تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم (ابن القيم) القسم: شروح الحديث الكتاب: تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٢٩)]المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٥٩ - ٧٥١)جـ ١: تحقيق (علي بن محمد العمران)، راجعه (جديع بن جديع الجديع - عبد الرحمن بن صالح السديس)جـ ٢، ٣: تحقيق (نبيل بن نصار السندي)، راجعه (محمد أجمل الإصلاحي - عمر بن سَعدِي) الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت) الطبعة: الثانية، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)عدد الأجزاء: ٣قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
تهذيبُ سننِ أبي داودوإيضاحُ علله ومشكلاته تأليفالإمام العلامة محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية(٦٩١ - ٧٥١) رحمه الله تعالى المجلد الثانيتحقيقنبيل بن نصار السِّنْدي
بسم الله الرحمن الرحيم{رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا}قال الشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمد ابن قيِّم الجوزية الحنبلي غفر الله له:الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ربّ العالمين وإله المرسلين.وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، المبعوثُ رحمةً للعالمين، ومحجَّةً للسالكين، وحُجةً على جميع المكلّفين. فرَّق الله برسالته بين الهدى والضلال، والغي والرشاد، والشك واليقين، فهو الميزان الراجح الذي على أقواله وأعماله وأخلاقه تُوزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعته والاقتداء به يتميّز أهلُ الهدى من أهل الضلال.أرسله على حين فترةٍ من الرسل، فهدى به إلى أقْوَم الطرُق وأوضح السُّبُل، وافترض على العباد طاعتَه ومحبَّتَه وتعزيرَه وتوقيرَه والقيامَ بحقوقه، وأغلق دون جنته الأبوابَ، وسدَّ إليها الطرقَ فلم يفتح لأحدٍ(١) إلا من طريقه، فيشرح(٢) له صدرَه، ورفعَ له ذكرَه، ووضع عنه وزرَه، وجعل الذلَّةَ والصَّغَار على من خالف أمرَه.(١) "لأحدٍ" سقطت من ط. الفقي.(٢) كذا في الأصل و (ش، هـ)، والأنسب للسياق "فشرح".
هدى به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة، وأرشد به من الغيّ. وفتحَ به أعْينًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلفًا؛ فبلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصَحَ الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد. لا يردُّه عنه رادّ ولا يصدُّه عنه صادّ، حتى سارت دعوتُه مسيرَ الشمس في الأقطار، وبلغ دينُه القيِّم ما بلغ الليلُ والنهار. فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين صلاةً دائمةً على تعاقب الأوقات والسنين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.أما بعد، فإن أولى ما صُرِفت إليه العناية، وجرى المتسابقون في ميدانه إلى أفضل غاية، وتنافس فيه المتنافسون، وشمَّر إليه العاملون: العلمُ الموروث عن خاتم المرسلين ورسولِ رب العالمين، الذي لا نجاة لأحدٍ إلا به، ولا فلاح له في دارَيه إلا بالتعلّق بسببه، الذي من ظفِر به فقد فاز وغَنِم، ومن صُرِف عنه فقد خَسِر وحُرِم؛ لأنه قُطبُ السعادة الذي مدارها عليه، وآخيةُ الإيمانِ الذي مرجعه إليه، فالوصول إلى الله وإلى رضوانه بدونه مُحال، وطلب الهدى من غيره هو عين [ق ٢] الضلال.وكيف يوصَل إلى الله من غير الطريق التي جعلها هو سبحانه موصلةً إليه، ودالَّةً لمن سلك فيها عليه، وبعث رسولَه بها مناديًا، وأقامَه على أعلامها داعيًا، وإليها هاديًا؟! فالباب عن السالك في غيرها مسدود، وهو عن طريق هداه وسعادته مصدود، بل كلما ازداد كدحًا واجتهادًا، ازداد من الله طردًا وبِعادًا(١)؛ ذلك بأنه صدَفَ عن الصراط المستقيم، وأعرض عن المنهج القويم، ووقف مع آراء الرجال، ورضي لنفسه بكثرة القيل والقال،(١) كذا في الأصل و (هـ)، وهو مصدر بمعنى المباعدة، ويأتي بمعنى اللعن. وجاء في ش والمطبوعات: "وإبعادًا".
وأخلد إلى أرض التقليد، وقنع أن يكون عيالًا على أمثاله من العبيد؛ لم يسلك من سبل العلم مناهجَها، ولم يرتَقِ في درجاته معارجَها، ولا تألَّقت في خَلَده أنوارُ بوارقه، ولا بات قلبُه يتقلّب بين رياضه وحدائقه، لكنه ارتضع من ثدي من لم يَطْهُر بالعصمة لَبانُه، وورد مشربًا آجنًا طالما كدّره قلبُ الوارد ولسانُه، تضجّ منه الفروج والدماء والأموال إلى من حلَّل الحلالَ وحرّم الحرام، وتعجّ منه الحقوق إلى مُنزِل الشرائع والأحكام.فحقٌّ على من كان في سعادة نفسه ساعيًا، وكان قلبه حيًّا واعيًا، أن يَرغب بنفسه عن أن يجعل كدَّه وسَعْيه في نُصرة من لا يملك له ضرًّا ولا نفعًا، وأن لا ينزلها في منازل الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.فإنَّ لله(١) يومًا يخسر فيه المبطلون، ويربح فيه المُحِقُّون، {يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [الفرقان: ٢٧]، {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [الإسراء: ٧١]. فما ظنُّ مَن اتخذ غيرَ الرسول إمامَه، ونبذَ سنَّتَه وراء ظهره وجعل خواطرَ الرجال وآراءَها بين عينيه وأمامَه، فسيعلم يومَ العرضِ أيَّ بضاعةٍ أضاع، وعند الوزن ماذا أحضرَ مِن الجواهر أو خُرْثيّ المتاع(٢)!(١) تحرفت في ط المعارف إلى: "بعد"!(٢) خُرْثيّ المتاع: سَقَط المتاع.
فصلولما كان كتاب "السنن" لأبي داود سليمان بن الأشعث السِّجِستاني رحمه الله من الإسلام بالموضع الذي خصَّه الله به، بحيث صار حَكَمًا بين أهل الإسلام، وفصلًا في موارد النزاع والخصام، فإليه يتحاكم المنصفون، وبحكمه يرضى المحقّون(١)؛ فإنه جَمَع شمل أحاديث الأحكام، ورتَّبها أحسن ترتيب، ونَظَمها أحسن نظام، مع انتقائها أحسن انتقاء، واطّراحه منها أحاديثَ المجروحين والضعفاء.وكان الإمام العلامة الحافظ: زكيُّ الدين أبو محمد عبد العظيم المُنذريّ رحمه الله تعالى قد أحسن في اختصاره وتهذيبه، وعزو أحاديثه، وإيضاح علله وتقريبه، فأحسن حتى لم يكد يدع للإحسان موضعًا، وسَبَق حتى جاء مَن خَلْفه له تبعًا= جعلتُ(٢) كتابَه من أفضل الزاد، واتخذته ذخيرة ليوم المعاد.فهذَّبتُه نحو ما هذَّب هو به الأصل، وزدْتُ عليه من الكلام على عللٍ سكت عنها أو لم يكملها(٣)، والتعرُّضِ إلى تصحيح أحاديثَ لم يصححها، والكلامِ على متون مشكلة لم يفتَحْ مقفَلَها، وزيادةِ أحاديثَ صالحةٍ في الباب لم يشر إليها، وبَسْطِ الكلام على مواضع جليلة لعل الناظر المجتهد لا يجدها في كتاب سواه، فهي جديرة بأن تُثْنى عليها الخناصر، ويُعَضّ عليها بالنواجذ.(١) كذا في الأصل و (هـ)، وفي ط. الفقي: "المحققون".(٢) كتب في الأصل تحت هذه الكلمة بخط أصغر "جواب لما". يعني التي في أول الفصل.(٣) قرأها في ش: "يحملها" ولم يصب.
وإلى الله الرغبةُ أن يجعله خالصًا لوجهه، موجِبًا لمغفرته، وأن ينفع به مَن كَتَبه أو قرأه أو نظر فيه أو استفاد منه. فأنا أبرأ إلى الله من التعصُّب والحميّة، وجَعْلِ سنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم رافعةً لآراء الرجال، منزَّلة عليها، مَسُوقةً إليها. كما(١) أبرأ إليه من الخطأ والزور والسهو. والله سبحانه عند لسان كلِّ قائل وقلبه، وما توفيقي إلا بالله، وعليه توكَّلت وإليه أُنيب.* * *(١) كذا في (هـ)، وهي غير محرّرة في الأصل وساقطة من (ش).
كتاب الطهارة١ - بابُ الرُّخصة(١)١/ ١٢ - وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نهى نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبلَ القبلةَ ببولٍ، فرأيته قبل أن يُقبضَ بعام يستقبلها.وأخرجه الترمذي وابن ماجه(٢). وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ غريب(٣).قال ابن القيم رحمه الله: وقال الترمذيّ: سألتُ محمدًا عن هذا الحديث، فقال: حديث صحيح(٤).(١) قبله في "مختصر السنن": (١/ ١٦): باب كراهة استقبال القبلة عند الحاجة.(٢) أخرجه أبو داود (١٣)، والترمذي (٩)، وابن ماجه (٣٢٥).(٣) تنبيه: جرى المجرّد للكتاب على ذكر طرفٍ من كلام المنذري، ثم يتبعه بكلام ابن القيم على الحديث مصدّرًا له بقوله: "قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله … " أو "قال الشيخ شمس الدين" أو "قال المذيّل" ونحوها، فرأينا أن نسوق الأحاديث وكلام المنذري في الباب بخط مميّز حتى يُعرف سياق الكلام وما هي الأحاديث التي علق عليها المؤلف، ويعرف كلام المنذري الذي أيّده أو تعقبه، واكتفينا بعبارة "قال ابن القيم رحمه الله " عند بداية كلامه. وقد ذكرنا هذا في المقدمة وأسبابه تفصيلًا، وهذه إشارة لابدّ منها في هذا الموضع تغني عن الإشارة إلى ذلك في كل موضع.(٤) نقل المصنف هذا القول عن الترمذي في "زاد المعاد": (٢/ ٣٨٥) من "العلل"، وليس في المطبوع من "العلل": (١/ ٨٧) قوله: "حديث صحيح". وقد نقله كما نقله المؤلف البيهقيُّ في "الخلافيات": (٢/ ٦٨)، وعبدُ الحق في "الأحكام الكبرى": (١/ ٣٦٥)، والزيلعي في "نصب الراية": (٢/ ١٠٥)، وابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق": (١/ ١٥١). فالظاهر أنه سقط من نسخة العلل شيء، وهذا ما استظهره مغلْطاي في "شرح ابن ماجه": (١/ ١٢٠) إذ وقع في نسخته من العلل كما وقع في نسختنا. والله أعلم.
وقد أعلّ ابنُ حزم حديثَ جابر بأنه عن أبان بن صالح، وهو مجهول، ولا يحتج برواية مجهول(١).قال ابن مُفَوّز(٢): أبان بن صالح مشهور ثقة صاحب حديث، وهو أبان بن صالح بن عُمَير، أبو محمد القرشي، مولى [ق ٣] لهم، المكي، روى عنه ابن جُريج، وابن عجلان، وابن إسحاق، وعبيد الله بن أبي جعفر. استشهد بروايته البخاري في "صحيحه"(٣) عن مجاهد والحسن بن مسلم وعطاء. وثَّقه يحيى بن معين، وأبو حاتم وأبو زُرعة الرَّازيان، والنسائي(٤). وهو والدُ محمد بن أبان بن صالح بن عُمير الكوفي، الذي روى عنه أبو الوليد، وأبو داود الطيالسي، وحسين الجُعْفي وغيرهم. وجدُّ أبي عبد الرحمن مُشْكُدانة، شيخ مسلم، وكان حافظًا.(١) في "المحلى": (١/ ١٩٨) لما ذكر هذا الحديث قال: أبان بن صالح ليس بالمشهور. وقال الحافظ ابن حجر بعد نقل تضعيف ابن عبد البر لأبان بن صالح، وكلام ابن حزم فيه: "وهذه غفلة منهما وخطأ تواردا عليه، فلم يضعّف أبان هذا أحدٌ قبلهما … " اهـ. من "تهذيب التهذيب": (١/ ٨٢). وانظر"التلخيص الحبير": (١/ ١١٤).(٢) هو: أبو بكر محمد بن حيدرة المعافري الشاطبي، من حفّاظ الحديث (ت ٥٠٥). له ردّ على المحلى لابن حزم، نقل منه ابن الملقن في "البدر المنير": (١/ ٢٩١، ٦٨٤، ٢/ ٦٢٣)، ولعلّ هذا النقل منه. ترجمته في "الصلة": (٢/ ٥٣٧)، و"السير": (١٩/ ٤٢١).(٣) وهي بالأرقام: (٨٩٨، ١٣٤٩، ٤٢٥٩) تباعًا.(٤) ترجمته في "تهذيب الكمال": (١/ ٩٣)، و"تهذيب التهذيب": (١/ ٨٢).
وأما الحديث؛ فإنه انفرد به محمد بن إسحاق، وليس هو ممن يحتجّ به في الأحكام(١)، فكيف أن يُعارَض بحديثه الأحاديث الصحاح أو يُنسَخ به السنن الثابتة؟ مع أن التأويل في حديثه ممكن، والمخرج منه مُعرَض. تم كلامه(٢).وهو ــ لو صح ــ حِكايةُ فِعْلٍ لا عمومَ لها، ولا يُعلَم هل كان في فضاء أو بنيان؟ وهل كان لعذر من ضيق مكان ونحوه، أو اختيارًا؟ فكيف يقدّم على النصوص الصحيحة الصريحة بالمنع؟فإن قيل: فهب أن هذا الحديث معلول، فما يقولون في حديث عِراك عن عائشة: ذُكِر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسًا يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلةَ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَوَ قَدْ فعلوها؟! استقْبِلوا بمَقْعَدتي القبلة"(٣).فالجواب: أن هذا حديثٌ لا يصح، وإنما هو موقوف على عائشة. حكاه الترمذي في كتاب "العلل"(٤) عن البخاري. وقال بعض الحفاظ: هذا حديث لا يصح، وله علَّة لا يدركها إلا المعتنون بالصناعة، المعانون عليها،(١) أسند ابنُ أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٧/ ١٩٣) عن الإمام أحمد أنه ذكر ابن إسحاق فقال: أما في المغازي وأشباهه فيُكتَب، وأما في الحلال والحرام فيحتاج إلى مثل هذا ــ ومدّ يدَه وضمّ أصابعه.(٢) أي كلام ابن مُفَوّز. ومُعْرَض أي: ممكن.(٣) أخرجه أحمد (٢٥٠٦٣)، وابن ماجه (٣٢٤)، والدارقطني: (١٦٣، ١٦٨) وغيرهم، من طريق خالد بن أبي الصلت، عن عراك به. وهو حديث ضعيف كما سيأتي من كلام المؤلف.(٤) (١/ ٨٨ - ٩٢) ووصفه أيضًا بالاضطراب.
وذلك أن خالد بن أبي الصلت لم يحفظ متنَه، ولا أقامَ إسنادَه، خالفه فيه الثقةُ الثبتُ صاحبُ عراك بن مالك المختصُّ به، الضابطُ لحديثه: جعفرُ بن ربيعة الفقيه، فرواه عن عراك عن عروة عن عائشة: أنها كانت تنكر ذلك(١). فبيّن أن الحديث لعراك عن عروة، ولم يرفعه، ولا يجاوز به عائشةَ. وجعفر بن ربيعة هو الحجة في عراك بن مالك، مع صحة الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وشهرتها بخلاف ذلك.وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب "المراسيل"(٢) عن الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله ــ وذكر حديث خالد بن أبي الصلت، عن عِراك بن مالك، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، (هذا الحديث)(٣) ــ فقال: مرسل. فقلت له: عراك بن مالك قال: سمعتُ عائشةَ؟ فأنكره وقال: عراك بن مالك من أين سمع عائشة؟! ما له ولعائشة؟! إنما يرويه(٤) عن عروة، هذا خطأ.قال لي: مَن روى هذا؟ قلت: حماد بن سلمة عن خالد الحذَّاء. قال: رواه غير واحد عن خالد الحذّاء، وليس فيه "سمعتُ". وقال غير واحد أيضًا: عن حماد بن سلمة، ليس فيه "سمعت".(١) أخرج هذه الرواية الموقوفة من طريق جعفر البخاريُّ في "التاريخ الكبير" (٣/ ١٥٦) وأبو حاتم في "العلل" لابنه (٥٠)، ورجّحاها على رواية خالد بن أبي الصلت المرفوعة.(٢) (ص ١٦٢).(٣) في "المراسيل" ذكر نصّ الحديث مكان قوله: "هذا الحديث".(٤) في "المراسيل": "يروي".
فإن قيل: قد روى مسلم في "صحيحه"(١) حديثًا عن عراك عن عائشة.قيل: الجواب أن أحمد وغيره خالفه في ذلك، وبينوا أنه لم يسمع منها(٢). ٢ - باب كيف التكشُّف عند الحاجة٢/ ١٣ - عن الأعمش عن رجل عن ابن عمر: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أرادَ حاجةً لا يرفع ثوبه حتى يدنوَ من الأرض. قال أبو داود: عبد السلام بن حرب رواه عن الأعمش، عن أنس بن مالك، وهو ضعيف.وأخرج الترمذيُّ حديثَ الأعمش عن أنس، وأشار إلى حديث الأعمش عن ابن عمر، وقال: كلا الحديثين مرسل. ويقال: لم يسمع الأعمش من أنس بن مالك ولا من أحدٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نظر إلى أنس بن مالك، قال: رأيته يصلي، فذكر عنه حكايةً في الصلاة.وذكر أبو نعيم الأصبهاني: أن الأعمش رأى أنسَ بن مالك، وابنَ أبي أوفى، وسمع منهما. والذي قاله الترمذي هو المشهور.قال ابن القيم رحمه الله: وقال حنبل: ذكرت لأبي عبد الله ــ يعني أحمد ــ حديثَ الأعمش عن أنس، فقال: لم يسمع الأعمش من أنس، ولكن رآه، زعموا أنَّ غياثًا حدّث الأعمش بهذا عن أنس، ذكره الخلال في "العلل"(٣).(١) رقم (٢٦٣٠). وانظر: "علل الأحاديث في صحيح مسلم" لابن عمار الشهيد (٣٠).(٢) وانظر للتحقيق في سماع عراك من عائشة "التابعون الثقات المتكلم في سماعهم من الصحابة" (ص ٧٥٦ - ٧٦٥) للهاجري.(٣) كتاب "العلل" للخلال لم يُعثر عليه، وقد انتخب منه الموفّق بن قدامة، وقد وُجد بعض المنتخب وطبع في مجلد، وليس هذا النقل فيه.
وقال الخلال أيضًا: حدّثنا مهنّا قال: سألت أحمد: لِمَ كرهتَ مراسيل الأعمش؟ قال: كان لا يبالي عمن حدَّث. قلت: كان له رجل ضعيف سوى يزيد الرّقاشي وإسماعيل بن مسلم؟ قال: نعم، كان يحدِّث عن غِياث بن إبراهيم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان إذا أرادَ الحاجةَ أبْعَد"(١). سألته عن غِياث بن إبراهيم؟ فقال: كان كذوبًا(٢). ٣ - باب الخاتم يكون فيه ذِكْر الله يدخل به الخلاء٣/ ١٨ - عن أنس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه".وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه(٣).قال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يُعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتماً من وَرِق ثم ألقاه". والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام.وقال النسائي: وهذا الحديث غير محفوظ.وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب(٤). هذا آخر كلامه.وهمّام هذا هو أبو عبد الله همام بن يحيى بن دينار الأزدي العوذي مولاهم(١) كذا في الأصل، وقوله: "أبعد" وهم أو سبق قلم، والصواب: "لم يرفع ثوبه … " إلخ كما في حديث الباب. وهكذا نقله مغلْطاي في "إكمال تهذيب الكمال": (٦/ ٩٣) من رواية مهنّا عن أحمد.(٢) ونقله ابن عِرَاق في "تنزيه الشريعة": (١/ ٩٥). وفي "الجرح والتعديل": (٧/ ٥٧) عن أحمد: "غياث بن إبراهيم متروك الحديث، ترك الناسُ حديثَه".(٣) أخرجه أبو داود (١٩)، والترمذي (١٧٤٦)، والنسائي (٥٢١٣)، وابن ماجه (٣٠٣).(٤) كذا في "الجامع" (١٧٤٦)، ومخطوطات "المختصر". وفي مطبوعة "المختصر": (١/ ٢٦): "حسن غريب"، وانظر ما سيأتي (ص ١٨).
البصري، وإن كان قد تكلم فيه بعضهم، فقد اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه، وقال يزيد بن هارون: همام قويّ في الحديث: وقال يحيى بن معين: ثقة صالح، وقال أحمد بن حنبل: همام ثَبْت في كل المشايخ. وقال ابن عدي الجرجاني: وهمام أشهر وأصدق من أن يُذكر له حديث منكر، أو له حديث منكر، وأحاديثه مستقيمة عن قتادة، وهو مقدَّم أيضًا في يحيى بن أبي كثير، وعامة ما يرويه مستقيم. هذا آخر كلامه.وإذا كان حال همام كذلك فيترجَّح ما قاله الترمذي، وتفرّده به لا يوهن الحديث، وإنما يكون غريبًا، كما قال الترمذي. والله عز وجل أعلم.قال ابن القيم رحمه الله: قلت هذا الحديث رواه همّام ــ وهو ثقة ــ عن ابن جُرَيج، عن الزهري، عن أنس.قال الدارقطني في كتاب "العلل"(١): رواه سعيد بن عامر، وهُدْبة بن خالد، عن همّام، عن ابن جُريج، عن الزهري، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم(٢).وخالفهم عَمرو بن عاصم، فرواه عن همّام، عن ابن جُريج، عن الزهري، عن أنس: "أنه كان إذا دخل الخلاء" موقوفًا، ولم يُتابَع عليه.ورواه يحيى بن المتوكِّل، ويحيى بن الضُّرَيس، عن ابن جُريج، عن الزّهري، عن أنس، نحو قول سعيد بن عامر ومَن تابعه عن همام.ورواه عبد الله بن الحارث المخزومي، وأبو عاصم(٣)، وهشام بن سليمان، وموسى بن طارق، عن ابن جُريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: "أنه رأى في يد النبيِّ صلى الله عليه وسلم خاتمًا من ذهب، فاضطربَ الناس(١) رقم (٢٥٨٦).(٢) في "العلل" زيادة: "كان إذا دخل الخلاء".(٣) في مطبوعة "العلل": "وحجاج وأبو عاصم".
الخواتيم، فرمى به النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "لا ألبسه أبدًا"، وهذا هو المحفوظ والصحيح عن ابن جُريج. انتهى كلام الدارقطني.[ق ٤] وحديث يحيى بن المتوكّل الذي أشار إليه، رواه البيهقي(١) من حديث يحيى بن المتوكّل، عن ابن جُريج به. ثم قال: هذا شاهد ضعيف.وإنما ضعَّفه لأن يحيى هذا قال فيه الإمام أحمد: واهي الحديث(٢) ، وقال ابن معين: ليس بشيء(٣) ، وضعَّفَه الجماعةُ كلّهم.وأما حديث يحيى بن الضُّرَيس، فيحيى هذا ثقة، فينظر الإسناد إليه(٤).وهمام وإن كان ثقةً صدوقًا احتجّ به الشيخان في "الصحيح"، فإنّ يحيى بن سعيد كان لا يحدِّث عنه ولا يرضى حفظه. قال أحمد: ما رأيت يحيى أسوأ رأيًا منه في حجاج ــ يعني ابن أرطاة ــ، وابن إسحاق، وهمام، لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم(٥).وقال يزيد بن زُرَيع ــ وسئل عن همام ــ: كتابه صالح، وحفظه لا يسوى شيئًا.(١) في "السنن الكبرى": (١/ ٩٥). وأخرجه الحاكم: (١/ ١٨٧) وصححه على شرط الشيخين.(٢) انظر "الكامل": (٧/ ٢٠٦) لابن عدي.(٣) رواية الدوري: (٢/ ٦٥٣). وتعقب ابنُ الملقن من ضعّفه بأن يحيى بن المتوكل هذا ليس أبا عقيل الضعيف، بل آخر، وفرَّق بينهما المزي والذهبي. ينظر "البدر المنير": (٢/ ٣٤٠).(٤) أشار إلى روايته ابن الملقن في "البدر": (٢/ ٣٣٩)، والحافظ وقال: أخرجه الحاكم والدارقطني. "التلخيص الحبير": (١/ ١١٨). ولم أجده فيهما.(٥) انظر "العلل": (٣/ ٢١٦) لأحمد بن حنبل. وذكر معهم "ليث".