصلاح الباطن باللقمة الحلال وقدقيل (الدعاء مفتاح السماء وأسنانه لقمة الحلال) وآخر شرائطه الإخلاص وحضور القلب كما قال الله تعالى فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فان حركة الإنسان باللسان وصياحه من غير حضور القلب ولولة الواقف على الباب وصوت الحارث على السطح اما إذا كان حاضرا فالقلب الحاضر في الحضرة شفيع له قال الشيخ مؤيد الدين الجندي قدس سره ان للاسم الأعظم الذي اشتهر ذكره وطاب خبره ووجب طيه وحرم نشره من عالم الحقائق والمعاني حقيقة ومعنى ومن عالم الصور والألفاظ صورة ولفظا اما حقيقته فهى احدية جمع جميع الحقائق الجمعية الكمالية كلها واما معناه فهو الإنسان الكامل فى كل عصر وهو قطب الاقطاب حامل الامانة الإلهية خليفة الله واما صورته فهى صورة كامل ذلك العصر وعلمه كان محرما على سائر الأمم لما لم تكن الحقيقة الانسانية ظهرت بعد في أكمل صورته بل كانت في ظهورها بحسب قابلية كامل ذلك العصر فحسب فلما وجد معنى الاسم الأعظم وصورته بوجود الرسول صلى الله عليه وسلم أباح الله العلم به كرامة له الرَّحْمنِ الرحمة في اللغة رقة القلب والانعطاف ومنه الرحم لانعطافها على ما فيها والمراد بها هاهنا هو التفضل والإحسان او ارادتهما بطريق اطلاق اسم السبب بالنسبة إلينا على مسببه البعيد او القريب فان اسماء الله تؤخذ باعتبار الغايات التي هي افعال دون المبادي التي هي انفعالات فالمعنى العاطف على خلقه بالرزق لهم ودفع الآفات عنهم لا يزيد في رزق المتقى لقبل تقواه ولا ينقص من رزق الفاجر لقبل فجوره بل يرزق الكل بما يشاء الرَّحِيمِ المترحم إذا سئل اعطى وإذا لم يسأل غضب وبنى آدم حين يسأل بغضب واعلم ان الرحمة من صفات الذات وهو إرادته إيصال الخير ودفع الشر والارادة صفة الذات لان الله تعالى لو لم يكن موصوفا بهذه الصفة لما خلق الموجودات فلما خلق الخلق علمنا ان رحمته صفة ذاتية لان الخلق إيصال خير الوجود الى المخلوق ودفع شر العدم عنهم فان الوجود خير كله قال الشيخ القيصري اعلم ان الرحمة صفة من الصفات الإلهية وهي حقيقة واحدة لكنها تنقسم بالذاتية والصفاتية اى تقتضيها اسماء الذات واسماء الصفات وكل منهما عامة وخاصة فصارت أربعا ويتفرع منها الى ان يصير المجموع مائة رحمة وإليها أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله (ان لله مائة رحمة اعطى واحدة منها لاهل الدنيا كلها وادخر تسعا وتسعين الى الآخرة يرحم بها عباده) فالرحمة العامة والخاصة الذاتيتان ما جاء في البسملة من الرحمن الرحيم والرحمة الرحمانية عامة لشمول الذات جميع الأشياء علما وعينا والرحيمية خاصة لانها تفصيل تلك الرحمة العامة الموجب لتعيين كل من الأعيان بالاستعداد الخاص بالفيض الأقدس والصفاتية ما ذكره في الفاتحة من الرحمن
الرحيم الاولى عامة الحكم لترتبها على ما أفاض الوجود العام العلمي من الرحمة العامة الذاتية والثانية خاصة وتخصيصها بحسب استعداد الأصلي الذي لكل عين من الأعيان وهما نتيجتان للرحمتين الذاتيتين العامة والخاصة انتهى كلامه قالوا لله تعالى ثلاثة آلاف اسم الف عرفها الملائكة لا غير والف عرفها الأنبياء لا غير وثلاثمائة في التوراة وثلاثمائة في الإنجيل وثلاثمائة فى الزبور وتسعة وتسعون في القرآن وواحد استأثر الله به ثم معنى هذه الثلاثة آلاف في هذه الأسماء الثلاثة فمن علمها وقالها فكأنما ذكر الله تعالى بكل أسمائه وفي الخبر ان النبي عليه السلام قال (ليلة اسرى بي الى السماء عرض على جميع الجنان فرأيت فيها اربعة أنهارا نهرا من ماء ونهرا من لبن ونهرا من خمر ونهرا من عسل فقلت يا جبريل من اين تجىء هذه الأنهار والى اين تذهب قال تذهب الى حوض الكوثر ولا أدرى من اين تجئ فادع الله تعالى ليعلمك او يريك فدعا ربه فجاء ملك فسلم على النبي عليه السلام ثم قال يا محمد غمض عينيك قال فغمضت عينى ثم قال افتح عينيك ففتحت فاذا انا عند شجرة ورأيت قبة من درة بيضاء ولها باب من ذهب احمر وقفل لو أن جميع ما في الدنيا من الجن والانس وضعوا على تلك القبة لكانوا مثل طائر جالس على جبلفرأيت هذه الأنهار الاربعة تخرج من تحت هذه القبة فلما أردت ان ارجع قال لى ذلك الملك لم لا تدخل القبة قلت كيف ادخل وعلى بابها قفل لا مفتاح له عندى قال مفتاحه بسم الله الرّحمن الرّحيم فلما دنوت من القفل وقلت بسم الله الرّحمن الرّحيم انفتح القفل فدخلت في القبة فرأيت هذه الأنهار تجرى من اربعة اركان القبة ورأيت مكتوبا على اربعة اركان القبة بسم الله الرّحمن الرّحيم ورأيت نهر الماء يخرج من ميم بسم الله ورأيت نهر اللبن يخرج من هاء الله ونهر الخمر يخرج من ميم الرحمن ونهر العسل من ميم الرحيم فعلمت ان اصل هذه الأنهار الاربعة من البسملة فقال الله عز وجل يا محمد من ذكرنى بهذه الأسماء من أمتك بقلب خالص من رياء وقال بسم الله الرّحمن الرّحيم سقيته من هذه الأنهار) وفي الحديث (لا يرد دعاء اوله بسم الله الرّحمن الرّحيم) وفي الحديث ايضا (من رفع قرطاسا من الأرض مكتوبا عليه بسم الله الرّحمن الرّحيم إجلالا له ولاسمه عن ان يدنس كان عند الله من الصديقين وخفف عن والديه وان كانا مشركين) وذكر الشيخ احمد البونى في لطائف الإشارات ان شجرة الوجود تفرعت عن بسم الله الرّحمن الرّحيم وان العالم كله قائم بها جملة وتفصيلا فلذلك من اكثر من ذكرها رزق الهيبة عند العالم العلوي والسفلى وكتب قيصر ملك الروم الى عمر رضى الله عنه ان بي صداعا لا يسكن فابعث الى دواء ان كان عندك فان الأطباء عجزوا عن المعالجة فبعث عمر رضى الله عنه قلنسوة فكان إذا وضعها على رأسه سكن صداعه وإذا رفعها عن رأسه عاد صداعه فتعجب منه ففتش في القلنسوة فاذا فيها كاغد مكتوب عليه بسم الله الرّحمن الرّحيم قال الشيخ الأكبر في الفتوحات إذا قرأت فاتحة الكتاب فصل بسملتها معها في نفس واحد من غير قطع وعن محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم حالفا عن جبريل عليه السلام حالفا عن ميكائيل عليه السلام حالفا عن اسرافيل عليه السلام قال الله تعالى (يا اسرافيل بعزتي وجلالى وجودى وكرمى من قرأ بسم الله الرّحمن الرّحيم متصلة بفاتحة
الكتاب مرة واحدة فاشهدوا على انى قد غفرت له وقبلت منه الحسنات وتجاوزت له عن السيئات ولا احرق لسانه بالنار وأجيره من عذاب القبر وعذاب النار وعذاب يوم القيامة والفزع الأكبر وتلقانى قبل الأنبياء والأولياء أجمعين) وجه التسمية بفاتحة الكتاب اما لافتتاح المصاحف والتعليم وقراءة القرآن والصلاة بها واما لان الحمد فاتحة كل كلام واما لانها أول سورة نزلت واما لانها أول ما كتب في اللوح المحفوظ واما لانها فاتحة أبواب المقاصد في الدنيا وأبواب الجنان في العقبى واما لان انفتاح أبواب خزائن اسرار الكتاب بها لانها مفتاح كنوز لطائف الخطاب بانجلائها ينكشف جميع القرآن لاهل البيان لان من عرف معانيها يفتح بها أقفال المتشابهات ويقتبس بسناها أنوار الآيات وسميت بام القرآن وأم الشيء أصله لان المقصود من كل القرآن تقرير امور اربعة اقرار بالالوهية والنبوة واثبات القضاء والقدر لله تعالى فقوله الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يدل على الالوهية وقوله مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يدل على المعاد وقوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ على نفى الجبر والقدر وعلى اثبات ان الكل بقضاء الله تعالى وسميت بالسبع المثاني لانها سبع آيات او لان كل آية منها تقوم مقام سبع من القرآن فمن قرأها اعطى ثواب قراءة الكل او لان من فتح فاه بقراءة آياتها السبع غلقت عنه أبواب النيران السبعة هذه وجوه التسمية بالسبع واما بالمثاني فلانها تثنى في كل صلاة او في كل ركعة بالنسبة الى الاخرى او المراد تشفع فى كل ركعة سورة حقيقة او حكما أو لأن نزولها مرتين مرة في مكة ومرة في المدينة وسميت بسورة الصلاة وسورة الشفاء والشافية وأساس القرآن والكافية والوافية وسورة الحمد وسورة السؤال وسورة الشكر وسورة الدعاء لاشتمالها عليها وسورة الكنز لما يروى ان الله تعالى قال (فاتحة الكتاب كنز من كنوز عرشى) الْحَمْدُ لِلَّهِ لامه للعهد اى الحمد الكامل وهو حمد الله لله أو حمد الرسل او كمل اهل الولاء او للعموم والاستغراق اى جميع المحامد والاثنية للمحمود أصلا والممدوح عدلا والمعبود حقا عينية كانت تلك المحامد او عرضية من الملكاو من البشر او من غيرهما كما قال تعالى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ والحمد عند الصوفية اظهار كمال المحمود وكماله تعالى صفاته وأفعاله وآثاره قال الشيخ داود القيصري الحمد قولى وفعلى وحالى اما القولى فحمد اللسان وثناؤه عليه بما اثنى به الحق على نفسه على لسان أنبيائه عليهم السلام واما الفعلى فهو الإتيان بالأعمال البدنية من العبادات والخيرات ابتغاء لوجه الله تعالى وتوجها الى جنابه الكريم لان الحمد كما يجب على الإنسان باللسان كذلك يجب عليه بحسب كل عضو بل على كل عضو كالشكر وعند كل حال من الأحوال كما قال النبي عليه السلام (الحمد لله على كل حال) وذلك لا يمكن الا باستعمال كل عضو فيما خلق لاجله على الوجه المشروع عبادة للحق تعالى وانقيادا لامره لا طلبا لحظوظ النفس ومرضاتها واما الحالي فهو الذي يكون بحسب الروح والقلب كالاتصاف بالكمالات العلمية والعملية والتخلق بالأخلاق الإلهية لان الناس مأمورون بالتخلق بأخلاق الله تعالى بلسان الأنبياء عليهم السلام
لتصير الكمالات ملكة نفوسهم وذواتهم وفي الحقيقة هذا حمد الحق ايضا نفسه في مقامه التفصيلي المسمى بالمظاهر من حيث عدم مغايرتها له واما حمده ذاته في مقامه الجمعى الإلهي قولا فهو ما نطق به في كتبه وصحفه من تعريفاته نفسه بالصفات الكمالية وفعلا فهو اظهار كمالاته الجمالية والجلالية من غيبه الى شهادته ومن باطنه الى ظاهره ومن علمه الى عينه في مجالى صفاته ومحال ولاية أسمائه وخالا فهو تجلياته في ذاته بالفيض الأقدس الاولى وظهور النور الأزلي فهو الحامد والمحمود جمعا وتفصيلا كما قيللقد كنت دهرا قبل ان يكشف الغطا … إخالك انى ذاكر لك شاكرفلما أضاء الليل أصبحت شاهدا … بانك مذكور وذكر وذاكروكل حامد بالحمد القولى يعرف محموده بإسناد صفات الكمال اليه فهو يستلزم التعريف انتهى كلامه والحمد شامل للثناء والشكر والمدح ولذلك صدر كتابه بان حمد نفسه بالثناء في لله والشكر في رب العالمين والمدح في الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ثم ليس للعبد ان يحمده بهذه الوجوه الثلاثة حقيقة بل تقليدا ومجازا اما الاول فلان الثناء والمدح بوجه يليق بذاته او بصفاته فرع معرفة كنههما وقد قال الله تعالى وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ واما الثاني فكما ان النبي عليه السلام لما خوطب ليلة المعراج بان أثن على قال (لا احصى ثناء عليك) وعلم ان لا بد من امتثال الأمر واظهار العبودية (فقال أنت كما أثنيت على نفسك) فهو ثناء بالتقليد وقد أمرنا ايضا ان نحمده بالتقليد بقوله قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ كما قال فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ كذا في التأويلات النجمية: قال السعدي قدس سرهعطاييست هر موى ازو بر تنم … چهـ كونه بهر موى شكرى كنموذكر الشيخ الامام حجة الإسلام الغزالي رحمه الله في منهاج العابدين ان الحمد والشكر آخر العقبات السبع التي لا بد للسالك من عبورها ليظفر بمبتغاه فاول ما يتحرك العبد لسلوك طريق العبادة يكون بخطرة سماوية وتوفيق خاص الهى وهو الذي أشار اليه صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم بقوله (ان النور إذا دخل قلب العبد انفتح وانشرح) فقيل يا رسول الله هل لذلك من علامة يعرف بها فقال (التجافي عن دار الغرور والانابة الى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله) فاذا خطر بقلب العبد أول كل شىء ان له منعما بضروب من النعم وقال انه يطالبنى بشكره وخدمته فلعله ان غفلت يزيل نعمته ويذيقنى نقمته وقد بعث الى رسولا بالمعجزات وأخبرني بان لى ربا عالما قادرا على ان يثيب بطاعته ويعاقب بمعصيته وقد امر ونهى فيخاف على نفسه عنده فلم يجد في طريق الخلاص من هذا النزاع سبيلا سوى الاستدلال بالصنعة على الصانع فيحصل له اليقين بوجود ربه الموصوف بما ذكره فهذه عقبة العلم والمعرفة استقبلته فى أول الطريق ليكون في قطعها على بصيرة بالتعلم والسؤال من علماء الآخرة فاذا حصل له اليقين بوجود ربه بعثته المعرفة على التشمر للخدمة ولكنه لا يدرى كيف يعبده فيتعلم ما يلزمه من الفرائض الشرعية ظاهرا وباطنا فلما استكمل العلم والمعرفة بالفرائض انبعث للعبادة فنظر فاذا هو صاحب ذنوب كما هو حال اكثر الناس فيقول كيف اقبل على الطاعة
وانا مصر متلطخ بالمعاصي فيجب ان أتوب اليه ليخلصنى من أسرها وأتطهر من اقذارها فاصلح للخدمة فيستقبله هاهنا عقبة التوبة فلما حصلت له اقامة التوبة الصادقة بحقوقها وشرائطها نظر للسلوك فاذا حوله عوائق من العبادة محدقة به فتأمل فاذا هي اربع الدنيا والخلق والشيطان والنفس فاستقبلته عقبة العوائق فيحتاج الى قطعها باربعة امور التجرد عن الدنيا والتفرد عن الخلق والمحاربة مع الشيطان والنفس وهي أشدها إذ لا يمكنه التجرد عنها ولا ان يقهرها بمرة كالشيطان إذ هي المطية والآلة ولا مطمع ايضا في موافقتها على الإقبال على العبادة إذ هي مجبولة على ضد الخير كالهوى واتباعها لهنمى تازد اين نفس سركش چنان … كه عقلش تواند كرفتن عنانكه با نفس وشيطان بر آيد بزور … مصاف پلنگان نيايد ز مورفاحتاج الى ان يلجمها بلجام التقوى لتنقاد فيستعملها في المراشد ويمنعها عن المفاسد فلما فرع من قطعها وجد عوارض تعترضه وتشغله عن الإقبال على العبادة فنظر فاذا هي اربعة رزق تطلبه النفس ولا بد واخطار من كل شىء يخافه او يرجوه او يريده او يكرهه ولا يدرى إصلاحه في ذلك أم فساده والثالث الشدائد والمصائب تنصب عليه من كل جانب لا سميا وقد انتصب لمخالفة الخلق ومحاربة الشيطان ومضارة النفس والرابع انواع القضاء فاستقبلته هاهنا عقبة العوارض الاربعة فاحتاج الى قطعها باربعة بالتوكل على الله في الرزق والتفويض اليه في موضع الخطر والصبر عند الشدائد والرضى بالقضاء فاذا قطعها نظر فاذا النفس فاترة كسلى لا تنشط ولا تنبعث لخير كما يحق وينبغى وانما ميلها الى غفلة ودعة وبطالة بل الى سرف وفضول فاحتاج الى سائق يسوقها الى الطاعة وزاجر يزجرها عند المعصية وهما الرجاء والخوف فالرجاء في حسن ما وعد من الكرامات والخوف من صعوبة ما أوعد من العقوبات والاهانات فهذه عقبة البواعث استقبلته فاحتاج الى قطعها بهذين المذكورين فلما فرغ منها لم ير عائقا ولا شاغلا ووجد باعثا وداعيا فعانق العبادة بلزام الشوق فنظر فاذا تبدو بعد كل ذلك آفتان عظيمتان هما الرياء والعجب فتارة يرائى بطاعته الناس وتارة يستعظم ذلك ويكرم نفسه فاستقبلته هاهنا عقبة القوادح فاحتاج الى قطعها بالإخلاص وذكر المنة فاذا قطعها بحسن عصمة الجبار وتأييده حصلت العبادة له كما يحق وينبغى ولكنه نظر فاذا هو غريق في بحور نعم الله من امداد التوفيق والعصمة فخاف ان يكون منه اغفال للشكر فيقع في الكفران وينحط عن تلك المرتبة الرفيعة التي هي مرتبة اغذية الخالصين فاستقبلته هاهنا عقبة الحمد والشكر فقطعها بتكثيرهما فلما فرغ منها فاذا هو بمقصوده ومبتغاه فيتنعم في طيب هذه الحالة بقية عمره بشخص في الدنيا وقلب في العقبى ينتظر البريد يوما فيوما ويستقذر الدنيا فاستكمل الشوق الى الملأ الأعلى فاذا هو برسول رب العالمين يبشره بالرضوان من عند رب غير غضبان فينقلونه في طيبة النفس وتمام البشر والانس من هذه الدنيا الفانية الى الحضرة الالهية ومستقر رياض الجنة فيرى لنفسه الفقيرة نعيما وملكا عظيما: قال الشيخ سعدى قدس سرهعروسى بود نوبت ماتمت … كرت نيك روزى بود خاتمت
قال خسرو عند وفاتهز دنيا ميرود خسرو بزير لب همى گويد … دلم بگرفت از غربت تمناى وطن دارمرَبِّ الْعالَمِينَ لما نبه على استحقاقه الذاتي بجميع المحامد بمقابلة الحمد باسم الذات اردفه بأسماء الصفات جمعا بين الاستحقاقين وهو أي رب العالمين كالبرهان على استحقاقه جميع المحامد الذاتي والصفاتى والدنيوي والأخروي والرب بمعنى التربية والإصلاح اما في حق العالمين فير بينهم باغذيتهم وسائر اسباب بقاء وجودهم وفي حق الإنسان فيربى الظواهر بالنعمة وهي النفس ويربى البواطن بالرحمة وهي القلوب ويربى نفوس العابدين باحكام الشريعة ويربى قلوب المشتاقين بآداب الطريقة ويربى اسرار المحبين بانوار الحقيقة ويربى الإنسان تارة باطواره وفيض قوى أنواره في أعضائه فسبحان من اسمع بعظم وبصر بشحم وانطق بلحم واخرى بترتيب غذائه في النبات بحبوبه وثماره وفي الحيوان بلحومه وشحومه وفي الأراضي باشجاره وأنهاره وفي الافلاك بكواكبه وأنواره وفي الزمان بسكونك وتسكين الحشرات والحركات المؤذية في الليالى وحفظك وتمكينك من ابتغاء فضله بالنهار فياهذا يربيك كانه ليس له عبد سواك وأنت لا تخدمه او تخدمه كأن لك ربا غيره والعالمين جمع عالم والعالم جمع لا واحد له من لفظه قال وهب لله ثمانية عشر الف عالم الدنيا عالم منها وما العمران في الخراب الا كفسطاط في صحراء وقال الضحاك ثلاثمائة وستون ثلاثمائة منهم حفاة عراة لا يعرفون خالقهم وهم حشو جهنم وستون عالما يلبسون الثياب مر بهم ذو القرنين وكلمهم وقال كعب الأحبار لا يحصى لقوله تعالى وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وعن ابى هريرة رضى الله عنه ان الله تعالى خلق الخلق اربعة اصناف الملائكة والشياطين والجن والانس ثم جعل هؤلاء عشرة اجزاء تسعة منهم الملائكة وواحد الثلاثة الباقية ثم جعل هذه الثلاثة عشرة اجزاء تسعةمنهم الشياطين وجزء واحد الجن والانس ثم جعلهما عشرة اجزاء فتسعة منهم الجن وواحد الانس ثم جعل الانس مائة وخمسة وعشرين جزأ فجعل مائة جزء في بلاد الهند منهم ساطوح وهم أناس رؤسهم مثل رؤس الكلاب ومالوخ وهم أناس أعينهم على صدورهم وماسوخ وهم أناس آذانهم كآذان الفيلة ومالوف وهم أناس لا يطاوعهم أرجلهم يسمون دوال ياى ومصير كلهم الى النار وجعل اثنى عشر جزأ منهم في بلاد الروم النسطورية والملكانية والاسرائيلية كل من الثلاث اربع طوائف ومصيرهم الى النار جميعا وجعل ستة اجزاء منهم في المشرق يأجوج ومأجوج وترك وخاقان وترك حد خلخ وترك خزر وترك جرجير وجعل ستة اجزاء في المغرب الزنج والزط والحبشة والنوبة وبربر وسائر كفار العرب ومصيرهم الى النار وبقي من الانس من اهل التوحيد جزء واحد فجزأهم ثلاثا وسبعين فرقة اثنتان وسبعون على خطر وهم اهل البدع والضلالات وفرقة ناجية وهم اهل السنة والجماعة وحسابهم على الله تعالى يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وفي الحديث (ان بنى إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين فرقة وتفرق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار الا فرقة واحدة) قالوا من هي يا رسول الله قال (من هم على ما انا عليه وأصحابي) يعنى ما انا عليه وأصحابي من الاعتقاد والفعل والقول فهو حق وطريق موصل الى الجنة والفوز والفلاح وما عداه باطل وطريق الى النار ان كانوا اباحيين فهم خلود والا فلا الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فى التكرار وجوه أحدها ما سبق
من ان رحمتى البسملة ذاتيتان ورحمتى الفاتحة صفاتيتان كماليتان والثاني ليعلم ان التسمية ليست من الفاتحة ولو كانت منها لما أعادهما لخلو الاعادة عن الفائدة والثالث انه ندب العباد الى كثرة الذكر فان من علامة حب الله حب ذكر الله وفي الحديث (من أحب شيأ اكثر ذكره) والرابع انه ذكر رب العالمين فبين ان رب العالمين هو الرحمن الذي يرزقهم في الدنيا الرحيم الذي يغفر لهم فى العقبى ولذلك ذكر بعده مالك يوم الدين يعنى ان الربوبية اما بالرحمانية وهي رزق الدنيا واما بالرحيمية وهي المغفرة في العقبى والخامس انه ذكر الحمد وبالحمد تنال الرحمة فان أول من حمد الله تعالى من البشر آدم عطس فقال الحمد لله وأجيب للحال يرحمك ربك ولذلك خلقك فعلم خلقه الحمد وبين انهم ينالون رحمته بالحمد والسادس ان التكرار للتعليل لان ترتيب الحمد على هذه الأوصاف امارة علية مأخذها فالرحمانية والرحيمية من جملتها لدلالتهما على انه مختار في الإحسان لا موجب وفي ذلك استيفاء اسباب استحقاق الحمد من فيض الذات برب العالمين وفيض الكمالات بالرحمن الرحيم ولا خارج عنهما في الدنيا وفيض الاثوبة لطفا والاجزية عدلا في الآخرة ومن هذا يفهم وجه ترتيب الأوصاف الثلاثة والفرق بين الرحمن والرحيم اما باختصاص الحق بالأول او بعمومه او بجلائل النعم فعلى الاول هو الرحمن بما لا يصدر جنسه من العباد والرحيم بما يتصور صدوره منهم فذا كما روى عن ذى النون قدس سره وقعت ولولة في قلبى فخرجت الى شط النيل فرأيت عقربا يعد وفتبعته فوصل الى ضفدع على الشط فركب ظهره وعبر به النيل فركبت السفينة واتبعته فنزل وعدا الى شاب نائم وإذا أفعى بقربه تقصده فتواثبا وتلادغا وماتا وسلم النائم- ويحكى- ان ولد الغراب إذا خرج من القشر يكون كلحم احمر ويفر الغراب منه فيجتمع عليه البعوض فيلتقمه الى ان ينبت ريشه فعند ذلك تعود الام اليه ولهذا قيل يا رازق النعاب في عشه واما على ان الرحمن عام فقيل كيف ذلك وقلما يخلو أحد بل حالة له عن نوع بلوى قلنا الحوادث منها ما يظن انه رحمة ويكون نقمة وبالعكس قال الله تعالى فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً الآية فالاول كما قالان الشباب والفراغ والجده … مفسدة للمرء أي مفسدهوكل منها في الظاهر نعمة والثاني كحبس الولد في المكتب وحمله على التعلم بالضرب وكقطع اليد المتأكلة فالابله يعتبر بالظواهر والعاقل ينظر الى السرائر فما من بلية ومحنة الا وتحتها رحمة ومنحة وتركالخير الكثير للشر القليل شر كبير فالتكاليف لتطهير الأرواح عن العلائق الجسدانية وخلق النار لصرف الأشرار الى اعمال الأبرار وخلق الشيطان لتميز المخلصين من العباد فشأن المحقق ان يبنى على الحقائق كالخضر عليه السلام في قصة موسى عليه السلام معه فكل ما يكره الطبع فتحته اسرار خفية وحكمة بالغة فلولا الرحمة وسبقها للغضب لم يكن وجود الكون ولما ظهر للاسم المنعم عين واما على ان الرحمن لجلائل النعم فانما اتبعه بالرحيم لدفع توهم ان يكون طلب العبد الشيء اليسير سوء ادب كما قيل لبعضهم جئتك لحاجة يسيرة قال اطلب لها رجلا يسيرا فكأن الله يقول لو اقتصرت على الرحمن لاحتشمت عنى ولكنى رحيم فاطلب منى حتى شراك نعلك وملح قدرك: قال الشيخ السعدي قدس سره العزيزمحالست اگر سر برين در نهى … كه باز آيدت دست حاجت تهى