أدب القاضي - ابن القاص (ابن القاص) القسم: السياسة الشرعية والقضاء الكتاب: أدب القاضي المؤلف: أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري المعروف بابن القاص (ت ٣٣٥ هـ)دراسة وتحقيق: د. حسين خلف الجبوري [ت ١٤٤٤ هـ]الناشر: مكتبة الصديق - المملكة العربية السعودية/الطائف الطبعة: الأولى، ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م.عدد الأجزاء: ٢ (متسلسلة الترقيم)أعده للشاملة: فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، ولم يجعل له عوجا قيما.أقام به الأود وأزهق الفند. وأكمل به الحجج، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.والحمد لله العليم بالأشياء. قبل كونها الحكيم في تدبير على ما سبق في الأزل علمه. الحكم العدل، في جميع ما قدر وقضى. ودبر وأمضى، فلا راد لقضائه ولا معقب لحكمه. وهو سريع الحساب. الذي امتدح بالعدل واصطفاه. وابتعث به رسله وأنبياءه. ووفق للحكم به من ارتضى قضاءه. أمر بالعدل والإحسان. وتعالى عن الجور والفحشاء. لا يُسأل عما يفعل، وهم يُسألون. وصلى الله وملائكته على البشير النذير السراج المنير محمدٍ وآله الطيبين.
أما بعد: فلن يفصل بين المحق والمبطل منا من جهل قضايا السلف. ولا استوعب الفقه من لم يعرف المختلف. وزلا كملت قضية قاضٍ في أيسر مقالةٍ مالت به من غير تبحيثٍ.وقد اختلف مذاهب الرأي والحديث في أمور من القضاء لا يسع القاضي الاقتناع بالعجز. دون معرفته فألفت كتابي هذا في أدب القاضي على مذهب الشافعي والكوفي.إذا كان أحدهما اتبع فقهاء الحديث للسنن. وكان الآخر أبلغ أهل الرأي تفريعًا ولا غنى بالقاضي دون معرفة الأمرين فاقتصرت على ذكرهما، خوف الإطالة إلا فيما لا غنية عنه لقاضٍ من معرفة قول مالك بن أنس، ودونه في أصول القضاء، ولم أترك الباقين عند ذكر الفروع هجرًا ألا خيفة أن
يعجز الكتاب عن الوفاء بذكر أقاويلهم في جميع المسائل. فيصير الكتاب منبترًا.وقدمت على ذكر جميعهم الشافعي رضي الله عنه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قدموا قريشًا ولا تقدموها».وإن من أحق الناس بالتأدب بآداب الله ومطالبة النفس بأحكام الله ورعاية حقوقه من يُقلد الأحكام وانتصب لفصل القضاء بين الأنام فأتقى أمر ربه ويذكر وقوف الخصماء بين يديه مُقامه مع الخصماء. {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}. {يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}. فاستعد للمسألة جوابا. إن قيل له عبدي مكنتك في بلادي. ونصبتك قاضيا بين عبادي. لتنصر المظلوم على الظالم. وتعلى الحق على الباطل، وأخذت عليك بذلك عهدي وميثاقي، وتقدمت إليك إنذارًا بأن من لم يحكم بما أنزل الله {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، وقلت {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} … من هذا السؤال فرقا. فشمر
للحق وأهله. ناضرًا ليوم {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْمِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}.
[١] باب: الترغيب في القضاءوتخريج الأخبار المروية في كراهتهحدثنا يوسف بن يعقوب القاضي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا عمر بن علي.
حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: لا حسد إلا في اثنتين رجل أتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق. ورجل أتاه الله الحكمة وهو يقضي بها ويعمل بها».وحدثنا أبو بكر محمد بن أحمد القاضي، حدثنا محمد بن هارون، حدثنا عمر بن الربيع بن طارق. حدثنا يحيى بن أيوب، عن
ابن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هل تدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة: قالواة الله ورسوله أعلم. قال: الذين إذاأعطوا الحق قبلوه وإذا سُئلوه بذلوه وإذا حكموا للمسلمين حكموا كحكمهم لأنفسهم.حدثنا الحسين بن عمر بن أبي الأحوص الكوفي. حدثنا العلاء بن عمر
الحنفي، حدثنا يحيى بن يزيد الأشعري عن ابن جريج عن عطا عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا جلس القاضي في مجلسه هبط عليه ملكان يسددانه ويرشدانه ويوفقانه فإذا جار عرجا وتركاه.حدثنا عبد الله بن غنام. حدثنا ابن شيبة، حدثنا علي بن مسهر
عن أشعت عن الحسين في قوله عز وجل: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} قال العلم بالقضاء.قال الشافعي رحمه الله تعالى: في كتاب أدب القاضي «الناس كلهم عباد الله.فأحقهم بالمحبة أطوعهم لله. وأحقهم من أهل طاعته بالفضيلة أنفعهم لجماعة المسلمين من إمام عادل أو عالم مجتهد أو معين لعامتهم وخاصتهم، يعني به القاضي وهذا ما لا أعلم مالك بن أنس ولا الكوفي خالفا بل قد رغبا فيه وتولاه أصحابهما.وقد كره القضاء قوم وهجروا القضاء متشبثين بأخبار توهموا لضعف رويتهم أنها مأثورة في كراهية القضاء. فلو أنهم جعلوها في
القاسطين دون المقسطين لعذرناهم. ولكنهم غلو فيها فعموا بها قضاة الدين. وهي عندنا إلى الترغيب في القضاء أقرب منه إلى الرغبة عنه، وإنا ذاكروها وملطف القول في تخريجها إن شاء الله.حدثنا إبراهيم بن موسى الجوزي. حدثنا محمد بن منصور الجواز، حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم. حدثنا عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد الأختس، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري. والأعرج عن
أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين».حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا يحيى بن سعيد عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله، وربما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم .... قال: «ما من حاكم يحكم بحكم بين الناس، إلا وكل به ملك يأخذ بقفاه حتى يقف به على شفير جهنم
فيرفع رأسه إلى السماء فإن أمره أن يقذفه قذفه فهوى فيها أربعين خريفا».حدثنا عمر بن إسماعيل بن أبي غيلان وعبد الله بن محمد قالا: حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة، عن قتادة، قال سمعت أبا العالية. قال: قال: علي عليه السلام.«القضاة ثلاثة قاضيون في النار وقاض في الجنة. فأما اللذان في النار، فرجل جار متعمدا، فهو في النار، ورجل اجتهد فأخطأ فهو في النار. وأما الذي اجتهد، فأصاب الحق فهو في
الجنة. قلت لأبي العالية، ما ذنب من أخطأ. قال ذنبه أن لا يكون قاضيا».حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد القاضي، حدثنا علي بن مسلم. حدثنا أبو داود، حدثنا عمرو بن العلاء، حدثنا صالح بن سرح بن عبد القيس. عن عمران بن حطام، قال: دخلت على عائشة فتذاكرنا أمر القضاء. فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«ليأتين على القاضي يوم يود أنه لم يقض فيه بين اثنين في تمرةٍ» ، قال أبو العباس: فأما
حديث أبي هريرة فليس عندي ذلك في كراهته وذمه. إذا الذبح بغير سكين مجاهدة النفس بترك الهوى. والله عز وجل يقول إن {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} ،ويدل على ذلك حديث: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن زياد. أخبرني عبد الحميد بن بحر، حدثنا عبد القدوس، عن مكحول، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أبا هريرة عليك بطريق قومٍ، إذا فزع الناس أمنوا. قلت: من هم يارسول الله، قال: هم قوم، تركوا الدنيا فلم يكبر في قلوبهم ما يشغلهم عن الله. قد أجهدوا أبدنهم وذبحوا أنفسهم في طلب رضاء الله وذكر الحديث بطوله