بسم الله الرحمن الرحيم الم الالف اشارة الى الله واللام الى اللطيف والميم الى المجيد اللَّهُ مبتدأ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خبره اى هو المستحق للمعبودية لا غير الْحَيُّ الْقَيُّومُ خبر آخر له اى الباقي الذي لا سبيل عليه للموت والفناء والدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه- روى- عنه ﷺ (اسم الله الأعظم فى ثلاث سور فى سورة البقرة الله لا اله الا هو الحي القيوم وفى آل عمران الم الله لا اله الا هو الحي القيوم وفى طه وعنت الوجوه للحى القيوم) وهذا رد على من زعم ان عيسى عليه السلام كان ربا فانه روى ان وفد نجران قدموا على رسول الله ﷺ وكانوا ستين راكبا. فيهم اربعة عشر رجلا من اشرافهم. ثلاثة منهم أكابر إليهم يؤول أمرهم. أحدهم أميرهم وصاحب مشورتهم العاقب واسمه عبد المسيح. وثانيهم وزيرهم ومشيرهم السيد واسمه الابهم.
وثالثهم حبرهم وأسقفهم وصاحب مدارسهم ابو حارثة بن علقمة أحد بنى بكر بن وائل وقد كان ملوك الروم شرفوه ومولوه وأكرموه لما شاهدوا من علمه واجتهاده فى دينهم وبنوا له كنائس فلما خرجوا من نجران ركب ابو حارثة بغلته وكان اخوه كرز بن علقمة الى جنبه فبينا بغلة ابى حارثة تسير إذ عثرت فقال كرز تعسا للابعد يريد به رسول الله عليه السلام فقال له ابو حارثة بل تعست أمك فقال كرز ولم يا أخي قال انه والله النبي الذي كنا ننتظر فقال له كرز فما يمنعك عنه وأنت تعلم هذا قال لان هؤلاء الملوك أعطونا أموالا كثيرة واكرمونا فلو آمنا به لاخذوها منا كلها فوقع ذلك فى قلب كرز وأصره الى ان اسلم فكان يحدث بذلك فأتوا المدينة ثم دخلوا مسجد رسول الله عليه السلام بعد صلاة العصر عليهم ثياب خيرات من جبب وأردية فاخرة يقول بعض من رآهم من اصحاب النبي عليه السلام ما رأينا وفدا مثلهم وقد حانت صلاتهم فقاموا ليصلوا
فى المسجد فقال عليه السلام (دعوهم) فصلوا الى المشرق ثم تكلم أولئك الثلاثة مع رسول الله عليه السلام فقالوا تارة عيسى هو الله لانه كان يحيى الموتى ويبرئ الأسقام ويخبر بالغيوب ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير وتارة اخرى هو ابن الله إذ لم يكن له اب يعلم وتارة اخرى انه ثالث ثلاثة لقوله تعالى فعلنا وقلنا ولو كان واحدا لقال فعلت وقلت فقال لهم رسول الله ﷺ (اسلموا) قالوا اسلمنا قبلك قال عليه السلام (كذبتم يمنعكم من الإسلام ادعاؤكم لله تعالى ولدا) قالوا ان لم يكن ولدا لله فمن أبوه فقال عليه السلام (ألستم تعلمون انه لا يكون ولد الا ويشبه أباه) فقالوا بلى قال ﷺ (ألستم تعلمون ان ربنا حى لا يموت وان عيسى يأتى عليه الفناء) قالوا بلى قال عليه السلام (ألستم تعلمون ان ربنا قيوم على كل شىء يحفظه ويرزقه) قالوا بلى قال ﷺ (فهل يملك عيسى من ذلك شيأ) قالوا لا فقال عليه السلام (ألستم تعلمون ان الله تعالى لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء) قالوا بلى قال عليه السلام (فهل يعلم عيسى شيأ من ذلك الا ما علم) قالوا لا قال ﷺ (ألستم تعلمون ان ربنا صور عيسى فى الرحم كيف شاء وان ربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث) قالوا بلى قال ﷺ (ألستم تعلمون ان عيسى حملته امه كما تحمل المرأة ووضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذى كما يغذى الصبى ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث) قالوا بلى قال ﷺ (فكيف يكون هذا كما زعمتم) فسكتوا فأبوا إلا جحودا فانزل الله تعالى من أول السورة الى نيف وثمانين آية تقريرا لما احتج به عليه السلام عليهم وأجاب به عن شبههم وتحقيقا للحق الذي فيه يمترون نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ اى القرآن عبر عنه باسم الجنس إيذانا بكمال تفوقه على بقية الافراد فى حيازة كمالات الجنس كأنه هو الحقيق بان يطلق عليه اسم الكتاب. فان قلت لم قيل نزل الكتاب وانزل التوراة والإنجيل.
قلت لان التنزيل للتكثير والقرآن نزل منجما ونزل الكتابان جملة وذكر فى آخر الآية الانزال وأراد به من اللوح المحفوظ الى سماء الدنيا جملة فى ليلة القدر فى شهر رمضان والمراد هنا هو تنزيله الى الأرض ففى القرآن جهتا الانزال والتنزيل بِالْحَقِّ ملتبسا ذلك الكتاب بالعدل فى أحكامه او بالصدق فى اخباره التي من جملتها خبر التوحيد وما يليه اوفى وعده ووعيده مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ اى فى حال كونه مصدقا للكتب قبله فى التوحيد والنبوات والاخبار وبعض الشرائع قبله وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ اسمان أعجميان الاول عبرى والثاني سريانى مِنْ قَبْلُ اى انزلهما جملة على موسى وعيسى عليهما السلام من قبل تنزيل الكتاب والتصريح به مع ظهور الأمر للمبالغة فى البيان هُدىً لِلنَّاسِ علة للانزال اى انزلهما لهداية الناس وفيه لف بدون النشر لعدم اللبس لان كون التوراة هدى للناس فى زمان موسى وكون الإنجيل هدى لهم فى زمان عيسى معلوم فاختصر لذلك وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ اى جنس الكتب السماوية لان كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل او هو القرآن كرر ذكره تعظيما لشأنه وإظهارا لفضله إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ اى بالقرآن ومعجزات النبي عليه السلام لَهُمْ بسبب كفرهم بها عَذابٌ شَدِيدٌ لا يقادر قدره وَاللَّهُ عَزِيزٌ لا يغالب يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ذُو انْتِقامٍ
عظيم لا يقدر على مثله منتقم إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ اى مدرك الأشياء كلها يعنى هو مطلع على كفر من كفر به وايمان من آمن به وعلى جميع أعمالهم فيجازيهم يوم القيامة هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ اى يجعلكم على هيئة مخصوصة فى أرحام أمهاتكم من ذكر وأنثى واسود وأبيض وتام وناقص وطويل وقصير وحسن وقبيح وهو رد على الذين قالوا عيسى الله او ابن الله لان من صور فى الرحم يمتنع ان يكون الها او ولد الله لكونه مركبا وحالا فى المركب وفى عرض الفناء والزوال لا إِلهَ إِلَّا هُوَ نزه نفسه ان يكون عيسى ابنا له الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ المتناهي فى القدرة والحكمة قربكم يخلقكم على النمط البديع قال رسول الله ﷺ (ان خلق أحدكم يجمع فى بطن امه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله اليه الملك بأربع كلمات فيكتب رزقه وعمله واجله وشقى او سعيد) قال (وان أحدكم ليعمل بعمل اهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل النار فيدخلها وان أحدكم ليعمل بعمل اهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل الجنة فيدخلها) وقال عليه السلام (يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر فى الرحم بأربعين او بخمس وأربعين ليلة فيقول يا رب أشقى أم سعيد فيكتبان فيقول اى رب أذكر أم أنثى فيكتبان ويكتب عمله واثره واجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص ثم يقول الملك يا رب ما اصنع بهذا الكتاب فيقول علقه فى عنقه الى قضائى عليه فذلك قوله تعالى وكل انسان ألزمناه طائره فى عنقه) اى عمله من خير وشر الصادر عنه باختياره حسبما قدر له كأنه طار اليه من وكر الغيب والقدر.
قال القاضي المراد بكتبه هذه الأشياء إظهارها للملك وإلا فقضاؤه تعالى سابق على ذلك وكل ميسر لما خلق له فعلى العاقل ان لا يتكاسل عن الأعمال فى جميع الأحوال ولا يفوت ايام الفرصة والليال خبر دارى اى استخوانى قفس ... كه جان تو مرغيست نامش نفس چومرغ از قفس رفت وبگسست قيد ... دكر ره نكردد بسعى تو صيد نگه دار فرصت كه عالم دميست ... دمى پيش دانا به از عالميست
والاشارة ان الله تعالى كما يصور الجنين بصورة الانسانية على نطفة سقطت فى الرحم بتدبير الأربعينات فكذلك إذا سقطت من صلب ولاية رجل من رجاله نطفة ارادة فى رحم قلب مريد صادق والمريد يستسلم لتصرفات ولاية الشيخ وهى بمثابة ملك الأرحام ويضبط احوال ظاهره وباطنه على وفق امر الشيخ ويختار الخلوة والعزلة كيلا يصدر منه حركة عنيفة او يجد رايحة غريبة يلزم منها سقوط النطفة وفسادها ويقعد بامر الشيخ وتدبيره فالله تعالى يصرف ولاية الشيخ المؤيد بتأييد الحق بمرور كل أربعين عليه بشرائطها يحولها من حال الى حال وينقلها من مقام الى مقام الى ان يرجع الى حظائر القدس ورياض الانس التي منها صدر الى عالم الانس بقدم الأربعينات الاولى فلما وصل الى مقامه الاول ايضا بقدم الأربعينات كما جاءتم خلق الجنين فى رحم القلب وهو يجعل خليفة الله فى ارضه فيستحق الآن ان ينفخ فيه الروح المخصوص بأبناء أوليائه وهو روح القدس الذي هو متولى القائه كقوله تعالى يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وقال
كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ولهذه الفائدة العظيمة والنعمة الجسيمة اهبط الأرواح من أعلى عليين القرب الى أسفل سافلين البعد كما قال اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ فاذا نفخ فيه الروح يكون آدم وقته فيسجد له بالخلافة الملائكة كلهم أجمعون فاحفظه تفهم ان شاء الله تعالى كذا فى تأويلات الشيخ الكامل نجم الدين الكبرى أفاض الله علينا من سجال معارفه وحقائقه ولطائفه آمين هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ اى القرآن مِنْهُ اى من الكتاب آياتٌ مُحْكَماتٌ اى قطعية الدلالة على المعنى المراد محكمة العبارة محفوظة من الاحتمال والاشتباه هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ اى اصل فيه وعمدة يرد إليها غيرها بالتأويل فالمراد بالكتاب كله والاضافة بمعنى فى وَأُخَرُ اى ومنه آيات اخر مُتَشابِهاتٌ اى محتملات لمعان متشابهة لا يمتاز بعضها من بعض فى استحقاق الارادة بها ولا يتضح الأمر الا بالنظر الدقيق والتأمل الأنيق فالتشابه فى الحقيقة وصف للمعانى وصف به الآيات على طريقة وصف الدال بوصف المدلول. واعلم ان اللفظ اما ان لا يحتمل غير معنى واحد او يحتمل. والاول هو النص كقوله تعالى وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ.
والثاني اما ان تكون دلالته على مدلوليه او مدلولاته متساوية اولا والاول هو المجمل كقوله تعالى ثَلاثَةَ قُرُوءٍ. واما الثاني فهو بالنسبة الى الراجح ظاهر كقوله تعالى وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ وبالنسبة الى المرجوح مؤول كقوله تعالى يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ والنص والظاهر كلاهما محكم والمجمل والمؤول متشابه وهو كقوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ قد رد الى قوله تعالى وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ثم ان الله تعالى جعل القرآن كله محكما فى قوله الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ومعناه ان كله حق لا ريب فيه ومتقن لا تناقض فيه ومحفوظ من اعتراء الخلل او من النسخ.
وجعله كله متشابها فى قوله كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ ومعناه يشبه بعضه بعضا فى صحة المعنى وجزالة النظم وحقيقة المدلول وجعل بعضه محكما وبعضه متشابها فى هذه الآية وقد سبق وانما لم يجعل الله القرآن كله محكما لما فى المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه كابتلاء بنى إسرائيل بالنهر فى اتباع نبيهم ولان النظر فى المتشابه والاستدلال لكشف الحق يوجب عظم الاجر ونيل الدرجات عند الله فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ اى ميل عن الحق الى الأهواء الباطلة فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ معرضين عن المحكمات اى يتعلقون بظاهر المتشابه من الكتاب او بتأويل باطل لا تحريا للحق بعد الايمان بكونه من عند الله تعالى بل ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ اى طلب ان يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس ومناقضة المحكم بالمتشابه وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ اى طلب ان يؤولوه حسبما يشتهونه من التأويلات الزائغة والحال انهم بمعزل من تلك الرتبة وذلك قوله عز وجل وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ اى تأويل المتشابه إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ اى لا يهتدى الى تأويله الحق الذي يجب ان يحمل عليه الا الله وعباده الذين رسخوا فى العلم اى ثبتوا فيه وتمكنوا او فوضوا فيه لنص قاطع ومنهم من يقف على قوله إِلَّا اللَّهُ ويبتدئ بقوله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ويفسرون المتشابه بما أستأثر الله
بعلمه وبمعرفة الحكمة فيه من آياته كعدد الزبانية فى قوله عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ومدة بقاء الدنيا ووقت قيام الساعة والصوم وعدد الركعات فى الصلوات الخمس والاول هو الوجه فان الله تعالى لم ينزل شيأ من القرآن الا لينتفع به عباده ويدل به على معنى اراده فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطاعن مقال وهل يجوز ان يقال ان رسول الله صلى عليه وسلم لم يكن يعرف المتشابه وإذا جاز ان يعرفه مع قوله تعالى وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ جاز ان يعرفه الربانيون من صحابته وان لم يعرفه النبي ﷺ وصحابته والعلماء الراسخون وقالوا علمه عند ربنا لم يكن لهم فضل على الجهال لانهم جميعا يقولون ذلك قالوا ولم يزل المفسرون الى يومنا هذا يفسرون ويؤولون كل آية ولم نرهم وقفوا عن شىء من القرآن فقالوا هذا متشابه لا يعلمه الا الله بل فسروا نحو حروف التهجي وغيرها يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ اى بالمتشابه والجملة على الاول استئناف موضح لحال الراسخين وعلى الثاني خبر لقوله والراسخون كُلٌّ اى كل واحد من المحكم والمتشابه مِنْ عِنْدِ رَبِّنا منزل من عنده تعالى لا مخالفة بينهما وَما يَذَّكَّرُ حق التذكر إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ اى العقول الخالصة عن الركون الى الأهواء الزائغة وهو مدح للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر واشارة الى ما به استعدوا للاهتداء الى تأويله من تجرد العقل عن غواشى الحس رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا اى يقولون لا تمل قلوبنا عن نهج الحق الى اتباع المتشابه بتأويل لا ترتضيه بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا الى الحق والتأويل الصحيح او الى الايمان وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ اى من عندك رَحْمَةً واسعة تزلفنا إليك ونفوز بها عندك إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ واطلاق الوهاب ليتناول كل موهوب.
وفيه دلالة على ان الهدى والضلال من قبله وانه متفضل بما ينعم به على عباده من غير ان يجب عليه شىء رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ بعد الموت لِيَوْمٍ اى لجزاء يوم وحسابه وهو يوم القيامة لا رَيْبَ فِيهِ اى فى وقوعه ووقوع ما فيه من الحشر والحساب والجزاء ومقصودهم بهذا عرض كمال افتقارهم الى الرحمة وانها المقصد الأسنى عندهم إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ الوعد يعنى الالوهية تنافى خلف الوعد فى البعث واستجابة الدعاء وهذا حال الراسخين فى الدعاء فانظر كيف لا يأمنون سوء الخاتمة وأداهم الخوف والخشية الى الرجاء فاياك والزيغ عن الصراط المستقيم باتباع الهوى والشهوات قال رسول الله ﷺ ما من قلب الا وهو بين اصبعين من اصابع الرحمن اذا شاء ان يقيمه اقامه واذا شاء ازاغه يعنى قلب المؤمن بين توفيقه وخذلانه وانما قال من أصابع الرحمن ولم يقل من أصابع الله اشعارا بانه هو المتمكن من قلوب العباد والمتصرف فيها كيف يشاء ولم يكلها الى أحد من ملائكته رحمة منه وفضلا لئلا يطلع على سرائرهم غيره وكان رسول الله ﷺ يقول (اللهم يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلوبنا على دينك) والميزان بيد الرحمن يرفع قوما ويضع آخرين الى يوم القيامة وقال ﷺ (مثل القلب كريشة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهر البطن) قال الجنيد رحمه الله من أراد ان يسلم له دينه ويستريح فى بدنه وقلبه فليعتزل الناس فان هذا
زمان وحشة والعاقل من اختار الوحدة قال عليه السلام لا صحابه (اين تنبت الحبة) قالوا فى الأرض قال (فكذلك الحكمة انما تنبت فى قلب مثل الأرض) فدفن حبة الفؤاد والوجود فى ارض الخمول مما ينتج ويتم نتاجه جدا فما نبت مما لم يدفن لم يتم نتاجه وان ظهر نوره وانتاجه كالذى نبت فى حميل السيل. فعليك بتزكية النفس وإصلاح الوجود كى تدرك نور الشهود وتقبل الى الاستقامة وتخلص من الزيغ والضلال فى جميع الأحوال وكم من زائع قلبه وهو صورة مستقيم وكم من مستقيم فؤاده وهو فى الظاهر غير مستقيم: كما قيل
بس قامت خاشاك كه بر جا باشد ... چون باد بر آنها بوزد نا باشد
والقلب هو محل النظر لا الصورة كما قال عليه السلام (ان الله لا ينظر الى صوركم بل الى قلوبكم وأعمالكم) فأى فائدة فى القلب الزائغ عن الحق فنعوذ بالله منه إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ اى لن تنفعهم أَمْوالُهُمْ التي يبذلونها فى جلب المنافع ودفع المضار قدم الأموال على الأولاد لانها أول عدة يفزع إليها عند نزول الخطوب وَلا أَوْلادُهُمْ الذين بهم يتناصرون فى الأمور المهمة وعليهم يعولون فى الخطوب الملمه وتوسيط حروف النفي لعراقة الأولاد فى كشف الكروب مِنَ اللَّهِ اى عذابه تعالى شَيْئًا اى شيأ من الإغناء ومعناه لا يصرف عنهم كثرة الأموال والأولاد والتناصر بهما عذابه وكانوا يقولون نحن اكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين قال تعالى فى ردهم وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا أُولئِكَ اى أولئك المتصفون بالكفر هُمْ وَقُودُ النَّارِ حطب النار وحصبها الذي تسعربه كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ الدأب مصدر دأب فى العمل إذا كدح فيه وتعب غلب استعماله فى معنى الشان والحال والعادة ومحل الكاف الرفع على انه خبر لمبتدأ محذوف اى دأب هؤلاء فى الكفر وعدم النجاة من أخذ الله تعالى وعذابه كدأب آل فرعون وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ اى آل فرعون من الأمم الكافرة كقوم نوح وثمود وقوم لوط وهو عطف على ما قبله كَذَّبُوا بِآياتِنا بيان وتفسير لدأبهم الذي فعلوا على الاستئناف المبنى على السؤال كأنه قيل كيف كان دأبهم فقيل كذبوا بآياتنا اى بكتبنا ورسلنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ تفسير لدأبهم الذي فعل بهم اى فأخذهم الله تعالى وعاقبهم ولم يجدوا من بأس الله تعالى محيصا فدأب هؤلاء الكفرة ايضا كدأبهم والذنب فى الأصل التلو والتابع وسميت الجريمة ذنبا لانها تتلو اى يتبع عقابها فاعلها وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن كفر بالآيات والرسل قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا المراد بهم اليهود لما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ان يهود المدينة لما شاهدوا غلبة رسول الله ﷺ على المشركين يوم بدر قالوا والله انه النبي الأمي الذي بشرنا به موسى وفى التوراة نعته وهموا باتباعه فقال بعضهم لا تعجلوا حتى ننظر الى وقعة له اخرى فلما كان يوم أحد شكوا وقد كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد الى مدة فنقضوه وانطلق كعب بن الأشرف فى ستين راكبا الى اهل مكة فاجمعوا أمرهم على قتال رسول الله ﷺ فنزلت سَتُغْلَبُونَ البتة عن قريب فى الدنيا وقد صدق الله وعده بقتل بنى قريظة واجلاء بنى النضير وفتح خيبر وضرب الجزية على من