روضة القضاة وطريق النجاة (ابن السمناني) القسم: السياسة الشرعية والقضاء الكتاب: روضة القضاة وطريق النجاة المؤلف: علي بن محمد بن أحمد، أبو القاسم الرحبيّ المعروف بابن السِّمناني (ت ٤٩٩ هـ)المحقق: د. صلاح الدين الناهي الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت - دار الفرقان، عمان الطبعة: الثانية، ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ معدد الأجزاء: ٤ (متسلسلة الترقيم)أعده للشاملة: فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة في التعريف بالسمنانيوكتابه روضة القضاة وطريق النجاةوصف المخطوطة:من نفائس المخطوطات الفقهية التي صورها معهد المخطوطات العربية بالقاهرة مخطوطة: روضة القضاة وطريق النجاة للعلامة علي بن محمد السمناني أو ابن السمناني.* * *وقد جلبت المكتبة المركزية لجامعة بغداد مشكورة نسخة ميكروفلمية من هذه المخطوطة بناء على طلبي، وصورت هذه النسخة في المجمع العلمي العراقي لحساب مكتبتي الخاصة تمهيدًا لقيامي بدراستها ونشرها محققة، ولذا فقد رأيت من المناسب أن أعرفها ومصنفها وموضوعها للقراء الكرام تمهيداً لنشرها في سلسلة دراسات إسلامية: أهم المخطوطات الفقهية، تلك المجموعة التي اضطلعت بنشرها منذ عام (١٩٦٥) ولحسن الحظ فقد عثرت في سفرتي الأخيرة إلى تركية في صيف (١٩٦٧) على نسخة خطية أخرى من هذا المصنف هي نسخة قليج علي باشا فصورت لمكتبتي.لقد جاء في أول ورقة من النسخة الأولى من هذه المخطوطة: كتاب أدب القاضي المسمى بروضة القضاة تأليف العلامة علي بن محمد السمناني تغمده الله برحمته وهو بخط مؤلفه.وذكر في آخر هذه المخطوطة أنه "فرغ من تأليفه صبيحة يوم الجمعة مستهل سنة ثمان وأربعمائة (كذا). وجاء في أول ورقة من نسخة قليج علي باشا: كتاب روضة القضاة وطريق النجاة تأليف الإمام العلامة قدوة المحققين ودرة المدققين أبي القاسم علي بن محمد بن أحمد السمناني الحنفي.
وظاهر أن الصحيفة الأولى من نسخة معهد المخطوطات من هذه المخطوطة ليست من أصل الكتاب وأنها أضيفت إليه أما الصحيفة الأخيرة من الكتاب فيستفاد منها أن ناسخ المخطوطة هو أبو عبد الله محمد بن علي .. محمد بن المظفر الشامي أقضى القضاة .. وأنه "وقع الفراغ من تأليف هذا الكتاب صبيحة يوم الجمعة مستهل صفر من سنة ثم (كذا) وأربعمائة، وكتب علي بن محمد السمناني مؤلف هذا الكتاب، وهو يحمد الله ويصلي على محمد النبي وآله، ويسلم، ويسأل المغفرة والنفع في الدارين، وهو حسبه ونعم الوكيل".إن الظاهر من أسلوب كتابة تاريخ تأليف هذا الكتاب في نسخة معهد المخطوطات أن كلمة (ثم) يحتمل أن تكون مختزلة من كلمة ثمانية أو ثمانين، فيكون تاريخ الكتاب هو سنة ثمانين وأربعمائة أي قبل وفاة مؤلفه بمدة تتراوح بين ١٣ - ١٩ سنة، على أن كتب الطبقات تشير -كما سنرى- إلى تاريخ آخر. وقد جاء في نسخة قليج علي باشا أن مصنف الروضة فرغ من تأليفها سنة ٤٧٨ هـ.لقد صورت مخطوطة روضة القضاة لمعهد المخطوطات على (٣٣١) سليدة كل سليدة منها تحتوي على صحيفتين، عدا السليدة الأولى فإنها مؤلفة من صحيفة واحدة وفراغ، وبذلك تكون صفحات الكتاب عبارة عن (٦٦١) صحيفة في كل صحيفة قرابة ١٩ سطراً وفي كل سطر قرابة (١١) كلمة. أما نسخة قليج علي باشا فيبلغ عدد صفحاتها (٥٢٠) صحيفة في كل صحيفة قرابة (٢٩) سطراً وفي كل سطر قرابة (١٧) كلمة.
وبالرغم مما ورد في أول صحيفة من هذه المخطوطة من أنها بخط مصنفها فإن ما ورد في خاتمتها ينقض هذا الزعم كما أن أسلوب الكتاب، وما جاء فيه من اختزال بعض الكلمات أو سقوطها ومن أغلاط نحوية ليدل على أن هذه المخطوطة نسخت عن مخطوطة أخرى كانت بخط المصنف. لمن صنفت الروضة؟ويستفاد من مقدمة الكتاب أن السمناني صنفه بناء على طلب:"نظام الملك وقوام الدين، العادل، العالم، المنصور، المظفر … أبي علي الحسن بن (الحسين) بن علي بن إسحق، رضى أمير المؤمنين".ونظام الملك هو الوزير السلجوقي الشهير مؤسس المدارس النظامية في بغداد وغيرها من حواضر الإمبراطورية السلجوقية. وقد كان الوزير معروفاً بميله لنشر العلم وتكوين طبقة من الكتاب والفقهاء تتولى تدبير تلك المملكة الفتية التي قامت على أثر هجرة تركية جارفة تزعمها السلاجقة، ولا غرو فقد كانت تلك السلطنة الناشئة الفتية بحاجة إلى تنظيم إداري تحصل به الموازنة بين السيف والقلم، وتستقر به دعائم المملكة السنية الناشئة على أنقاض الدولة البويهية الشيعية ولشدة حرصه على تنظيم دولة السلاجقة ألف بالفارسية كتاباً في السياسة عنوانه "سياستنامة". وكان مزاج ذلك العصر يميل إلى ربط كل دولة من دول الطوائف بمذهب تعتنقه الدولة وتتعصب له وهي خطة ممقوتة تركت آثارها السيئة في المجتمع الإسلامي عصوراً طويلة إلى أن أفاق من بدعتها والتزمت معظم الدولة الإسلامية المعاصرة جانب الحياد تجاه المذاهب وإن شذت عن هذه السياسة إيران وأفغانستان إذ اتخذت الأولى من الإمامية الاثنى عشرية واتخذت الثانية من الحنفية مذهباً رسمياً مع أن الإسلام ولد ولا مذاهب فيه ويمكنه أن يستمر في الاضطلاع برسالته دون التقيد بمذهب أو التزام قول دون قول.
عصر البويهيين والسلاجقة وحظ الثقافة الإسلامية فيه:ومهما يكن فإن العصر الذي عاش في ظل حضارته كل من السمناني ونظام الملك وظهرت آثاره في عمق ثقافة أولهما وتنوعها ومساعي ثانيهما وجهوده، إن هذا العصر يتسم بقيام الدولة السلجوقية السنية على أنقاض الدولة البويهية التي اصطنعت التشيع وأسرفت في تقييد سلطة الخلافة العباسية وإذلال الخلفاء العباسيين بالعزل وسمل العيون.ولقد حققت القبائل التركية الموحدة في ظل زعامة السلاجقة ما عجز أسلافهم قبل الإسلام عن تحقيقه من استقلال عن تسلط الحكم الفارسي الساساني والسيادة الفارسية على الشعوب التركية المحاربة، فتهيأ بذلك للامة التركية -كما تهيأ من قبل للامة العربية- أن تبدأ مرحلة تكونها القومي الحديث بفضل اعتناق تلك القبائل المهاجرة الإسلام وتحولها من قبائل مبعثرة إلى أمة مجاهدة تضطلع برسالة الدين الإسلامي الحنيف وتدين للإسلام -كما دان العرب من قبل- بهذا التحول في البنية الاجتماعية فتسارع الخلافة العباسية إلى اصطناعها والاستعانة بها على التحرر من نير البويهيين، وما اصطنعه البويهيون من سياسة إذلال الخلافة العباسية، وما أدخلوه على المجتمع الإسلامي في العراق من عادات غير مألوفة هي في نظر أهل السنة وعقلاء الشيعة أنفسهم من البدع التي لا يقرها الإسلام. ومع ذلك فإن هذا السلطان السياسي والنتول القومي الذي تحقق في ظل الدولة السلجوقية لا يعني قيام القطيعة بين عناصر الثقافة الإسلامية التي اضطلع برسالتها الإنسانية الجامعة جميع العناصر القومية الإسلامية من عربية وفارسية وتركية، فقد كانت تلك الثقافة من القوة والفتوة بحيث لم يزدها قيام دول الطوائف إلا متانة ونتولا، ولذا فإن الدولة السلجوقية التركية احتضنت في مضمار الإدارة والثقافة كلاً من اللغتين العربية والفارسية، ولا غرو فإن القوميات الإسلامية تختلف مفاهيمها عن القوميات الغربية لأنها تقوم على أساس مما دعى إليه الإسلام من التعارف والتواضع لا التنابذ والتعالي ومن الأخوة البشرية لا البغضاء الشعوبية ومن أواصر القربي في الإنسانية التي تمت في البداية بأدم وتنتهي في النهاية إلى التراب.
هذه الحقيقة هي التي تفسر لنا أن الدولة السلجوقية الناشئة لم تكد تستقر لها أسباب الملك والسلطنة حتى سعت إلى حماية تلك الثقافة الإسلامية الجامعة، وجنحت إلى المذاهب المعتدلة في تصوير الخلافة ولم تجنح إلى سياسة شعوبية قاتمة تبصق في وجه الفلك من فرط حقدها، وشجعت تأسيس المدارس والجامعات وأتاحت فرصة استمرار انبثاق النبوغ في جميع أرجاء إمبراطوريتها، فنشأ في عصرها مفكرون وفلاسفة وفقهاء عظام، وكل ذلك بالرغم من عوامل الاضطراب التي كانت تشيع في الإدارة وجباية الضرائب، تلك العوامل التي كانت تبرر مصادرة أموال الوزراء والولاة وتعذيبهم بين فينة وأخرى، ذلك أن قيام دول الطوائف المتنافسة في قلب الخلافة الإسلامية من بويهية وسلجوقية وغيرها واستقرار سلطات تلك الدولة المتوثبة بعد فترة الاستيلاء العنيفة كان لا بد له من الشعور بعد ذلك بالحاجة الماسة إلى الاستقرار والتنظيم وإلى طائفة من رجال الفكر والإدارة والفقه وسائر ضروب المعرفة كيما يعود للدولة وللمجتمع ما فقداه من طمأنينة وأمن.والحاصل فقد كانت منجزات السلاجقة -كما وصفها أحد الباحثين الناشئين- رائعة فقد قاومت الغزو الصليبي وأدركت مخاطر المذاهب الباطنية، ونشطت نشاطاً كبيراً في إنشاء المدارس ودور العلم والعناية بالدارسين والباحثين "فكان محط نظرهم هو أن العلم من أهم الأسلحة التي ينبغي أن تتوفر للامة لصد العدوان عنها ورد كيد الطامعين فيها والطاعنين عليها".وهكذا فإن القلق السياسي الذي كان شائعاً يومئذ لم يحل دون الاستقرار الثقافي والنتول الفكري في المجتمع الإسلامي، فكان ما يحل بالعالم الإسلامي من زعازع وقلاقل وكوارث سرعان ما يضمن التقدم الثقافي له سبيل الهداية والرشاد والتوجيه في ظل مبدأ دستوري إسلامي شهير هو مبدأ الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، فلا عجب إن وجدنا دول الطوائف مرهفة الشعور بالحاجة الماسة إلى اصطناع الطبقة المثقفة ثقافة موسوعية جامعة، وقد كان من أعلام تلك الطبقة أسماء خلدها التاريخ كالغزالي والماوردي والسمناني ونظام الملك الذي أخذ بيد السمناني لما لمسه فيه من سعة الثقافة والدراية بالفقه والتاريخ وصنفت الروضة تعبيراً عن عميق الولاء لذلك الوزير. أهداف المصنف وخطته:لقد رمى مصنف الروضة بتأليفه أن يكون كتاباً جامعاً مبسطاً بحيث "يحتاج إليه العلماء والمتعلمون والخاصة والعامة، ولا يستغني عنه في أدب الفقه (القضاء) على جميع مذاهب الفقهاء".والواقع أن هذا الغرض المزدوج الجامع بين إفادة المتعلمين من ناشئة الفقهاء والمتضلعين منهم من الأغراض التي حرص على اتباعها في مصنف آخر مكمل لهذا الكتاب وردت إليه الإشارة في الروضة في باب "كاتب القاضي" حيث جاء "وقد صنفنا في الشروط كتاباً سميناه كنز العلماء والمتعلمين في علم الشروط".وإلى مثل هذا الغرض رمى إمام الهدى الفقيه أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي عند تصنيفه كتاب خزانة الفقه.نحن إذن أمام مؤلف له هدف واضح، وهو فوق ذلك محيط بموضوعه وبما صنف فيه قبل ذلك من كتب إحاطة ناقد بصير، وقد صرح بنفسه بهذه الحقيقة فقال في مقدمته على الروضة.صنف في ذلك كتب كثيرة كالذي صنفه الخصاف والطحاوي والاصطخري ومحمد بن الحسن (الشيبانى) وسائر شروح الضالعين فمنهم من أطال، ومنهم من قصر، ومنهم من قدم ما لا يحتاج إليه، ومنهم من أخر، ولم يرتب
الأبواب، ولا عقد الفصول، ولا كشف قناع العلم، ولا أتى ما يحتاج إليه على نمط الحاجة.فالسمناني -كما ترى- مؤلف ناقد مضطلع أحاط بما كتب السابقون عليه في موضوعه من أعلام وضالعين فلم يتردد في نقد ما في كتب هؤلاء وأولئك وما وقعوا فيه من هنات.ونحن إذن أمام مصنف فقهي على جانب من الأهمية كبير اختط مصنفه لنفسه خطة وتمسك بمنهج يفي في رأيه بالحاجة فلا تطويل فيه ولا تقصير ولا عجز عن النفاذ إلى صميم الموضوع. وهؤلاء الذين ذكرهم السمناني كانوا من أعلام الفقه في المذهبين الحنفي والشافعي فالخصاف هو أحمد بن عمرو الشيباني المتوفى ببغداد سنة ٢٦١ هـ ومن مصنفاته كتاب أدب القاضي، وكتاب الشروط الكبير وكتاب الشروط الصغير وكتاب المحاضر والسجلات وهي جميعاً من المراجع النظرية العلمية في دراسة نظام القضاء في الإسلام.أما الطحاوي فهو أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدى ابن أخت الفقيه المزني الشهير في المذهب الشافعي. وقد انتقل الطحاوي من مذهب الشافعية إلى مذهب الحنفية وألف مختصراً شهيراً في الفقه وتوفي بمصر سنة ٣٢١ هـ.ومن مصنفات الطحاوي نظام القضاء والفقه العملي:-١ - الشروط الصغير٢ - والشروط الكبير٣ - والشروط الأوسط٤ - والمحاضر والسجلات
وقد أشار السمناني إلى أن للطحاوي أدب الحكام الصغير وأدب الحكام الكبير ونقل عنهما.وأما الاصطخري فالمقصود به أبو سعيد الحسن بن أحمد ابن يزيد بن عيسى بن الفضل بن بشار (أو يسار) بن عبد الحميد بن عبد الله بن هاني بن قبيصة بن عمرو بن عامر وقد وردت ترجمته في طبقات الفقهاء للشيرازي (ص - ٩١) حيث قال عنه:-كان قاضي قم، وولي الحسبة، وكان ورعاً متقللاً، ولد في سنة ٢٤٤ ومات في سنة ٣٢٨ هـ وصنف كتاباً حسناً في أدب القضاء.وأضاف السبكي في طبقات الشافعية الكبرى أنه كان أحد الرفعاء من أصحاب الوجوه وقال الخطيب كان أحد الأئمة المذكورين ومن شيوخ الفقهاء الشافعيين.وقد ورد ذكره في البداية والنهاية لابن كثير في حوادث سنة ٣٢٨ هـ فجاء علاوة على ذلك أنه ولي بعد قضاء قم "حسبة بغداد، فكان يدور بها، ويصلي على بغلته، وهو دائر بين الأزقة، وله كتاب القضاء لم يصنف مثله في بابه، توفي وقد قارب التسعين".مراجع أخرى:وأما محمد بن الحسن الشيباني فهو من أعلام المذهب الحنفي فقد كان صاحب الإمام أبي حنيفة ومدون المذهب صحب أبا حنيفة وأخذ الفقه عن أبي يوسف ودون الموطأ وحدث به عن مالك وهو اليوم موضع عناية الفقهاء الغربيين أنفسهم فقد كتب عنه الدكتور أوتوسبيس Otto Spies الأستاذ في جامعة بون مقالة نشرت في أعمال المؤتمر الدولي الخامس للقانون الموازن المنعقد في بروكسي سنة ١٩٥٨ (مجلد ١ ص ١٢٥ - ١٢٩) بعنوان فقيه عظيم من فقهاء المسلمين، وقد ذهب في هذه المقالة إلى إعلاء شأن أبي يوسف والشيباني في تطوير المذهب الحنفي وبيان ما كان لهما من جهود وآثار.
على أن السمناني لم يكتف بالرجوع إلى ما صنفه هؤلاء في نظام القضاء بل رجع إلى مراجع فقهية أخرى في المذهبين الحنفي والشافعي حيث نجده يشير في مواضع مختلفة إلى هذه المراجع بأسمائها وأسماء مصنفيها تارة أو بأسماء مصنفيها فقط بحيث يمكن أن نقول أنه رجع إلى:١ - المذهب للشيرازى٢ - الخلاف للقدوري٣ - كتاب المزنى (المختصر)٤ - مختصر الطحاوي، وأدب الحكام وأدب القضاء الصغير٥ - شرح الدامغانى لمختصر الحاكم٦ - مختصر الكرخي٧ - محمد بن الحسن الشيباني في كتاب الدعوى٨ - الجامع الصغير لمحمد بن الحسن الشيباني والأصل والزيادات٩ - الأمالى لأبي يوسف١٠ - القدوري في التجريد١١ - الخصاف في المفصل، وأدب القضاء١٢ - علي بن موسى القمي: أحكام القرآن الصغير١٣ - أبا عبيدة في الغريب١٤ - مختصر أبي موسى الضرير١٥ - ابن سماعه: النوادر والأمالي١٦ - القضاء للاصطخري (الشافعي)
١٧ - شروط الأصبغ١٨ - عيون المسائل لأبي الليث السمرقنديومما يستحق الإشارة في هذا الصدد أن روضة القضاء خلت من الإشارة إلى ما كتبه الماوردي في الحاوي عن أدب القاضي مع أن الماوردي توفي قبل السمناني بتسع وأربعين سنة، فهل معنى هذا أن السمناني لم يطلع على كتاب الحاوي؟ مهما يكن من الأمر فإن كلا المصنفين رجعا إلى مراجع مشتركة في مقدمتها مصنف الاصطخري الشهير. خطتنا في تعريف الكتاب وموضوعه:مما سلف يتبين لنا أن مصنف روضة القضاة كان نقادة والكتاب يعالج موضوعاً لم يزل بحاجة إلى المزيد من الدرس والعناية، لقلة ما حقق ونشر عنه، ولتهجم بعض الغربيين وادعائهم أن القضاء الإسلامي تأثر بدوره بنظم القضاء الرومية والفارسية كما تأثرت نظم الدواوين الإسلامية. وخصائص هذا النظام الطريفة لم يكشف عنها القناع لتتجلى في ضوء البحث الموازن وتعرب عن أصالتها وطرافتها ومحاسنها وهناتها.وإلى جانب كل ذلك فهذا الكتاب صنف بعد مرحلة طويلة من النمو والتطور خطا فيها بحث أدب القضاء خطوات متعاقبة، وألف فيه فقهاء أعلام ممن ذكرهم السمناني وغيرهم والعصر الذي ألف فيه هذا الكتاب بلغت فيه حركة التأليف في شتى فروع الفقه مرحلة بالغة من التطور والنضج ورسخت فيه أساليب علم الخلاف في استعراض مختلف أبواب الفقه دون تعصب أو غلو.كل هذه الحقائق تدعونا بعد هذه التوطئة لتعريف المصنف والكتاب أن نبسط القول فندرس الموضوعات الآتية:١ - نظام القضاء في الإسلام وخصائصه.
٢ - سيرة مصنف الكتاب وآثاره وثقافته.٣ - ما أضافه هذا الكتاب إلى موضوع نظام القضاء من جديد سواء من حيث صياغة المبادئ أو تعليل الفروق بين مختلف آراء المذاهب أو التزام الأسلوب العقلي الهادئ المحايد إلى حد كبير من الحياد العلمي الذي أتيح لأبناء ذلك العصر. خصائص النظام القضائي في الإسلام:للنظام القضائي في الإسلام تاريخ طويل حافل بالحركة والنضال في سبيل العدل والإنسان والحق والشرع، وملامح جذابة لما فيها من طرافة، ولقد توثقت صلتي بهذا النظام منذ أن صنفت كتابي "الوجيز في المرافعات المدنية والتجارية" إلى أن درسته في جانبيه الفقهي النظري والتاريخي وأعددت فيه أبحاثاً مخطوطة رأيت أن أخدمها بنشر بعض ما صنف في أدب القضاء لتزداد ثروتنا ومراجعنا في هذا المضمار.والواقع أن النظام القضائي في الإسلام تمكن في خلال تاريخه الحافل في بعض العصور بالحركة والكفاح والتطور والمتناقضات أن يملي على صفحة الفقه والقضاء أروع القواعد والمبادئ التي تكلفت برعاية حقوق الإنسان وصيانه كرامته وعرضه وماله من التعدي والإتلاف والغصب والجور والشطط.وحسبك أن تعلم أن المدين كان يباع بالدين في شريعة روما ومصر وأعراف الغرب قبل الإسلام فلما هيمن الشرع الإسلامي على مصر وطولب القضاء الإسلامي ببيع المدين بالدين تقرر أن المدين لا يباع بالدين كالسلعة ولكن يترك ليسعى لنفسه وللدائنين.ولقد خاض هذا النظام في سبيل تحقيق ذلك أعنف المعارك وامتحن فيه بعض القضاة أقسى امتحان وحفل بأكثر الآراء والحلول تنوعاً ومراعاة لجوانب مختلفة من العدالة المحضة والمصلحة والضرورة ودون تاريخه سطوراً من نور
ولكن هذا التاريخ لم يخل من عصور انحطاط وقضاة سوء استباحوا الرشوة وحادوا عن جادة الحق وسجلت كتب تاريخ القضاة عنهم اسوأة السير والصفحات بكل صراحة وتندر حتى أصبح لدينا تاريخ حافل بهذه المتناقضات وأضيف إلى ثروتنا الأدبية فصل خاص بما قيل في القضاة من قدح وذم وتجريح وسخرية.وإلى جانب كل ذلك فإن للنظام القضائي الإسلامي خصائصه الخاصة ببنيته وتركيبة ينفرد بها عن سائر النظم القضائية حيث قام بالدرجة الأولى على أساس نظام القاضي الفرد الذي أتيح له استشارة الفقهاء في مجلسه وخارج مجلس الحكم وهذا الطراز من المحاكم يرجع إلى تقاليد العرب قبل الإسلام حيث ساد نظام التقاضي لدى حكم أو كاهن فرد ولا صلة له بطراز المحاكم في الشرائع القديمة الأخرى.ولم يحظ حكم القاضي في ظل هذا النظام بدرجة كافية من القطيعة بل كان عرضة للنقض في الأمور غير الاجتهادية وفق شروط وفروض معينة كما كان القاضي نفسه عند عزله عرضة "للإيقاف" أي لعرضه على الحساب الدقيق والسؤال والمراجعة.وهذا أغرب ما في هذا النظام بالقياس إلى سائر النظم القضائية في مختلف الشرائع المعروفة ودليل على مدى تغلغل مبدأ سيادة القانون في هذا الشرع الذي تقرر فيه خضوع الحاكم والمحكوم لحكم القاعدة القانونية ومسؤولية أولي الأمر عما عهد إليهم الاضطلاع به من الشؤون العامة والخاصة.لقد منح الإسلام للقاضي سلطة واسعة وأناط به مهمات خطيرة، ولكنه جعله مسؤولاً مسؤولية خطيرة في دنياه وآخرته حتى شبه من ولي القضاء بمن ذبح بغير سكين.
لقد كان القضاء في عصور طويلة يتمتع بأخطر مركز بعد مركز الخلافة، ولذا كانت دراسة تاريخه من الأمور المتمتعة والجديرة بالبحث لأنها قمينة بأن تكشف لنا النقاب عن طبيعة نظام الحكم في الإسلام، وعن نوع من الديمقراطية والعدالة حاول الإسلام إناطة تحقيقها بالقضاء، وأكد فيها على العدالة والمساواة أمام الشرع وعلى سيادة الشرع على جميع المكلفين حكاماً ومحكومين وعلى التزام القضاء الحياد التام بين المراكز والحقوق فسطر بذلك أنبل ما رمت إلى تحقيقه الثورة الفرنسية من حقوق الإنسان قبل أن تولد هذه الثورة، وأن تسطر فلسفتها بعصور وعصور. ولكن الفقه أناط بالقضاة مهمة النضال في سبيل هذه المبادئ ولم ينط ذلك بقواعد موضوعية أو إجراءات محددة معقدة مضمونة الجواب اللهم باستثناء حق القاضي في تفتيش السجون وإطلاق سراح المسجونين ظلماً.ولذا فقد تشدد الفقه الإسلامي في صفات القضاة وأعوانهم والشهود وتزكيتهم وتعديلهم، وتشدد السمناني أكثر من غيره لعلة سنشير إليها، ولكنه لم يخدع بما اشترطه هو والفقهاء من قبله فقد اعترف لنا بمرارة بواقع الحال حيث أتيح له معاشرة شيخه قاضي القضاة الدامغاني ثلاثين سنة تولى فيها الشيخ قاضي القضاة منصب القضاء فحدثنا في مواضع مختلفة عن واقع القضاة وعن مجلس شيخه.تلك هى خصائص النظام القضائي في الإسلام، ولسنا بحاجة إلى أن نطيل القول فيها أكثر من ذلك ولا أن نعرض على القارئ القواعد الدستورية التي حررها الفقه في هذا المضمار لأن كل ذلك سيذكر في كتابنا المفرد لنظام القضاء الإسلامي ولكننا سنكتفي في آخر هذا البحث باستنباط بعض القواعد من كتاب السمناني ليكون مجموعها أنموذجاً لهذا الدستور.لم يكن السمناني إذن نقالة جماعة في تصنيفه بل كان نقادة رسم لنا الجانب النظري ولم يخف علينا واقع حال القضاء في عصره فنقل إلينا من تجاربه وملاحظته سير الواقع ومجرى الأحداث ما يجعل المتعة المرجوة من كتابه مضاعفة، ولا غرو فقد اكتوى السمناني نفسه بنار القضاء -كما سنرى- وقد أتيح له
أن يختبر ما سن من القواعد المثالية لدستور القضاء في ساحة القضاء نفسه فلم يكذب علينا ولا خاتل ولكنه لم يحد عن احترامه لشيخه قاضي القضاة وإعجابه به، وبما كان يجري عليه العمل في زمانه في مجلس حكمه.وثمة أشياء أخرى يكشف عنها النقاب كتاب الروضة فإن مؤلفه لم يكتف بتقرير أحكام نظام القضاء في الإسلام ولكنه بين لنا وجه استنباط تلك الاحكام والقواعد فلم يكن يكتفي بالقياس على نظم الفقه الخاص من وكالة ونيابة بل كان يلحظ الفرق بين الأمرين أحياناً وكان في مواضع أخرى يعمد في الاستنباط إلى مقتضيات الحاجة والمصلحة.والواقع أن جميع هذه الحقائق تبدو جلية في كتاب روضة القضاة حيث يقرر السمناني في مواضع مختلفة منها أوجه القياس على الوكالة، ويقرر أحياناً وجود الفارق بين القضاء والإمامة وبين الوكالة، وحيث يذكر بصراحة أن الإمامة نيابة عن الامة، وحيث يعرض علينا محاولة الفقه تخفيف عبء الحساب والمسؤولية عن عاتق القاضي المعزول بجعل القول قوله فيما يدعى عليه. ترجمة السمناني:مولده ودراسته:وردت ترجمة السمناني في كل من الجواهر المضية (ج ١ ص ٣٧٥ - ٣٧٧) والفوائد البهية (ص ١٢٣ - ١٢٤) ومنهما يستفاد أنه علي بن محمد بن أحمد الرحبي أبو القاسم ويعرف بابن السمناني. ذكره أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن إبراهيم الهمداني في طبقات أبي حنيفة فقال:"مولده رحبة مالك بن طوق".