شرح «أدب القاضي للخصاف» للصدر الشهيد - ت سرحان (الصدر الشهيد - الخصاف) القسم: السياسة الشرعية والقضاء الكتاب: شرح «أدب القاضي للخصاف (ت ٢٦١ هـ)»المؤلف: برهان الأئمة حسام الدين عمر بن عبد العزيز بن مازة البخاري الحنفي، المعروف بالصدر الشهيد (المتوفى شهيدا ٥٣٦ هـ)المحقق: محيي هلال السرحان [ت ١٤٤٦ هـ]الناشر: (جـ ١ - ٣) مطبعة الارشاد، بغداد - العراق، جـ ٤ الدار العربية للطباعة، بغداد - العراق الطبعة: الأولى (جـ ١، ٢) ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م، (جـ ٣، ٤) ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ معدد الأجزاء: ٤أعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (أوقاف عبد الله بن تركي الضحيان الخيرية)[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
الباب الحادي عشر في ما جاء في النهي أن يقضي وهو غضبان[٢٦٠] ذكر عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان»
[٢٦١] وذكر أحاديث أخر ذكرت في هذا الباب، كلها تدل على أنه لا ينبغي للقاضي أن يقضي وهو غضبان.وقد ذكرنا هذا في ما تقدم. [٢٦٢] ذكر عن شريح أنه قال:ما شددت على لهوات خصم، ولا لقنته حجة.وهذا الحديث روي بلفظين: ما شددت، بالشين والسين.فإن كان بالشين فالمراد منه: ما قويت أحد الخصمين على
الآخر، قال الله تعالى:«أشدد به أزري».أي قو به ظهري.وقوله: ولا لقنته حجة تفسير له، يعني: ما قويت أحد الخصمين على الآخر بتلقين الحجة.وإن كان بالسين فالمراد منه: ما منعت أحد الخصمين من أن يدلي بحجته ويظفر بحقه.[والله اعلم]* * *
الباب الثاني عشر في القاضي إذا جاع[٢٦٣] ذكر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان»لم يرد به أن يكون كظيظ الطعام، وإنما أراد [به] أن لا يكون به جوع مفرط، ولا عطش مفرط، ولهذا قال مشايخنا بأن
القاضي لا ينبغي له أن يتنفل بالصوم في اليوم الذي يريد الجلوس فيه للقضاء؛ لأنه ربما يلحقه جوع مفرط فيغضب ويضعف فيضعف رأيه ويعجز عن القضاء. [٢٦٤] ذكر عن ميمون بن مهران قال:بعثني عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه [قاضيًا] فقال:لا تقض على غضب ولا ضجر، وليكن من رأيك الحلم عن الخصوم، واعلم أنه لا خير في قضاء إلا بفهم ولا خير في فهم إلا بحكم، ولا خير في حكم إلا بفصل، ولا خير في فصل إلا بعدل.
أما القضاء على الغضب والضجر، والحلم عن الخصوم فقد ذكرنا ما تقدم.وقوله: لا خير في قضاء إلا بفهم، لأنه إذا لم يفهم يقضي عن جهل.وقوله: لا خير في فهم إلا بحكم، لأنه إن فهم المحق من المبطل لا يمكنه إيصال الحق إلى المستحق إلا بالحكم.وقوله: لا خير في حكم إلا بفصل يريد به: أن الخصومة إنما تنتهي نهايتها بالتسليم، فما لم يسلم الحق إلى المستحق لا يقع الفصل.وقوله: لا خير في فصل إلا بعدل، يريد به: إذا كان محقًا في ذلك الحكم والتسليم.[والله اعلم بالصواب]* * *
الباب الثالث عشر في القاضي يأخذ الرزق[٢٦٥] ذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي عبيدة [بن الجراح] ومعاذ بن جبل بالشام: أن انظروا رجلًا من أهل العلم من الصالحين من قبلكم، فاستعملوهم على القضاء وأوسعوا عليهم من الرزق.
فيه دليل على أن للقاضي أن يأخذ كفايته من بيت المال، ألا ترى أنه قال: وأوسعوا عليهم من الرزق.والدليل عليه ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أنه لما استخلف كان يأخذ الرزق من بيت المال أيضًا. وعمر رضي الله عنه لما استخلف كان يأخذ الرزق من بيت المال، وعثمان رضي الله عنه كان صاحب ثروة ويسار، فكان يحتسب ولا يأخذ. وعلي رضي الله عنه كان يأخذ.
ولأنه محبوس بحق العامة، والحبس من أسباب النفقة، ولا يكون هذا أجرًا على القضاء، لكن إنما يأخذ كفايته، لأنه محبوس بحق العامة، فكان عاجزًا عن الكسب، فلو لم يأخذ كفايته لنفسه وعياله ومن يمونهم من أهله وأعوانه، احتاج أن يأخذ من أموال الناس فيأخذ الرشوة، وذلك حرام. [٢٦٦] ذكر عن نافع قال:كان زيد بن ثابت رضي الله عنه يأخذ على القضاء
أجرًا.ولم يرد به حقيقة الأجر، بل يأخذ كفايته لكن سماه أجرًا لتصوره بصورة الأجر فإنه مستحق ذلك بعمل يقيمه، فأشبه الأجر.
[٢٦٧] ذكر عن ابن أبي ليلى أنه قال:بلغني أن عليًا رضي الله عنه رزق شريحًا [رحمه الله] خمسمائة درهم.يريد به كل شهر.وإنما فعل ذلك لأنه كان كثير العيال، فكان يحتاج إلى ذلك القدر.
[٢٦٨] ذكر عن الأزهري أنه قال:«رزق رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن اسيد حين استعمله على مكة أربعين أوقية في السنة».
قال اسحق: لا أدري ذهبًا أو فضة، فإن كان ذهبًا فمال عظيم، لأن الأوقية أربعون مثقالًا فأربعون مرة يكون مالًا عظيمًا.وإنما رزقه لأنه ولاه مكة، واستقضاه بها، فكان قاضيًا وواليًا.في الحديث دليل على أنه [ينبغي أن] يرزق القاضي من بيت المال ما يكفيه وأهله، ومن يمونه، ومن يكون من أعوانه.وتكلموا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أي مال رزقه ولم تكن يومئذ الدواوين [ولا بيت المال] فإن الدواوين وبيت المال إنما ظهرت في زمن عمر رضي الله عنه.قيل: إنما رزقه من الفيء، مما أفاء الله تعالى عليهم.وقيل: إنما رزقه من المال الذي أخذه من نصارى نجران، أو
من الجزية التي أخذها من مجوس هجر، ويهود، وهو [فيء]، فإن القاضي [أن] يرزق له من الجزى أو الأخرجة. [٢٦٩] روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أعطى عثمان بن أبي العاص أرضًا بالمدينة في عمالته.