صفة الصفوة (ابن الجوزي) القسم: الرقائق والآداب والأذكار الكتاب: صفة الصفوة المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (ت ٥٩٧هـ)المحقق: أحمد بن علي الناشر: دار الحديث، القاهرة، مصر الطبعة: ١٤٢١هـ/٢٠٠٠معدد الأجزاء: ٢[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
المجلد الثاني(تابع) ذكر المصطفين من التابعين ومن بعدهم على طبقاتهم في بلدانهمذكر من اصطفى من أهل المدائنشعيب بن حرب…ذكر من اصطفي من أهل المدائن٣٧٢ - شعيب بن حربويكنى أبا صالح.نزل المدائن واعتزل بها ثم خرج إلى مكة فنزلها إلى أن مات بها.ابن إسماعيل قال: ذهبنا إلى المدائن، إلى شعيب بن حرب، وكان قاعداً على شط دجلة، وكان قد بنى كوخاً، وخبز له معلق في شريط، ومطهرة يأخذ كل ليلة رغيفاً يبله في المطهرة ويأكله، فقال بيده هكذا، وإنما كان جلداً وعظماً. قال: فقال: أترى ههنا بعد لحماً، والله لأعملن في ذوبانه حتى أدخل القبر وأنا عظام تقعقع أريد السمن للدود والحيات؟ قال: فبلع أحمد بن حنبل قوله فقال: شعيب بن حرب حمل على نفسه الورع.السري بن المغلس السقطي قال: أربعة كانوا في الدنيا أعملوا أنفسهم في طلب الحلال، ولم يدخلوا أجوافهم إلا الحلال. فقيل له: من هم؟ قال: وهيب بن الورد، وشعيب بن حرب، ويوسف بن أسباط، وسليمان بن الخواص.عبد الله بن خبيق قال: سمعت شعيب بن حرب يقول: أكلت في عشرة أيام أكلة وشربت شربة.ابن عبد العزيز: عن شعيب بن حرب قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فجئت فقال: أوسعوا له فإنه حافظ لكتاب الله عز وجل.إبراهيم بن عبد الملك قال: جاء رجل إلى شعيب بن حرب وهو بمكة فقال: ما جاء بك؟ قال جئت أؤنسك. قال: جئت تؤنسني وأنا أعالج الوحدة منذ أربعين سنة.الحسن بن صالح قال: سمعت شعيب بن حرب يقول: لا تجلس إلا مع أحد رجلين: رجل جلست إليه يعلمك خيراً فتقبل منه، أو رجل تعلمه خيراً فيقبل منك، والثالث: اهرب منه.أحمد بن الحواري قال: سمعت شعيب بن حرب يقول لرجل: إن دخلت القبر ومعك الإسلام فأبشر.٣٧٢ - هو: شعيب بن حرب المدائني، أبو صالح، نزيل مكة، ثقة عابد، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومائة.
أحمد بن الفضل قال: رأيت شعيب بن حرب بمكة وعليه جبة صوف رقيقة نظيفة، وعليه إزار خفيف إلى الصفرة، وعمامة، وهو حاف وقد صفر لحيته على لون، ووجهه مصفر، وفي كمه دريهمات تكون مقدار ثلاثين درهماً، وقال: ما أصبحت أملك شيئاً من الدنيا أستطيبه إلا هذه، ورأيته بكى حتى رأيت دموعه تسيل على لحيته.وقال لي شعيب: أهدى لي رجل صديق لي سكرة واحدة فأنا أتحلى بها بعد عشائي منذ ثمان ليال.بشر بن الحارث قال: نزل على شعيب بن حرب أخ له يقال له عبدة. فلما نادوا بالنفير خرج عبدة فتبعه شعيب. فلما أراد مفارقته قال له شعيب: اجعلني في حل. قال: من أي شيء؟ قال: من أجل الأخوة فإني لم أقم بأخوتك.محمد بن عيسى قال: سمعت شعيب بن حرب يقول: من أراد الدنيا فليتهيأ للذل.عبد الوهاب قال: كان ههنا قوم خرجوا إلى المدائن، إلى شعيب بن حرب، فلما رجعوا إلى دورهم ولقد أقام بعضهم يستقي الماء، وكان شعيب يقول لبعضهم الذي يستقي الماء: لو رآك سفيان لقرت عينه.قال المروزي: وقلت لأبي عبد الله: أرويه عنك؟ فأجازه.أبو جعفر الحداد، عن شعيب بن حرب، أنه قال: لا تحقرن فلساً تطيع الله في كسبه، ليس الفلس يراد إنما الطاعة تراد، عسى أن تشتري به بقلاً فلا يستقر في جوفك حتى يغفر لك.محمد بن عبد الله البزاز قال شعيب بن حرب قال: لك أن تطين الحائط من الخارج وليس لك أن تجصصه، لعله يخرج في الطريق.وسمعت أبا عبد الله يقول: بلغني عن شعيب بن حرب أنه قال: لا تطين الحائط مما يلي السكة لعله أن يخرج في الطريق - ثم قال أبو عبد الله: لقد دقق شعيب رحمه الله.عبد الله بن أيوب المخزومي قال: قال شعيب بن الحرب: من طلب الرياسة ناطحته الكباش، ومن رضي أن يكون ذنباً أبى الله إلا أن يجعله رأساً.سمع شعيب بن حرب من شعبة، وسفيان الثوري، وزهير بن معاوية، في خلق كثير. وكان أحد المفردين بالزهد والتعبد وتوفي بمكة سنة سبع وتسعين ومائة.
ذكر المصطفين من أهل واسط٣٧٣ - منصور بن زاذانمولى عبد الله بن أبي عقيل الثقفي.عن هشام بن حسان قال: كان منصور يأتي المسجد فيصلي ركعتين، ما بين المغرب والعشاء، يختم فيهما القرآن مرتين، ويبلغ من الثالثة إلى الطواسين وكانت عليه عمامة يجعلها كوراً كوراً يمسح بها دموعه، وإذا ابتلت وضعها بين يديه.قال المؤلف: قلت: هذه الرواية ليست بمحققة وإنما كان هذا الرجل يختم القرآن في الليل والنهار مرتين، مرة بعد المغرب والعشاء ومرة بالنهار. يدل على صحة هذا، عن هشام بن حسان قال: كنت أصلي أنا ومنصور ابن زاذان جميعاً، وكان يختم القرآن ما بين الظهر والعصر ويختم مابين المغرب والعشاء وكان يقوم إلى عمود فيصلي فيختم القرآن، وكان يبكي ويمسح بعمامته عينه فلا يزال يبلها كلها بدموعه ثم يلفها ويضعها بين يديه.صالح بن عمر قال: كان الحسن يقعد مع أصحابه ولا يقوم حتى يختم منصور بن زاذان القرآن.شيخ من أهل واسط يكنى أبا سعيد، وكان جاراً لمنصور بن زاذان، قال: رأيت منصوراً توضأ يوماً فلما فرغ دمعت عيناه ثم جعل يبكي حتى ارتفع صوته، قلت: رحمك الله ما شأنك؟ فقال: وأي شيء أعظم من شأني؟ إني أريد أن أقوم بين يدي من لا تأخذه سنة ولا نوم، فلعله أن يعرض عني! قال: فأبكاني والله بقوله.عمرو بن عون قال: سمعت هشيماً يقول: مكث منصور بن زاذان يصلي الفجر بوضوء عشاء الآخرة عشرين سنة.عن أبي عوانة قال: لو قيل لمنصور بن زاذان: إنك ميت اليوم أو غداً، ما كان عنده مزيد.قال هشيم: لو قيل لمنصور بن زاذان إن ملك الموت على الباب، ما كان عنده زيادة في العمل، وذلك أنه كان يخرج فيصلي الغداة في جماعة. ثم يجلس فيسبح حتى تطلع الشمس، ثم يصلي إلى الزوال، ثم يصلي الظهر، ثم يصلي إلى العصر، ثم يصلي العصر، ثم يجلس٣٧٣ - هو: منصور بن زادان - بزاي وذال معجمة، الواسطي: أبو المغيرة الثقفي، ثقة ثبت عابد، من السادسة، مات سنة تسع وعشرين على الصحيح.
يسبح إلى المغرب، ثم يصلي المغرب، ثم يصلي العشاء ثم ينصرف إلى بيته فيكتب عنه في ذلك الوقت.عن أبي حمزة قال: رأيت جنازة منصور بن زاذان ورأيت الرجال على حدة، والنساء على حدة، واليهود على حدة، والنصارى على حدة.قال المؤلف: أرسل منصور الحديث عن أنس، وروى عن الحسن وابن سيرين وعطاء ونظرائهم، وكان قد تحول عن واسط فنزل المبارك على تسعة فراسخ من واسط وتوفي في الطاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة. وقيل سنة تسع وعشرين.
المجلد الأولمقدمة…بسم الله الرحمن الرحيمربّ يسّر وأعنقال الشيخ الإمام، العالم، العلامة، شمس الأعلام، لسان المتكلمين، أوحد العلماء العاملين، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي رحمه الله: الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى، حمداً إذا قابل النعم وفَى، وسلاماً إذا بلغ المصطَفين شفَى، وخصّ الله بخاصة ذلك نبينا المصطفى، ومن احتذى حذوه من أصحابه وأتباعه واقتفى، وفقنا لسلوك طريقهم فإِنه إذا وفّق كفى.كتاب "حلية الأولياء"أما بعد: فإِنك الطالب الصادق، والمريد المحقق لمّا نظرتَ في كتاب "حلية الأولياء" لأبي نعيم الأصبهاني أعجبك ذكر الصالحين والأخيار، ورأيته دواء لأدواء النفس، إلا أنك شكوتَ من إطالته بالأحاديث المسندة التي لا تليق به وبكلامٍ عن بعض المذكورين كثير قليل الفائدة، وسألتَني أن أختصره لك وأنتقي محاسنه، فقد أعجبني منك أنك أصبتَ في نظرك، إلا أنه لم يكشف لك كل الأمر، وأنا أكشفه لك فأقول:مساوئه:اعلم أن كتاب الحلية قد حوى من الأحاديث والحكايات جملة حسنة إلا أنه تكدّر بأشياء وفاتته أشياء.فالأشياء التي تكدر بها عشرة:الأول: أن هذا الكتاب إنما وضع لذكر أخبار الأخيار، وإنما يراد من ذكرهم شرْح أحوالهم وأخلاقهم ليقتدي بها السالك، فقد ذكر فيه أسماء جماعة ثم لم ينقل عنهم شيئاً من ذلك، ذكر عنهم ما يروونه عن غيرهم أو ما يسندونه من الحديث، كما ملأ ترجمة هشام بن حسان بما يروى عن الحسن، وتلك الحكايات ينبغي أن تدخل في ترجمة الحسن لا في ترجمة هشام، وكذلك ملأ ترجمة جعفر بن سليمان بما يروى عن مالك بن دينار ونظرائه، ولم يذكر له عنه شيئاً.
والثاني: أنه قصد ما ينقل عن الرجل المذكور، ولم ينظر هل يليق بالكتاب أم لا، مِثْلَ ما ملأ ترجمة مجاهد بقطعة من تفسيره، وترجمة عكرمة بقطعة من تفسيره، وترجمة كعب الأحبار بقطعة من التوراة وليس هذا بموضع هذه الأشياء.والثالث: أنه أعاد أخباراً كثيرة مثل ما ذكر في ترجمة الحسن البصري من كلامه، ثم أعاده في تراجم أصحابه الذين يَروْنَ كلامه، وذكر في ترجمة أبي سليمان الداراني من كلامه، وأعاده في ترجمة أحمد بن أبي الحواري بروايته عن أبي سليمان.والرابع: أنه أطال بذكر الأحاديث المرفوعة التي يرويها الشخص الواحد فينسى ما وُضع له ذِكر الرجل من بيان آدابه وأخلاقه، كما ذكر شُعبة وسفيان ومالك وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وغيرهم، فإنه ذكر عن كل واحد من هؤلاء من الأحاديث التي يرويها مرفوعة جملة كثيرة، ومعلوم أن مثل كتابه الذي يقصد به مداواة القلوب إنما وُضع لبيان أخلاق القوم لا الأحاديث، ولكل مقام مقال، ثم لو كانت الأحاديث التي ذكرها من أحاديث الزهد اللائقة بالكتاب لَقَرُبَ الأمر، ولكنها من كل فن، وعمومها من أحاديث الأحكام والضعاف. أو لو كان اقتصر على الغريب من روايات المكثرين، أو رخم ما يرويه المقلون كما روي عن الجنيد أنه لم يُسنِد إلا حديثاً واحداً لكان ذِكْرُ مثلِ هذا حسناً لكنه أمعن فيما لا يتعلق ذكره بالكتاب.والخامس: أنه ذكر في كتابه أحاديث كثيرةً باطلة وموضوعة، فقصد بذكرها تكثير حديثه وتنفيقُ رواياته، ولم يبين أنها موضوعة ومعلوم أن جمهور المائلين إلى التبرّر يخفى عليهم الصحيح من غيره، فَسَتْرُ ذلك عنهم غشٌ من الطبيب لا نصح.والسادس: السجع البارد في التراجم، الذي لا يكاد يحتوي على معنى صحيح خصوصاً في ذكر حدود التصوف.والسابع: إضافة التصوف إلى كبار السادات كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن وشُريحْ وسفيان وشعبة ومالك والشافعي وأحمد وليس عند هؤلاء القوم خَبَر من التصوف.فإن قال قائل: إنما عنى به الزهد في الدنيا وهؤلاء زهاد،قلنا: التصوف مذهب معروف عند أصحابه لا يقتصر فيه على الزهد بل له صفات وأخلاق يعرفها أربابه ولولا أنه أمر زِيدَ على الزهد ما نُقل عن بعض هؤلاء المذكورين ذمّه، فانه قد رَوى أبو نُعيم في ترجمة الشافعي رحمة الله عليه أنه قال: "التصوف مبني على
الكسل، ولو تصوف رجل أول النهار لم يأت الظهر إلا وهو أحمق".وقد ذكرتُ الكلام في التصوف ووسّعتُ القول فيه في كتابي المسمى بتلبيس إِبليس.والثامن: أنه حكى في كتابه عن بعض المذكورين كلاماً أطال به لا طائل فيه، تارةً لا يكون في ذلك الكلام معنى صحيح كجمهورِ ما ذَكر عن الحارث المحاسبي وأحمد بن عاصم، وتارة يكون ذلك الكلام غير اللائق بالكتاب، وهذا خلل في صناعة التصنيف، وإنما ينبغي للمصنف أن ينتقي فيتوقّى ولا يكون كحاطب ليل فالنِّطاف العِذاب تروي لا البحر.والتاسع: أنه ذكر أشياء عن الصوفية لا يجوز فعلها، فربما سمعها المبتدئ القليل العِلم فظنها حسنةً فاحتذاها، مثل ما روي عن أبي حمزة الصوفي أنه وقع في بئر فجاء رجلان فَطمّاها، فلم ينطق حملاً لنفسه على التوكل بزعمه، وسكوت هذا الرجل في مثل هذا المقام إِعانة على نفسه وذلك لا يحل، ولو فهم معنى التوكل لعلم أنه لا ينافي استغاثته في تلك الحال، كما لم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوكل بإِخفائه الخروج من مكة واستئجاره دليلاً واستكتامه، واستكفائه ذلك الأمر واستتار في الغار، وقوله لسُراقة: "أخفِ عنا".فالتوكل الممدوح لا يُنال بفعل محذور، وسكوت هذا الواقع في البئر محظور عليه، وبيان ذلك أن الله عز وجل قد خلق للآدمي آلة يدافع بها عن نفسه الضرر وآلة يجتلب بها النفع، فإذا عطلها مدعياً للتوكل كان جهلاً بالتوكل وردّاً لحكمة الواضع لأن التوكل إنما هو اعتماد القلب على الله سبحانه وليس من ضرورته قطع الأسباب، ولو أن إنساناً جاع فلم يأكل، أو احتاج فلم يسأل، أو عري فلم يلبس، فمات دخل النار، لأنه قد دُلّ على طريق السلامة فإذا تقاعد عنها أعان على نفسه.وقد أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال: أخبرنا محمد ابن … قال أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال: حدثنا محمد بن العباس بن أيوب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن يونس الرّقي قال: حدثنا مُطَرِف بن مازن عن الثوري قال: "من جاع فلم يسأل حتى مات دخل النار".قلت: ولا التفات إلى أبي حمزة في حكايته "فجاء أسد فأخرجني"، فإنه إن صح ذلك فقد يقع مثله اتفاقاً، وقد يكون لطفاً من الله تعالى بالعبد الجاهل، ولا يُنكر أن يكون الله تعالى لطف به، إنما يُنكر فعلُه الذي هو كسبه، وهو إعانته على نفسه التي هي وديعة الله تعالى عنده وقد أُمر بحفظها.وكذلك روى عن الشبلي أنه كان إذا لبس ثوباً خرقه وكان يحرق … والخبزَ والأطعمةَ
التي ينتفع بها الناسُ بالنار، فلما سئل عن هذا احتج بقوله: {فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} وهذا في غاية القبح لأن سليمان عليه السلام نبي معصوم فلم يفعل إلا ما يجوز له، وقد قيل في التفسير أنه مسح على نواصيها وسُوقها وقال: أنت في سبيل الله، وإن قلنا أنه عَقرها فقد أطعمها الناس، وأكْل لحم الخيل جائز، فأما هذا الفعل الذي حكاه عن الشبلي فلا يجوز في شريعتنا فإن رسول الله. صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال وحكى عنه لما مات ولده حلق لحيته وقال: قد جزت أمّه شعرها على مفقود أفلا أحلق أنا لحيتي على موجود؟إلى غير ذلك من الأشياء السخيفة الممنوعِ منها شرعاً.والعاشر: أنه خلط في ترتيب القوم فقدّم من ينبغي أن يؤخر وآخر من ينبغي أن يقدّم، فعل ذلك في الصحابة وفيمن بعدهم، فلا هو ذكرهم على ترتيب الفضائل، ولا على ترتيب المواليد، ولا جمع أهل كل بلد في مكان، وربما فعل هذا في وقت ثم عاد فخلط، خصوصاً في أواخر الكتاب فلا يكاد طالب الرجل يهتدي إلى موضعه ومن طالع كتاب هذا الرجل ممن له أُنس بالنقل انكشف له ما أشرت إليه.وأما الأشياء التي فاتته فأهمها ثلاثة أشياء:أحدها: أنه لم يذكر سيد الزهاد وأمام الكل وقدوة الخلق وهو نبينا. صلى الله عليه وسلم فانه المتَّبَعُ طريقه المقتدي بحاله.والثاني: أنه ترك ذكر خلق كثير قد نُقل عنهم من التعبد والاجتهاد الكبير، ولا يجوز أن يُحمل ذلك منه على أنه قصد المشتهرين بالذكر دون غيرهم، فإِنه قد ذكر خلقاً لم يُعرفوا بالزهد ولم ينقل عنهم شيء وربما ذكر الرجل فأسند عنه أبيات شعرٍ فحسب، ففعله يدل على أنه أراد الاستقصاء، وتقصيره في ذلك ظاهر.والثالث: أنه لم يذكر من عوابد النساء إلا عدداً قليلاً، ومعلوم أن ذكر العابدات مع قصور الأنوثية، يوثِب المقصّر من الذكور، فقد كان سفيان الثوري ينتفع برابعة ويتأدب بكلامها.وقد حداني جِدّك أيها المريد، في طلب أخبار الصالحين وأحوالهم أن أجمع لك كتاباً يغنيك عنه ويحصّل لك المقصود منه، ويزيد عليه بذكر جماعة لم يذكرهم، وأخبار لم ينقلها، وجماعة وُلدوا بعد وفاته، وينقص عنه بترك جماعة قد ذكرهم لم ينقل عنهم كبير شيء وحكاياتٍ قد ذكرها، فبعضها لا ينبغي التشاغل به، وبعضها لا يليق بالكتاب على ما سبق بيانه.
فصل: في بيان وضع كتابنا والكشف عن قاعدته.وضع كتاب "الصفوة" وطريقته:لما كان المقصود بوضع مثل هذا الكتاب ذكر أخبار العاملين بالعمل، الزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة، المستعدين للنقلة بتحقيق اليقظة والتزود الصالح، ذكرت من هذه حاله دون مَن اشتهر بمجرد العلم ولم يشتهر بالزهد والتعبد.ولما سَمّيتُ كتابي هذا "صفة الصفوة" رأيت أن افتتحه بذكر نبينا محمد. صلى الله عليه وسلم فإِنه صفوة الخلق وقدوة العالم.فإِن قال قائل: فهلاّ ذكرت الأنبياء قبله فإِنهم صفوة أيضاً؟.فالجواب: إن كتابنا هذا إنما وُضع لمُداواة القلوب وترقيقها وإصلاحها، وإنما نُقل إلينا أخبار آحاد من الأنبياء ثم لم يُنقل في أخبار أولئك الآحاد ما يناسب كتابنا إلا أن يُذكر عن عبّاد بني إسرائيل ما حملوا على أنفسهم من التشديد، أو عن عيسى عليه السلام وأصحابه ما يقتضيه الترهبن، وذلك منقسم إلى ما تبعد صحته، والى ما نهى عنه في شرعنا، وقد ثبت أن نبينا. صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء وان أمته خير الأمم، وأن شريعته حاكمة على جميع الشرائع، فلذلك اقتصرنا على ذكره وذكر أمته.فصل: في بيان ترتيب كتابناأنا أبتدئ بتوفيق الله سبحانه ومعونته فأذكر باباً في فضل الأولياء الصالحين، ثم أردفه بذكر نبينا محمد. صلى الله عليه وسلم وشرح أحواله وآدابه وما يتعلق به، ثم أذكر المشتهرين من أصحابه بالعلم المقترن بالزهد والتعبد، وآتي بهم على طبقاتهم في الفضل ثم أذكر المصطفيات من الصحابيات على ذلك القانون، ثم اذكر التابعين ومَن بعدهم على طبقاتهم في بلدانهم.وقد طفت الأرض بفكري شرقاً وغرباً، واستخرجت كل من يصلح ذكره في هذا الكتاب من جميع البقاع. ورب بلدة عظيمة لم أَرَ فيها من يصلح لكتابنا. وقد حصرتُ أهل كل بلدة
فيها وترتيبهم على طبقاتهم: أبدأ بمن يُعرف اسمه من الرجال، ثم اذكر بعد ذلك من لم يُعرف اسمه، فإِذا انتهى ذكرت عابدات ذلك البلد على ذلك القانون، وربما كان في أهل البلد من عقلاء المجانين من يصلح ذكره من الرجال والنساء فاذكره.وإنما ضبطت هذا الترتيب تسهيلاً للطلب على الطالب، ولما لم يكن بدّ من مركز يكون كنقطة للدائرة رأيت أن مركزنا وهو بغداد أولى من غيره، إلا أنه لما لم يمكن تقديمها على المدينة ومكة لشرفهما، بدأت بالمدينة لانها دار الهجرة، ثم ثنّيت بمكة ثم ذكرت الطائف لقربها من مكة ثم اليمن وعدت إلى مركزنا بغداد فذكرت المصطَفين منها ثم انحدرت إلى المدائن ونزلتُ إلى واسط، ثم إلى البصرة، ثم إلى الأُبلّة ثم عَبّادان ثم تستْر ثم شيراز ثم كرَمان ثم أرّجان ثم سجستان ثم دَيْبُل ثم البحرين ثم اليمامة ثم الدِينَورَ ثم همذان ثم قَزوين ثم أصبهان ثم الرّي ثم دامغان ثم بِسطام ثم نَيسابور ثم طُوس ثم هراة ثم مَرو ثم بَلْخ ثم تِرمِذ ثم بخاري ثم فرغانة ثم نخشب.ثم ذكرت عبّاد المشرق المجهولين البلاد والأسماء، فلما انتهى ذكر أهل المشرق عدنا إلى مركزنا وارتقينا منه إلى المغرب، وقد ذكرنا أهل عُكْبَرا ثم الموصل ثم البرقةِ ثم طبقات أهل الشام ثم المقْدِسيين، ثم أهل جبلة ثم أهل العواصم والثغور، ثم من لم يعرف بلده من عبّاد أهل الشام، ثم عسقلان ثم مصر ثم الإسكندرية ثم المغرب، ثم عبّاد الجبال، ثم عبّاد الجزائر، ثم عبّاد السواحل، ثم أهل البوادي والفلوات، ثم من لم نعرف له مستقراً من العبّاد وإنما لُقي في طريق: فمنهم من لقي في مكة، ومنهم من لُقي بعرفة، ومنهم من لقي في الطواف، ومنهم من لُقي في غزاة، ومنهم من لقي في طريق سفر أو طريق سياحة.ثم ذكرت من لم يُعرف له اسم ولا مكان من العباد. ثم ذكرت طرفاً من أخبار بنيات صغار تكلمن بكلام العابدات الكبار ثم ذكرت طرفاً من أخبار عبّاد الجن فختمت بذلك الكتاب والله الموفق.وإنما أنقل عن القوم محاسن ما نُقل مما يليق بهذا الكتاب ولا أنقل كل ما نقل، إذ لكل شيء صناعة، وصناعة العقل حسن الاختيار، وكما أني لا أذكر ما لا يصلح أن يقتدى به ممن هو في صورة العلماء والزهاد. وقد تجوزت بذكر جماعة من المتصوفة وردت عنهم كلمات منكرة وكلمات حسان، فانتخبت من محاسن أقوالهم لأن
الحكمة ضالة المؤمن، ومع تنقّينا وتوقينا وحذف من لا يصلح وما لا يصلح، فقد زاد عدد من في كتابنا على ألف شخص: يزيد الرجال على ثمإنمائة زيادة بيّنة، وتزيد النساء على مائتين زيادة كثيرة. ولم يبلغ عدد رجال "الحلية" الذين ذكرت أحوالهم في تراجمهم ستمائة، بل قد ذكر جماعة لم يذكر لهم شيئا ولا أظنه ذكر في جميع الكتاب عشرين امرأة.والى الله سبحانه أرغب في النفع بكلمات المتقين.واللحوق بدرجات أهل اليقين.أنه ولي ذلك والقادر عليه.
عن مسلم عن مسروق قال: إن المرء لحقيق أن يكون له مجالس يخلو فيها، يتذكر ذنوبه يستغفر منها.عن علقمة بن مرثد قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين، منهم مسروق بن الأجدع، فإن امرأته قالت: ما كان يوجد إلا وساقاه قد انتفختا من طول الصلاة فلما احتضر بكى، فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: ما لي لا أجزع وإنما هي ساعة ولا أدري أين يسلك بي؟ بين يدي طريقان لا أدري إلى الجنة أم إلى النار؟.عن الشعبي قال: غشي على مسروق في يوم صائف وهو صائم، فقالت له ابنته: أفطر قال: ما أردت بي؟ قالت: الرفق. قال: يا بنية إنما أطلب الرفق لنفسي في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.أسند مسروق عن عمر وعلي وابن مسعود وخباب وزيد بن ثابت والمغيرة وعبد الله بن عمرو وعائشة ولم يسند عن عثمان شيئاً ولكنه قد رآه ورأى أبا بكر أيضاً، وكان علي بن المديني يقول: لا أقدم على مسروق أحداً من أصحاب ابن مسعود.ومات مسروق بالكوفة في سنة ثلاث وستين - والسلام.
باب ذكر فضل الأولياء والصالحين.الأولياء والصالحون هم المقصود من الكون، وهم الذين علموا فعملوا بحقيقة العلم.عن أبي هريرة قال: قال رسول الله. صلى الله عليه وسلم "إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته" ١. رواه البخاري.وعن أنس بن مالك عن النبي. صلى الله عليه وسلم عن جبريل، عن ربه عز وجل قال: "من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وما ترددت عن شيء أنا فاعله، ما ترددت قبض نفس مؤمن أكره مساءته ولا بد له منه، وأن من عبادي المؤمنين من يريد باباً من العبادة فأكفه عنه لئلا يدخله عُجْب فيفسده ذلك، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتنفل حتى أحبه، ومن أحببته كنت له سمعاً وبصراً ويداً ومؤيداً، دعاني فأجبته، وسألني فأعطيته، ونصح لي فنصحت له. وإن من عبادي المؤمنين من لا يُصلح إيمانه إلا الفقر، وإن بسطت حاله أفسده ذلك وإن عبادي من لا يُصلح إيمانه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين من لا يُصلح إيمانه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين من لا يُصلح إيمانه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك. إني أُدبّر عبادي بعلمي بقلوبهم إني عليم خبير ورواه عبد الكريم الجزري عن أنس مختصراً وقال فيه: "إني لأسرع شيء إلى نصرة أوليائي، إني لأغضب لهم أشدّ من غضب الليث الحرب" ٢.وعنه قال: قال رسول الله. صلى الله عليه وسلم: "إن من عبادِ الله مَن لو أقسم علي الله لأبرَّه" ٣.وعن عطاء بن يسار: قال موسى عليه السلام: يا رب مَن أهلك الذين هم أهلك، الذين تظلّهم في عرشك؟ قال: هم البريئة أيديهم، الطاهرة قلوبهم، الذين يتحابّون بجلالي، الذين١ صحيح: أخرجه البخاري في ل الرقاق حديث ٦٥٠٢. باب ٣٨. التواضع.٢ قال ابن رجب: وقد خرج البزار بعض الحديث من طريق ابن عبد الكريم الجزري.٣ صحيح: أخرجه البخاري في كتاب الصلح حديث ٢٧٠٣. باب ٨. الصلح في الدية ومسلم في كتاب القسامة حديث ١٦٧٥. باب ٥. إثبات القصاص في الأسنان وما في معناها.
إذا ذُكرت ذُكروا وإذا ذُكروا ذُكرت نذكرهم، الذين يسبغون الوضوء في المكاره، ينيبون إلى ذكري كما تنيب النسور إلى وكورها، ويكلفون بحبي كما يكلفَ الصبي بحب الناس ويغضبون لمحارمي إذا استُحِلت كما يغضب النمر إذا حَرِبَ١.وعن وهب بن منَبّه قال: لما بعث الله موسى وأخاه هارون إلى فرعون قال: لا تعجبنَّكما زينته ولا ما مُتِّعَ به، ولا تمدّا إلى ذلك أعينكما فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين، ولو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة، ليعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما، لفعلت، ولكني أرغب بكما عن ذلك وأزويه عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي. وقديماً خِرِتُ لهم فإني لأذودهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة. وإني لأجنّبهم سلوتها وعيشها كما يجنب الراعي الشفيق إِبله عن مبارك العُرّة وما ذاك لهوانهم علي، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالماً موفّراً لم تكلمه الدنيا، ولم يُطغه الهوى.واعلم أنه لم يتزين العباد بزينة أبلغ فيما عندي من الزهد في الدنيا، فإنها زينة المتقين، عليهم منها لباس يُعرفون به من السكينة والخشوع، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، أولئك هم أوليائي حقاً حقاً فإذا لقيتهم فأخفض لهم جناحك وذلل لهم قلبك ولسانك واعلم أنه من أهان لي ولياً أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة وباراني، وعرض لي نفسه ودعاني إليها وأنا أسرَع شيء إلى نصرة أوليائي، أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لي؟ أو يظن الذي يعاديني أن يعجزني؟ أو يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني؟ وكيف، وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة، لا أكل نصرتهم إلى غيري٢.وعن كعب قال: "لم يزل في الأرض بعد نوح عليه السلام أربعة عشر يُدفع بهم العذاب٣"رواه الإمام أحمد.وعن ابن عيينة قال: "عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة "قال محمد بن يونس: "ما رأيت للقلب أنفع من ذكر الصالحين".١ ضعيف: أخرجه أحمد في الزهد ص ٩٥. وفيه: هشام بن سعيد قال ابن حجر: صدوق له أوهام.٢ هذا الخبر من الإسرائيليات.٣ صحيح: أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٧/٣٣٥. رقم ١٠٧٥٠.