الاكتفا بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفا (أبو الربيع الكلاعي) القسم: السيرة النبوية الكتاب: الاكتفا بما تضمنه من مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والثلاثة الخلفا المؤلف: أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الحميري الكلاعي الأندلسي (ت ٦٣٤ هـ)تحقيق: محمد عبد القادر عطا الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـعدد الأجزاء: ٢[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
الجزء الأولصورة الصفحة الأولى من الخطوط
صورة الصفحة الأخيرة من المخطوط
بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المصنفقال الشيخ الفقيه الخطيب المحدث الثبت الشهيد أبو الربيع، سليمان بن موسى بن سالم، الكلاعى، البلنسى، كرم الله مثواه، وجعل الجنة مستقره ومأواه:الحمد لله الذى منّ علينا بالإسلام، وأكرمنا بنبيه محمد عليه أفضل الصلوات والسلام، وجعل آثاره الكريمة ضالتنا المنشودة، والاقتداء بهديه الأهدى، ونوره الأوضح الأبدى غايتنا المقصودة وأمنيتنا المودودة، وأنعم على قلوبنا بالارتياح والاهتزاز عند سماع مصدره أو إليه منتماه.وإنه لأثر رجاء فى هذه القلوب البطالة وأثاره خير يرجى، أن يذودها عن مشارع الجهالة ومنازع الضلالة، فإن الارتياح للذكر شهادة الحب وأمارة المحب.وقد روى عنه صلوات الله عليه نقلة السنة أن من أحبه كان معه فى الجنة. فنسأل الله أن يكتبنا فى محبيه حقيقة، ويسلك بنا من الوقوف عند مقتضيات أوامره ونواهيه طريقة بالسعادة خليفة.فما نزال طالبين ذلك من أكرم مطلوب لديه، راغبين فيه إلى خير مرغوب إليه. وإن لم نكن أهلا للإسعاف بتقصيرنا فى الأعمال، فإنه جل جلاله أهل الجود والإفضال.ونصلى قبل وبعد على هذا النبى المبارك الكريم، صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين وصحبه المنتخبين، خير صحب وخير آل.وهذا كتاب ذهبت فيه إلى إيقاع الإقناع، وإمتاع النفوس والأسماع، باتساق الخبر عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر نسبه ومولده وصفته ومبعثه، وكثير من خصائصه، وأعلام نبوته ومغازيه، وأيامه من لدن مولده إلى أن استأثر به وقبض روحه الطيبة إليه، صلوات الله وبركاته عليه.مقدما لذلك ما يجب تقديمه، ومتمما من ذكر أوليته المباركة بلدا ومحتدا، بما يحسن علمه وتعليمه، ملخصا جميعه من كتب أئمة هذا الشأن الذين صرفوا إليه اعتناءهم،
واستنفذوا فى آناءهم، ككتاب محمد بن إسحاق، الذى تولى عبد الملك بن هشام تهذيبه واختصاره، وكتاب موسى بن عقبة، الذى استحسن الأئمة اقتصاده واقتصاره، وغيرهما من المجموعات التى لا يديم الإنصاف قصد جماعها ولا يذم الاختبار اختياره.ولكنه عظم المعول بحكم الخاطر الأول على كتاب ابن إسحاق، إياه أردت وتجريده من اللغات وكثير من الأنساب والأشعار قصدت، وعلى ترتيبه غالبا جريت، ومنزعه فى أكثر ما يخص المغازى تحريت.فإنه الذى شرب ماء هذا الشأن فأنقع، ووقع كتابه من نفوس الخاص والعام أجل موقع.إلا أنه يتخلله، كما أشرنا إليه قبل، أشياء من غير المغازى تقدح عند الجمهور فى إمتاعه، وتقطع بالخواطر المستجمعة لسماعه.وإن كانت تلك القواطع عريقة فى نسب العلم، وحقيقة بالتقييد والنظم. فسعى أن يكون لها مكان هو بإيرادها أخص، إذ لكل مقام لا يحسن فى غيره الإيراد له والنص.ولذلك نويت فيه أن أحذف ما تخلله من مشبع الأنساب التى ليس احتياج كل الناس إليها بالضرورى الحثيث، ونفيس اللغات المعوق اعتراضها اتصال الأحاديث، حتى لا يبقى إلا الأخبار المجردة، وخلاصة المغازى التى هى فى هذا المجموع المقصودة المعتمدة.ظنا منى أنه إذا أذن الله فى تمامه، وتكفل تعالى بتيسير محاولته وفق المأمول وتقريب مرامه، استأنفت النفوس له قبولا وعليه إقبالا، ولم يزده هذا النقص لدى جمهورهم إلا كمالا.ثم بدا لى أن أزيد على هذا المقدار ما يحسن فى هذا المضمار، وأعوض مما حذفت منه من اللغات والأنساب والأشعار، بما يكون له إن شاء الله مزية الاختيار، ويروق عليه رونق الإيثار، منتقيا ذلك من الدواوين التى طار بها فى الناس طائر الاشتهار، ومتخيرا له من الأماكن التى لا يستقل بحصر فوائدها وانتقاء فرائدها كل مختار.ككتاب ابن عقبة، وقد سميته، فإنه وإن اختصره جدا فقد أحسن العبارة، وأتى مواضع من المغازى حذاها بسطه وحماها اختصاره.وسأضع على كثير منها ميسمه وأرسمها فى هذا المختصر على نحو ما رسمه.
وقد وقفت على كتاب محمد بن عمر الواقدى فى المغازى، ولم يحضرنى الآن، لكنى رأيته كثيرا ما يجرى مع ابن إسحاق، فاستغنيت عنه به لفضل فصاحة ابن إسحاق فى الإيراد، وحسن بيانه الذى لا يفقد معه استحسان الحديث المعاد.وللواقدى أيضا كتاب المبعث، وهو مشبع فى بابه، ممتع باستيفائه واستيعابه، قد نقلت هنا منه جملا، تناسب الغرض المسطور، وتصد المعترض أن يجور.وكذلك كتاب الزبير بن أبى بكر القاضى رحمه الله فى أنساب قريش، وهو كما سمعت شيخنا الخطيب أبا القاسم ابن حبيش رحمه الله يحكى عن شيخه أبى الحسن ابن مغيث أنه كان يقول فيه: هو كتاب عجب لا كتاب نسب.التقطت أيضا من درره نفائس معجبة، وتخيرت من فوائده نخبا لمتخيرها موجبة.ومثله التاريخ الكبير لأبى بكر ابن أبى خيثمة، وناهيك به من بحر لا تكدره الدلاء، وغمر لا ينفذه الأخذ الدراك ولا يستنزفه الورد الولاء.وكم شىء أستحسنه من غير هذه الكتب المسماة فأنظمه فى هذا النظام، وأضطر إلى الإفادة به مساق الكلام. إما متمما لحديث سابق، وإما مفيدا بغرض لما تقدمه مطابق.فإن لم يكن بينهم فى الأحاديث اختلاف يشعر بنقض، فكثيرا ما أدخل حديث بعضهم فى حديث بعض، ليكون المساق أبين والاتساق أحسن.وإن عرض عارض خلاف فالفصل حينئذ أرفع للإشكال وأدفع للمقال.وربما فصلت بين بعض أحاديثهم وإن اشتبهت معانيها، بحسب ما تدعو إليه ضرورة الموضع، أو تحمل على إعادته حلاوة الموقع.وكل ذلك يشهد الله أن المراد فيه بالقصد الأول وجهه الكريم، وإحسانه العميم، ورحمته التى منها شق لنفسه أنه الرحمن الرحيم.ثم القصد الثانى متوفر على إيثار الرغبة فى إيناس الناس بأخبار نبيهم صلى الله عليه وسلم، وعمارة خواطرهم بما يكون لهم فى العاجل والآجل أنفع وأسلم.وقد عم عليه الصلاة والسلام ببركة دعائه سامع حديثه ومبلغه، وقال صلى الله عليه وسلم: «ما أفاد المسلم أفضل من حديث حسن بلغه فبلغه» .ولا أحسن بعد كتاب الله الذى هو أحسن القصص وأصدق القصص، وأفضل
الحصص، وأجلى الأشياء للغصص من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم التى بالوقوف عليها توجد حلاوة الإسلام، ويعرف كيف تمهدت السبل إلى دار السلام.فإنه لا يخلو الحاضرون لهذا الكتاب من أن يسمعوا ما صنع الله لرسوله فى أعداء تنزيله، فيستجزلوا ثواب الفرح بنصر الله، أو يستمعوا ما امتحنه الله به من المحن التى لا يطيق احتمالها إلا نفوس أنبياء الله بتأييد الله، فيعتبروا بعظيم ما لقيه من شدائد الخطوب، ويصطبروا لعوارض الكروب، تأدبا بآدابه، وجريا فى الصبر على ما يصيبهم والاحتساب لما ينوبهم على طريقة صبره واحتسابه.وتلك غايات لن نبلغ عفوها بجهدنا، ولن نصل أدانيها بنهاية ركضنا وشدنا، وإنما علينا بذل الجهد فى قصد الاهتداء، وعلى الله سبحانه المعونة فى الغاية والابتداء.وإذا استوفيت بفضل الله طلق هذا المعنى كما نويت، وبلغت حاجة نفسى منه وقضيت، فلى نية، إن ساعدت المشيئة عليها، فى أن أصل هذا الغرض المتقدم، من ذكر مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بذكر مغازى الخلفاء الثلاثة الأول، رضى الله عنهم، منتحلا على رجاء معونة الله أسبابها، ومنتخلا من كتاب شيخنا الخطيب أبى القاسم، رحمه الله، ومن غيره مما هو فى نحو معناه، صفوها ولبابها، لتنتظم الفائدتان معا، ويكون الخبر عن مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومغازى خلفائه، الذين بهديهم الائتمام، فى مكان واحد مجتمعا.وأرجو بحول الله الذى له الطول وبيده القوة والحول، أن يكون هذا المجموع كافيا فى البابين، وافيا بالغرضين المنتابين، ولذلك ترجمته بكتاب: الاكتفاء بما تضمنه من مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومغازى الخلفاء.وفضله جل جلاله نعم الكفيل أن يجزى به خير الجزاء، ويجعله من عددنا النافعة يوم اللقاء، فهو عز وجهه الملجأ والمعول، وبه أستعين وعليه أتوكل، لا إله إلا هو سبحانه، هو حسبى وإليه أنيب.
ذكر نسب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما وكيف طهره الله نفسا وخيما وشرفه حديثا وقديما وألقى إلى آبائه الأقدمين من الدلائل على اصطفائه إياه فى الآخرين وابتعاثه له رحمة للعالمين ما صيره لديهم قبل وجوده بطوائل السنين معلومافى الصحيح من حديث واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بنى كنانة، واصطفى من بنى كنانة قريشا، واصطفى من قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم» «١» .وفى حديث عن عبد الله بن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لم يزل الله عز وجل ينقلنى من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة، صفيا مهذبا، لا تتشعب شعبتان إلا كنت فى خيرهما» «٢» .وخرج أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذى، من حديث المطلب بن أبى وداعة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على المنبر فقال: «من أنا» ؟ فقالوا: «أنت رسول الله عليك السلام» قال: «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلنى فى خيرهم فرقة، ثم جعلهم فرقتين، فجعلنى فى خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل، فجعلنى فى خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا، فجعلنى فى خيرهم بيتا، وخيرهم نفسا» . وفى رواية:«فأنا خيرهم نفسا، من خيرهم بيتا» «٣» .(١) أخرجه الترمذى (٣٦٠٥) ، الإمام أحمد فى المسند (٤/ ١٠٧) ، الألبانى فى السلسلة الضعيفة (١٦٣) ، الزبيدى فى إتحاف السادة المتقين (٩/ ٨٩) ، السيوطى فى الدر المنثور (٣/ ٢٩٤، ٤/ ٢٧٤) ، ابن أبى شيبة فى المصنف (١١/ ٤٧٨) .(٢) أخرجه السيوطى فى الدر المنثور (٣/ ٢٩٤، ٥/ ٩٨) .(٣) أخرجه الترمذى (١/ ٧٦) باب ما جاء فى فضل النبى، البيهقى فى السنن الكبرى (٧/ ٣٨٧، ٣٨٨، ١٠/ ٥٧) ، الحاكم فى المستدرك (٢/ ٦٤، ٣/ ٢٥٨) ، ابن أبى شيبة فى المصنف (١١/ ٢٠) ، الطبرانى فى الكبير (٧/ ٣٨٣، ١٧/ ١٣٦) ، الهيثمى فى المجمع (١/ ٢٢، -
وصدق صلى الله عليه وسلم، والصدق شيمته، وفوق العالمين طرا قدره الرفيع وقيمته، هو أشرفهم حسبا وأفضلهم نسبا وأكرمهم أما وأبا.هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب «١» بن هاشم- واسمه عمرو- بن عبد مناف- واسمه المغيرة- بن قصى- واسمه زيد- بن كلاب بن مرة بن كعب، ابن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.هذا الصحيح المجتمع عليه فى نسبه، وما فوق ذلك مختلف فيه.ولا خلاف فى أن عدنان من ولد إسماعيل نبى الله، ابن إبراهيم خليل الله، عليهما السلام، وإنما الاختلاف فى عدد من بين عدنان وإسماعيل من الآباء. فمقلل ومكثر.وكذلك من إبراهيم إلى آدم عليهما السلام، لا يعلم ذلك على حقيقته إلا الله.روى عن ابن عباس قال: كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا انتهى إلى عدنان أمسك ثم يقول:«كذب النسابون» ، قال الله تعالى: «وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً» [الفرقان: ٣٨] .ومن عدنان تفرقت القبائل من ولد إسماعيل.فولد عدنان رجلين: معد بن عدنان، وعك بن عدنان.فصارت عك فى دار اليمن، لأن عكا تزوج فى الأشعريين منهم وأقام فيهم، فصارت الدار واللغة واحدة.والأشعريون هم بنو أشعر بن نبت بن أدد بن زيد بن هميسع بن عمرو بن عريب ابن يشجب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان «٢» .وقحطان هو عند جمهور العلماء بالنسب أبو اليمن كلها، وإليه يجتمع نسبها، والعرب كلها عندهم من ولد إسماعيل وقحطان. وبعض اليمن يقول: قحطان من ولد إسماعيل، وإسماعيل أبو العرب كلها. والله أعلم.٤/ ٢٣٨، ٢٤٤، ١٠/ ٣٧٥) ، شرح السنة للبغوى (٣/ ٢٣٩، ٩/ ٢٤٦) ، الزبيدى فى إتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٠٦، ٧/ ١٩٤) ، المتقى الهندى فى الكنز (٢٩٦٨٧) .(١) قال ابن إسحاق فى السيرة: اسم عبد المطلب شيبة بن هاشم. وانظر ذكر نسب النبى فى: السيرة (١/ ٢٣، ٢٤) ، والبداية والنهاية كتاب سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسبه (٢/ ٢٥٧) .(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٧) ذكر نسب ولد إسماعيل.
وأما معد، فذكر الزبير بن أبى بكر رحمه الله، أن بختنصر لما أمر بغزو بلاد العرب وإدخال الجنود عليهم فيها، وقتل مقاتلهم لانتهاكهم معاصى الله، واستحلالهم محارمه وقتلهم أنبياءه، وردهم رسالاته، أمر أرميا بن حلقيا، وكان فيما ذكر نبى بنى إسرائيل فى ذلك الزمان: أن ائت معد بن عدنان الذى من ولده محمد خاتم النبيين، فأخرجه عن بلاده واحمله معك إلى الشام، وتول أمره قبلك.ويقال: بل المحمول عدنان، والأول أكثر.وفى حديث عن ابن عباس، أن الله بعث ملكين، فاحتملا معدا، فلما أدبر الأمر رده فرجع إلى موضعه من تهامة، بعدما دفع الله بأسه عن العرب، فكان بمكة وناحيتها مع أخواله من جرهم، وبها منهم بقية هم ولاة البيت يومئذ، فاختلط بهم وناكحهم.فولد معد بن عدنان نفرا، منهم قضاعة، وكان بكره الذى به يكنى فيما يزعمون، وقنص، ونزار، وإياد.فأما قضاعة فتيامنت إلى حمير بن سبأ وانتمت إلى ابنه مالك بن حمير، حتى قال قائل منهم يفخر بذلك:نحن بنو الشيخ الهجان الأزهر … قضاعة بن مالك بن حميرالنسب المعروف غير المنكر … فى الحجر المنقوش تحت المنبر «١»وأنكر كثير من الناس منتماهم هذا، وجرت بينهم وبين من قال به من القضاعيين فى ذلك أقاويل معروفة وأشعار محفوظة.قال الزبير: ولم يجتمع رأى قضاعة على الانتساب فى اليمن، بل أهل العلم منهم والدين مقيمون على نسبهم فى معد.وأما قنص بن معد، فهلكت بقيتهم فيما زعموا، وكان منهم النعمان بن المنذر ملك الحيرة «٢» .واحتج من قال ذلك بأن عمر- رضى الله عنه- حين أتى بسيف النعمان بن(١) انظر: السيرة (١/ ٢٨) .(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٨) .
المنذر، دعا جبير بن مطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف بن قصى «١» ، فسلحه إياه، ثم قال: ممن كان يا جبير النعمان بن المنذر؟.فقال: كان من أشلاء، قنص بن معد.وكان جبير أنسب قريش لقريش والعرب قاطبة، وكان يقول: إنما أخذت النسب من أبى بكر الصديق.وكان أبو بكر رضى الله عنه، أنسب العرب «٢» .وقد قيل فى نسب النعمان غير ذلك، مما سيأتى ذكره عند تأدية الحديث إليه، إن شاء الله تعالى.وقد ذكر أيضا فى بنى معد الضحاك بن معد.ذكر الزبير بإسناد له إلى مكحول قال: أغار الضحاك بن معد على بنى إسرائيل فى أربعين رجلا من بنى معد، عليهم دراريع الصوف خاطمى خيلهم بحبال الليف، وسبوا وظفروا، فقالت بنو إسرائيل: يا موسى، إن بنى معد أغاروا علينا، وهم قليل، فكيف لو كانوا كثيرا وأغاروا علينا وأنت نبينا؟ فادع الله عليهم.فتوضأ موسى وصلى، وكان إذا أراد حاجة من الله صلى، ثم قال: يا رب إن بنى معد أغاروا على بنى إسرائيل فقتلوا وسبوا وظفروا، وسألونى أن أدعوك عليهم.فقال الله تعالى: يا موسى لا تدع عليهم، فإنهم عبادى، وإنهم ينتهون عند أول أمرى، وإن فيهم نبيا أحبه وأحب أمته.قال: يا رب، ما بلغ من محبتك له؟.قال: أغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.قال: يا رب ما بلغ من محبتك لأمته؟.(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب (١/ ٣٠٣) ، الإصابة ترجمة رقم (١٠٩٤) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٦٩٨) ، نسب قريش (٢٠١) ، طبقات خليفة ترجمة رقم (٤٣) ، التاريخ الكبير (٢/ ٢٢٣) ، المعارف (٤٨٥) ، الجرح والتعديل (٢/ ٥١٢) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (٣٥) ، جمهرة أنساب العرب (١١٦) ، العقد الثمين (٣/ ٤٠٨) .(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٨) .
قال: يستغفرنى مستغفرهم فأغفر له، ويدعونى داعيهم فأستجيب له.قال: يا رب فاجعلهم من أمتى.قال: نبيهم منهم.قال: يا رب فاجعلنى منهم.قال: تقدمت واستأخروا.قال الزبير: وحدثنى على بن المغيرة قال: لما بلغ بنو معد عشرين رجلا أغاروا على عسكر موسى عليه السلام، فدعا عليهم فلم يجب فيهم، ثم أغاروا، فدعا عليهم فلم يجب فيهم، ثلاث مرات.فقال: يا رب، دعوتك على قوم فلم تجبنى فيهم بشىء.فقال: يا موسى، دعوتنى على قوم منهم خيرتى فى آخر الزمان.وأما نزار بن معد، واسمه مشتق من النزر وهو القليل، فيقال: إن أباه معدا لما ولد له نظر إلى نور بين عينيه، ففرح لذلك فرحا شديدا، ونحر وأطعم، وقال: إن هذا كله لنزر فى حق هذا المولود.وما كان الذى رآه إلا نور النبوة، الذى لم يزل ينتقل فى الأصلاب، حتى انتهى إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فطبق الأرض نورا، وهدى الله به من أراد سعادته من عباده، صراطا مستقيما.وكل هذه الأنوار والآثار شاهدة له- عليه السلام بعظيم عناية الله، وكريم المكانة عنده، فلم تزل بركته صلى الله عليه وسلم متعرفة فى آبائه الماضين، وظاهرة على أسلافه الأكرمين، تشير المخايل اللائحة فيهم إليه، وتدل الدلائل الواضحة فى أوليتهم عليه، صلوات الله وبركاته عليه.فولد نزار بن معد: مضر وربيعة وأنمارا وإيادا، وإليه دفع أبوه حجابة الكعبة فيما ذكر الزبير. وأمه سودة بنت عك بن عدنان.وقيل هى أم مضر خاصة، وأم إخوته الثلاثة أختها شقيقة ابنة عك بن عدنان.وقد قيل: إن إيادا شقيق لمضر، أمهما معا سودة.
فإنمار هو أبو بجيلة وخثعم، وقد تيامنت بجيلة إلا من كان منهم بالشام والمغرب، فإنهم على نسبهم إلى أنمار بن نزار.وجرير بن عبد الله «١» صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم من سادات بجيلة وله يقول القائل:لولا جرير هلكت بجيلة … نعم الفتى وبئست القبيلةوكذلك تيامنت الدار أيضا بخثعم، وهم بنو أقيل بن أنمار، وإنما خثعم جبل تحالفوا عنده فسموا به، وهم بالسراة على نسبهم إلى أنمار.وإذا كان بين مضر واليمن فيما هنالك حرب، كانت خثعم مع اليمن على مضر «٢» .ويروى أن نزارا لما حضرته الوفاة، قسم ماله بين بنيه الأربع: مضر وربيعة وإياد وأنمار.فقال: هذه القبة لقبة كانت له حمراء من أدم، وما أشبهها من المال لمضر، وهذا الخباء الأسود وما أشبهه لربيعة، وهذه الخادم، وكانت شمطاء، وما أشبها لإياد. وهذه البدرة والمجلس لأنمار يجلس فيه.وقال لهم: إن أشكل عليكم الأمر فى ذلك واختلفتم فى القسمة، فعليكم بالأفعى الجرهمى. وكان بنجران.فاختلفوا بعده وأشكل أمر القسمة عليهم، فتوجهوا إلى الأفعى. فبينا هم فى مسيرهم إليه إذ رأى مضر كلأ قد رعى، فقال: إن البعير الذى رعى هذا لأعور.فقال ربيعة: وهو أزور. وقال إياد: وهو أبتر. وقال أنمار: وهو شرود.فلم يسيروا إلا قليلا، حتى لقيهم رجل توضع به راحلته، فسألهم عن البعير، فقال له مضر: أهو أعور؟ قال: نعم. قال ربيعة: أهو أزور؟ قال: نعم. قال إياد: أهو أبتر؟ قال نعم. قال أنمار: وهو شرود؟ قال: نعم، هذه والله صفة بعيرى دلونى عليه. فحلفوا له ما(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣٢٦) ، الإصابة الترجمة رقم (١١٣٩) ، أسد الغابة الترجمة (٧٣٠) ، طبقات ابن سعد (٦/ ٢٢) ، طبقات خليفة (١١٦، ١٣٨) ، تاريخ خليفة (٢١٨) ، التاريخ الكبير (٢/ ٢١١) ، الجرح والتعديل (٢/ ٥٠٢) ، تهذيب الكمال (١٩١) ، تاريخ الإسلام (٢/ ٢٧٤) ، العبر (١/ ٥٧) ، تهذيب التهذيب (٢/ ٧٣) ، خلاصة تذهيب الكمال (٦١) ، شذرات الذهب (١/ ٥٧، ٥٨) .(٢) انظر: السيرة (١/ ٧٨) .
رأوه، فلزمهم وقال: كيف أصدقكم وأنتم تصفون بعيرى بصفته!! فساروا حتى قدموا نجران، فنزلوا بالأفعى الجرهمى، فنادى صاحب البعير: بعيرى، وصفوا لى صفته، ثم قالوا: لم نره!فقال لهم الأفعى: كيف وصفتموه، ولم تروه؟فقال له مضر: رأيته يرعى جانبا ويدع جانبا فعرفت أنه أعور.وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة الأثر، فعلمت أنه أفسدها لشدة وطئه لازوراره.وقال إياد: عرفت بتره باجتماع بعره، ولو كان ذيالا لمصع به.وقال أنمار: عرفت أنه شرود، أنه كان يرعى فى المكان المتلف نبته، ثم يجوزه إلى مكان أرق منه وأخبث.قال الشيخ: ليسوا بأصحاب بعيرك، فاطلبه.ثم سألهم من هم؟فأخبروه، فرحب بهم وقال: تحتاجون إلى وأنتم كما أرى!فدعا لهم بطعام، فأكل وأكلوا وشرب وشربوا.فقال مضر: لم أر كاليوم خمرا أجود لولا أنها نبتت على قبر.وقال ربيعة: لم أر كاليوم لحما أطيب لولا أنه ربى بلبن كلبة.وقال إياد: لم أر كاليوم رجلا سرنى لولا أنه ليس لأبيه الذى يدعى له.وقال أنمار: لم أر كاليوم كلاما أنفع فى حاجتنا.وسمع صاحبهم كلامهم، فقال: ما هؤلاء؟! إنهم لشياطين.ثم أتى أمه، فسألها، فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له، فكرهت أن يذهب الملك، فأمكنت رجلا نزل بهم من نفسها، فوطئها، فجاءت به.وقال للقهرمان: الخمر التى شربناها ما أمرها؟قال: من حبلة غرستها على قبر أبيك.
وسأل الراعى عن اللحم، فقال: شاة أرضعناها من لبن كلبة، ولم يكن ولد فى الغنم غيرها. فأتاهم، فقال: قصوا على قصتكم، فقصوا عليه ما أوصى به أبوهم، وما كان من اختلافهم.فقال: ما أشبه القبة الحمراء من مال فهو لمضر. فصارت إليه الدنانير والإبل، وهى حمر، فسميت مضر الحمراء.قال: وما أشبه الخباء الأسود من دابة ومال فهو لربيعة. فصارت له الخيل، وهى دهم، فسمى ربيعة الفرس.قال: وما أشبه الخادم، وكانت شمطاء، من مال فيه بلق، فهو لإياد. فصارت له الماشية البلق. وقضى لأنمار بالدراهم والأرض. فساروا من عنده على ذلك.وكان يقال: مضر وربيعة هما الصريحان من ولد إسماعيل.وروى ميمون بن مهران، عن عبد الله بن العباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسبوا مضر وربيعة فإنهما كانا مسلمين» «١» .وقال صلى الله عليه وسلم فيما روى عنه: «إذا اختلف الناس فالحق مع مضر» «٢» .وسمع عليه السلام قائلا يقول:إنى امرؤ حميرى حين تنسبنى … لا من ربيعة آبائى ولا مضرافقال صلى الله عليه وسلم: «ذلك أبعد لك من الله ومن رسوله» «٣» .ومما يؤثر من حكم مضر بن نزار ووصاياه: من يزرع شرا يحصد ندامة، وخير الخير أعجله، فاحملوا أنفسكم على مكروهها فيما أصلحكم، واصرفوها عن هواها فيما أفسدها، فليس بين الصلاح والفساد إلا صبر فواق.فولد مضر بن نزار رجلين: إلياس بن مضر، وعيلان بن مضر.قال الزبير: وأمهما الحنفاء بنت إياد بن معد.(١) أخرجه ابن حجر فى الفتح (٧/ ١٤٦) ، المتقى الهندى فى الكنز (٢٣٩٨٧) .(٢) أخرجه المتقى الهندى فى الكنز (٣٣٩٨٩) ، ابن حجر فى المطالب العالية (٤١٨٨) ، ابن عدى فى الكامل فى الضعفاء (١٤٥٦) ، ابن أبى شيبة فى المصنف (١٢/ ١٩٨) .(٣) أخرجه أبو داود فى السنن كتاب البيوع باب (٨٨) ، البيهقى فى السنن الكبرى (٦/ ١٧٤) ، الزيلعى فى نصب الراية (٤/ ١٢٨) .