فتح البيان في مقاصد القرآن (صديق حسن خان)القسم: التفسيرالكتاب: فتحُ البيان في مقاصد القرآنالمؤلف: أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي (ت ١٣٠٧هـ)عني بطبعهِ وقدّم له وراجعه: خادم العلم عَبد الله بن إبراهيم الأنصَاريالناشر: المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر، صَيدَا - بَيروتعام النشر: ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ معدد الأجزاء: ١٥[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
فتح البيان في مقاصد القرآن - جـ ١فتحُ البيان في مقاصد القرآنتفسِير سَلفي أثري خالٍ منَ الإِسرَائيليّاتِ والجَدليَّاتِ المذهبية والكلامية يغني عَن جميع التفاسِير وَلا تغني جميعُهَا عَنهتأليف: السيد الإمام العلامة الملك المؤيد من الله الباري آبي الطيب صديق بن حسن بن علي الحسين القنوجي النجاري ١٢٤٨ - ١٣٠٧ هـعني بطبعهِ وقدّم له وراجعه: خادم العلم عَبد الله بن إبراهيم الأنصَاريالجزء الأول المَكتبة العصريَّةصَيدَا - بَيروت
فتح البيان في مقاصد القرآن - جـ ١جَمِيع الحُقُوق محفُوظَة١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م شركة أبناء شريف الأنصاري للطباعة والنشر والتوزيعالمَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْرالدار النموذجية ــ المكتبة العصريةبَيروت - صَ. ب ٨٣٥٥ - تلكس LE ٢٠٤٣٧ SCSصَيدَا - صَ. ب ٢٢١ - تلكس LE ٢٩١٩٨
المؤلفهو السيد الإمام والعلامة الهمام صدر العلماء الأعلام، المُسندين في الهند، وعمدة الكرام المحدثين المعتمدين، محيي السنة وقامع البدعة الحبر في التفسير والحديث والأصول الذي انتشرت بوجوده علوم السنة والآثار وصنف في ذلك الأسفار الكبار.المحدث المفسر الأصولي (١).أبو الطيب صديق خان بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القِنّوجي (٢) الهندي.الذي شهد بكماله الداني والقاصي.(١) مصادر ترجمته. أبجد العلوم ٣/ ٢٧١ لصديق خانحلية البشر ٢/ ٧٣٨ الشيخ عبد الرزاق البيطارالروض المعطار في خبر الأقطار ص ٤٧٤ محمد عبد الرحيم الحميريجلاء العينين في محاكمة الأحمدين ص ٤٨ السيد نعمان خير الدين الألوسيهدية العارفين ٢/ ٣٨٨ إسماعيل باشا البغداديايضاح المكنون ١/ ١٠ إسماعيل باشا البغداديمقدمة كتاب الروضة الندية طبعت في بولاق ١٢٩٦الأعلام ٦/ ١٦٧ خير الدين الزركليمعجم المؤلفين ١٠/ ٩٠ عمر رضا كحالةفهرس الفهارس ٢/ ١٠٥٥ عبد الحي الكتانيالمسلمون في الهند ص ٤٠ أبو الحسن الندوي(٢) قال الحميري: قِنّوج أفخر بلاد الهند اسماً وشأناً وأعظمها صيتاً وأقدمها بنياناً. ص: ٤٧٤.ورد في الحاشية، أن مدينة قنوج في أيام ابن بطوطة مدينة كبيرة حسنة العمارة حصينة رخيصة كثيرة السكَر وعليها سور عظيم.
مولدهولد ضحى يوم الأحد لعله التاسع عشر من جمادى الأولى ١٢٤٨ سنة ثمان وأربعين ومائتين وألف هجرية على صاحبها أفضل سلام وأزكى تحية ببلدة " بريلي " بالهند، موطن جده القريب من جهة الأم، ثم جاءت به أمه الكريمة من " بريلي " إلى " قِنوج " بالهند موطن آبائه الكرام. ولما ناهز السادسة من عمره انتقل والده إلى رحمة ربه وبقي في حجر أمه يتيماً، تهتم به وتربيه على العفاف والطهارة وحب العلم والعلماء فهو سليل بيت علم وتقوى.والدههو الماجد الفاضل حسن بن علي، تتلمذ على الشيخ عبد الباسط القِنوجي ثم رحل إلى لكنهو فاكتسب عن الشيخ العالم محمد نور وغيره من علماء عصره. ثم انتقل إلى دهلي وتتلمذ على الشيخ عبد العزيز والشيخ رفيع الدين ابني الشيخ الأجل " شاه ولي الله المحدث الدهلوي ". وأخذ الإجازة لكتب التفسير والحديث وغيرهما، وصحب العالم المجدد أحمد البريلوي مجدد المائة الثالثة عشرة. واستمر معه حتى صار خليفته في دعوة الحق إلى دين الله، واقتداء الدليل ورد الشرك والبدع إلى أن توفاه الله تعالى ١٢٥٣هـ. من مؤلفاته: كتاب في الحدود والقصاص، وكتاب تقوية اليقين في الرد على عقائد المشركين، ورسالة في رد التعزية والضريح. وغير ذلك من المؤلفات النافعة التي تنهج طريقة السلف الصالح. أخوه الأكبرهو العلامة الشيخ أحمد بن حسن بن علي القِنوجي ولد ١٢٤٦هـ وجمع العلوم والفنون المتفرقة من بلاد شتى، على أكابر العلماء في دهلي وغيرها من البلدات. تتلمذ على المولوي عبد الجليل الكولي، وأجاز له الشيخ عبد الغني المجددي الدهلوي وخاتمة المجتهدين الشيخ صالح بن محمد العمري الشهير الفلاني.سافر قاصداً بيت الله الحرام، إلا أنه مات في الطريق ١٢٧٧هـ. له كتاب الشهاب الثاقب وغيره.وقد استفاد الشيخ صديق خان من أخيه وأبيه اتباع طريق السلف والبعد عن التقليد، فهما كانا مدرسته الأولى.
صفاتهكان شيخنا المفسر ربعة من القوم، قليل الشيب شعره إلى شحمة أذنيه. كريماً جواداً شجاعاً جمع إلى الإيمان والتقوى الفراغ من ملاذ النفس وهوى الشيطان. فصيح اللسان سريع الكتابة سريع الحفظ والمطالعة، إذا ذكرت مسألة من مسائل الخلاف استدل ورجح، وهذا يدل على سعة ثقافته ورجحان عقله.ادعى الإجتهاد لاجتماع شروطه فيه، كان إذا استدل ما رأيت أسرع انتزاعاً للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشد استحضاراً للسنة المطهرة وعزوها منه.لا تمنعه صولة صائل في تحرير الحق والعمل به. شيوخهرحل الشيخ صديق في سبيل طلب العلم وأخذه عن أكابر أطراف وطنه، فقد شمر عن ساق الجد لتحصيل العلوم، وشد الرحل إلى " دهلي " حيث أخذ عن مفتيها الشيخ محمد صدر الدين خان، من تلاميذه الشيخ عبد العزيز وأخيه رفيع الدين ابني العالم المحدث أحمد ابن عبد الرحيم شاه ولي الله الدهلوي.وقد استفاد العلوم من التفاسير والأحاديث من مشيخة اليمن والهند. فأخذ عن الشيخ حسين بن محسن اليمني، تلميذ الشيخ محمد بن ناصر تلميذ العلامة المجتهد محمد ابن علي الشوكاني. وأقام سلسلة الأسانيد فكتب الحديث الشريف واستحصل سند القرآن الكريم عن الشيخ محمد يعقوب الدهلوي، أخي الشيخ إسحاق حفيد الشيخ عبد العزيز المحدث الدهلوي.وأخذ الإجازة عن الشيخ المعمّر عبد الحق الهندي تلميذ الإمام الشوكاني.وممن استجاز منه العالم المحدث الشيخ يحيى بن محمد الحازمي قاضي عدن. وأخذ عن شيوخ غيرهم كثير.وكلهم أجازوا له مشافهة وكتابة إجازة مأثورة عامة تامة. فكل واحد أجاز له بما هو مذكور في ثبتهم الجامع لجميع أصناف العلوم وأنواع الفنون.وقد جمع الشيخ صديق شيوخه في كتاب سمّاه " سلسلة العسجد في ذكر مشايخ السند ". ذكر فيه من أخذ عنه ومن أجاز له والأسانيد التي تلقاها عنهم.ومن دهلي إلى قِنّوج إلى الحرمين، حيث بقي عاكفاً ثمانية أشهر ثم عاد إلى بهوبال، حيث استوطن واستقر يشتغل بالدرس والتأليف. حتى صار رأساً في المعقول والمنقول
وإماماً في علمي الفروع والأصول، وجدّ واجتهد في اتقان القرآن والسنة وتدوين علومهما ينصر السنة ويروج مصنفاتها ويؤلف مؤلفاته الشريفة، الممتعة النافعة باللسان العربي ولغة الفرس والهند، ويبذل المال الكثير في إذاعتها بالطبع والتقسيم.أقوال العلماء فيهقال الإمام الألوسي: إن الحنابلة بأجمعهم معظمون للشيخ صديق خان ولعقيدته قابلون، ولكلامه سامعون.وقال الإمام الكتّاني: إن الشيخ صديق من كبار علماء الهند الذين لهم اليد الطولى في إحياء كثير من كتب الحديث وعلومه، وغيره من العلوم. وقد عدّ صاحب " عون الودود على سنن أبي داود " صديق خان أحمد المجددين على رأس المائة الرابعة عشرة.أما الشيخ عبد الرزاق البيطار الدمشقي فقال: إن الإمام صديق خان سيد علماء الهند، كان ملياً بالعلوم مجتهداً في إشاعتها مجدداً لإذاعتها أحيا السنن الميتة بالأدلة البيض من السنة والفرقان.وزاد العلامة محمد منير الدمشقي المصري فقال: كم له من أيادٍ بيض في خدمة العلم والعلماء وإن جحد فضله الحاسدون وضعفاء العقول.وختم العلامة الهندي أبو الحسن الندوي فقال: وقد قام صديق خان شخصياً بما لا تقوم به مجامع علمية، في أكثر الأحيان لكثرة المؤلفات وضخامة الإنتاج.وبالجملة أن الشيخ صديق خان كان موسوعة علمية، لم يدون أحد في عصره من علماء الهند أحكام الكتاب العزيز وعلوم السنة المطهرة في العبادة والمعاملة وغيرهما خالصة من آراء الرجال نقيةً من أقوال العلماء على هذه الكيفية المشاهدة في هذا السِفر المبارك " فتح البيان في مقاصد القرآن " مثله. وفاتهتوفي رحمه الله تعالى أواخر جمادى الثانية عام ١٣٠٧هـ ودفن ببهوبال بالهند.وقد خلف ولدين أكبرهما أبو الخير محمد الحسن، صاحب الشرح المطبوع على بلوغ المرام. مؤلفاتهله في الكتابة سرعة عجيبة، وفي التأليف ملكة غريبة، يكتب الكراريس العديدة في يوم واحد.
تبلغ مؤلفاته اثني وعشرين ومائتين ٢٢٢ كتاباً منها حوالي ستة وخمسون ٥٦ كتاباً في العربية. منها:فتح البيان في مقاصد القرآن.شرح تجريد الصحيح للشرجي واسمه عون الباري بحلّ أدلة البخاري.وشرح اختصار مسلم للمنذري.وأبجد العلوم.وهدية السائل إلى أدلة المسائل.ويقظة أولي الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النارومسك الختام شرح بلوغ المرام.الروضة الندية شرح الدرر البهية.منهج الوصول إلى إصطلاح أحاديث الرسول.اتحاف النبلاء المتقين بإحياء مآثر الفقهاء المحدّثين.الإدراك في تخريج أحاديث الإشراك.الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة.أربعون حديثاً في فضائل الحج والعمرة.إفادة الشيوخ بمقدار الناسخ والمنسوخ.بلوغ السول من أقضية الهول.تميمة الصبي في ترجمة الأربعين من أحاديث النبي.الجنة في الأسوة الحسنة بالسنة.الخطة بذكر الصحاح الستة.الحرز المكنون من لفظ المعصوم المأمون.رياض الجنة في تراجم أهل السنة.غنية القاري في ترجمة ثلاثيات البخاري.فتح المغيث بفقه الحديث.قطف الثمر من عقائد أهل الأثر.الاحتواء على مسألة الاستواء.بدور الأهلة من ربط المسائل بالأدلة.الانتقاد الرجيح في شرح الاعتقاد الصحيح.حصول المأمول من علم الأصول.
ذخر المحتي من آداب المفتي.الصافية في شرح الشافية في علم الصرف.ظفر اللاضي بما يجب في القضاء على القاضي.العلم الخفاق من علم الاشتقاق.غصن البان المورق بمحسنات البيان.نيل المرام من تفسير آيات الأحكام.هدية السائل إلى أدلة المسائل.حسن الأسوة.الفرع النامي من الأصل السامي.وغيرها من الكتب التي تشهد له أنه من كبار من لهم اليد الطولى في إحياء كثير من علوم الكتاب والسنة وسائر الفنون.
بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المؤلفالحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وبين له من معالم العلم وشعائر الشرائع ومشاعر الملل كل ما جل ودق، ونزل عليه كتاباً معجزاً أفحم مصاقع الخطباء من العرب العرباء وخطاباً مفحماً أعجز بواقع البلغاء من عصابة الأدباء، بأظهر بينات وأبهر حجج، قرآناً عربياً غير ذي عوج، أمر فيه وزجر، وبشر وأنذر، وذكر المواعظ ليتذكر، وقص عن أيام الأمم الخالية ليعتبر، وضرب فيه ضروب الأمثال ليتدبر، ودل على آيات التوحيد ليتفكر، أنزله بحسب المصالح والحكم منجماً، وجعله بالتحميد مفتتحاً وبالإستعاذة مختتماً، وأوحاه متشابهاً ومحكماً، مزاياه ظاهرة باهرة في كل وجهٍ وكل زمان، دائرة من بين سائر الكتب على كل لسان في كل مكان، كادت الرواسي لهيبته تمور، ويذوب من خشيته الحديد ويميع منه صم الصخور، فمن تمسك بعروته الوثقى وحبله المتين، وسلك جادته الواضحة وصراطه المبين، فقد فاز بمناه، ومن نبذه وراء ظهره وعصاه، واتخذ إلهه هواه، فقد هوى في تخوم الشقاء وتردى في مهاوي الردى والاشتباه، فأي عبارة تبلغ أيسر ما يستحقه كلام الحكيم من التعظيم، وأي إشارة تصلح لبيان أقل ما ينبغي له من التوصيف والتكريم.كلا والله إن بلاغة البلغاء وسحرة البيان وإن طالت ذيولها، وفصاحة الفصحاء ومهرة قحطان وإن سالت سيولها تتقاصر عن الوفاء بأدق أوصافه وإن جالت بميادينها خيولها، وتتصاغر عن التشبث بأقصر أطرافه وإن أفلقت في إطرائها فحولها، فتعود ألسنتهم عنه قاصرة، وصفقتهم في أسواقه خاسرة، كيف وتلك الآيات والدلائل، وتيك البينات والمخايل، وهذه العبارات العبقرية، وما في تضاعيفها من أسرار البرية، مما لا تحيط به ألباب البشر، ولا
تدرك كنهه طباع العالم الأكبر والأصغر، بحيث لو اجتمعت الإنس والجن على معارضته ومباراته، لعجزوا عن الاتيان بمثل أقصر آية من آياته فالاعتراف بالعجز عن القيام بما يستحقه كلام الملك العلام، من الإطراء والاكرام، أوفق بما يقتضيه الحال من الإجلال والإعظام.والصلاة والسلام على من أرسله الله إلى الخلق هادياً وبشيراً، ونزل عليه الفرقان ليكون للعالمين نذيراً، فهداهم به إلى الحق وهم في ضلال مبين، وسلك بهم مسلك الهداية حتى أتاهم اليقين، أكمل به بنيان النبوة والجلالة، وختم به ديوان الوحي والرسالة، وأتم به مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، على ألطف أسلوب وأحسن أحوال، أعلى به من الدين معالمه، ومن الحق مراسمه، وبيّن من البرهان سبيله، ومن الإيمان دليله، وأقام للحق حجته، وأنار للشرع محجته، حتى انشرحت الأفئدة بأنوار البينات، وانزاح عن الضمائر صدأ الشبهات فهو حجة نيرة واضحة المكنون، وآية بينة لقوم يعقلون، بل برهان جلي لا ريب فيه، ومنهج سوي لا يضل من ينتحيه، مظهر لتفاصيل الشرائع والأديان بالاستحقاق، مفسر لمشكلات آيات الأنفس والآفاق، كاشف عن خفايا حظائر القدس، مطلع على خبايا سرائر الأنس، بحر علم لا ينزف، وعيلم فضل لا ينشف، به يتوصل إلى سعادة الدنيا والآخرة، وبه تكتسب الملكات الفاخرة، كلامه شفاء للسقام، ومرهم للأوهام، وحديثه قاطع للخصام، عند تفاوت الأفهام وتباين الأقدام، عليه يدور فلك الأوامر والنواهي، وإليه يستند في معرفة حقائق الأشياء كما هي، أفلح من اتبعه ووالاه، وخاب من أعرض عنه وعاداه.وصلى الله وسلم على آله البررة، وصحبه الخيرة، مصابيح الأمم، ومفاتيح الكرم، خلفاء الدين، وحلفاء اليقين، الذين بلغوا من محاسن الفضائل غاية الغايات، ووصلوا من مكارم الفواضل نهاية النهايات، قارعوا على الإسلام فكشفوا عنه القوارع والكروب، وسارعوا إلى الإيمان فصرفوا عنه العوادي والخطوب، فابتسم ثغر الدين، وانتظم أمر المسلمين، واتضح الوعد من الله وحق عليه نصر المؤمنين، لا يتسنى العروج إلى معارجهم الرفيعة، ولا
يتأتى الرقي إلى مدارجهم المنيعة، لعلو شأنهم ونهاية الاعضال، وصعوبة مرامهم وعزة المنال، فهم شموس الهدى على فلك السعادة، وبدور الدجى لهم الحسنى وزيادة. وعلى من تبعهم بالإحسان، صلاة وسلاماً دائمين ما تناوب النيران وتعاقب الملوان.(وبعد) فيقول الفقير إلى مولاه الغني به عمن سواه، عبده وابن أمته وعبده (أبو الطيب صديق بن حسن بن علي القنوجي) أصلح الله حاله ومآله قبل أن يخرج الأمر من يده:إن أعظم العلوم مقداراً، وأرفعها شرفاً ومناراً، وأعلاها على الإطلاق، وأولاها تفضيلاً بالاستحقاق، وأساس قواعد الشرائع والعلوم، ومقياس ضوابط المنطوق والمفهوم، ورأس الملل الإسلامية وأسها، وأصل النحل الايمانية وأستقصها، وأعز ما يرغب فيه ويعرج عليه، وأهم ما تناخ مطايا الطلب لديه، هو علم التفسير لكلام العزيز القدير، لكونه أوثق العلوم بنياناً، وأصدقها قيلاً وأحسنها تبياناً، وأكرمها نتاجاً، وأنورها سراجاً، وأصحها حجة ودليلاً، وأوضحها محجة وسبيلاً، وقد حاموا جميعاً حول طلابه، وراموا طريقاً إلى جنابه، والتمسوا مصباحاً على قبابه، ومفتاحاً إلى فتح بابه.وهو علم باحث عن نظم نصوص القرآن، وآيات سور الفرقان بحسب الطاقة البشرية وبوفق ما تقتضيه القواعد العربية، قال الفناري: الأولى أن يقال: علم التفسير معرفة أحوال كلام الله سبحانه وتعالى من حيث القرآنية، ومن حيث دلالته على ما يعلم أو يظن أنه مراد الله تعالى بقدر الطاقة الإنسانية انتهى، وهذا يتناول أقسام البيان بأسرها، ولا يرد عليه ما يرد على سائر الحدود، ومباديه العلوم اللغوية وأصول التوحيد وأصول الفقه وغير ذلك من العلوم الجمة.والغرض منه معرفة معاني النظم ومعرفة الأحكام الشرعية العملية، وفائدته حصول القدرة على استنباط الأحكام الشرعية على وجه الصحة وموضوعه كلام الله سبحانه الذي هو منبع كل حكمة ومعدل كل فصلة وغايته التوصل إلى فهم معاني القرآن واستنباط حكمه ليفوز به إلى السعادة الدنيوية
والأخروية، وشرف العلم وجلالته باعتبار شرف موضوعه وغايته، فهو أشرف العلوم وأعظمها، ذكره أبو الخير وابن صدر الدين.والقرآن الكلام العربي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم المتحدى بأقصر سورة منه المنقول تواتراً، ودليله الكتاب والسنة ولفظ العرب العرباء، واستمداده من علمي أصول الدين والفقه وهو قسمان " تفسير " وهو ما لا يدرك إلا بالنقل كأسباب النزول " وتأويل " وهو ما يمكن إدراكه بالقواعد العربية فهو مما يتعلق بالدراية.والسر في جواز التأويل بشروطه دون التفسير، أن التفسير كشهادة على الله وقطع بأنه عنى بهذا اللفظ هذا المعنى ولا يجوز إلا بتوقيف، ولذا جزم الحاكم بأن تفسير الصحابي مطلقاً في حكم المرفوع، والتأويل ترجيح لأحد المحتملات بلا قطع، فاغتفر، أفاد ذلك جماعة من أهل العلم ذكرهم سليمان الجمل في حاشية الجلالين.وقد تصدى لتفسير عويصاته أساطين الأمة، وتولى لتيسير معضلاته سلاطين الأئمة من الصحابة والتابعين، وأئمة اللغة والنحويين، ثلة من الأولين وأمة من الآخرين، فغاصوا في بحار لججه، وخاضوا في أنهار ثبجه، فنظموا في سلك التقرير فرائده، وأبرزوا في معرض التحرير فوائده، وألفوا كتباً جليلة المقدار، وصنفوا زبراً جميلة الآثار، وفصلوا مجمله، وبينوا معضله مع تحقيق للمقاصد وفق ما يرتاد، وتنقيح للمعاقد فوق ما يعتاد.فالمفسرون من الصحابة الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس وأبيّ بن كعب، والرواية عن علي أكثر، وعن الثلاثة في ندرة جداً، والسبب فيه تقدم وفاتهم، وروي عن ابن مسعود أكثر مما روي عن علي ومات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين.وأما ابن عباس المتوفى سنة ثمان وستين بالطائف فهو ترجمان القرآن وحبر الأمة ورئيس المفسرين دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " اللهم فقهه في الدين
وعلمه التأويل (١) " وقد روى عنه في التفسير ما لا يحمى كثرة لكن أحسن الطرق عنه طريقة علي بن أبي طلحة الهاشمي المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومائة واعتمد على هذه البخاري في صحيحه، وأوهى الطرق عنه طريق الكلبي أبي النصر محمد بن السائب، فإن انضم إليه رواية محمد بن مروان السدي الصغير فهي سلسلة الكذب، وكذلك طريق مقاتل بن سليمان الأزدي، وطريق الضحاك عنه منقطعة فإنه لم يلقه، ومن جيد الطرق عنه طريق قيس بن مسلم الكوفي عن عطاء بن السائب وطريق ابن اسحق صاحب السير.وأما أبيّ بن كعب المتوفى سنة عشرين على خلاف فيه، فعنه نسخة كبيرة عن طريق أبي العالية، وهذا إسناد صحيح، ومن الصحابة من ورد عنه اليسير من التفسير غير هؤلاء منهم أنس بن مالك المتوفى بالبصرة سنة إحدى وتسعين وأبو هريرة المتوفى بالمدينة سنة سبع وخمسين، وعبد الله بن عمر بن الخطاب المتوفى بمكة المكرمة سنة ثلاث وسبعين، وجابر بن عبد الله المتوفى بالمدينة سنة أربع وسبعين، وأبو موسى الأشعري المتوفى سنة أربع وأربعين، وابن عمرو بن العاص المتوفى سنة ثلاث وستين، وهو أحد العبادلة الذين استقر عليهم أمر العلم في آخر عهد الصحابة، وزيد بن ثابت الأنصاري كاتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم المتوفى سنة خمس وأربعين.وأما المفسرون من التابعين فمنهم أصحاب ابن عباس وهم علماء مكة المكرمة، ومنهم مجاهد بن جبر المتوفى سنة ثلاث ومائة واعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري، وسعيد بن جبير المتوفى سنة أربع وتسعين، وعكرمة مولى ابن عباس المتوفى بمكة سنة خمس ومائة، وطاوس بن كيسان اليماني المتوفى سنة ست ومائة، وعطاء بن أبي رباح المكي المتوفى سنة أربع عشرة ومائة.ومنهم أصحاب ابن مسعود وهم علماء الكوفة كعلقمة بن قيس المتوفى سنة اثنتين ومائة، والأسود بن يزيد المتوفى سنة خمس ومائة، ومنهم أصحاب زيد بن أسلم كعبد الرحمن بن زيد ومالك بن أنس، ومنهم الحسن البصري(١) المستدرك على الصحيحين برواية: اللهم علمه تأويل القرآن وفقهه في الدين واجعله من أهل الإيمان ٣/ ٥٣٦
المتوفى سنة إحدى وعشرين ومائة: وعطاء بن أبي سلمة ميسرة الخراساني، ومحمد بن كعب القرظي المتوفى سنة سبع عشرة ومائة: وأبو العالية رفيع بن مهران الرياحي المتوفى سنة تسعين: والضحاك بن مزاحم: وعطية بن سعيد العوفي المتوفى سنة إحدى عشرة ومائة: وقتادة بن دعامة السدوسي المتوفى سنة سبع عشرة ومائة: والربيع بن أنس والسدي.ثم بعد هذه الطبقة الذين صنفوا كتب التفاسير التي تجمع أقوال الصحابة والتابعين كسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح وشعبة بن الحجاج، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق وآدم بن أبي إياس، وإسحق بن راهويه، وروح بن عبادة، وعبد الله بن حميد، وأبي بكر بن أبي شيبة وآخرين.ثم بعد هؤلاء طبقة أخرى منهم عبد الرزاق وعلي بن أبي طلحة وابن جرير وابن أبي حاتم وابن ماجة والحاكم وابن مردويه وأبو الشيخ بن حيان وابن المنذر في آخرين.ثم انتصبت طبقة بعدهم إلى تصنيف تفاسير مشحونة بالفوائد محذوفة الأسانيد مثل أبي إسحق الزجاج وأبي علي الفارسي ومكي بن أبي طالب وأبي العباس المهدوي، وأما أبو بكر النقاش وأبو جعفر النحاس فكثيراً ما استدرك الناس عليهما.ثم ألف في التفسير طائفة من المتأخرين فاختصروا الأسانيد، ونقلوا الأقوال بتراء، فدخل من هنا الدخيل، والتبس الصحيح بالعليل، ثم صار كل من سنح له قول يورده، ومن خطر بباله شيء يعتمده، ثم ينقل ذلك خلف عن سلف ظاناً أن له أصلاً، غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السلف الصالح ومن هم القدوة في هذا الباب.قال السيوطي رأيت في تفسير قوله سبحانه (غير المغضوب عليهم ولا الضَّالين) نحو عشرة أقوال مع أن الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم وجميع الصحابة والتابعين ليس غير اليهود والنصارى، حتى قال ابن أبي حاتم لا أعلم في ذلك خلافاً من المفسرين.