طرح التثريب في شرح التقريب (العراقي) القسم: شروح الحديث الكتاب: طرح التثريب في شرح التقريب (المقصود بالتقريب: تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد) المؤلف: أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي (ت ٨٠٦هـ)أكمله ابنه: أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين الكردي الرازياني ثم المصري، أبو زرعة ولي الدين، ابن العراقي (ت ٨٢٦هـ) الناشر: الطبعة المصرية القديمة - وصورتها دور عدة منها (دار إحياء التراث العربي، ومؤسسة التاريخ العربي، ودار الفكر العربي)عدد المجلدات: ٨[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]«تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد» لزين الدين العراقي، بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - شرحه «طرح التثريب» للمؤلف نفسه، وأكمله ولده ولي الدين العراقيتاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
كِتَابُ الطَّهَارَةِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْمَيْدُومِيُّ وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّطِيفِ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَلِيٍّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ الْعُمَرِيُّ، وَالْمُبَارَكُ بْنُ الْمَعْطُوشِ قَالُوا أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ الْمَدَائِنِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رِبْح الْبَزَّازُ قَالَا: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ هَارُونَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ يَقُولُ: سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْــ[طرح التثريب] [كِتَابُ الطَّهَارَةِ] [حَدِيث إنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ]ِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْمَيْدُومِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّطِيفِ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَلِيٍّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ الْعُمَرِيُّ، وَالْمُبَارَكُ بْنُ الْمَعْطُوشِ قَالُوا أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ الْمَدَائِنِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رِبْح الْبَزَّازُ قَالَا حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ يَقُولُ سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ
هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ» .ــ[طرح التثريب] هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ»فِيهِ فَوَائِدُ:(الْأُولَى) حَدِيثُ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ شَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ فَوَقَعَ بَدَلًا لَهُمَا عَالِيًا بِدَرَجَتَيْنِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَبِي خَلَدٍ الْأَحْمَرِ وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَبِي خَلَدٍ الْأَحْمَرِ. وَابْنِ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَشَرَتُهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ صَحِيحِهِ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ، وَالْإِيمَانِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْهِجْرَةِ وَتَرْكِ الْحِيَلِ، وَالْعِتْقِ، وَالنُّذُورِ، وَمُسْلِمٌ فِي الْجِهَادِ. وَأَبُو دَاوُد فِي الطَّلَاقِ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْجِهَادِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْإِيمَانِ. وَابْنُ مَاجَهْ فِي الزُّهْدِ.(الثَّانِيَةُ) هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَفْرَادِ الصَّحِيحِ لَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلَّا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ وَلَا عَنْ عُمَرَ إلَّا مِنْ رِوَايَةِ عَلْقَمَةَ وَلَا عَنْ عَلْقَمَةَ إلَّا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَلَا عَنْ التَّيْمِيِّ إلَّا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: لَا نَعْلَمُ يُرْوَى هَذَا الْكَلَامُ إلَّا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مُسْنَدًا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلَّا مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ. وَقَالَ حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِنَانِيُّ: لَا أَعْلَمُ رَوَاهُ غَيْرُ عُمَرَ وَلَا عَنْ عُمَرَ غَيْرُ عَلْقَمَةَ وَلَا عَنْ عَلْقَمَةَ غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَلَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ غَيْرُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَتَّابٍ: لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ عُمَرَ وَلَا عَنْ عُمَرَ غَيْرُ عَلْقَمَةَ إلَى آخِرِهِ.(الثَّالِثَةُ) مَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ مِنْ كَوْنِ حَدِيثِ عُمَرَ فَرْدًا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .ــ[طرح التثريب] طُرُقٍ أُخْرَى رَأَيْت ذِكْرَهَا لِلْفَائِدَةِ فَوَقَفْت عَلَيْهِ مُسْنَدًا مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ وَعَلِيٍّ. فَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ رَوَاهُ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ وَابْنُ عَسَاكِرَ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دَاوُد عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْ ابْنِ أَبِي دَاوُد.وَقَوْلُ الْخَطَّابِيِّ: إنَّهُ يُقَالُ: إنَّ الْغَلَطَ إنَّمَا جَاءَ مِنْ قِبَلِ نُوحِ بْنِ حَبِيبٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ ابْنِ أَبِي دَاوُد فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ مِنْ قَائِلِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ نُوحٌ عَنْهُ بَلْ رَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ أَبِي دَاوُد كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ (وَحَدِيثُ) أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ الرَّشِيدُ الْعَطَّارُ فِي بَعْضِ تَخَارِيجِهِ، وَهُوَ وَهْمٌ أَيْضًا.(وَحَدِيثُ) أَنَسٍ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَالْمَحْفُوظُ حَدِيثُ عُمَرَ انْتَهَى. وَالْمَعْرُوفُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى الْأَنْصَارِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ بَيْتِي عَنْ أَنَسٍ فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ أَنَّهُ «لَا عَمَلَ لِمَنْ لَا نِيَّةَ لَهُ» الْحَدِيثَ. (وَحَدِيثُ) عَلِيٍّ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَاسِرٍ الْجَيَّانِيُّ فِي نُسْخَةٍ مِنْ طَرِيقِ أَهْلِ الْبَيْتِ إسْنَادُهَا ضَعِيفٌ. وَأَمَّا مَنْ تَابَعَ عَلْقَمَةَ عَلَيْهِ فَذَكَرَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ أَنَّ مُوسَى بْنَ عُقْبَةَ رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ وَعَلْقَمَةَ. وَأَمَّا مَنْ تَابَعَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ عَلَيْهِ فَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِ نَيْسَابُورَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ أَوْرَدَهُ فِي تَرْجَمَةِ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرِ بْنِ زِيَادٍ وَقَالَ: إنَّهُ غَلِطَ فِيهِ قَالَ، وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ لَا عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ.وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ رَوَاهُ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ، وَأَنَّهُ رَوَاهُ سَهْلُ بْنُ صُقَيْرٍ عَنْ الدَّرَاوَرْدِيِّ وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَأَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَوَهِمَ سَهْلٌ عَلَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ وَغَيْرُهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ.وَرَأَيْت فِي كِتَابِ الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ أَحَادِيثِ النَّاسِ لِلْفَائِدَةِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَنْدَهْ أَنَّهُ رَوَاهُ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ غَيْرَ عُمَرَ، وَأَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ عُمَرَ غَيْرُ عَلْقَمَةَ وَعَنْ عَلْقَمَةَ غَيْرُ التَّيْمِيِّ وَعَنْ التَّمِيمِيِّ غَيْرُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ. وَبَلَغَنِي أَنَّ الْحَافِظَ أَبَا الْحَجَّاجِ الْمِزِّيَّ سُئِلَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .ــ[طرح التثريب] عَنْ كَلَامِ ابْنِ مَنْدَهْ هَذَا فَاسْتَبْعَدَهُ، وَقَدْ تَتَبَّعْت كَلَامَ ابْنِ مَنْدَهْ فَوَجَدْت أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ ذَكَرَ حَدِيثَهُمْ فِي الْبَابِ إنَّمَا لَهُمْ أَحَادِيثُ أُخْرَى فِي مُطْلَقِ النِّيَّةِ لَا هَذَا الْحَدِيثُ بِعَيْنِهِ. كَحَدِيثِ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ وَحَدِيثِ لَيْسَ لَهُ مِنْ غُزَاتِهِ إلَّا مَا نَوَى وَنَحْوِ ذَلِكَ.وَهَكَذَا يَفْعَلُ التِّرْمِذِيُّ حَيْثُ يَقُولُ: وَفِي الْبَابِ عَنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَكَثِيرًا مَا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَحَادِيثَ غَيْرَ الْحَدِيثِ الَّذِي يُسْنِدُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَلَكِنْ بِشَرْطِ كَوْنِهَا تَصْلُحُ أَنْ تُورَدَ فِي ذَلِكَ الْبَابِ، وَهُوَ عَمَلٌ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ إنَّمَا يَفْهَمُونَ إرَادَةَ ذَلِكَ الْحَدِيثِ الْمُعَيَّنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.(الرَّابِعَةُ) أَطْلَقَ بَعْضُهُمْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ اسْمَ التَّوَاتُرِ وَبَعْضُهُمْ اسْمَ الشُّهْرَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فَرْدٌ وَمَنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الِاشْتِهَارَ أَوْ التَّوَاتُرَ فِي آخِرِ السَّنَدِ مِنْ عِنْدِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى آخِرِهِ غَرِيبٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَوَّلِهِ قَالَ: وَلَيْسَ مُتَوَاتِرًا لِفَقْدِ شَرْطِ التَّوَاتُرِ فِي أَوَّلِهِ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَكْثَرُ مِنْ مِائَتِي إنْسَانٍ أَكْثَرُهُمْ أَئِمَّةٌ قُلْت رَوَيْنَا عَنْ الْحَافِظِ أَبِي مُوسَى مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ سَبْعُمِائَةِ رَجُلٍ.(الْخَامِسَةُ) فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ لَطِيفَةٌ حَدِيثِيَّةٌ، وَهُوَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ عَلْقَمَةُ، وَالتَّيْمِيُّ وَيَحْيَى، وَهُوَ كَثِيرٌ وَأَكْثَرُ مَا اجْتَمَعَ التَّابِعُونَ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ سِتَّةُ أَنْفُسٍ أَفْرَدَهُ الْخَطِيبُ بِالتَّصْنِيفِ فِي جُزْءٍ لَهُ، وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ فِي فَضْلِ قِرَاءَةِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.(السَّادِسَةُ) هَذَا الْحَدِيثُ قَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ حَتَّى قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ ثُلُثُ الْعِلْمِ وَقِيلَ رُبْعُهُ وَقِيلَ خُمْسُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ إنَّهُ ثُلُثُ الْعِلْمِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لِأَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ فَالنِّيَّةُ أَحَدُ الْأَقْسَامِ، وَهِيَ أَرْجَحُهَا؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ عِبَادَةً بِانْفِرَادِهَا وَلِذَلِكَ كَانَتْ نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرًا مِنْ عَمَلِهِ وَهَكَذَا أَوَّلَهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِكَوْنِهِ ثُلُثَ الْعِلْمِ مَعْنًى آخَرَ، فَإِنَّهُ قَالَ: أُصُولُ الْإِسْلَامِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ: حَدِيثُ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» وَحَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ «الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ» .وَقَالَ أَبُو دَاوُد اجْتَهَدْت فِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .ــ[طرح التثريب] الْمُسْنَدِ، فَإِذَا هُوَ أَرْبَعَةُ آلَافِ حَدِيثٍ، ثُمَّ نَظَرْت، فَإِذَا مَدَارُهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ: الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ «إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا» ، وَحَدِيثُهُ «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» . هَكَذَا رَوَى ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ عَنْهُ وَرَوَى ابْنُ دَاسَةَ عَنْهُ نَحْوَهُ إلَّا أَنَّهُ أَبْدَلَ حَدِيثَ إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ بِحَدِيثِ «لَا يَكُونُ الْمَرْءُ مُؤْمِنًا حَتَّى لَا يَرْضَى لِأَخِيهِ إلَّا مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ» .وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ مَكَانَ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي تَرَدَّدَ كَلَامُ أَبِي دَاوُد فِيهِ حَدِيثَ «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبّكَ اللَّهُ وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبّكَ النَّاسُ» وَرُوِيَ عَنْ أَبِي دَاوُد أَيْضًا الْفِقْهُ يَدُورُ عَلَى خَمْسَةِ أَحَادِيثَ الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَلَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ. [فَائِدَة مَدْلُول كَلِمَة إنَّمَا فِي حَدِيث إنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ] ١(السَّابِعَةُ) كَلِمَةُ " إنَّمَا " لِلْحَصْرِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ وَمَعْنَى الْحَصْرِ فِيهَا إثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي الْمَذْكُورِ وَنَفْيُهُ عَمَّا عَدَاهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ} [طه: ٩٨] وَلَكِنْ دَلَالَتُهَا عَلَى النَّفْيِ فِيمَا عَدَاهُ هَلْ هُوَ بِمُقْتَضَى مَوْضُوعِ اللَّفْظِ أَوْ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ؟ فِيهِ كَلَامٌ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَاسْتَدَلَّ عَلَى وِفَاقِهِمْ أَنَّهَا لِلْحَصْرِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ فَهِمَهُ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» فَاعْتَرَضَهُ الْمُخَالِفُونَ لَهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ رِبَا الْفَضْلِ وَلَمْ يُعَارِضُوهُ فِيمَا فَهِمَهُ مِنْ الْحَصْرِ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ.وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ عَلَى إثْبَاتِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي الْحَدِيثِ، وَقَدْ رَوَاهُ الْقُضَاعِيُّ فِي مُسْنَدِ الشِّهَابِ دُونَ لَفْظِ إنَّمَا، وَهِيَ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ أَيْضًا، وَإِسْنَادُهَا جَيِّدٌ إلَّا أَنَّ أَبَا مُوسَى الْمَدِينِيَّ قَالَ: لَا يَصِحُّ إسْنَادُهُ يَعْنِي بِدُونِ إنَّمَا.(الثَّامِنَةُ) إذَا تَقَرَّرَ أَنَّهَا لِلْحَصْرِ فَتَارَةً تَقْتَضِي الْحَصْرَ الْمُطْلَقَ، وَهُوَ الْأَغْلَبُ الْأَكْثَرُ وَتَارَةً تَقْتَضِي حَصْرًا مَخْصُوصًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} [الرعد: ٧] وَقَوْلِهِ {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [محمد: ٣٦] فَالْمُرَادُ حَصْرُهُ فِي النِّذَارَةِ لِمَنْ لَا يُؤْمِنُ وَنَفْيُ قُدْرَتِهِ عَلَى مَا طَلَبُوا مِنْ الْآيَاتِ وَأَرَادَ بِالْآيَةِ الثَّانِيَةِ الْحَصْرَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ آثَرَهَا أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ تَغْلِيبِ الْغَالِبِ عَلَى النَّادِرِ. وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ» أَرَادَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى بَوَاطِنِ الْخُصُومِ وَبِالنِّسْبَةِ إلَى جَوَازِ النِّسْيَانِ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَيُفْهَمُ ذَلِكَ بِالْقَرَائِنِ، وَالسِّيَاقِ. [فَائِدَة الْمُرَادُ بِالْأَعْمَالِ فِي حَدِيث إنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ] ١(التَّاسِعَةُ) الْمُرَادُ بِالْأَعْمَالِ هُنَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .ــ[طرح التثريب] أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ كُلِّهَا حَتَّى تَدْخُلَ فِي ذَلِكَ الْأَقْوَالُ، فَإِنَّهَا عَمَلُ اللِّسَانِ، وَهُوَ مِنْ الْجَوَارِحِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَرَأَيْت بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْخِلَافِ خَصَّصَ الْأَعْمَالَ بِمَا لَا يَكُونُ قَوْلًا وَأَخْرَجَ الْأَقْوَالَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: وَفِي هَذَا عِنْدِي بُعْدٌ وَلَا تَرَدُّدَ عِنْدِي فِي أَنَّ الْحَدِيثَ يَتَنَاوَلُ الْأَقْوَالَ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.(الْعَاشِرَةُ) النِّيَّاتُ جَمْعُ نِيَّةٍ، وَالْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ تَشْدِيدُ الْيَاءِ فِي الْجَمْعِ وَحَكَى فِيهِ النَّوَوِيُّ التَّخْفِيفَ، وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ أَيْضًا فِي النِّيَّةِ وَفِي الْعَمَلِ أَيْضًا وَكُلُّهُ فِي الصَّحِيحِ وَاخْتُلِفَ فِي حَقِيقَةِ النِّيَّةِ فَقِيلَ هِيَ الطَّلَبُ وَقِيلَ الْجِدُّ فِي الطَّلَبِ وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: مِنْ يَنْوِ الدُّنْيَا تُعْجِزُهُ أَيْ مَنْ يَجِدُّ فِي طَلَبِهَا وَقِيلَ الْقَصْدُ لِلشَّيْءِ بِالْقَلْبِ وَقِيلَ عَزِيمَةُ الْقَلْبِ، وَقِيلَ هِيَ مِنْ النَّوَى بِمَعْنَى الْبُعْدِ فَكَأَنَّ النَّاوِيَ لِلشَّيْءِ يَطْلُبُ بِقَصْدِهِ وَعَزْمِهِ مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ بِجَوَارِحِهِ وَحَرَكَاتِهِ الظَّاهِرَةِ لِبُعْدِهِ عَنْهُ فَجُعِلَتْ النِّيَّةُ وَسِيلَةً إلَى بُلُوغِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.(الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ حَذْفِ الْمُضَافِ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَقْدِيرِهِ فَاَلَّذِينَ اشْتَرَطُوا النِّيَّةَ قَدَّرُوا صِحَّةَ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ أَوْ مَا يُقَارِبُهُ وَاَلَّذِينَ لَمْ يَشْتَرِطُوهَا قَدَّرُوا كَمَالَ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ أَوْ مَا يُقَارِبُهُ، وَقَدْ رُجِّحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الصِّحَّةَ أَكْثَرُ لُزُومًا لِلْحَقِيقَةِ مِنْ الْكَمَالِ فَالْحَمْلُ عَلَيْهَا أَوْلَى، قَالَ: وَقَدْ يُقَدِّرُونَهُ إنَّمَا اعْتِبَارُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَاضِي الْقُضَاةِ شَمْسُ الدِّينِ السُّرُوجِيُّ أَنَّ التَّقْدِيرَ ثَوَابُهَا لَا صِحَّتُهَا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَطَّرِدُ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَعْمَالِ يُوجَدُ وَيُعْتَبَرُ شَرْعًا بِدُونِهَا، وَلِأَنَّ إضْمَارَ الثَّوَابِ مُنْفَقٌ عَلَى إرَادَتِهِ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ الصِّحَّةِ انْتِفَاءُ الثَّوَابِ دُونَ الْعَكْسِ فَكَانَ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ أَقَلَّ إضْمَارًا فَهُوَ أَوْلَى وَلِأَنَّ إضْمَارَ الْجَوَازِ، وَالصِّحَّةِ يُؤَدِّي إلَى نَسْخِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ وَلِأَنَّ الْعَامِلَ فِي قَوْلِهِ بِالنِّيَّةِ مُقَدَّرٌ بِإِجْمَاعِ النُّحَاةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْأَعْمَالِ؛ لِأَنَّهَا رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ فَيَبْقَى بِلَا خَبَرٍ فَلَا يَجُوزُ فَالْمُقَدَّرُ إمَّا مُجْزِئَةٌ أَوْ صَحِيحَةٌ أَوْ مُثِيبَةٌ (فَمُثِيبَةٌ) أَوْلَى بِالتَّقْدِيرِ لِوَجْهَيْنِ:(أَحَدُهُمَا) أَنَّ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ لَا يَبْطُلُ أَصْلُ الْعَمَلِ وَعَلَى إضْمَارِ الصِّحَّةِ، وَالْإِجْزَاءِ يَبْطُلُ فَلَا يَبْطُلُ بِالشَّكِّ.(الثَّانِي) أَنَّ قَوْلَهُ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى يَدُلُّ عَلَى الثَّوَابِ، وَالْأَجْرِ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَهُ إنَّمَا هُوَ الثَّوَابُ، وَأَمَّا الْعَمَلُ فَعَلَيْهِ انْتَهَى.وَفِيهِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .ــ[طرح التثريب] نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ:(أَحَدُهَا) أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى إضْمَارِ مَحْذُوفٍ مِنْ الصِّحَّةِ أَوْ الْكَمَالِ أَوْ الثَّوَابِ إذْ الْإِضْمَارُ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ حَقِيقَةُ الْعَمَلِ الشَّرْعِيِّ فَلَا يَحْتَاجُ حِينَئِذٍ إلَى إضْمَارٍ وَأَيْضًا فَلَا بُدَّ مِنْ إضْمَارِ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَارُّ، وَالْمَجْرُورُ فَلَا حَاجَةَ لِإِضْمَارِ مُضَافٍ؛ لِأَنَّ تَقْلِيلَ الْإِضْمَارِ أَوْلَى فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ إنَّمَا الْأَعْمَالُ وُجُودُهَا بِالنِّيَّةِ وَيَكُونُ الْمُرَادُ الْأَعْمَالَ الشَّرْعِيَّةَ.(وَالثَّانِي) أَنَّ قَوْلَهُ: إنَّ تَقْدِيرَ الثَّوَابِ أَقَلُّ إضْمَارًا لِكَوْنِهِ يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ الصِّحَّةِ انْتِفَاءُ الثَّوَابِ دُونَ الْعَكْسِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِيهِ تَقْلِيلَ الْإِضْمَارِ؛ لِأَنَّ الْمَحْذُوفَ وَاحِدٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ تَقْدِيرُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى نَفْيِهَا مِنْ نَفْيِ الثَّوَابِ وَوُجُوبِ الْإِعَادَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا نَحْتَاجُ إلَى أَنْ نُقَدِّرَ إنَّمَا صِحَّةُ الْأَعْمَالِ، وَالثَّوَابِ وَسُقُوطِ الْقَضَاءِ مَثَلًا بِالنِّيَّةِ بَلْ الْمُقَدَّرُ وَاحِدٌ، وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ الْوَاحِدِ شَيْءٌ آخَرُ فَلَا يَلْزَمُ تَقْدِيرُهُ.(وَالثَّالِثُ) أَنَّ قَوْلَهُ: إنَّ تَقْدِيرَ الصِّحَّةِ يُؤَدِّي إلَى نَسْخِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْكِتَابَ دَالٌّ عَلَى صِحَّةِ الْعَمَلِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لِكَوْنِ النِّيَّةِ لَمْ تُذْكَرْ فِي الْكِتَابِ فَهَذَا لَيْسَ بِنَسْخٍ وَأَيْضًا فَالثَّوَابُ مَذْكُورٌ فِي الْكِتَابِ عَلَى الْعَمَلِ وَلَمْ تُذْكَرْ النِّيَّةُ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَ ذُكِرَتْ فِيهِ نِيَّةُ الْعَمَلِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: ٥] فَهَذَا هُوَ الْقَصْدُ، وَالنِّيَّةُ، وَلَوْ سَلِمَ لَهُ أَنَّ فِيهِ نَسْخَ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْأُصُولِ.(وَالرَّابِعُ) أَنَّ قَوْلَهُ: إنَّ تَقْدِيرَ الصِّحَّةِ يُبْطِلُ الْعَمَلَ وَلَا يَبْطُلُ بِالشَّكِّ لَيْسَ بِجَيِّدٍ بَلْ إذَا تَيَقَّنَّا شَغْلَ الذِّمَّةِ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ لَمْ نُسْقِطْهُ بِالشَّكِّ وَلَا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ إلَّا بِيَقِينٍ فَحَمْلُهُ عَلَى الصِّحَّةِ أَوْلَى لِتَيَقُّنِ الْبَرَاءَةِ بِهِ.(وَالْخَامِسُ) أَنَّ قَوْلَهُ: إنَّ الَّذِي لَهُ إنَّمَا هُوَ الثَّوَابُ، وَأَمَّا الْعَمَلُ فَعَلَيْهِ، وَالْأَحْسَنُ فِي التَّقْدِيرِ أَنْ لَا يُقَدَّرَ حَذْفُ مُضَافٍ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَلَكِنْ يُقَدَّرُ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَارُّ، وَالْمَجْرُورُ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ إنَّمَا الْأَعْمَالُ وُجُودُهَا بِالنِّيَّةِ، وَنَفْيُ الْحَقِيقَةِ أَوْلَى، وَالْمُرَادُ نَفْيُ الْعَمَلِ الشَّرْعِيِّ، وَإِنْ وَجَدَ صُورَةَ الْفِعْلِ فِي الظَّاهِرِ فَلَيْسَ بِشَرْعِيٍّ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.(الثَّانِيَةَ عَشَرَ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، أَنَّ مَنْ لَمْ يَنْوِ الشَّيْءَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنْ نَوَى شَيْئًا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ غَيْرُهُ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَإِلَى هَذَا يُشِيرُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .ــ[طرح التثريب] قَوْلُهُ: وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ انْتَهَى.وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى أَنَّ التَّشْرِيكَ فِي النِّيَّةِ مُفْسِدٌ لَهَا، وَقَدْ وَرَدَ لِكُلٍّ مِنْ الِاحْتِمَالَيْنِ مَا يُؤَكِّدُهُ فَمِمَّا يُؤَكِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: رَأَيْت رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ، وَالذِّكْرَ مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَا شَيْءَ لَهُ» الْحَدِيثَ، وَفِيهِ إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتَغَى بِهِ وَجْهَهُ.وَيَدُلُّ لِلِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَمْ يَنْوِ إلَّا عِقَالًا فَلَهُ مَا نَوَاهُ» . فَإِتْيَانُهُ بِصِيغَةِ الْحَصْرِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا نَوَى مَعَ الْعِقَالِ شَيْئًا آخَرَ كَانَ لَهُ مَا نَوَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ اخْتَلَفَ كَلَامُ أَصْحَابِنَا فِي مَوَاضِعَ وَحَاصِلُ مَا ذَكَرُوهُ أَنَّ مَنْ نَوَى مَعَ الْفَرْضِ مَا هُوَ حَاصِلٌ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ.(فَمِنْهَا) لَوْ نَوَى الْإِمَامُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَإِعْلَامَ الْقَوْمِ لَمْ يَضُرَّهُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ.(وَمِنْهَا) إذَا قَصَدَ الْمَسْبُوقُ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ التَّحَرُّمَ، وَالْهَوَى لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لَا يَحْصُلُ بِهَا تَكْبِيرَةُ الْهَوَى.(وَمِنْهَا) لَوْ نَوَى الْوُضُوءَ، وَالتَّبَرُّدَ لَمْ يَضُرَّهُ عَلَى الْأَصَحِّ لِحُصُولِ التَّبَرُّدِ بِدُونِ النِّيَّةِ، وَهَذَا إذَا نَوَاهُمَا مَعًا، فَإِنْ طَرَأَتْ نِيَّةُ التَّبَرُّدِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعَ ذِكْرِ النِّيَّةِ لَمْ يَضُرَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لَهَا لَمْ يَصِحَّ مَا بَعْدَ نِيَّةِ التَّبَرُّدِ.(وَمِنْهَا) لَوْ نَوَى الْجُنُبُ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، وَالْجُمُعَةِ مَعًا فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ عَلَى حُصُولِهِمَا، وَهَذَا يَقْتَضِي حُصُولَ غُسْلِ الْجُمُعَةِ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِهِ، وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحَيْنِ وَخَالَفَهُ فِي الْمُحَرَّرِ فَقَالَ يَحْصُلُ الْمَنْوِيُّ فَقَطْ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ عَلَى هَذَا فِي سَائِرِ كُتُبِهِ وَنَقَلَهُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّهُ إذَا نَوَاهُمَا وَقُلْنَا: إنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْجَنَابَةِ لَمْ تَحْصُلْ الْجُمُعَةُ فَقَضَيْته أَنْ لَا يَصِحَّ الْغُسْلُ أَصْلًا وَرُدَّ كَلَامُهُ لِمُخَالَفَتِهِ لِلنَّصِّ.وَمِنْهَا لَوْ نَوَى بِفَرْضِهِ الْفَرْضَ، وَالرَّاتِبَةَ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ دُخُولِ الرَّاتِبَةِ مَعَ الْفَرْضِ لَوْ لَمْ يَنْوِ.(وَمِنْهَا) لَوْ نَوَى الْفَرْضَ، وَالتَّحِيَّةَ حَصَلَا لِحُصُولِ التَّحِيَّةِ بِدُونِهَا.(وَمِنْهَا) لَوْ نَوَى بِخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ الْجُمُعَةَ، وَالْكُسُوفَ لَمْ يَصِحَّ كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ.(وَمِنْهَا) مَا إذَا نَوَى بِقَضَاءِ الْفَائِتَةِ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ فَالْقِيَاسُ عَدَمُ الصِّحَّةِ وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ حُصُولُ الْفَائِتَةِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ.(وَمِنْهَا) أَنْ يَنْوِيَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .ــ[طرح التثريب] صَوْمَ عَاشُورَاءَ مَعَ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ فَالْقِيَاسُ عَدَمُ الصِّحَّةِ وَأَفْتَى شَرَفُ الدِّينِ الْبَارِزِيُّ بِحُصُولِهِ عَنْهُمَا، وَهُوَ مُشْكِلٌ أَمَّا إذَا نَوَى فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ الصِّيَامَ عَنْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ قَضَاءٍ وَأَطْلَقَ فَالْقِيَاسُ حُصُولُ الْفَرْضِ فَقَطْ وَأَفْتَى الْبَارِزِيُّ بِحُصُولِهِمَا، وَهُوَ بَعِيدٌ وَقَالَ صَاحِبُ الْمُهِمَّاتِ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِحَّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُوَ مَرْدُودٌ أَيْضًا بَلْ الصَّوَابُ حُصُولُ الْفَرْضِ فَقَطْ.(الثَّالِثَةَ عَشَرَ) إنْ قِيلَ مَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ: وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى بَعْدَ قَوْلِهِ: إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ هَلْ أَتَى بِهِ لِلتَّأْكِيدِ أَوْ لِلتَّأْسِيسِ؟ قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ: فِيهِ تَحْقِيقٌ لِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ، وَالْإِخْلَاصِ فِي الْأَعْمَالِ انْتَهَى فَجَعَلَهُ لِلتَّأْكِيدِ وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّأْسِيسَ أَوْلَى مِنْ التَّأْكِيدِ، وَذُكِرَ فِي فَائِدَةِ ذَلِكَ وُجُوهٌ:(أَحَدُهَا) مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ: إنَّ فَائِدَتَهُ اشْتِرَاطُ تَعْيِينِ الْمَنْوِيِّ، فَإِذَا كَانَ عَلَى الْإِنْسَانِ صَلَاةٌ مَقْضِيَّةٌ لَا يَكْفِيهِ أَنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ الْفَائِتَةَ بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ كَوْنَهَا ظُهْرًا أَوْ عَصْرًا أَوْ غَيْرَهُمَا، وَلَوْلَا اللَّفْظُ الثَّانِي لَاقْتَضَى الْأَوَّلُ صِحَّةَ النِّيَّةِ بِلَا تَعْيِينٍ.(وَالْوَجْهُ الثَّانِي) مَا ذَكَرَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي أَمَالِيهِ أَنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ الْخَارِجَةَ عَنْ الْعِبَادَةِ قَدْ تُقَيِّدُ الثَّوَابَ إذَا نَوَى بِهَا فَاعِلُهَا الْقُرْبَةَ كَالْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ إذَا نَوَى بِهِمَا الْقُوَّةَ عَلَى الطَّاعَةِ، وَالنَّوْمِ إذَا قَصَدَ بِهِ تَرْوِيحَ الْبَدَنِ لِلْعِبَادَةِ، وَالْوَطْءِ إذَا أَرَادَ بِهِ التَّعَفُّفَ عَنْ الْفَاحِشَةِ كَمَا قَالَ عليه الصلاة والسلام «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» الْحَدِيثَ.(وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ) أَنَّ الْأَفْعَالَ الَّتِي ظَاهِرُهَا الْقُرْبَةُ، وَإِنْ كَانَ مَوْضُوعُ فِعْلِهَا لِلْعِبَادَةِ إذَا فَعَلَهَا الْمُكَلَّفُ عَادَةً لَمْ يَتَرَتَّبْ الثَّوَابُ عَلَى مُجَرَّدِ الْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ صَحِيحًا حَتَّى يَقْصِدَ بِهِ الْعِبَادَةَ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الِاقْتِرَاحِ أَنَّ مِنْ أَحْسَنِ مَا يُقْصَدُ بِسَمَاعِ الْحَدِيثِ كَثْرَةُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِقَصْدِ الْقُرْبَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ فَجَعَلَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَإِنْ كَانَتْ قُرْبَةً أَنَّ فَائِدَتَهَا فِيمَا إذَا قَصَدَ بِهَا الْقُرْبَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَائِدَة اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ لِصِحَّةِ الْعِبَادَةِ](الرَّابِعَةَ عَشَرَ) الْمَعْرُوفُ فِي الرِّوَايَةِ كَسْرُ الرَّاءِ مِنْ قَوْلِهِ لِامْرِئٍ وَعَلَى هَذَا فَإِعْرَابُهُ فِي حَرْفَيْنِ مِنْ آخِرِهِ الرَّاءُ، وَالْهَمْزَةُ تَقُولُ هُوَ امْرُؤٌ جَيِّدٌ بِرَفْعِ الرَّاءِ وَرَأَيْت امْرَأً بِنَصْبِهَا، وَهَذِهِ هِيَ اللُّغَةُ الْفُصْحَى، وَفِيهِ لُغَتَانِ أُخْرَيَانِ فَتْحُ الرَّاءِ مُطْلَقًا حَكَاهَا الْفَرَّاءُ وَضَمُّهَا مُطْلَقًا وَتَكُونُ حَرَكَاتُ الْإِعْرَابِ فِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .ــ[طرح التثريب] الْهَمْزَةِ فَقَطْ، وَهُوَ مُفْرَدٌ لَا جَمْعَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ.(الْخَامِسَةَ عَشَرَ) فِيهِ اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ لِصِحَّةِ الْعِبَادَةِ، وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْعِبَادَةِ الْمَقْصُودَةِ لِعَيْنِهَا الَّتِي لَيْسَتْ وَسِيلَةً إلَى غَيْرِهَا، وَحَكَى أَبُو الْوَلِيدِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رُشْدٍ الْمَالِكِيُّ فِي كِتَابِهِ بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ وَحَكَى الِاخْتِلَافَ فِي الْوُضُوءِ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي أَنَّهُ وَسِيلَةٌ أَوْ مَقْصِدٌ وَحَكَى ابْنُ التِّينِ السَّفَاقِسِيُّ أَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ الْعِبَادَةَ الْمَحْضَةَ مُفْتَقِرَةٌ إلَى النِّيَّةِ، وَالْعِبَادَةَ الْمَفْهُومَةَ الْمَعْنَى غَيْرُ مُفْتَقِرَةٍ إلَى النِّيَّةِ.وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْأَعْمَالَ ضَرْبَانِ:ضَرْبٌ تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِصِحَّتِهِ وَحُصُولِ الثَّوَابِ فِيهِ كَالْأَرْكَانِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِنِيَّةٍ وَكَالْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ، وَالتَّيَمُّمِ وَطَوَافِ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ، وَالْوُقُوفِ مِمَّا اشْتَرَطَ النِّيَّةَ فِيهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَضَرْبٌ لَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِصِحَّتِهِ لَكِنْ تُشْتَرَطُ لِحُصُولِ الثَّوَابِ كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَالْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ وَابْتِدَاءِ السَّلَامِ وَرَدِّهِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَرَدِّهِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَإِمَاطَةِ الْأَذَى وَبِنَاءِ الْمَدَارِسِ، وَالرَّبْطِ، وَالْأَوْقَافِ، وَالْهِبَاتِ، وَالْوَصَايَا، وَالصَّدَقَاتِ وَرَدِّ الْأَمَانَاتِ وَنَحْوِهَا. [فَائِدَة النِّيَّةَ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ] ١(السَّادِسَةَ عَشَرَ) احْتَجَّ بِهِ مَنْ أَوْجَبَ النِّيَّةَ فِي الْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَدَاوُد وَغَيْرِهِمْ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ عَنْ مَالِكٍ وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ النَّظَافَةُ فَأَشْبَهَ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ وَاعْتُرِضَ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهُمْ أَوْجَبُوهَا فِي التَّيَمُّمِ، وَلَيْسَ مَقْصُودًا وَأَجَابُوا بِأَنَّهُ طَهَارَةٌ ضَعِيفَةٌ فَافْتَقَرَ إلَى النِّيَّةِ تَقْوِيَةً لَهُ وَبِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ النِّيَّةَ فِي التَّيَمُّمِ {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: ٤٣] أَيْ اقْصِدُوا، وَهُوَ النِّيَّةُ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ وَاحْتَجَّ أَيْضًا الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ بِتَعْلِيمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْوُضُوءَ لِلْأَعْرَابِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ النِّيَّةَ مَعَ جَهْلِ الْأَعْرَابِيِّ بِأَحْكَامِ الْوُضُوءِ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ وَنَقَضَ عَلَيْهِمْ بِتَعْلِيمِهِ الصَّلَاةَ لِلْأَعْرَابِيِّ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ النِّيَّةَ، وَقَدْ قُلْتُمْ بِوُجُوبِهَا فِي الصَّلَاةِ فَمَا الْفَرْقُ؟ وَإِنَّمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِمَنْ عَلَّمَهُ الْأَفْعَالَ الظَّاهِرَةَ الَّتِي يَقِفُ النَّاظِرُ عَلَى تَرْكِهَا لَوْ تَرَكُوهَا فَأَمَّا الْقَصْدُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .ــ[طرح التثريب] لِلْعِبَادَةِ فَكَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.(السَّابِعَةَ عَشَرَ) فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى الْأَوْزَاعِيِّ فِي ذَهَابِهِ إلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا تَجِبُ لَهُ النِّيَّةُ أَيْضًا كَبَقِيَّةِ الطُّهَارَاتِ وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّهَا وَسَائِلُ وَلَيْسَتْ بِمَقَاصِدَ وَرُدَّ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ لَوْ سَقَطَ فِي الْمَاءِ غَافِلًا عَنْ كَوْنِهِ جُنُبًا أَنَّهُ لَا تَرْتَفِعُ جَنَابَتُهُ قَطْعًا فَلَوْلَا وُجُوبُ النِّيَّةِ لَمَا تَوَقَّفَ صِحَّةُ غُسْلِهِ عَلَيْهَا، وَهُوَ وَاضِحٌ.(الثَّامِنَةَ عَشَرَ) احْتَجَّ بِهِ لِمَنْ أَوْجَبَ النِّيَّةَ فِي غُسْلِ النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ وَاجِبٌ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيُحْكَى عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ فِيمَا حَكَاهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ انْتَهَى.وَحَكَى ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَوَائِدِ الرِّحْلَةِ وَجْهًا ثَالِثًا أَنَّهَا تَجِبُ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الَّتِي عَلَى الْبَدَنِ دُونَ الثَّوْبِ لِإِمْكَانِ صَلَاتِهِ فِي غَيْرِهِ، وَقَدْ رُدَّ ذَلِكَ بِحِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ فَقَدْ حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي وَالْبَغَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ أَنَّ النِّيَّةَ لَا تُشْتَرَطُ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ عِنْدِي لَا يَصِحُّ النَّقْلُ عَنْهُمَا أَيْ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالصُّعْلُوكِيِّ، وَإِنَّمَا لَمْ يَشْتَرِطُوا النِّيَّةَ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ التُّرُوكِ فَصَارَ كَتَرْكِ الْمَعَاصِي، وَقَدْ يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ بِأَنَّ الصَّوْمَ مِنْ بَابِ التُّرُوكِ أَيْضًا؛ وَلِهَذَا لَا يَبْطُلُ بِالْعَزْمِ عَلَى قَطْعِهِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ فِيهِ. [فَائِدَة الْكَافِر إذَا أَجْنَبَ أَوْ أَحْدَثَ فَاغْتَسَلَ أَوْ تَوَضَّأَ ثُمَّ أَسْلَمَ] ١(التَّاسِعَةَ عَشَرَ) اُحْتُجَّ بِهِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَهَابِهِ إلَى أَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَجْنَبَ أَوْ أَحْدَثَ فَاغْتَسَلَ أَوْ تَوَضَّأَ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إعَادَةُ الْغُسْلِ، وَالْوُضُوءِ عَلَيْهِ، وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَخَالَفَ الْجُمْهُورُ فِي ذَلِكَ فَقَالُوا: تَجِبُ إعَادَةُ الْغُسْلِ، وَالْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ وَبَعْضُهُمْ يُعَلِّلُهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ النِّيَّةِ. [فَائِدَة نِيَّةُ الزَّوْجِ إذَا غَسَّلَ زَوْجَتَهُ الْمَجْنُونَةَ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ](الْفَائِدَةُ الْعِشْرُونَ) اُحْتُجَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ النِّيَّةُ إذَا غَسَّلَ زَوْجَتَهُ الْمَجْنُونَةَ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ الذِّمِّيَّةَ إذَا امْتَنَعَتْ فَغَسَّلَهَا الزَّوْجُ، وَهُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ كَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي التَّحْقِيقِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَجْنُونَةِ.وَأَمَّا الذِّمِّيَّةُ الْمُمْتَنِعَةُ فَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَجْنُونَةِ بَلْ قَدْ جَزَمَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ فِي غُسْلِ الذِّمِّيَّةِ لِزَوْجِهَا الْمُسْلِمِ أَنَّ الْمُسْلِمَ هُوَ الَّذِي يَنْوِي وَلَكِنَّ الَّذِي صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي التَّحْقِيقِ فِي الذِّمِّيَّةِ غَيْرِ الْمُمْتَنِعَةِ اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ عَلَيْهَا نَفْسِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَائِدَة عَدَمُ صِحَّةِ وُضُوءِ الْمُرْتَدِّ وَغُسْلِهِ وَتَيَمُّمِهِ] ١(الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وُضُوءُ الْمُرْتَدِّ وَلَا غُسْلُهُ وَلَا تَيَمُّمُهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ، وَالنِّيَّةِ، وَقَدْ ادَّعَى النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ نَفْيَ الْخِلَافِ فِيهِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .ــ[طرح التثريب] وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي وَجْهًا فِي صِحَّةِ غُسْلِهِ وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ حِكَايَةُ وَجْهٍ عَنْ النِّهَايَةِ فِي صِحَّةِ غُسْلِهِ وَوُضُوئِهِ أَيْضًا وَفِي الْجَوَاهِرِ لِلْقَمُولِيِّ حِكَايَةُ وَجْهٍ فِي صِحَّتِهِمَا وَصِحَّةِ تَيَمُّمِهِ أَيْضًا. [فَائِدَة اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ لِسُجُودِ التِّلَاوَةِ] ١(الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ) فِيهِ اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ لِسُجُودِ التِّلَاوَةِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَخَالَفَ فِيهِ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يُوجِبْ النِّيَّةَ فِيهِ. [فَائِدَة النِّيَّة عَلَى غَاسِلِ الْمَيِّتِ](الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ عَلَى الْغَاسِلِ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ وَغُسْلٌ وَاجِبٌ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ نَصُّ الشَّافِعِيِّ عَلَى وُجُوبِ غُسْلِ الْغَرِيقِ، وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي إصَابَةُ الْمَاءِ لَهُ وَلَكِنَّ أَصَحَّ الْوَجْهَيْنِ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ أَنَّهُ لَا تَجِبُ النِّيَّةُ عَلَى الْغَاسِلِ وَنَسَبَ فِي الشَّرْحِ تَصْحِيحَهُ لِلْقَاضِي الرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا هِيَ عَلَى الْمُغْتَسِلِ، وَالْمَيِّتِ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ وَلِأَنَّ مَقْصُودَهُ النَّظَافَةُ وَيُشْكِلُ بِوُجُوبِ غُسْلِ الْغَرِيقِ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِغُسْلِهِ فَلَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ إلَّا بِغُسْلِنَا. [فَائِدَة الْمُتَوَضِّئَ إذَا لَمْ يَنْوِ الْوُضُوءَ إلَّا عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ] ١(الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ إذَا لَمْ يَنْوِ الْوُضُوءَ إلَّا عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ثَوَابُ مَا فَعَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ مِنْ الْمَضْمَضَةِ، وَالِاسْتِنْشَاقِ وَغَسْلِ الْكَفَّيْنِ، وَالتَّسْمِيَةِ، وَالسِّوَاكِ لِخُلُوِّ ذَلِكَ عَنْ النِّيَّةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَبِهِ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ.وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إلَى حُصُولِ ثَوَابِ السُّنَنِ لِانْعِطَافِ النِّيَّةِ عَلَى بَقِيَّةِ الْعِبَادَةِ كَصِيَامِ التَّطَوُّعِ عَلَى مَا سَيَأْتِي وَاسْتَثْنَى الْقَمُولِيُّ فِي الْجَوَاهِرِ مِمَّا يَحْصُلُ ثَوَابُهُ مِنْ السُّنَنِ التَّسْمِيَةَ وَلَك أَنْ تَقُولَ إنْ أَرَادَ حُصُولَ ثَوَابِ الذِّكْرِ لَا بِقَيْدِ ثَوَابِهِ عَلَى فَعَلِهَا فِي الْوُضُوءِ فَهُوَ كَذَلِكَ وَلَا يُرَدُّ ذَلِكَ عَلَى الرَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَفَى حُصُولَ ثَوَابِ سُنَنِ الْوُضُوءِ، وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى السِّوَاكُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ مُطْلَقًا لَكِنْ لَا يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ السِّوَاكِ فِي الْوُضُوءِ، وَإِنْ أَرَادَ الْقَمُولِيُّ حُصُولَ ثَوَابِ التَّسْمِيَةِ بِقَيْدِ كَوْنِهَا مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ فَمَمْنُوعٌ لِقَوْلِهِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، وَهُوَ لَمْ يَنْوِ الْوُضُوءَ قَبْلَ مَا فَعَلَهُ مِنْ السُّنَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَائِدَة فَعَلَ فِي الصَّلَاةِ مَا ينافى الْفَرْضِيَّة فَهَلْ تَصِحّ نفلا] ١(الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ نَوَى صَلَاةَ فَرْضٍ، ثُمَّ بَطَلَ فَرْضُهُ لِإِتْيَانِهِ بِمَا يُنَافِي الْفَرْضِيَّةَ دُونَ النَّفْلِيَّةِ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ نَفْلًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ بِصَلَاتِهِ النَّافِلَةَ فَلَا يَحْصُلُ لَهُ مَا لَمْ يَنْوِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَمَّا إذَا نَوَى فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ انْقِلَابَهَا نَفْلًا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ أَوْ لِغَيْرِ
[مُقَدِّمَة الْكتاب]بسم الله الرحمن الرحيموَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ رحمه الله، وَنَفَعَنَا بِعِلْمِهِ وَتَأْلِيفِهِ وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَــ[طرح التثريب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَيَّنَ أَحْكَامَ الْمِلَّةِ السُّنِّيَّةِ، وَزَيَّنَ أَعْلَامَ الْجُلَّةِ السُّنِّيَّةِ، وَبَصَّرَهُمْ بِمَا آتَاهُمْ مِنْ الْآثَارِ النَّبَوِيَّةِ، وَنَصَرَهُمْ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ مِنْ الْأَشْرَارِ الْحَشْوِيَّةِ، أَشْكُرُهُ عَلَى أَيَادٍ حَارِيَةٍ وَحَفِيَّةٍ، وَأَسْتَغْفِرُهُ لِمَسَاوِئَ بَادِيَةٍ وَخَفِيَّةٍ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْمُتَوَحِّدُ بِالْبَقَاءِ فِي الْأَزَلِيَّةِ، الْمُنْفَرِدُ بِالْكِبْرِيَاءِ وَالْجَبْرِيَّةِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي دَعَانَا إلَى الْمِلَّةِ الزَّهْرَاءِ الْحَنِيفِيَّةِ، وَتَرَكَنَا عَلَى مَحَجَّةٍ بَيْضَاءَ نَقِيَّةٍ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ ذَوِي الْمَقَادِرِ الْعَلِيَّةِ، وَالْمَآثِرِ الْجَلِيَّةِ.(وَبَعْدُ) فَلَمَّا أَكْمَلْت كِتَابِي الْمُسَمَّى بِتَقْرِيبِ الْأَسَانِيدِ وَتَرْتِيبِ الْمَسَانِيدِ وَحَفِظَهُ ابْنِي أَبُو زُرْعَةَ الْمُؤَلَّفُ لَهُ وَطَلَبَ حَمْلَهُ عَنِّي جَمَاعَةٌ مِنْ الطَّلَبَةِ الْحَمَلَةِ، سَأَلَنِي جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابَةِ شَرْحٍ لَهُ يُسَهِّلُ مَا عَسَاهُ يَصْعُبُ عَلَى مَوْضُوعِ الْكِتَابِ، وَيَكُونُ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْإِيجَازِ وَالْإِسْهَابِ، فَتَعَلَّلْتُ بِقُصُورٍ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ عَنْ ذَلِكَ، وَبِقِلَّةِ الْكُتُبِ الْمُعِينَةِ عَلَى مَا هُنَالِكَ، ثُمَّ رَأَيْت أَنَّ الْمُسَارَعَةَ إلَى الْخَيْرِ أَوْلَى وَأَجَلُّ، وَتَلَوْت {فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} [البقرة: ٢٦٥] ، وَلِمَا ذَكَرْته مِنْ قِصَرِ الزَّمَانِ وَقِلَّةِ الْأَعْوَانِ، سَمَّيْته طَرْحَ التَّثْرِيبِ فِي شَرْحِ التَّقْرِيبِ، فَلْيَبْسُطْ النَّاظِرُ فِيهِ عُذْرًا وَلِيَقْتَنِصْ عَرُوسَ فَوَائِدِهِ عُذْرًا، وَاَللَّهُ الْمَسْئُولُ فِي إكْمَالِهِ وَإِتْمَامِهِ وَحُصُولِ النَّفْعِ بِهِ وَدَوَامِهِ، إنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْأَحْكَامَ لِإِمْضَاءِ عِلْمِهِ الْقَدِيمِ، وَأَجْزَلَ الْإِنْعَامَ لِشَاكِرِ فَضْلِهِ الْعَمِيمِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْبَرُّ الرَّحِيمُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمَبْعُوثُ بِالدَّيْنِ الْقَوِيمِ، الْمَنْعُوتُ بِالْخُلُقِ الْعَظِيمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِــ[طرح التثريب] وَرَأَيْت أَنْ أُقَدِّمَ قَبْلَ شَرْحِ مَقْصُودِ الْكِتَابِ مُقَدِّمَةً فِي تَرَاجِمِ رِجَالِ إسْنَادِهِ، وَرَأَيْت أَنْ أَضُمَّ إلَيْهِمْ مَنْ ذُكِرَ اسْمُهُ فِي بَقِيَّةِ الْكِتَابِ لِرِوَايَةِ حَدِيثٍ أَوْ كَلَامٍ عَلَيْهِ، أَوْ لِذِكْرِهِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ لِعُمُومِ الْفَائِدَةِ بِذَلِكَ، وَهَذَا حِينَ أَشْرَعُ فِي الْكَلَامِ عَلَى خُطْبَةِ الْأَحْكَامِ (وَقَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْأَحْكَامَ لِإِمْضَاءِ عِلْمِهِ الْقَدِيمِ) الْمُرَادُ بِالْأَحْكَامِ هُنَا أَعَمُّ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، إذْ السُّنَّةُ فِي هَذَا التَّأْلِيفِ هِيَ الْمَقْصُودَةُ وَوَصْفُ السُّنَّةِ بِالْإِنْزَالِ صَحِيحٌ، فَقَدْ كَانَ الْوَحْيُ يَنْزِلُ بِهَا كَمَا يَنْزِلُ بِالْقُرْآنِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي الرَّجُلِ الَّذِي أَحْرَمَ لِعُمْرَةٍ، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِخَلُوقٍ فَنَزَلَ الْوَحْيُ فِي ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ مِنْ قَوْلِهِ: «مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ» الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ، وَرَوَيْنَا فِي كِتَابِ السُّنَنِ لِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا إنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ» الْحَدِيثَ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه: السُّنَّةُ وَحْيٌ يُتْلَى.(وَاللَّامُ) فِي قَوْلِهِ لِإِمْضَاءٍ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْعَاقِبَةِ وَلَا مَانِعَ مِنْ التَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ لَوْ لَمْ تَنْزِلْ لَمَا عُذِّبَ الْكَافِرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} [الإسراء: ١٥] فَكَانَ نُزُولُ الْأَحْكَامِ سَبَبًا لِبَيَانِ الطَّائِعِ وَالْعَاصِي، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا تُعَلَّلُ أَفْعَالُهُ، فَالْمُرَادُ أَنَّهَا لَا تُعَلَّلُ بِالْغَرَضِ لِغِنَاهُ عَنْ جَلْبِ النَّفْعِ وَدَفْعِ الضُّرِّ.وَأَمَّا التَّعْلِيلُ بِمَعْنَى إبْدَاءِ الْحِكْمَةِ فَلَا مَانِعَ مِنْهُ، وَقَدْ عَلَّلَ هُوَ سُبْحَانَهُ أَفْعَالَهُ لِقَوْلِهِ